الثلاثاء، 27 فبراير 2024

الرئيس مسعود ومبادرة لفت الانتباه!


ارتكب الرئيس مسعود خطأ كبيرا في مبادرته هذه، فالمطالبة بزيادة سنة على المأمورية يشكل دعوة صريحة للاعتداء على مادة محصنة من الدستور الموريتاني. ثم إن مطالبة الرئيس مسعود وهو معارض لرئيس الجمهورية بعدم الترشح لمأمورية ثانية يمنحها له القانون يعتبر مجرد كلام للإثارة أو للفت الانتباه أو لإشعار الرأي العام بأن التحالف مازال موجودا، وأن رئيسه مازال قادرا على إطلاق المبادرات ..لا أقل ولا أكثر.

سبقت بعض أطراف المعارضة الرئيس مسعود لهذا الطلب، أي المطالبة بعدم ترشح الرئيس، وذلك بحجة أنه لم ينجز شيئا خلال مأموريته الأولى.

إذا كان الرئيس لم ينجز شيئا أليس من مصلحة المعارضة أن يترشح مرة ثانية حتى يصوت الشعب ضده؟

مرة أخرى تكرر المعارضة أخطاءها القديمة الجديدة، فبدلا من الانشغال بالتحضير الجيد للانتخابات الرئاسية القادمة، وبدلا من محاولة البحث عن أنجع السبل للتخفيف من تشرذمها وتمزقها، أو  البحث عن مرشح موحد أو برنامج انتخابي موحد،  ها هي المعارضة تنشغل بمطالبة الرئيس بعدم الترشح، وكأنها إن طالبته بذلك سيستجيب لها.

 هذه هي أول مرة ومنذ عقود  لا تستطيع المعارضة أن تشكل منسقية أو جبهة أو منتدى يجمعها ولو صوريا. أخطأت المعارضة كذلك برفضها للحوار الذي دعا إليه الميثاق الجمهوري، وذلك بحجة أن من يقف خلف هذا الميثاق ( التكتل وقوى التقدم ) لا يمثل المعارضة.

وجه الخطأ هنا سأبينه من خلال ثلاث نقاط:

1- لم يعد حزبا التكتل وقوى التقدم بعد نتائج الانتخابات الماضية يشكلان منافسة لبقية أحزاب المعارضة، ولذا فقبول مبادرتهما لن يؤثر سلبا على بقية أحزاب المعارضة. يمكن أن نتفهم أن يرفض حزب معارض مبادرة تقدم بها حزب معارض آخر قد ينافسه مستقبلا، ولكن في هذه الحالة لا يمكن تفهم رفض أحزاب المعارضة لمبادرة التكتل وقوى التقدم خاصة وأن أحزاب الأغلبية رفضتها هي أيضا، وأن حزب الإنصاف قبلها على مضض؛

2- في بعض الأحيان قد لا يكون المهم طبيعة من يقف وراء المبادرة، بل المهم هو محتوى تلك المبادرة، ومن قرأ بنود الميثاق الجمهوري سيدرك أنه كان في مصلحة المعارضة الموريتانية من قبل أن يكون في مصلحة الأغلبية أو النظام الحاكم؛

3- برفض الميثاق الجمهوري ستضطر المعارضة لدخول الانتخابات الرئاسية القادمة دون أي حوار ودون أي تعديل في لجنة الانتخابات ودون أي تحسين في العملية الانتخابية، وهي العملية الانتخابية التي كانت المعارضة قد انتقدتها بشدة خلال الانتخابات التشريعية الماضية؛

4 - تمر المعارضة اليوم بأصعب أوقاتها وأضعف حالتها منذ بداية تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، ولهذا الضعف العديد من الأسباب التي لا يتسع المقام لبسطها؛

5- أهدي للمعارضة المقال الأول من سلسلة من المقالات كنتُ قد كتبتها عاما قبل الانتخابات الرئاسية الماضية، وتجدون رابط هذا المقال في أول تعليق.

الجمعة، 23 فبراير 2024

ومرَّ اليوم العالمي للغة الأم دون احتفاء!


في مثل هذا اليوم من العام الماضي افتتح فخامة رئيس الجمهورية النسخة السابعة من المهرجان السنونكي الدولي، وتحدث في خطاب الافتتاح بكلمات ترحيبية باللغة السنونكية، وهو ترحيب لاقى إعجابا كبيرا من المشاركين في المؤتمر، وقد جاء في خطاب الرئيس: " إن الثقافة السنونكية هنا في موريتانيا على أرضها وموطنها، فهنا تألقت وانتشر إشعاعها".

وفي نفس المؤتمر ظهرت حرم رئيس الجمهورية في حفل الاختتام، وهي ترتدي الزي التقليدي السنونكي، ولقي أيضا ذلك التصرف إعجابا كبيرا من المشاركين في المؤتمر.

 الجميل في كل هذا أن ترحيب فخامة الرئيس باللغة السنونكية، وارتداء حرم رئيس الجمهورية للزي التقليدي السنونكي تزامنا مع اليوم العالمي للغة الأم، فمنذ العام 2000 والعالم يحتفي كل عام في يوم 21 من فبراير باللغة الأم.

إن الاحتفاء بهذا اليوم قد يكون مناسبة لأن نتذكر نائب بوكى الراحل سي صمبا، والذي كان أول نائب موريتاني يقدم مداخلة بالبولارية في الجمعية الوطنية، وكان ذلك يوم ثلاثاء صادف الخامس من يونيو من العام 2012.

