الجمعة، 20 نوفمبر، 2009

رسالة مفتوحة من السماء السابعة


لقد قررت اليوم أن أنشر رسالة أبينا التي أرسلها لنا بعد وفاته بزمن بعيد وهذه الرسالة هي رسالة استثنائية تختلف عن كل الرسائل العادية التي عرفها الناس ، فالمرسل هو أعظم محب عرفه التاريخ الإنساني لأنه قد أحبنا من قبل أن نولد وشهادة هذا الحب خالدة في القرآن الكريم .
ولقد كان همه الأكبر في حياته هو الدعاء لنا ونحن اليوم ننعم ببركة ذلك الدعاء ، وأما بعد موته فقد أرسل لنا هذه الرسالة الرائعة والتي قررت اليوم أن أضعها بين أيديكم. وحب أبينا لنا لا تتجرأ لغتي المتواضعة عن التعبير عنه ، فالعبارات تعلم أنها ليست أهلا لذلك مهما صيغت ومهما أعيدت صياغتها. أمام هذا الحب الكبير لا أملك ما أقوله لأبي سوى أني أحبه، أحبه، أحبه ، وأن أسأل الله تعالي أن يجمعني أنا ـ وإخوتي ـ معه .
وهي رسالة استثنائية لأنها أرسلت من السماء السابعة أرسلها لنا أبونا ليصف لنا فيها وبكلمات مختصرة وجامعة بعض أوصاف وطننا الأم الذي كتب على والدنا الأول أن يخرج منه ليعيش كل أبنائه وبلا استثناء في عالم الغربة. ولقد استوطن الكثير من هؤلاء الأبناء بلاد الغربة بل أن الكثير منهم أصبح يعتقد أن بلاد الغربة هي وطنه الأم مما جعله يبني ويعمر ويستثمر في هذا الوطن الجديد غافلا عن ادخار ما يلزم لنفقات العودة إلى الوطن الأم، والكارثة التي ستحل بهذا الغافل أنه سيطرد يوما من بلاد الغربة وحيدا ذليلا مهانا وسيترك خلفه كل ممتلكاته، سيطرد وهو لا يملك شيئا تماما على تلك الهيئة التي دخل بها هذه البلاد لأول مرة. أما أنا وإخوتي فقد خصنا أبونا برسالته ، ونحن لم نزل نحلم بالعودة يوما إلى وطننا الأصلي ولم نزل حتى الآن رغم السنين الطويلة والإغراءات الكثيرة ندخر ـ بمستويات مختلفة طبعا - للإعداد لرحلة العودة وللخروج من هذه البلاد التي نعلم ـ يقينا ـ بأنها ليست وطننا الحقيقي وأننا سنغادرها يوما- إن شاء الله- إلى وطننا الأصلي. سنترك هوياتنا وكل أوراقنا الثبوتية بل سنترك كل ممتلكاتنا غير آسفين لأننا نؤمن بأن ما ينتظرنا في وطننا
الأم لا يقاس بهذه الممتلكات التافهة التي نملكها في بلاد المهجر. وهذه الرسالة استثنائية كذلك لأنها تصف لنا أرض الوطن وتصف لنا عذوبة مائه وروعة نباتاته بل أنها ترشدنا إلى طريقة زرع أراضيه الواسعة والمبسطة وهذه الطريقة تعتبر بحق طريقة متميزة جدا نظرا لبساطتها وسهولتها فعملية غرس النباتات في أرض الوطن لا تحتاج إلا لتحريك اللسان وهو ما أسميته "بالزراعة باللسان" ولا يتطلب منا غرس ألف نخلة إلا ربع ساعة مع أن نخلة واحدة من هذا النخيل خير من كل نخيل الأرض. فوطننا شجره ليس كالشجر، فظل شجرة واحدة يسير الفارس المسرع مائة سنة دون أن يقطعه . وترابه ليست كالتراب ،فحصاها من أنفس المعادن وأغلاها، وقصوره ليست كالقصور، ونساؤه لسن كالنساء فابتسامة واحدة منهن تبعث من النور ما لا تستطيع كل مولدات الكهرباء في العالم بعثه حتى ولو شغلت في وقت واحد وبكامل طاقتها. وطننا جميل لا يمكن وصفه ، فيه ما لا عين رأت و لا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وطننا لا توجد فيه أية قيود على حرياتنا ولا يوجد فيه شراب حرام ولا أكل حرام فكل ما تشتهيه أنفسنا حلال علينا حرام على غيرنا ويقدمه لنا خدم كاللؤلؤ المنثور في صحاف من ذهب. أما أولئك الذين اختاروا بلاد الغربة وطنا دائما لهم فلن يعرفوا لهذه الحرية طعما بل سيقيدون في السلاسل -عقابا لهم وسيعيشون في عذاب دائم ونكال وهوان .
