الخميس، 26 نوفمبر، 2015

ماذا يريد المنتدى؟

هناك أسئلة عديدة تطرح في هذه الأيام، وبعض هذه الأسئلة يستحق أن نقدم له إجابات واضحة ومحددة من داخل المنتدى، ومن بين هذه الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة ومحددة الأسئلة الثلاثة التالية: من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف نصل إلى ما نريد؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة قد يساعد في إيضاح جملة من الأمور التي تمت إثارتها في الأيام الأخيرة بسبب عدم تمكن المنتدى من اتخاذ موقف موحد وجامع من الرد على دعوة الوزير الأمين العام للرئاسة.

من نحن؟
من المعروف لدى الجميع بأن المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة يتكون من تحالف بين أربعة أقطاب، وهذه الأقطاب هي: القطب السياسي؛ القطب النقابي؛ قطب المجتمع المدني؛ قطب الشخصيات المستقلة.
ومن المعروف أيضا بأن هذه الأقطاب الأربعة، والتي لم تجتمع من قبل في تكتل واحد، بأنها كتل غير متجانسة، وعدم التجانس هذا يمكن أن يتحول إلى واحدة من أهم نقاط القوة لدى المنتدى، كما أنه في المقابل يمكن أن يتحول إلى واحدة من أخطر نقاط الضعف التي تؤثر سلبا على تماسك المنتدى، وعلى فاعليته.
ماذا نريد؟
هذا السؤال تجيب عليه وبوضوح المادة الثانية من الميثاق التنظيمي للمنتدى، تقول هذه المادة: " يهدف المنتدى إلى تضافر جهود مكوناته من أجل إحداث قطيعة نهائية مع الأحكام الاستبدادية في موريتانيا، وإقامة نظام ديمقراطي تعددي، وبناء مجتمع عصري وموحد ومتضامن". إن العام 2019 والذي ستنتهي فيه المأمورية الثانية للرئيس الحالي يجب أن يشكل بداية فعلية لإقامة هذا النظام الديمقراطي، ولبناء هذا المجتمع العصري الذي تحدثت عنه المادة الثانية من الميثاق التنظيمي للمنتدى.
كيف نصل إلى ما نريد؟
إن الإجابة على هذا السؤال تختلف عن الإجابة على السؤالين السابقين، فالإجابة على هذا السؤال ليست محل اتفاق عند الجميع. إن هناك ثلاثة أجوبة، أو ثلاثة أساليب يمكن أن يتم تقديمها عند الإجابة على السؤال الثالث، وهذه الأساليب أو الوسائل الثلاثة هي:
أولا: الثورة
 يرى بعض المعارضين بأن الثورة هي وحدها التي ستمكن من إبعاد العسكر عن السلطة، ومن إنهاء الأحكام الاستبدادية. إن على أصحاب هذا الرأي أن يتوقفوا مع جملة من الأمور لعل من أهمها:
1 ـ إن الثورة لا يمكن أن نخطط لها، ولا يمكن أن نبرمجها، ولا يمكن أن نحدد لها توقيتا، إنها لا تأتي إلا بغتة، ولذلك فليس من الوارد أن يطلب من المنتدى أن يرفع شعار الثورة، ولا أن يجعل منها أسلوبا لتحقيق أهدافه، خاصة وأن المنتدى، يتشكل ـ  وكما بينا في الإجابة على السؤال الأول ـ من أقطاب غير ثورية، بل إن بعض هذه الأقطاب لا يزال يجد حرجا من ممارسة السياسة بشكلها الاحترافي. إن من يطلب من شخصيات مستقلة أغلبها من المتقاعدين، أو يطلب من نقابات أو منظمات مجتمع مدني أو من أحزاب تقليدية أن تفجر ثورة في هذه البلاد إنما يطلب مستحيلا.  
2 ـ إن كل الدول العربية التي مر بها الربيع العربي تعيش الآن فوضى وانفلاتا أمنيا خطيرا، هذا إذا ما استثنينا تونس، والتي لا تزال تحاول ـ وبشق الأنفس ـ أن تؤسس لديمقراطية حقيقية في دولة آمنة، وذلك رغم التحديات الأمنية التي تهددها، والتي لن يكون آخرها العملية الإرهابية التي حدثت في هذا الأسبوع، والتي أدت إلى قتل 14 عنصرا من الحرس الرئاسي.