في تلك الفترة لم تكن هناك ترجمة للمداخلات باللغات الوطنية، وهو الشيء الذي كان يحتج به بعض النواب للتحدث باللغة الفرنسية بدلا من لغاتهم الأم. 

أصر النائب الراحل سي صمبا على أن يقدم مداخلته في ذلك اليوم بالبولارية، وهو ما أحدث ضجة كبيرة داخل البرلمان، والغريب أن رئيس الجلسة طلب من النائب أن يتحدث بلغة أجنبية (الفرنسية) بدلا من لغة جعلها الدستور الموريتاني لغة وطنية في مادته السادسة!!!

في عهد الرئيس السابق للبرلمان الشيخ ولد بايه، وفي محاولة لتصحيح هذا الخلل، أجْرِيَّ تعديل على المادة 61 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية، وهي المادة المتعلقة بالترجمة الفورية، ومكن هذا التعديل من ترجمة مداخلات كل النواب، وبأي لغة وطنية تحدثوا بها إلى كل اللغات الوطنية، على أن تبث قناة البرلمانية كل المداخلات بكل لغاتنا الوطنية التي يعترف بها الدستور، وهو الشيء الذي أتاح لجميع الموريتانيين أن يسمعوا ما يجري في البرلمان من نقاشات بلغاتهم الأم. في المقابل تم وقف الترجمة الفورية من وإلى اللغة الفرنسية، وهو ما يعني أن أي نائب يقدم مداخلة باللغة الفرنسية في البرلمان الموريتاني من بعد تعديل المادة 61 لن يفهم مداخلته إلا النسبة القليلة جدا من الموريتانيين التي تفهم اللغة الفرنسية.

شكلت هذه الخطوة محاولة جادة لجعل برلماننا يشبه برلمانات العالم حيث يُمنع الحديث باللغات الأجنبية في برلمانات العالم، ففي البرلمان التونسي والمغربي والجزائري يمنع الحديث باللغة الفرنسية، وذلك على الرغم من أن نسبة المتحدثين باللغة الفرنسية في هذه البلدان أعلى كثيرا من نسبة المتحدثين بها في بلدنا.

وعلى الرغم من تعديل المادة 61، وعلى الرغم من توفير الترجمة بين لغاتنا الوطنية ووقف الترجمة الفورية من وإلى اللغة الفرنسية، رغم كل ذلك فما زال بعض النواب يصرون على أن يقدموا مداخلاتهم بلغة أجنبية داخل البرلمان، وفي  ذلك مخالفة للدستور الموريتاني، وخروج على التقاليد والأعراف البرلمانية، واستهزاء بالناخبين الذين صوتوا لذلك النائب، والذين لن يفهم أغلبهم تلك المداخلة، خاصة وأنها لن تترجم، ولو كانت بإحدى لغاتنا الوطنية لترجمت إلى بقية لغاتنا الوطنية، ولفهمها كل الموريتانيين.

إن إصرار بعض النواب على تقديم مداخلاتهم بلغة أجنبية بدلا من لغاتهم الأم، وذلك بعد توفير الترجمة بين كل لغاتنا الوطنية يطرح أكثر من سؤال :

 فلماذا يستمر بعض النواب في تقديم مداخلاتهم بلغة أجنبية لا تفهمها إلا نسبة قليلة جدا من الموريتانيين، وذلك بدلا من تقديمها بإحدى اللغات الوطنية مع ضمان ترجمتها لكل اللغات الوطنية الأخرى ليفهمها كل الموريتانيين؟

هل صحيح ما نشرته بعض وسائل الإعلام الوطنية بعد الضجة التي أحدثها تعديل المادة 61، عن لقاء جرى بين السفير الفرنسي في نواكشوط وبعض النواب أوصاهم خلاله على أن يتمسكوا باللغة الفرنسية وأن يتحدثوا بها في مداخلاتهم بدلا من لغاتهم الأم؟

لماذا لا يتذكر بعض النواب لغاتهم الأم إلا عند الحديث عن تفعيل ترسيم اللغة العربية، وهل هم يعتبرون اللغات الوطنية مجرد ورقة لا تستخدم إلا ضد تفعيل ترسيم اللغة العربية؟

ألا يعني إعطاء اللغة الفرنسية مساحة لا تستحقها في الإدارة والتعليم، محاولة للوقوف ضد تفعيل ترسيم اللغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية، فكل مساحة تسطو عليها اللغة الفرنسية ستكون ـ وبكل تأكيد ـ على حساب ترسيم اللغة العربية أو على حساب تطوير لغاتنا الوطنية؟

لماذا لا يتم استخدام إحدى لغاتنا الوطنية في الخطابات الرسمية مع توفير الترجمة، وذلك عندما يتعذر على الموظف العمومي أن يتحدث باللغة العربية، وذلك بدلا من اللجوء إلى لغة أجنبية؟

كيف سنطور لغاتنا الوطنية وبعض الذين تعتبر هذه اللغات لغتهم الأم يرفضون التحدث بها في أي مناسبة تتاح لذلك، ويفضلون التحدث بدلا منها بلغة أجنبية؟

لنقلها بلسان فصيح وصريح : لا تعارض ولا صراع ولا تنافس بين لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية، وإنما هناك صراع بين لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية من جهة واللغة الفرنسية من جهة أخرى، ذلك أن اللغة الفرنسية تحاول أن تسطو على مكانة لا تحق لها في التعليم وفي الإدارة، وذلك على حساب تفعيل ترسيم لغتنا الرسمية، وكذلك على حساب تطوير لغاتنا الوطنية، ولن يكون بإمكاننا أن نُفَعل ترسيم اللغة العربية بشكل كامل، وأن نطور لغاتنا الوطنية بشكل حقيقي إلا إذا عملنا على أن لا نسمح للغة الفرنسية أن تأخذ مساحة في التعليم أو في الإدارة لا تستحقها.

فلتأخذ اللغة الفرنسية المساحة التي تستحق أن تأخذها كأي لغة أجنبية أولى في أي بلد من بلدان العالم، وذلك على الرغم من أن مصلحتنا العليا تقتضي أن نجعلها لغة أجنبية ثانية، وأن نجعل اللغة الإنجليزية هي اللغة الأجنبية الأولى. لا بأس، فلتأخذ اللغة الفرنسية المكانة التي تستحق بصفتها لغة أجنبية أولى، ولتتوقف عند ذلك الحد، وهي عندما تتجاوز هذا الحد، فإن ذلك سيكون حتما على حساب ترسيم اللغة العربية وعلى حساب تطوير لغاتنا الوطنية.  

رحم الله نائب بوكى الأسبق سي صمبا، وليت بعض نوابنا يتعلمون منه الاعتزاز بلغاتهم الأم بدلا من الاعتزاز بلغة أجنبية بدأ الأفارقة من حولنا يبحثون عن لغة بديلة لها.

حفظ الله موريتانيا..


الاثنين، 19 فبراير 2024

عن مشروع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة


تابعتُ كغيري من المهتمين بالشأن العام النقاش الدائر حاليا حول مشروع الإعلان عن شراكة متوقعة بين بلادنا والاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة، وفي إطار هذا المشروع فمن المنتظر أن تُنظم مفوضة الشؤون الداخلية للاتحاد زيارة إلى بلادنا يوم 7 مارس 2024 رفقة وزير الداخلية الإسباني ووزيرة الدولة البلجيكية لشؤون اللجوء والهجرة، ومن الراجح أن يتم خلال هذه الزيارة ـ حسب خارطة الطريق ـ  التوقيع على اتفاقية شراكة في مجال الهجرة.  

إن الحديث عن شراكة مع الاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة يثير الكثير من المخاوف لدى الرأي العام الوطني، وتحتاج هذه المخاوف لجهد كبير من الحكومة لتبديدها، وسنستعرض في هذا المقال أبرز النقاط التي تثير تلك المخاوف.

1 ـ  أن ملف الهجرة يعدُّ من الملفات الشائكة جدا والمعقدة جدا، ولذا فنقاش هذا النوع من الملفات يحتاج إلى مفاوضين محترفين يضعون المصلحة العليا للبلد فوق أي اعتبار، ومن خلال تجارب سابقة، فيمكن القول إن المفاوض الموريتاني قد يضع المصالح الخاصة والآنية فوق المصلحة العليا للبلد، ولنا في الاتفاقية مع "وود سايد" في عهد ولد الطايع، والاتفاقية مع "بولي هوندوغ" في عهد الرئيس السابق، خير مثالين على الخسائر التي قد تتكبدها بلادنا بسبب اتفاقيات من هذا النوع يبرمها مفاوضون غير محترفين يضعون المصلحة العليا للبلد في الرتبة الثانية؛

2 ـ أن الدول المعنية بملف الهجرة خارج الاتحاد الأوروبي تنقسم إلى قسمين : قسم يرفض توقيع اتفاقية من هذا النوع، وقسم وقع اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، ولكنه يتحدث في كثير من الأحيان عن عدم التزام الاتحاد ببنود الاتفاقية؛

3 ـ تركيز الاتحاد الأوروبي على حقوق الإنسان في أي اتفاقية من هذا النوع، والاتحاد الأوروبي عندما يتحدث عن "حقوق الإنسان" بمفهومه هو يكون من حقنا أن نقلق، ولعلكم تتذكرون مستوى الضغط الذي مارسته هيئات محسوبة على الاتحاد الأوروبي من أجل إطلاق سراح "كاتب المقال المسيء"، والذي يعتبر وفق القيم والمعايير الأوروبية مجرد مدون عبر عن رأيه، وله الحق ـ كل الحق ـ في ذلك. ولعلكم تدركون كذلك أن قيامة هذا الاتحاد تقوم عندما يمس من "حقوق" الشواذ وممارسي الفاحشة وكل أشكال الرذائل.

إن المهاجرين يأتوننا من بلاد شتى، فمنهم من يدين بغير دين الإسلام، ومنهم الملحد، ومنهم الشاذ، فأن يُمنح كل هؤلاء "حقوقهم الإنسانية" كما يراها الغرب، بموجب اتفاقية للهجرة، فإن ذلك سيعني ترويج الشذوذ والفحشاء والمنكر في بلادنا؛

4 ـ تأتي هذه الاتفاقية المتوقعة في وقت تشهد فيه بلادنا هجرة غير مسبوقة للشباب الموريتاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فإذا ما استمرت هجرة الشباب الموريتاني مع تدفق مهاجري الدول الأخرى إلى داخل البلاد وتوطينهم ولو مؤقتا، وذلك في ظل عدد سكان قليل أصلا، فإن مثل ذلك سيؤدي في المحصلة النهائية إلى إخلال كبير بالتركيبة الديموغرافية للبلد؛

5 ـ من المعروف أن الموريتانيين الذين يهاجرون إلى بلدان أخرى نادرا ما يتدخلون في الشؤون الداخلية للبلدان التي يقيمون فيها، وذلك على العكس من بعض المهاجرين الذين يأتون إلى موريتانيا من دول الجوار، وكثيرا ما أصدرت وزارة الداخلية الموريتانية بيانات تؤكد فيها مشاركة أجانب في أعمال شغب داخل موريتانيا تحت غطاء سياسي، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك بيان لوزارة الداخلية  أصدرته عقب احتجاجات 2011 ضد الإحصاء وأكدت من خلاله اعتقال أجانب شاركوا في المظاهرات وأعمال الشغب، وكذلك بيانها بعد الانتخابات الرئاسة 2019، والتي أعتقل فيها 100 أجنبي حسب وزارة الداخلية، وأخيرا بيانها المتعلق بالاحتجاجات التي أعقبت وفاة "عمر جوب".

إن توطين الأجانب ولو بشكل مؤقت، مع توفير الحماية القانونية لهم من طرف الاتحاد الأوروبي قد يتسبب مستقبلا في مشاركة المزيد من الأجانب في المزيد من الاحتجاجات التي قد تشهدها بلادنا من حين لآخر، وارتكابهم بالتالي للمزيد من أعمال الشغب، وربما يصل الأمر في نهاية المطاف إلى أن يحتج الأجانب أنفسهم طلبا للمزيد من الحقوق التي تكفلها لهم المواثيق والاتفاقيات الدولية؛

6 ـ  تعاني المدن الكبرى في بلادنا من انتشار الجرائم وتنوعها، وقد وصل الأمر إلى مستويات مثيرة للقلق، ومن المؤكد أن استقبال المهاجرين وتوطينهم ـ ولو بشكل مؤقت ـ سيزيد من تفشي الجريمة وتطورها، وربما وصولها إلى مستويات تهدد كيان البلد واستقراره؛

7 ـ  من المعروف كذلك أن الشباب الموريتاني يتقاعس عن الكثير من الأعمال ويتركها للأجانب، وهو ما قد يزيد من حضور اليد العاملة الأجنبية، وربما تصل نسبة حضورها إلى أرقام مقلقة بعد إبرام اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي حول الهجرة.

فعلى سبيل المثال فقد أصدرت إدارة الأمن الوطني يوم الجمعة الموافق 11 يناير 2022  "تعليمات صارمة" بخصوص تطبيق النصوص التنظيمية المتعلقة بحظر ممارسة النقل العمومي للأشخاص والبضائع على الأجانب، ولم تطبق هذه التعليمات الصارمة ولو ليوم واحد، وفي يوم الجمعة 19 يناير 2024 أصدرت إدارة الأمن الوطني قرارا ثانيا بحظر ممارسة النقل على الأجانب لتتراجع عنه بعد يومين من خلال إيجاز صحفي أكدت فيه السماح للأجانب بممارسة النقل، مثلهم في ذلك مثل المواطنين، إن كانوا يملكون رخصة سياقة خضراء.

إننا نجد الآن صعوبة كبيرة في منع الأجانب من ممارسة بعض الأعمال التي يفترض فيها أن تبقى حكرا للمواطنين، كما هو الحال في دول أخرى، فكيف سيكون حالنا مستقبلا بعد أن يتم تقييدنا باتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي حول حقوق الأجانب والمقيمين؟؛

8 ـ في ظل الحديث عن قرب تصدير الغاز وظهور ثروات أخرى في البلد، وفي ظل تدهور الأوضاع في بعض البلدان المجاورة، فإن بلادنا ستستقطب المزيد من المهاجرين، وهو ما سيجعل الأمور تزداد تعقيدا في ظل وجود اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي بإيوائهم؛ 

9 ـ إن المهاجرين إلى أوروبا يعتقدون أنهم ذاهبون إلى جنة الدنيا، وهم عندما يحرمون من الوصول إلى الجنة التي يحلمون بها من طرف جهة ثالثة سيزداد سخطهم على تلك الجهة الثالثة التي حرمتهم من الوصول إلى جنتهم، ولذا فهم سيطمحون إلى مقابل كبير يتناسب مع حجم الخسارة التي تكبدوها بعد حرمانهم من الجنة التي كانوا يحلمون بها، وعندما لا يجدون ذلك المقابل سيعبرون عن سخطهم بكل الأساليب، وربما يمارسون الشغب للتعبير عن ذلك السخط. ثم إنه علينا أن لا ننسى أنه توجد جاليات موريتانية في العديد من البلدان التي يهاجر بعض مواطنيها إلى بلادنا، وسخط هؤلاء قد يؤدي إلى ردود أفعال عنيفة ضد جالياتنا هناك؛ 

10 ـ ظهرت في الفترة الأخيرة في منصات التواصل الاجتماعي بعض الدعوات المتطرفة التي أطلقها بعض النشطاء الأفارقة، والتي يدَّعِي أصحابها أن سكان شمال إفريقيا هم مجرد وافدين، وأن عليهم العودة إلى الأماكن التي قدموا منها. صحيح أن هذه الدعوات متطرفة وقليل من يتبناها الآن، ولكنها قد تتنامى مستقبلا، وقد تتجه الأنظار إلى موريتانيا بعد تناميها، وذلك لأسباب عديدة لا أجد ضرورة لذكرها هنا، ولذا فإن استقبال وإيواء المزيد من المهاجرين ـ ولو بشكل مؤقت ـ قد يغذي مثل ذلك الطرح المتطرف؛

11 ـ صحيح أن الأوروبيين قد يعدون بأموال كبيرة مقابل توقيع اتفاقية حول الهجرة، ولكن السؤال المطروح : أليست هناك وسائل أخرى أقل مخاطر للحصول على أموال ضخمة بكلفة أقل؟ ألا يكفي مثلا أن نحارب الفساد بجدية للحصول على أموال ضخمة قد لا تقل في حجمها عن الأموال التي يعد بها الاتحاد الأوروبي مقابل توقيع اتفاقيات معه حول الهجرة؛

12 ـ ومما يزيد الأمور تعقيدا هو أن المجتمع المدني "الحقوقي" في موريتانيا، والذي يُفترض فيه أن يقف ضد أي اتفاقية من هذا النوع، هو مجتمع مدني يتحرك تبعا للمزاج الأوروبي، ولذا فقد تحرك بقوة دفاعا عن "كاتب المقال المسيء"، وتحرك كذلك في قضايا مشابهة، ولكنه يغيب اليوم ـ وبشكل شبه كامل ـ عن نصرة غزة، وذلك لكون هذا الملف ليس من الملفات التي يهتم بها الغرب.

إننا لا نتوقع أي تحرك للمجتمع المدني الموريتاني للمطالبة بتقديم توضيحات من طرف الحكومة بخصوص مشروع هذه الاتفاقية، والتي تثير المخاوف لدى الكثير من الموريتانيين.

ختاما

هذه هي أبرز النقاط التي تثير القلق لدى الكثير من الموريتانيين، وعلى الحكومة أن تقدم توضيحات حولها لطمأنة المواطنين، وذلك من قبل المجازفة بتوقيع أي اتفاقية من هذا النوع.

حفظ الله موريتانيا..


بيان من عدة هيئات


شهدت الجلسة الافتتاحية للدورة العادية السابعة والثلاثين لمؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي المنعقدة في أديس أبابا يوم السبت 17 فبراير 2024، حفل تنصيب فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني رئيسا للاتحاد الأفريقي للعام 2024، وقد جرى حفل التنصيب في ظل إجماع إفريقي كبير، كان نتيجة لعمل دبلوماسي هادئ وعميق، عرفته بلادنا خلال السنوات الأربع الماضية. 

إننا في منسقية الهيئات العاملة من أجل التمكين للغة العربية، وبمناسبة هذا النجاح الدبلوماسي الكبير لبلادنا لنؤكد على ما يلي:

1 ـ تهنئتنا لفخامة رئيس الجمهورية وللشعب الموريتاني، بمناسبة هذا التنصيب، سائلين المولى عز وجل أن يوفق فخامة الرئيس في هذه المهمة الجسيمة التي أوكلت إليه في ظرف حساس، وأن يبارك في جهوده المشهودة التي يبذلها لصالح القارة الإفريقية؛

2 ـ إيماننا بقوة حضور القضية الفلسطينية لدى فخامة رئيس الجمهورية، وأنه لن يدخر جهدا خلال فترة رئاسته للاتحاد الأفريقي للضغط من أجل وقف حرب الإبادة التي تتعرض لها فلسطين، وأنه سيعمل على استعادة الدور الذي لعبته موريتانيا في الحشد والتضامن الإفريقي مع فلسطين في عهد تولي الرئيس الراحل المختار ولد داداه لرئاسة منظمة الوحدة الإفريقية؛

3 ـ تثميننا لإلقاء فخامة رئيس الجمهورية لخطابه في افتتاح الدورة السابعة والثلاثين باللغة العربية، اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، والتي تعدُّ بالمناسبة لغة إفريقيا الأولى مقارنة باللغات الأخرى المستخدمة في القارة، هذا بالإضافة إلى كونها من بين اللغات الأربع الأكثر انتشارا في العالم؛ 

3 ـ دعوتنا لفخامة رئيس الجمهورية أن يجعل من فترة رئاسته للاتحاد الافريقي فترة لتعزيز مكانة اللغة العربية في إفريقيا وفي هيئات الاتحاد وكل الهيئات الدولية ذات الصلة؛

4 ـ تذكيرنا بالنداء الذي وجهناه إلى القادة العرب بمناسبة الدورة العادية الثانية والثلاثين لاجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة، المنعقدة في المملكة العربية السعودية يوم الجمعة الموافق 19 مايو 2023، وهو النداء الذي طالبنا فيه بتأسيس منظمة دولية تُعنى باللغة العربية، تنخرط فيها كل الدول الناطقة كليا أو جزئيا باللغة العربية، على غرار منظمة لفرانكفونية.

إننا نأمل من فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، والذي يَحظى بمكانة دبلوماسية كبيرة على المستويين العربي والإفريقي، أن يتبنى هذا النداء، خاصة وأن بلادنا ستكون هي المستفيد الأول من تأسيس منظمة دولية من هذا القبيل، وذلك نظرا لموقعها الجغرافي، ولدورها التاريخي في نشر اللغة العربية، والعلوم الإسلامية في إفريقيا. 

نواكشوط بتاريخ : 8 شعبان 1445 الموافق 18 فبراير 2024

الهيئات الموقعة على البيان:

1 ـ الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية 

2 ـ مجلس اللسان العربي

3 ـ اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين

4 ـ المرصد الموريتاني للغة العربية

5 ـ المركز الموريتاني للغة العربية

6 ـ هيئة جيرنو أحمد مختار ساقو

7 ـ اتحاد الأكاديميين والمثقفين الموريتانيين

8 ـ شبكة الصحفيات الموريتانيات

9 ـ جمعية الركب الشنقيطية للثقافة والتنمية

10 - المنتدى الموريتاني للأدب واللغة والثقافة

11- بيت الشعر.

الأحد، 11 فبراير 2024

قاطع لتربح في الدنيا والآخرة!


لم تتأخر موريتانيا الرسمية والشعبية في الوقوف مع فلسطين وتقديم الدعم السياسي والإعلامي منذ بدء معركة طوفان الأقصى وحتى اليوم، ولم تتأخر كذلك في جمع التبرعات لأهلنا في غزة، ولكن نقطة الضعف الوحيدة المسجلة كانت في مجال المقاطعة الاقتصادية والتجارية، ففي هذا المجال لم يظهر أي عمل منظم في بلادنا، ومن هنا تبرز أهمية الملتقى الأول الذي نظمه الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني تحت شعار : "المقاطعة مقاومة". وبمناسبة هذا الملتقى، فهذه بعض الأفكار التي قد تكون مفيدة لنجاح المقاطعة.

(1)

إن المقاطعة تعد واحدة من أهم أساليب المقاومة ومن أكثرها إيلاما للعدو إن هي اتسعت واستمرت، وهي تتميز عن كل أساليب المقاومة الأخرى في كون ممارستها لا تكلف المقاطع بذل جهد أو إنفاق مال، بل على العكس من ذلك فإن من يستخدم سلاح المقاطعة سيربح على المستوى الشخصي فضلا عما يقدم للمقاومة من دعم في غاية الأهمية.

- إن من يستخدم سلاح المقاطعة سيربح مالا كان سينفقه للحصول على سلع وخدمات غير ضرورية، وهذا يعني أن من يقاطع سيرشد استهلاكه، وسيربح بالتالي مالا..

- إن من يستخدم سلاح المقاطعة لن يكسب مالا فقط، بل سيكسب حسنات كثيرة إن هو استحضر النية..

- إن من يستخدم سلاح المقاطعة سيستفيد صحيا، فالكثير من السلع القادمة من العدو وحلفائه، والتي ننفق عليها أموالا طائلة، هي في الغالب سلع استهلاكية تؤثر سلبا على الصحة إذا ما أفرطنا في استهلاكها..

- إن من يستخدم سلاح المقاطعة يدرب نفسه على الاستقلالية والخروج من عبودية الاستهلاك، فكثير منا أصبح اليوم عبدا لبعض السلع الاستهلاكية، وهو بحاجة ماسة لأن يتحرر من تلك العبودية.

من هنا يظهر أن من يستخدم سلاح المقاومة سيربح في الدنيا والآخرة.

(2)

من الناحية العملية فإني أرى أن المقاطعة يجب أن تمر بثلاث مراحل أساسية، وذلك لضمان نجاحها:

المرحلة الأولى : العمل على رصد السلع والخدمات المستهلكة في موريتانيا، والتي ينتجها العدو أو إحدى الدول الداعمة له، وإعداد لائحة بتلك السلع والخدمات؛

المرحلة الثانية : تشكيل لجنة اتصال يقودها علماء كبار تلتقي برجال الأعمال الذين يستوردون سلعا ينتجها العدو أو إحدى الدول الداعمة له، ومطالبتهم بالبحث عن بدائل لها، مع إعطائهم مهلة ثلاثة أشهر للبحث عن بدائل؛

المرحلة الثالثة : بعد انتهاء المهلة يبدأ إطلاق حملات المقاطعة الشعبية للسلع والخدمات التي تم رصدها، وبذلك نخرج من الإشكال الذي أثير في الجلسة الأولى حول جواز مقاطعة السلع التي تم استيرادها فعلا، والتي لا يمكن إرجاعها للمصدر، وذلك بعد أن استوردها تجار مسلمون لم يُشعروا مسبقا بمقاطعة تلك السلع.

(3)

إن المقاطعة لا تتعلق فقط بالسلع والخدمات بل إنها يجب أن تمتد لتشمل مقاطعة "القيم الغربية" التي أسقطها طوفان الأقصى، أو على الأقل كشف ازدواجية تلك القيم.

إنه علينا كمجتمع مدني أن نقاطع أيضا "المواعظ الحقوقية" التي تقدمها بعض الهيئات الدولية العاملة في بلادنا، أو تقدمها بعض المنظمات التابعة لبعض الدول الغربية، وخاصة منها تلك كانت تجاهر بمواقفها الداعمة للإبادة التي يرتكبها العدو ضد الشعب الفلسطيني.

إن الغرب (حكومات ومنظمات دولية) لم يعد يحق له اليوم أن يتحدث بصفته ممثلا للضمير العالمي، ولا بصفته وصيا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وذلك بعد أن فضحه طوفان الأقصى.

لقد كشف طوفان الأقصى بأن العالم بلا ضمير، وإن كان له ضمير فيجب أن تمثله جنوب إفريقيا ومن يقف معها من دول وشعوب العالم في معركتها القانونية النبيلة ضد الكيان الأكثر إجراما في تاريخ البشرية الحديث.

(4)

إن المقاطعة، وسواء كانت مقاطعة سلع أو خدمات أو كانت مقاطعة "قيم إنسانية مغشوشة"، لا تعني فقط رفض تلك السلع والخدمات والقيم، بل إنها تعني أيضا خلق بدائل لها. 

وفي هذا الإطار، وفي مجال مقاطعة القيم الغربية الزائفة، فإنه من اللازم العمل على كشف الازدواجية الغربية، ويمكن أن يبدأ ذلك بالإعلان عن يوم عالمي لكشف ازدواجية الغرب يتم تخليده كل عام من طرف كل من يرفض هذه الازدواجية في العالم، ويمكن للمنظمات الفاعلة في جنوب إفريقيا أن تقود حراكا من هذا القبيل.

(5)

يبقى علينا أن نستحضر دائما أن المقاطعة لن تأتي بنتائج مهمة إلا إذا اتسعت واستمرت، ولذا فهي تحتاج إلى نفس طويل، وإلى تضافر جهود الجميع.

هذه بعض الأفكار السريعة التي سجلتها بعد الجلسة الأولى من ملتقى "المقاطعة مقاومة"، وذلك في انتظار ما سنسمع من المحاضرين في الجلسة الثانية.

حفظ الله فلسطين..

الجمعة، 9 فبراير 2024

كيف نتفاعل مع الملفات المعقدة؟ (3/1)


أثار ملف الفساد الذي نشرت عنه منظمة الشفافية الشاملة ردود فعل متباينة صاحبها جدلا كبيرا، ومما زاد من حدة الجدل هو أن هذا الملف يتعلق بشركة تتبع لزين العابدين رئيس اتحاد أرباب العمل الموريتانيين، والذي هو في منافسة قوية مع رجل الأعمال محمد بوعماتو، والذي يُقال عنه أن له صلة ما بمنظمة الشفافية الشاملة، وأن المنظمة فتحت هذا الملف للإضرار برجل الأعمال زين العابدين.

هذا الإنحراف في النقاش كثيرا ما يحدث، وكثيرا ما يضر بمحاربة الفساد، ومن هنا تبرز أهمية وضع آليات للتعامل مع هذا النوع من الملفات المعقدة، والذي كثيرا ما ينحرف النقاش حوله إلى مواضيع أخرى تخدم الفساد وتحميه، وتفشل بالتالي كل محاولة يمكن أن تقوم بها أي جهة لكشف عملية فساد.

إنه من الضروري أن تكون لدينا معايير واضحة ومحددة نعتمد عليها للتعامل مع هذا النوع من الملفات، ومن تلك المعايير :

1- إن أول سؤال يجب علينا أن نجيب عليه هو : هل ما تم كشفه يتعلق بفساد حقيقي أم لا؟

هذا السؤال المفتاح علينا أن نجيب عليه من قبل أن نتخذ أي موقف، وبغض النظر عن حسن نية من كشف الملف أو سوء نيته ..لنبعد الهدف والقصد من كشف هذا الملف مؤقتا، ولنركز على محتوى الملف، فهل هناك فساد أم لا، فإن كان هناك فساد وقفنا بقوة مع من كشفه، وبغض النظر عن حسن نيته أو سوئها، فذلك هو ما تقتضيه المصلحة العليا للبلد، وإن كان ما في الملف مجرد تلفيق دون أدلة وقفنا مع الضحية، حتى وإن كنا ندرك أن لديه ملفات فساد أخرى.

تلخيصا لهذه الفقرة فإن ما يهمنا هو جوهر الملف وبغض النظر عن أي شيء آخر، فإن كان الملف يتعلق بفساد واضح طالبنا بمعاقبة المفسد مهما كان، وإن كان الملف يتعلق بتلفيق وتصفية حسابات غير مدعومة بأدلة طالبنا برد الاعتبار للضحية ومعاقبة الملفق ( نقطة نهاية).

2- لنفترض أن هذا الملف يتعلق بفساد حقيقي، ولكن من فتحه لم يفتحه لمصلحة وطنية، وإنما فتحه لتصفية حسابات مع خصم سياسي أو مع منافس في مجال الأعمال، أو لأي سبب آخر...حتى وإن تأكدنا من وجود استهداف للضحية فلا مشكلة ما دام الفساد تم إثباته بالأدلة..بل بالعكس علينا نحن ضحايا الفساد أن نشجع هذا النوع من تصفية الحسابات بين رجال الأعمال ما دام سيكشف لنا ملفات فساد جديدة لم تكن لدينا القدرة ولا الإمكانيات ولا الوسائل لكشفها.

3- إن تأكد للضحية أن كشف هذا الملف في هذا التوقيت بالذات يدخل في إطار تصفية حسابات مع رجل أعمال منافس، فالحل بسيط جدا، فعلى الضحية أن ينفق بعض أمواله ويستخدم بعض أتباعه لكشف بعض فساد خصمه ومنافسه، وهو إن كشف ملف فساد يتعلق بإحدى شركات خصمه، فإننا سنقف معه دون تردد حتى ولو أيقنا أنه لم يقم بذلك بحثا عن مصلحة عامة، وإنما قام به في إطار تصفية الحسابات مع منافس.

أن يكشف بعض رجال الأعمال فساد بعضهم الآخر فهذا أمر جيد وعلى ضحايا الفساد أن يرحبوا به ويشجعوه، خاصة وأن كشف الفساد وبالأدلة الدامغة يحتاج إلى جهد ووسائل قد لا تتوفر إلا لدى رجال الأعمال. 

يتواصل .....

عندما تكتمل هذه الحلقات سيكون هناك بث مباشر بمضمونها إن شاء الله.

الأحد، 4 فبراير 2024

نوابٌ بلا أثر ولا تأثير!