وطننا لو منح أتعس الناس تأشيرة دخول إليه لنسي كل آلامه وأحزانه بل أنه لو سئل إن كان قد عرف مكروها طول حياته لأجاب بأنه لم يعرف إلا السعادة ومع ذلك فإن التأشيرات إليه توزع في بلاد الغربة دون أي يكون عليها إقبالا مناسبا .وهذه الرسالة استثنائية كذلك لأنها أرسلت- وهذا يكفيها شرفا- مع سيد ولد آدم والذي سيكون أول من تفتح له أبواب هذا الوطن ليعتلي فيه أرفع الدرجات وأعلى المنازل على الإطلاق. ولقد أرسلت معه هذه الرسالة خلال رحلة عظيمة ومشوقة قام بها في جزء من الليل وهي رحلة لم تشهد لها البشرية ولن تشهد لها مثيلا. رحلة طويت فيها المسافات وتوقف فيها الزمن ولم تعد للكواكب ولا للمجرات أي دلالة بل أن الموت لم يعد فيها قادرا على أن يفرق بين عالمين اتفقنا على تسمية أحدهما بعالم الأموات والآخر بعالم الأحياء ، فقد سلم الميت على الحي في تلك الليلة وتحدث الحي مع الميت فيها بل أنهما اجتمعا فيها معا في صلاة واحدة حضرها كل الأنبياء وأمهم فيها خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم. ولقد أحببت كثيرا هذه الرسالة التي كتبها أبونا الذي لم يجمعنا به "عالم الغربة" وإن كنا نؤمن بأنه قد جمعنا به "عالم الذر" والذي شهدنا فيه جميعا حينما أخرجنا ربنا من صلب أبينا الأول " آدم " عليه السلام بأن ربنا هو الله ، وهي شهادة عاش أبونا في عالم الغربة يدعو الناس إليها ولقد رحل إلى عالم الخلود وهو يؤمن بها إيمانا منح على إثره أوصافا من رب العالمين لم تمنح لغيره. ونحن اليوم أنا وإخوتي نؤمن بأن ربنا هو الله كما شهدنا بذلك في عالم الذر وهي شهادة نسأل الله أن يميتنا عليها حتى نلتقي بأبينا في الجنة أي في وطننا الأصلي . كلما قرأت هذه الرسالة رحلت بي الخواطر بعيدا إلى زمن بعيد عاش فيه أبونا ابتلاء عظيما وامتحانا صعبا وهو خارج أرض الوطن الأم. ولقد اتخذ هذا الامتحان والابتلاء عدة أشكال وألوان ويكفي أخفها لأن يزلزل قلب أعتي الرجال. وقد خرج أبونا إبراهيم عليه الصلاة والسلام من كل هذه الامتحانات بأعلى الدرجات وأرفع الشهادات وأسمى "الأوسمة " وأعلى "الميداليات". لقد ألقي به في أعظم نيران الدنيا ومع ذلك فقد رفض أن يشكو حاله لأمين السماء إيمانا وتوكلا منه على رب السماء الذي جعل من أيامه في النار بردا وسلاما فكانت أسعد أيام إبراهيم عليه السلام في الأرض. وقد أمره الله أن يترك زوجته وولدها الصغير في صحراء جرداء قاحلة لا يسكنها ساكن ثم طلب منه بعد ذلك أن يذبح ابنه الوحيد الذي رزق به بعد أن أصبح شيخا كبيرا. إنها مواقف صعبة ومشاهد عظيمة فيها من الدروس الكثير والكثير ونحن بأمس الحاجة لأن نستلهم منها دروسا من الإيمان و الصبر و التوكل و الاستقامة نتسلح بها في هذا العصر المليء بالفتن. لقد كانت هذه الأسرة أسرة مؤمنة صابرة يحق لنا أن نعتز بالانتساب لها ولقد خلد ربنا ذكراها بما لم يخلد به ذكرى أسرة أخرى. الملايين من المسلمين تجتمع كل عام في أشرف الأيام واشرف الأمكنة لتتبع نفس الخطوات التي خطتها أمنا منذ آلاف السنين وهي تبحث عن جرعة ماء لابنها الصغير الذي كان يصرخ عطشا. ومئات الملايين من المسلمين تذبح الأضحية في يوم النحر من كل عام وهي سنة أبينا حين فدى الله ولده بذبح عظيم. ومئات الملايين من المسلمين تتوق أنفسهم كل عام إلى تأدية هذه الشعائر العظيمة إلا أن ظروفهم تحول بينهم وبين ذلك.