إن ما صاحب الثورات العربية من انفلات أمني جعل البعض يتساءل إن كان قد قدر لنا في هذه المنطقة من العالم أن نختار بين أن نعيش في ظل استبداد يوفر الأمن أم في ظل ديمقراطية تصاحبها فوضى وانفلات أمني؟ إن حال ليبيا واليمن ومصر وسوريا جعل الكثير من مواطني تلك الدول يحن إلى العودة إلى عهود "الاستبداد الآمن". المؤسف أن النموذج التونسي لم يتجاوز حتى الآن عتبة الخطر ولذلك فهو لا يمكن أن يتم تقديمه كدليل واضح وقوي للرد على من يقول اعتمادا على بقية التجارب العربية بأن الثورة هي بداية للفوضى وللانفلات الأمني.
3 ـ  إن العام 2015 ليس هو العام 2011، وإن رفع شعار الثورة في العام 2015 يختلف كثيرا عن رفعها في العام 2011، فإذا كان رفع هذا الشعار في العام 2011 قد يستقطب  الآلاف أو عشرات الآلاف، فإن رفع مثل هذا الشعار في العام 2015 قد يتسبب في خسارة مئات أو آلاف المناضلين.
4 ـ لنفترض جدلا بأن الثورة يمكن أن تتم برمجتها في أي وقت، ولنفترض كذلك بأن المنتدى يشكل خليطا من الأقطاب والمكونات الثورية، وبأن باستطاعته أن يشعل ثورة عارمة متى أراد وكيفما أراد . لنفترض كل ذلك، ولكن دعوني أطرح هذا السؤال: هل سيكون ما بعد الثورة في موريتانيا أقرب للحالة الليبية والسورية والمصرية واليمنية أم أنه سيكون أقرب إلى الحالة التونسية؟ في اعتقادي بأننا في هذه البلاد لا نمتلك الميزات التي تمتلكها تونس، وبالتالي فإن حالنا بعد الثورة سيكون أقرب إلى حال أشقائنا في اليمن والذين يتشابهون معنا في أمور كثيرة، أو مع حال أشقائنا في ليبيا أو في مصر أو في سوريا..وحتى ولو افترضنا جدلا بأن حالنا سيكون مثل حال تونس، فهل في حال تونس الآن ما يمكن أن يجعل من شعار الثورة شعارا براقا وجاذبا ومستقطبا للمناضلين؟
ثانيا: الانقلاب
يعتقد البعض بأن الانقلابات يمكن أن تأتي بالخلاص أو بالإنقاذ أو بالعدالة أو بالديمقراطية، وفي اعتقادي بأن لدينا من التجارب ما يكفي للقول بأن الانقلابات لن تأتي بأي شيء من ذلك. ثم إن قرار الانقلاب لا يمكن أن تتخذه في النهاية إلا قلة من العسكر، ولذلك فليس من الحكمة أن يطلب من المنتدى أن يتبنى أسلوبا لا يمكنه أن يتخذ قراره الأخير.
إن أقصى ما يمكن أن يفعله المنتدى هو أن يساهم في تأزيم الأوضاع وفي خلق الأجواء المناسبة لحدوث انقلاب، ولكن يبقى القرار الأخير المتعلق بالانقلاب، بشكله وبتوقيته، حكرا بيد ضابط أو مجموعة من الضباط من الراجح بأنها لن تكون بأحسن حال من إخوة لهم امتطوا من قبلهم دبابة، وولوا من قبلهم وجوههم شطر القصر الرئاسي، وقالوا عند وصولهم إلى القصر بأنهم لن يقيموا في القصر إلا لفترة محدودة، وبأنهم سيهبوا السلطة للمدنيين، ولكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، ولم يتركوا القصر إلا من بعد أن تم الانقلاب عليهم.
إن أخطر ما في هذا الأسلوب هو أنه يتناقض تماما مع الهدف الذي تأسس عليه المنتدى، والذي كنا قد تحدثنا عنه عند الإجابة على السؤال: ماذا نريد؟ إن من السخرية بمكان أن يرفع السياسي شعارا بضرورة إبعاد العسكر عن السلطة، ثم يهمس ذلك السياسي في إذن ضابط عسكري آخر ليحثه على التفكير في انقلاب!!
إن أسوأ شعار يمكن أن يرفعه المنتدى بالسر أو بالعلانية هو ذلك الشعار الذي يقول : يا عساكر خلصونا من العساكر.
ثالثا : الإصلاحات المتدرجة
إن هذا الأسلوب يبقى هو الأسلوب الأمثل والأنسب للمنتدى بتشكيلته الحالية، كما انه يبقى هو الأسلوب الأكثر تناسقا وانسجاما مع الظرفية الحالية. إن هذا الأسلوب هو الذي اعتمده الأتراك لإبعاد العسكر عن السلطة، ولقد نجح هذا الأسلوب في تركيا، وذلك رغم أن العسكر في تركيا لم يكونوا بأقل زهد في السياسة والسلطة من عساكرنا في موريتانيا.