من الملاحظ أن هناك ضعفا كبيرا في أداء البرلمان الموريتاني، ناتج عن تدني تأثير النواب داخل البرلمان وخارجه، ويتساوى في ذلك نواب الأغلبية والمعارضة، ولذلك الضعف أسبابه العديدة سنتوقف مع بعضها بشكل سريع من خلال فقرتين في هذا المقال، واحدة منهما خاصة بنواب المعارضة، والثانية خاصة بنواب الأغلبية
.

أولا / نواب المعارضة 

يقع خلط كبير لدى الكثير من نواب المعارضة بين الهدف المراد تحقيقه من داخل البرلمان، والوسيلة التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك الهدف.

فمن المعلوم أن من بين مهام النائب، معارضا كان أو مواليا، مراقبة العمل الحكومي، وهذه الرقابة هي من أجل منع وقوع تقصير في الأداء الحكومي، وتصحيح ذلك التقصير إن هو وقع، ودائما ما يقع.

لتحقيق هذا الهدف فإن النائب المعارض يركز على إظهار الخلل في الأداء الحكومي، ويفترض أن غرضه من ذلك تصحيح ذلك الخلل. بعض نواب المعارضة لم يعد يهمه أن يُصحح الخلل، بقدر ما يهمه أن ينتقد أداء الحكومة، وأن يظهر أمام الناخب بأنه لم يقصر في نقدها، بل وفي جلدها، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى استخدام كلام هابط ومنحط، كما حدث مؤخرا خلال الدورة البرلمانية الأخيرة.

أصبح النقد لدى بعض نواب المعارضة هدفا في حد ذاته وليس وسيلة من أجل تحقيق هدف.

طبعا قد يرتاح المواطن لنقد الحكومة وجلدها من طرف نواب المعارضة، ولكن في النهاية فإن الأخطاء لم تُصحح، وأداء الحكومة لم يتحسن، وبالتالي فإن المواطن لم يستفد شيئا من ذلك النقد القاسي.

إن دور نواب المعارضة يجب أن لا يقتصر على نقد الحكومة وجلدها، وإن اقتصر دورهم على ذلك، فإن مدوني المعارضة يمكن أن يؤدوا ذلك الدور على أحسن وجه، بل وأحسن مما يقوم به نواب المعارضة، ولذا فكل القضايا التي تمت إثارتها خلال السنوات الأخيرة كان الفضل في إثارتها يرجع لمدوني المعارضة لا إلى نوابها.

ثانيا/ نواب الأغلبية

وعلى العكس من ذلك فإن النائب الموالي يتحول في أغلب الأحيان إلى مدافع عن تقصير الحكومة، ومنتقد لنواب المعارضة إن هم انتقدوا أداءها.. كثير من نواب الأغلبية نسي أن الشعب هو من انتخبه لرقابة العمل الحكومي، وأصبح يتصرف وكأن الحكومة هي من انتخبته للتغطية على أخطائها وتقصيرها حتى لا يعلم الشعب بتقصيرها، وكأنه قادر على إخفاء ذلك التقصير عن المواطن.

ليس بالإمكان إخفاء التقصير في العمل الحكومي عن المواطن، وحتى إن تجاهله نواب الأغلبية فسيتحدث عنه نواب المعارضة وبحدة، وسيصل ذلك الحديث إلى كل مواطن في بيته عبر قناة البرلمانية، فيكسب النائب المعارض مزيدا من المصداقية، ويفقد النائب في الأغلبية مصداقيته لدى المواطن، الشيء الذي يجعله غير قادر على تسويق المنجز، بل إن حديث النائب الموالي عن الإنجازات قد يسيئ إليها، نظرا لتراجع مصداقيته لدى المواطن بسبب عدم تحدثه خلال مأموريته ـ ولو لمرة واحدة ـ عن النواقص في الأداء الحكومي، وهي بلا شك نواقص موجودة. 

ثم إن النائب الموالي عندما يلتقي بالوزراء أو كبار الموظفين في مكاتبهم، فإنه غالبا ما يتجاهل هموم ناخبيه، وهموم المواطن بشكل عام، ويستغل تلك اللقاءات في تحقيق المزيد من المكاسب الخاصة به، وذلك من خلال توظيف الأقارب أو الحصول على صفقات عمومية، ولذا فقد كثر الحديث عن حصول نواب في الأغلبية على صفقات عمومية بطرق غير شفافة. 

في اعتقادي الشخصي أنه لو كان كلام النواب نقدا أو تثمينا يكفي لحل مشاكل البلاد لحلت مشاكل موريتانيا منذ زمن طويل، فمن المعروف أنه منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، لم تقصر المعارضة في نقد الأنظمة المتعاقبة وجلدها، ولم تقصر الأغلبية كذلك في تثمين ما أنجز وما لم ينجز، وفي التطبيل لتلك الأنظمة المتعاقبة.

إننا في هذه البلاد نمتلك فائضا من الكلام، ولم نعد بحاجة إلى المزيد من الكلام، تثمينا كان أو نقدا. إننا في هذه البلاد بحاجة إلى نخبة سياسية قادرة على إنتاج الأفكار، وتقديم المقترحات، وإطلاق المبادرات الإصلاحية ذات النفع العام، وبدون نخبة من هذا النوع في فسطاطي الموالاة والمعارضة فسيبقى حالنا على حاله مهما أنتجنا من كلام ناقد للنظام أو مثمن لإنجازاته.

يبقى أن أقول ختاما إن هناك نوابا في المعارضة والأغلبية لا ينطبق عليهم ما جاء في هذا المقال، ولكنهم يبقون استثناء، وهو إستثناء يؤكد صحة القاعدة. 

حفظ الله موريتانيا..