وفي الأخير إليكم نص الرسالة التي أرسلها إلينا أبونا إبراهيم عليه السلام ليلة الإسراء: عن ابن مسعود رضي الله نه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [لقيت إبراهيم صلى الله عليه وسلم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر]. رواه الترمذي وقال حديث حسن .
نشرت سابقا في بعض الصحف المحلية وفي بعض المواقع مع شيء من التصرف .

الاثنين، 16 نوفمبر، 2009

هكذا حدثني الرئيس


لقد خطرت ببالي فكرة عابرة، بشكل عابر، في وقت عابر، من ليلة عابرة، تماما كتلك الأفكار الكثيرة التي تومض فجأة، ثم تنطفئ فجأة، ودون أن يكون لها أثر في حياتنا. يقول الخبراء ـ والخبراء هنا هم خبراء التنمية البشرية ـ إن تدوين الأفكار مسألة هامة كادخار النقود في حساب بنكي، فالأفكار الهامة تظهر فجأة في أوقات غريبة جدا، وإن لم يتم تدوينها فإنها تضيع إلي الأبد.

الاثنين، 9 نوفمبر، 2009

الطريق إلى الانتحار!


النسر لا يموت بشكل طبيعي وإنما يموت بسبب الانتحار. لقد تذكرت تلك المعلومة عندما قررت أن أكتب ـ من جديد ـ عن المعارضة التي يبدو أنها قد اختارت أن تنتحر بدلا من أن تعالج المرض، تماما كما يفعل النسر عندما يمرض.
لقد خسرت المعارضة في الانتخابات الأخيرة ولم تحصل على نتائج تتناسب مع حجم التضحيات التي قدمتها، لأسباب تحدثت قصة " الباء الهاربة " عن بعضها، و أعرضت عن بعضها الآخر.
أما اليوم وبعد أن مرت فترة زمنية كافية لتجاوز حالة الذهول، ولامتصاص الآثار النفسية لتلك الصدمة، التي أعقبت تلك الخسارة المفاجئة، فلم يعد من المناسب الإعراض عن بعض تلك الأسباب، كما أنه لم يعد من المناسب التحدث بلغة " الباء الهاربة " عما ترتكبه المعارضة من أخطاء قاتلة.
فمن المؤسف جدا أن ثلاثة من الأحزاب الكبيرة المكونة للمعارضة التقليدية : ( التكتل، التحالف، اتحاد قوى التقدم ) قد تعاملت مع نتائج الانتخابات بطريقة سطحية جدا جعلتها ترفض نتائج تلك الانتخابات رغم عجزها عن تقديم أدلة صريحة وواضحة تثبت أن الطرف الآخر قد قام بعمليات تزوير واسعة.
ومن المؤسف كذلك أن هذه الأحزاب لم يعد لديها ما تفعله سوى تكرار مطلبها العبثي الذي رفعته قبل أن يكتمل إعلان النتائج، وهي لم تزل ترفعه حتى الآن رغم أنها لا تمتلك وسائل ضغط لا داخلية ولا خارجية تمكنها من فرض التحقيق في تلك النتائج.
والظاهر من خلال ما يصرح به أقطاب هذه المعارضة من حين لآخر، أن الغرض من رفع ذلك المطلب ليس تنظيم انتخابات رئاسية أخرى، وإنما الغرض منه إجبار الرئيس المنتخب على حل الحكومة الحالية وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها المعارضة. وكأن تلك المشاركة هي السبيل الوحيد لجعل تلك الانتخابات انتخابات نزيهة، أو كأن تلك المشاركة هي الحل الأمثل لتصحيح عمليات التزوير الواسعة إذا كانت قد حدثت في الانتخابات الرئاسية الماضية.
ومن المؤسف أيضا أن حزب المعارضة الوحيد الذي امتلك من الشجاعة ما مكنه من أن يعترف بنتائج الانتخابات، لم تسعفه شجاعته في أن يعلن بأنه سيبقى يمارس حقه الطبيعي في المعارضة الدستورية في انتظار أن يعود شركاؤه السابقون إلى رشدهم لممارسة معارضة دستورية راشدة وعاقلة وناضجة ، يحتاجها البلد اليوم أكثر من أي وقت مضى. وهم سيعودون حتما للمعارضة الدستورية لأنه لن يكون بالإمكان الاستمرار في رفض النتائج وعدم الاعتراف بالرئيس المنتخب لوقت طويل.
لقد أخطأ " تواصل " في سعيه الحثيث للتقرب من الحزب الحاكم رغم الرسالة الصريحة جدا التي وجهها رئيس الجمهورية لخصوم الأمس بما فيهم " تواصل " عندما قال بأنه لن يُشْرِكَ في الحكومة أي حزب صوت ضده في الانتخابات الماضية، ولقد نصح تلك الأحزاب ـ وله الحق في ذلك ـ في أن تبقى في مكانها الطبيعي لتمارس حقها الطبيعي في المعارضة الدستورية.
و" تواصل " الذي يعمل جاهدا ـ حسب التواصليين ـ من أجل إضفاء بعد أخلاقي على العمل السياسي، قد كَثُرَ ترحاله في الأشهر الأخيرة لدرجة أنه أصبح هو أول حزب في تاريخ البلد يتحالف مع الأغلبية في دائرة انتخابية، ويتحالف مع المعارضة في دائرة أخرى !
فأي بعد أخلاقي لهذه التحالفات ؟ إن إضفاء الأخلاق على العمل السياسي يتطلب قبل أي شيء آخر أن يَحُدَّ الحزب من ترحاله السياسي، فالترحال هو من أخطر الظواهر اللاأخلاقية التي تعاني منها الممارسة السياسية في هذا البلد.
إن هذه المعارضة التائهة ( بشقيها المعترف بالنتائج والرافض لها ) لن تستطيع أن تفعل شيئا يذكر من أجل ترسيخ القيم الديمقراطية الذي يجب أن يكون شعار المرحلة، كما كان إفشال الانقلاب هو شعار المرحلة السابقة، وإسقاط نظام "معاوية " هو شعار المرحلة الأسبق.
لقد أصبحت المعارضة ـ وبشقيها ـ عاجزة تماما عن التعبير بشكل واضح عما تريد أن تفعله، مما يعني ـ ببساطة شديدة ـ أنها لا تعرف ما الذي تريد أن تفعل.
فعندما تكون الأهداف غير واضحة فلن يكون الخطاب السياسي واضحا، وعندما لا تكون هناك أهداف يراد الوصول إليها في فترة زمنية محددة، فلن يكون بالإمكان إعداد خطة عملية تقلل من الجهد اللازم بذله للوصول لتلك الأهداف.
لقد كان من المفترض أن تتحالف أحزاب المعارضة التقليدية من جديد لتشكيل حلف جديد يناضل من أجل تحقيق أربعة أهداف كبرى في المرحلة القادمة، وهي أهداف يمكن تحقيقها بتضحيات قد تكون أقل مما بذلته المعارضة من تضحيات في المراحل السابقة، وهذه الأهداف هي:
1ـ العمل الدؤوب والمتواصل من أجل أن تُفْتَحَ وسائل الإعلام الرسمية أمام جميع الموريتانيين، فالإعلام الرسمي هو الذي قَدَّمَ المعارضة في الفترة السابقة على أنها شلة من الانتهازيين على استعداد كامل للتعامل مع الأجنبي ضد المصالح العليا للبلد، وهو ما انعكس سلبا وبشكل واضح على نتائج المعارضة في الانتخابات الأخيرة.
لذلك فعلى المعارضة أن تناضل دستوريا من أجل استقلالية الإعلام الرسمي حتى يتحول إلى إعلام دولة بدلا من أن يبقى إعلام نظام.
2ـ العمل من أجل الاستقلال الفعلي للقضاء حتى تكون لديه مناعة تحميه من أن يتم استخدامه في الصراعات السياسية بين النظام الحاكم ومعارضيه.
3 ـ العمل من أجل أن تبقى وظائف القطاع العام مفتوحة لكل الكفاءات والخبرات بغض النظر عن الانتماء السياسي، أما الوظائف السياسية فللأغلبية الحاكمة الحق في احتكارها.
4 ـ العمل من أجل إصلاح البيت الداخلي للمعارضة من خلال إصلاح الأحزاب المكونة لهذه المعارضة ، وهذا الإصلاح يمكن أن يتم من خلال :
1ـ تجديد القيادات السياسية: لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الكبير والرائد الذي لعبه رئيسا التكتل والتحالف فيما تحقق من ديمقراطية في هذا البلد.
ولا أحد يستطيع أن ينكر بأن معظم شعبية وقوة التكتل والتحالف إنما يستمدها الحزبان وبشكل مباشر من زعيميهما التاريخين.
لا أحد يستطيع أن ينكر شيئا من ذلك ، ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح هنا هو : وماذا بعد ؟
إن أي انسحاب مفاجئ بغض النظر عن السبب لأي من الزعيمين الكبيرين سيشكل خسارة كبيرة لهذين الحزبين إن لم يكن ذلك يعني نهايتهما، وهو ما سيشكل خسارة كبيرة للديمقراطية في هذا البلد.
لذلك فقد أصبح من الضروري تحضير قيادات بديلة تتمتع بدماء سياسية جديدة، الشيء الذي يستوجب أن يفكر الزعيمان ـ من الآن ـ بانسحاب تدريجي يمنحان من خلاله الخبرة والتجربة لزعامات جديدة قادرة على إرساء سفينة النضال السياسي إلى بر الأمان.
2ـ الإصلاح الداخلي الثاني يمكن أن يتم من خلال إبعاد وجوه الفساد التي التحقت بهذه الأحزاب من الواجهة الأمامية لتلك الأحزاب، فظهور تلك الوجوه في الصفوف الأمامية لأحزاب المعارضة قد أضر كثيرا تلك الأحزاب، وقد انعكس سلبا على نتائجها في الانتخابات الأخيرة.
لقد استقبلت المعارضة المفسدين بحفاوة أضرت كثيرا بسمعتها رغم أنهم لم يلتحقوا بها إلا بعد أن أصبح ضرهم أكثر من نفعهم.

ومن المهم هنا تحذير المعارضة من خطورة تكرار تلك الأخطاء الفادحة، حيث أن بعض الموظفين الذين قد تم تجريدهم في الآونة الأخيرة من وظائفهم بسبب ضلوعهم في قضايا فساد، قد يفكر بعضهم في الالتحاق بصفوف المعارضة التي أصبحت تُعْرَفُ بحسن ضيافتها لكل مفسد لفظته الأغلبية وطردته من صفوفها، تلك الأغلبية التي كانت تجمع وإلى وقت قريب كل المفسدين في عهد "عز" الفساد، وهي اليوم تريد أن تلفظهم فرادى وجماعات في عهد " ذله " و "هوانه ".
إن المعارضة تعيش اليوم مرحلة حرجة من تاريخها عليها أن تتعامل معها بشكل جدي من خلال تأسيس قوة سياسية جديدة قادرة على أن تكون ندا للحزب الحاكم بكل ملحقاته ، وهو ما يتطلب الجمع بين الاعتراف بالنتائج مع الاستمرار على خط المعارضة الدستورية ، الشيء الذي لم يوفق إليه لحد الآن أي حزب من أحزاب المعارضة التقليدية . تصبحون على معارضة دستورية قوية.

السبت، 7 نوفمبر، 2009

تفاديا للالتفاتة القاتلة


الالتفات إلى الوراء قد يكون ثمنه الحياة بكاملها. فالغزال المعروف بسرعته يصطاده الأسد بسبب الالتفات إلى الوراء. يلتفت الغزال المطارد إلى الوراء ليرى أين أصبح الأسد، دون أن يعلم ذلك الغزال المسكين بأن تلك الالتفاتة وتكرارها هو ما سيخفف من سرعته، وهو ما سيمكن بالتالي الأسد من اللحاق به واصطياده.
لو لم يلتفت الغزال إلى الوراء لما تمكن الأسد إطلاقا من اصطياده.
ينصح خبراء التنمية البشرية من حدد هدفا ما بأن لا يكون كالغزال، وأن لا يكثر من الالتفات إلى الوراء. وإنما عليه أن يكون مثل الأسد الذي يظل يركز بنظره إلى الأمام حتى يحقق هدفه.
وهذه النصيحة بالذات هي أفضل ما يمكن تقديمه لرئيس الجمهورية : واصلوا حربكم على الفساد، ولا تلفتوا إطلاقا إلى الوراء، فالتفاتة واحدة خلال هذه الحرب المصيرية التي وصلت إلى مرحلة حساسة ستكلف كثيرا وستكون قاتلة بالنسبة لكم ولنا.
لقد كنت واحدا من أقلية من فقراء البلد صوتت ضد "رئيس الفقراء". ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما فعلت غير ذلك. إلا أنني مع ذلك لا أستطيع أن أخفي بأن أكثر ما يعجبني في "رئيس الفقراء" هو جرأته على مواجهة الفساد والمفسدين، حتى أثناء الحملة، وفي تلك الأوقات الصعبة التي كان يحتاج فيها لأصواتهم. وأكثر شيء أبغضه في المعارضة، هو تزلفها للفساد والمفسدين، حتى في الأوقات التي ليست فيها حملة، ولا تحتاج فيها لمال أو لأصوات المفسدين.
لقد قرر الرئيس أن يبدأ حربه على الفساد التي كان قد وعد بها في حملته الانتخابية مما جعله يواجه حربا معلنة من طرف المعارضة، لدوافع لا صلة لها بالصالح العام، وحربا صامتة في بعض الأحيان، وقذرة في أحيان أخرى، من طرف بعض أغلبيته، لأسباب لا أجد ضرورة لذكرها. في الوقت الذي يمكن القول بأنه حصل على دعم كل الشعب الموريتاني تقريبا، بمعارضيه ومواليه، والذي يعتبر كله ضحية للفساد. وإن كان ذلك الدعم لا يجد قنوات تنظمه وتعبر عنه، وتلك واحدة من نواقص هذه الحرب المعلنة ضد الفساد.
والحقيقة أن هناك فريقان كبيران كل واحد منهما يعمل جاهدا من أجل انتكاسة هذه الحرب، أحدهما في الموالاة وهو يريد الرئيس أن يلتفت إلى الوراء التفاتة قاتلة وأن يستخدم أسلحة فاسدة في حربه كما كان يحدث سابقا. ويظهر ذلك جليا في إلغاء الاتفاق الذي حصل بين رجال الأعمال والبنك المركزي من أجل استعادة الأموال. فلا يعقل ـ ونحن ندعي بأننا نحارب الفساد ـ أن نوقع اتفاقا وأن نلغيه من طرف واحد، في الوقت الذي بدأ فيه الطرف الآخر في تنفيذ بنود الاتفاق حسب ما يقال.
إن إلغاء ذلك الاتفاق إنما يؤكد الشكوك والأسئلة الحائرة التي تطرح حول هذا الملف. وهو يتناقض مع مطلبنا في " مبادرة ضحايا ضد الفساد " الذي يشجع كل الحلول التوافقية فيما يخص كل الملفات الكبيرة المتعلقة بالعهود السابقة.
أما الطرف الثاني فأغلبه في المعارضة، وهو يريد لهذه الحرب أن تتوقف بشكل نهائي. وقد ارتفعت أصوات كثيرة من الفريق تشكك في هذه الحرب. و حاولت أصوات أخرى أن تثبط عزيمة الرئيس، بينما لجأ البعض الآخر إلى العمل في الخفاء من أجل إيقاف تلك الحرب أو تحريفها. أي أنه في المحصلة النهائية، هناك أطراف عديدة، من اتجاهات شتى، ولدوافع كثيرة ومتنوعة، تعمل جاهدة بحسن نية أو بسوئها، من أجل أن يلتفت الرئيس إلى الوراء التفاتة قاتلة.
بعض أولئك يقول بأنه لا يجوز نبش الماضي لأن المجتمع بكامله كان يسبح في بحر من الفساد، وإن بدرجات متفاوتة. فهناك من ابتلت قدماه، وهناك من كان غارقا حتى حقويه. ويقول هؤلاء بأنه من أجل فتح ملفات الماضي علينا أن نستورد ـ وعلى وجه السرعة ـ شرطة وقضاة للتحقيق وسجانين غير مفسدين.
ويقول البعض الآخر بأن الملفات التي تم فتحها حتى الآن لم تكن ملفات بريئة، لأنها تدين رجال أعمال من حزب سياسي واحد، بل ومن قبيلة واحدة. وذلك لتحقيق أطماع حزب سياسي آخر، وقبيلة أخري ، ويقول هؤلاء بأن فتح مثل هذه الملفات قد يهدد السلم الاجتماعي الهش.
وهناك فئة ثالثة، وهي أكثر ذكاء، لأنها تعترف ـ عكس غيرها ـ بأن الرئيس قد استهدف في حربه على الفساد حلفاءه أكثر من خصومه. فهناك شخصيات سياسية لا يمكن لأحد أن يشكك في ولائها للرئيس تم إقصاؤها. كما أن هناك موظفين كبارا تم تجريدهم من وظائفهم ولم يشفع لهم أنهم بالغوا ـ أكثر من اللازم ـ في التعبير عن ولائهم للرئيس الحالي.
هذه الفئة تعترف بتلك الحقائق التي لم يعد من الممكن إنكارها. ولكنها تقول بأن كل تلك "الرصاصات الذكية" التي أطلقها الرئيس على بعض أنصاره، إنما كانت تهدف للتمويه و لتشريع الضربة القاضية التي تم توجيهها لكبار رجال الأعمال الذين عارضوه.
تلك إذاً هي أهم حجج الفريق الثاني، الذي يريد للرئيس أن يلتفت إلى الوراء ، وهي حجج يجدر بنا أن نتخذ منها موقفا صريحا من وجهة نظر لا أنكر بأنها منحازة بطبيعتها للشرائح الأكثر فقرا التي عانت كثيرا من الفساد.
في اعتقادي أنه لنجاح أي حرب على الفساد علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية :
1ـ إن عدم محاربة الفساد بشكل جاد هي التي تمثل أكبر تهديد للسلم الاجتماعي. وعلينا أن نعلم جميعا بأن يومنا لم يعد كأمسنا. فقد ولدت هذه الحرب أحلاما كبيرة في نفوس المستضعفين وخصوصا بعد تلك النقاشات الصريحة والأحاديث الرسمية عن خطورة الفساد. ولم يعد بالإمكان الآن التوقف في بداية المسار، لأن ذلك قد يجعل الأمور تخرج عن السيطرة مما قد يتسبب في انفلات الأوضاع وانتفاض الجوعى والعُطَشْ والعاطلين والمتسولين والمعوقين وأطفال الشوارع وشباب الشوارع وشباب الأعماق والفقراء بصفة عامة.
2ـ إن على القبائل أن تعود إلى رشدها، وإلى أدوارها الاجتماعية النبيلة. فقد أصبحت قبائلنا اليوم تتنكر لعلمائها ولمصلحيها إذا ما سجنوا ظلما وعدوانا، في الوقت الذي تعلن فيه حالات طوارئ واستنفار إذا ما تمت معاقبة أحد مفسديها.
3ـ علينا أن نختارـ بعد أن مر نصف قرن على تأسيس الدولة الموريتانية ـ بين الاندماج في دولة واحدة ذات كيان مشترك أو البقاء مشرذمين في كيانات مبعثرة تمثلها القبائل والتكتلات الجهوية.
4ـ إذا ما قررت مجموعة ما، من قبيلة ما، أو من جهة سياسية ما، أن تنهب ثروة ما، دون أن تشرك غيرها، في نهب تلك الثروة، فعليها أن تقبل ـ في المقابل ـ بأن تحاسب وتعاقب لوحدها، دون أن يشرك معها في العقوبة من لم يشارك في ذلك النهب.
وبالمختصر المفيد، فإذا كان من اشترك في ملف البنك المركزي هم نفس الأشخاص الذين تم التحقيق معهم ، فإنه لا يجوز أن تتحرك قبيلة أو مدينة أو جهة سياسية ضد العدالة. أما إذا كان قد شارك البعض الآخر في ذلك النهب، وتم إبعاده من التحقيق، لأسباب قبلية أو سياسية، فإنه ساعتها لا يجوز أن تبقى قضية رجال الأعمال الثلاثة، قضية قبيلة واحدة، أو مدينة واحدة، أو جهة سياسية واحدة، بل يجب أن تتحول إلى قضية رأي عام وقضية بلد بكامله، حتى تتم معاقبة الجميع أو العفو عن الجميع.
وإذا ما حدث أن تمالأت مجموعة ما، من قبيلة الرئيس الحالي، أو من حزبه، وقررت أن تنهب لوحدها ثروة من ثروات هذا الشعب الضعيف، فإنه لن يكون من الجائز إطلاقا إذا ما جاء رئيس آخر وقرر أن يحاسبها أن نقف ضده بحجة أن ذلك يمكن اعتباره استهدافا لمجموعة معينة.
5ـ صحيح أنه لا يمكن أن نفتح كل ملفات الفساد، لأن الكل تقريبا قد شارك بدرجة أو بأخرى في الفساد في "عصره الذهبي". ولكنه صحيح أيضا بأن ملفات الفساد ليست متجانسة، فهناك ملفات كبيرة تخص عشرات المليارات من الأوقية، كملف القرض الزراعي، أو ملف البنك المركزي، أو ملف عقود النفط وملحقاته، وملحقات ملحقاته، فتلك ملفات يجب أن لا تظل مغلقة، بل أن فتحها هو مطلب شعبي.
6 ـ على المعارضة إذا ما أرادت أن تقنعنا بأن الحرب الحالية على الفساد إنما هي حرب تستهدف أنصارها، أن تقدم لنا ملفات فساد لرجال أعمال أو لموظفين كبار يدعمون الرئيس وترفع ضدهم قضايا، وتقول لنا هذه حجتنا. وللمعارضة القدرة على ذلك إذا ما أرادت، وهي بالمناسبة كانت أول من أثار ملف البنك المركزي الذي تعارض فتحه الآن.
مشكلة المعارضة هي أنها أصبحت تجامل المفسدين كثيرا، ولا تريد أن تستفزهم حتى أولئك المفسدين الذين ليسوا معها في خندق سياسي واحد!!!
7ـ يحذر البعض من معاقبة رجال الأعمال لأن ذلك سيكون له الأثر البالغ على الاقتصاد الوطني الهش. والحقيقة أن استشراء الفساد هو أشد خطورة على الاقتصاد حيث أن غالبية مشاريع رجال الأعمال لا تعدو كونها مشاريع تجارية عائلية محدودة الفائدة على المستوى الوطني.
أما فيما يخص الخوف من اختفاء بعض المواد الاستهلاكية التي كان يستوردها بعض رجال الأعمال، فلا مبرر لذلك فهناك العديد من رجال الأعمال أو على الأصح من التجار الذين يملكون أموالا ضخمة، ولا يعرفون كيف يستثمرونها ، لذلك فعندما يتوقف مستورد ما عن الاستيراد فسيظهر مكانه عشرات المستوردين.
8ـ إنه على الرئيس وبشكل فوري أن يبعد عن الحرب على الفساد كل الأوجه الإعلامية التي كانت تروج في الماضي القريب للحرب ضد السمنة وللحرب ضد الأمية وللحرب ضد الإرهاب. فهذه الحرب يجب أن تختلف عن حروبنا السابقة ويجب أن تخاض بأسلحة شفافة لا يعرف أولئك "الفرسان" استخدامها، لأنهم قد تعودوا على تلك البرامج الغبية والسطحية التي تضر أكثر مما تنفع.
كما أنه يجب فتح الإعلام الرسمي وبشكل فوري أمام كل الموريتانيين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.
9ـ إن الحرب على الفساد لن يكون بالإمكان حسمها إذا لم تصاحبها انتفاضة شعبية ضده. كما أنها يجب أن لا تقتصر على العقوبة فقط بل يجب أن تكون فيها مكافآت، وتلك المكافآت يجب أن يكون فيها لأنصار المعارضة نصيبا كما كان لهم نصيب كبير في العقوبات.تصبحون على حرب على الفساد بأسلحة غير فاسدة...