إن هذا الأسلوب المتدرج  يجب أن يبدأ بالحوار الجدي والشامل، والذي يمكن أن يؤدي إلى إصلاحات هامة تقربنا من التغيير المنشود في العام 2019، ولذلك فعلى المنتدى أن يستخدم كل قدراته وإمكانياته، وهي ليست بالقليلة، من أجل فرض حوار جدي على السلطة. إن كل القدرات النضالية للمنتدى بدءا بالخطاب وانتهاء بالاحتجاج يجب أن تكون كلها موجهة من أجل فرض حوار جدي على السلطة، ومن اجل فرض تطبيق مخرجات ذلك الحوار.
إن اعتماد هذا الأسلوب يتطلب جملة من الأمور لعل من أهمها:
1 ـ أن يجعل المنتدى من الحوار خيارا استراتيجيا، وقد فعل ذلك على الأقل من الناحية النظرية، وهو الشيء الذي تؤكده الخطة الإستراتيجية للمنتدى.
2 ـ أن يتم توجيه كل القدرات والإمكانيات المتوفرة لدى المنتدى من أجل فرض حوار جدي وشامل.. هذا الحوار يجب أن يكون هدفا إجرائيا لدى المنتدى لا يمكن الاستغناء عنه من أجل الوصول إلى الهدف الأساسي الذي تحدثت عنه المادة الثانية من الميثاق التنظيمي للمنتدى.
3 ـ أن يعمل المنتدى من أجل إفشال أي حوار عبثي قد تتقدم به السلطة، ولقد نجح المنتدى في إفشال حوار السابع من سبتمبر.
4 ـ أن يقف المنتدى ـ وبقوة ـ  ضد أي محاولة قد تقوم بها السلطة من أجل الاستفادة شعبيا من رفع شعار الحوار، وذلك من خلال إظهار نفسها على أنها هي من يمد يده للحوار، وأن المنتدى هو من يرفض ذلك الحوار. إن ما حدث مع شعار الفساد، والذي استفاد منه الرئيس الحالي في بداية وصوله إلى السلطة يجب أن لا يتكرر مع شعار الحوار في هذه الفترة التي نريدها أن تشكل مرحلة آمنة لمغادرة الرئيس الحالي للسلطة، ولكن بأساليب و وسائل ديمقراطية.
إن على المنتدى، وحتى لا يترك للسلطة فرصة لاستغلال شعار الحوار، أن يقابل الإشارة الإيجابية بالإشارة الإيجابية، وأن يركز في خطابه على المطالبة بالحوار الجدي والشامل.
5 ـ على المنتدى أن يستفيد من كل تجارب الحوار السابقة، وعليه أن يجعل من الرد المكتوب على ممهداته شرطا أساسيا يجب أن تستجيب له السلطة من قبل أطلاق أي حوار، وأقول من قبل إطلاق أي حوار، وذلك حتى لا يقع خلط بين الحوار والاستجابة لدعوة الوزير الأمين العام للرئاسة، والتي لا تتعدى كونها مجرد إجراء عادي لم يكن يستحق كل هذا النقاش، وكل هذا الخلاف الذي يتصنعه البعض.
إن دعوة الوزير الأمين العام للرئاسة هي التي فرضت هذا الحديث، وبالمناسبة فإن الاستجابة لها لا تشكل قبولا للحوار، ولا تشكل تعارضا مع وثيقة الممهدات، ولا مع أي وثيقة أخرى للمنتدى، بل على العكس من ذلك فإن الاستجابة لمثل هذه الدعوة هو الذي يتناغم مع روح ومضمون الرسالة التي رد بها الرئيس السابق للمنتدى على رسالة الوزير الأول الداعية للمشاركة في المرحلة الثانية من حوار السابع من سبتمبر.
إنه يمكننا أن نرفض الاستجابة لدعوة الوزير الأمين العام للرئاسة لأي سبب كان، ولكن علينا أن لا ندعي بأن نصوص ووثائق المنتدى تقف في صفنا، والحال أنها تقف في صف من لبى الدعوة.
إنه يمكننا أن نرفض الحوار لأي سبب كان، ولكن علينا أن لا نتهم الآخرين بالهرولة، وخصوصا منهم أولئك الذين وقفوا ضد ولد عبد العزيز منذ فجر السادس من أغسطس، ولا يزالون على ذلك العهد.
إنه يمكننا أن نفكك المنتدى لأي سبب كان، ولكن علينا أن لا نتهم الأغلبية في المنتدى بأنها هي من فكك المنتدى، وذلك لأنها لم ترضخ لموقفنا الغريب، والذي لا يمثل إلا موقف الأقلية في هذا المنتدى.
حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق