الأحد، 28 نوفمبر، 2010

خمسينية بلاد العجائب




بلادنا عجيبة وأحوالها غريبة..
بلادنا استقلت في العام الستين ..
وزادت مقاطعاتها بواحدة في الذكرى الخمسين..
خمسون عاما مرت على استقلال بلادنا..
خمسون عاما وثمانية رؤساء تعاقبوا..
صفقنا لهم بسذاجة..
زغردنا لهم بسذاجة..
هتفنا لهم بسذاجة..
ساندناهم بسذاجة..
قلنا لهم في شرق البلاد عندما زارونا بأننا بألف خير..
قلنا لهم في غربها بأننا بألف خير..
قلنا لهم في شمالها بأننا بألف خير..
قلنا لهم في جنوبها بأننا بألف خير..
وقلنا لهم في وسطها بأننا بألف ألف خير..
بلادنا عجيبة .. مدنها وقراها يختفي جوعاها عندما يزورها الرئيس ..
تختفي أحزانها ..
تنفرج همومها..
ترتفع ضحكات أهلها..
يزلزل التصفيق أرضها..
تضرب خيامها ..تبسط سجادها.. تفرش زرابيها.. يوم قدوم الرئيس..
يتآخى أبناء المدينة ..
يصطفون كأنهم في صلاة ..
يجاهدون لمصافحة الرئيس..
يكذب كل من في المدينة..
ويكذب كل من في القبيلة.. ويقول بأنه بألف ألف خير..
هكذا كان حال مدننا وقرانا وقبائلنا يوم زارها المنقلب الأول..
هكذا كان حالها يوم زارها المصحح الأول..
هكذا كان حالها يوم زارها المنقذ الأول ..
هكذا كان حالها يوم زارها المخلص الأول..
هكذا كان حالها يوم زارها الفقير الأول..
هكذا كان حالها في الذكرى العشرين..
هكذا كان حالها في الذكرى الخمسين..
في بلادنا نتنفس بتوجيهات من الرئيس..
نضحك بتوجيهات من الرئيس..
ننام بتوجيهات من الرئيس..
نستيقظ بتوجيهات من الرئيس..
نحيا بتوجيهات من الرئيس..
نموت بتعليمات من سيادة الرئيس..

بلادنا عجيبة وأحوالها غريبة..
بلادنا استقلت في العام الستين ..
وزادت مقاطعاتها بواحدة في الذكرى الخمسين..
بلادنا شعبها كالنمل يعمل ليل نهار..
منظماتها على شاشة التلفزيون تعمل ليل نهار..
أحزابها تناضل ليل نهار..
صحفها تتحدث ليل نهار..
جهود جبارة في كل وزارة..
جهود معتبرة في كل إدارة..
وفي بلادنا حديد كثير..
فيها نحاس كثير..
فيها ذهب كثير..
فيها نفط كثير..
فيها سمك كثير..
فيها أرض صالحة للزراعة..
فيها ثروة حيوانية هائلة..
حكومة بلادنا تتسول منذ خمسين سنة..
حكومة بلادنا تعمل ليل نهار منذ خمسين سنة..
ودولتنا العجيبة لا زالت في الذكرى الخمسين عاجزة أن تطعم حفنة من البشر..
عاجزة أن تعلم حفنة من البشر..
عاجزة أن توظف حفنة من البشر..
عاجزة أن تعالج حفنة من البشر..

بلادنا عجيبة وأحوالها غريبة..
بلادنا استقلت في العام الستين ..
وزادت مقاطعاتها بواحدة في الذكرى الخمسين..
في بلادنا خضنا عشرات الحروب..
حاربنا الأمية فانتشرت الأمية..
حاربنا الفقر فزاد الفقر..
حاربنا السمنة ونحن نشكوا من سوء التغذية..
حاربنا القمامة فانتصرت علينا القمامة..
حاربنا الإرهاب فخلقنا الإرهاب..
حاربنا الفساد برموز الفساد..
ألف رصاصة مطاطية أطلقناها..
ألف قنبلة صوتية قذفناها ..
ألف خطبة حنجرية دوت في حروبنا العجيبة..
حروبنا العجيبة تزيد من قوة أعدائنا..
فليت رؤساءنا أعلنوا هدنة أبدية مع القمامة..
ليتهم تصالحوا مع الفقر..
ليتهم وقعوا معاهدة مع الفساد..
ليتهم وفروا الغذاء لتشجيع السمنة..

بلادنا عجيبة وأحوالها غريبة..
بلادنا استقلت في العام الستين ..
وزادت مقاطعاتها بواحدة في الذكرى الخمسين..
بلادنا كالبحر.. دررها في القاع..
وجِيَّف أسماكها تطفو على سطح التلفزيون..
تنظم الندوات..
تدير المهرجانات..
تتقاسم التعيينات..
توزع الصفقات..
وتنجح دائما في الانتخابات..
بلادنا صغراؤها أصبحوا كبارا..
وكبراؤها تقزموا فصاروا صغارا..
بلادنا العجيبة لن يصلح حالها إلا إذا أصبح عاليها سافلها..
وسافلها عاليها..
في بلادنا نصفق بلا خجل للصوص الكبار..
ونضرب بلا رحمة اللصوص الصغار..
تعدادنا في بلاد العجائب ثلاثة مليون مسلم ..
يُصَلون في كل يوم خمس مرات..
يسرقون بين الصلاة والصلاة..
يكذبون بين الصلاة والصلاة..
ينافقون بين الصلاة والصلاة..
يُزَوِرون بين الصلاة والصلاة..
يظلمون بين الصلاة والصلاة..

بلادنا عجيبة وأحوالها غريبة..
بلادنا استقلت في العام الستين ..
وزادت مقاطعاتها بواحدة في الذكرى الخمسين..

للقبيلة في بلادنا أبناء وأبناء..
للأعراق فيها أحباء وأحباء..
للايدولوجيا كثير من الولاء..
للدول الشقيقة والمجاورة حلفاء وعملاء..
ونحن جميعا لوطننا أعداء..
ولاؤنا مشتت بين القبائل والأشقاء..
بلادنا بلا ولاء..
بلا أبناء..
بلا أحباء..
بلا أصدقاء..
بلادنا يسكنها ثلاثة مليون مهاجر.. كلهم لها أعداء..
في بلادنا ألف ألف سياسي..
وليس فيها سياسي مواطن..
في بلادنا ألف ألف شاعر..
وليس فيها شاعر مواطن..
في بلادنا ألف ألف مثقف..
وليس فيها مثقف مواطن..
في بلادنا ألف ألف تاجر..
وليس فيها تاجر مواطن..
في بلادنا ألف ألف لص..
وليس فيها لص مواطن..
في بلادنا ألف ألف من كل شيء..
وليس في بلادنا مواطن واحد..
نحن في بلادنا أنصار للوحدة العربية..
أنصار للوحدة الإسلامية..
أنصار للوحدة الإفريقية..
أنصار للوحدة الكورية..
في بلادنا نحن أنصار لكل وحدة ..إلا للوحدة الوطنية..
في بلادنا ناصريون..
فيها بعثيون..
فيها إسلاميون..
فيها كادحون..
فيها متطرفون ..
فيها انفصاليون..
فيها غوغائيون..
وليس في بلادنا وطنيون..
في بلادنا مغاربة..
فيها صحراويون..
فيها سنغاليون..
فيها جزائريون..
فيها ليبيون..
فيها صينيون..
فيها أفغان و شيشانيون..
في بلادنا كل أمم الأرض..
ولكن ليس في بلادنا موريتانيون..
في بلادنا ثلاثة مليون مهاجر.. كلهم لها أعداء..

بلادنا عجيبة وأحوالها غريبة..
بلادنا استقلت في العام الستين ..
وزادت مقاطعاتها بواحدة في الذكرى الخمسين..
بلادنا دستورها عجيب..
مادته السادسة تحير كل لبيب..
لم تعط للغة المستعمر أي نصيب..
ورغم ذلك فإدارتنا تتواصل بلغة المستعمر..
تتخاطب بلغة المستعمر..
مسابقات التوظيف بلغة المستعمر..
فواتير الكهرباء بلغة المستعمر..
فواتير الماء بلغة المستعمر..
وصفات الأطباء بلغة المستعمر..
وزير تعليمنا يعتذر عن كل إهانة للغة المستعمر..
وزير اتصالنا لا يتواصل مع موظفيه إلا بلغة المستعمر..
خمسون عاما وبلادنا العجيبة لا زالت تمجد لغة المستعمر..
لا زالت ترفض أن تتخلى عن لغة المستعمر..
ليت أطباءنا تخلوا عن لغة المستعمر.. وتشبهوا بأخلاق أطباء المستعمر..
ليتهم كانوا رحماء كأطباء المستعمر..
ليتهم كانوا بإنسانية أطباء المستعمر..
ليت قضاتنا كانوا بعدالة قضاة المستعمر..
ليت كل موظفينا كانوا كموظفي المستعمر..
لو كان كل موظفي دولتنا العجيبة من بلاد المستعمر..
لكانوا أقرب للمواطن..
أرحم بالمواطن..
مشكلتنا في البلاد العجيبة أن موظفينا ليسوا كموظفي المستعمر..
ومع ذلك فهم يدافعون عن لغة المستعمر..

بلادنا عجيبة وأحوالها غريبة..
بلادنا استقلت في العام الستين ..
وزادت مقاطعاتها بواحدة في الذكرى الخمسين..
بلادنا نصف شعبها بطونه جائعة..
والنصف الآخر قلوبه جائعة..
نصف شعبها جاهل..
والنصف الآخر يتصرف كالجاهل..
نصف شعبها فقير..
والنصف الآخر ينافس الفقراء في أرزاقهم..
نصف شعبها مفسد..
والنصف الآخر مشروع مفسد..

بلادنا عجيبة وأحوالها غريبة..
بلادنا استقلت في العام الستين ..
وزادت مقاطعاتها بواحدة في الذكرى الخمسين..
بلادنا العجيبة تطردنا كل يوم..
تظلمنا كل يوم..
تُحرجنا كل يوم..
تذلنا كل يوم..
تهيننا كل يوم..
تقتلنا كل يوم..
ولكن في بلادنا شيء عجيب يشدنا إليها كل يوم..
**********
فاصلة خارج النص..
شكرا لكل أولئك الذين رفعوا أعلاما على سياراتهم..
شكرا لكل أولئك الذين رفعوا ـ بمناسبة الخمسينية ـ أعلاما في أي مكان ..
شكرا لكل أولئك الذين سموا محلاتهم بتسميات لها علاقة بهذه الذكرى..
شكرا لصاحب سوق الاستقلال..
شكرا لصاحب بقالة 28 نوفمبر..
شكرا لمقهى الوفاء الذي جعل من العلم والنشيد الوطني واجهة لكل أجهزته..
شكرا لكل البسطاء الذين احتفلوا بطرقهم الخاصة بهذه الذكرى ..
شكرا للجالية الموريتانية التي تسكن في البلاد العجيبة والتي احتفلت بهذه الذكرى..
شكرا لكم جميعا..
شكرا لكم ..
فبكم ـ وبكم وحدكم ـ ستكون موريتانيا وطنا للموريتانيين..
وإلى الأحد القادم أقول لكم : تصبحون على وطن للموريتانيين..
نواكشوط 28 نوفمبر 2010م

الاثنين، 22 نوفمبر، 2010

خاص برئيس الجمهورية (14)



سأقدم لكم في رسالة هذا الشهر، من سلسلة الرسائل المفتوحة، بعض الملاحظات العامة التي لم تجد ـ حسب علمي ـ من يحدثكم عنها، رغم أنها تتعلق بقضايا وملفات تحدث عنها الموريتانيون كثيرا، ولا زالوا يتحدثون عنها كثيرا.
وقبل تقديم هذه الملاحظات، أود أن أؤكد لكم بأني ما كتبتها ـ كما هو الحال بالنسبة لباقي هذه الرسائل المفتوحة ـ إلا لحرصي الشديد على أن يكون عهدكم بداية لانطلاقة تنموية حقيقية. كما أؤكد لكم بهذه المناسبة بأني لست أقل دعما ومساندة لكم من الثمانمائة ألف "مناضل" المنخرطة في الاتحاد من أجل الجمهورية، وإن كان الفرق بيني وبينهم هو أن أغلب من في الاتحاد قد اختار أن يعبر عن مساندته لكم بالتصفيق، وبمزيد من التصفيق. أما أنا فقد اخترت أن أعبر عن مساندتي لكم من خلال البحث عن المعوقات التي قد تعيق تلك الانطلاقة التنموية، والكتابة لكم عنها بشكل دوري، دون الزيادة من حجمها كما يفعل معارضوكم، ودون التقليل من شأنها كما يفعل موالوكم. هذا إضافة إلى تقديم بعض المقترحات والأفكار كلما كان ذلك متاحا، وطبقا لما وعدتكم في أول رسالة من هذه الرسائل المفتوحة.
وأعدكم ـ إن كان في العمر بقية ـ بمواصلة كتابة هذه الرسائل، كما تواصلت في عهد بعض الرؤساء السابقين الذين كتبت لهم من قبل، والذين أعتقد بأنهم الآن قد أصبحوا على قناعة تامة بأن مساندتي لهم بالنقد كانت أكثر صدقا وجدية، من المساندة بالتصفيق التي تبارت فيها أغلبياتهم الداعمة أثناء فترات حكمهم.

الملاحظة الأولى: لقد لاحظت في إطار الحرب على الفساد بأن أغلب الموظفين الذين تم اتهامهم بالفساد، منذ تنصيبكم إلى يومنا هذا، لم يحتلوا تلك الوظائف التي أفسدوا من خلالها إلا بعد يوم السادس من أغسطس 2008 م، أي أن كل عمليات الفساد التي حدثت في عهدكم، ما كانت لتحدث لولا تلك التعيينات التي جاءت بــ"مشاريع مفسدين" تم اختيارهم لتلك الوظائف على أساس معايير لا صلة لها ـ إطلاقا ـ بالكفاءة أو بالخبرة أو بالاستقامة والنزاهة.
ولأن هناك تسريبات تتحدث عن قرب تعديل حكومي، قد تعقبه تعيينات كثيرة، فقد يكون من الضروري أن نطالب ـ نحن ضحايا الفساد ـ بضرورة اعتماد الكفاءة والاستقامة في تلك التعيينات، لكي لا نظل ندور في حلقة مفرغة تتمثل في تعيين "مشاريع مفسدين" لكي يفسدوا وينهبوا، قبل أن يتم تجريدهم أو سجنهم، واستبدالهم بمفسدين جدد. وكأن المهم ليس المحاربة الجادة للفساد، وإنما المهم هو إيهام المواطن العادي بأن الحرب على الفساد لم تضع بعد أوزارها. لقد آن الأوان لكي نحارب الفساد بشكل جاد، ولن يتم ذلك إلا إذا شعر كل موظف بأن الكفاءة والاستقامة والتفاني في العمل هي المعايير الوحيدة التي سيتم اعتمادها في كل عملية تعيين وترقية.

الملاحظة الثانية: صحيح أنه في العهود الماضية كان يتم استخدام دراسات لا جدوى من ورائها لنهب ثرواتنا، وهذا ما تحدثتم عنه أكثر من مرة. ولكن الحل لا يكمن في إلغاء الدراسات نهائيا، واعتماد الارتجال كبديل عن تلك الدراسات، خاصة في الملفات المعقدة، وفي القضايا الشائكة، التي تزداد تعقيدا كلما تم ارتجال حلول لها. يقول خبراء التخطيط بأن كل ساعة نقضيها في إعداد التصورات والدراسات ستوفر لنا ـ على الأقل ـ ثلاث ساعات عند التنفيذ.
ورغم أن هناك أمثلة عديدة يمكن تقديمها في هذا المجال، إلا إنني سأكتفي هنا بتقديم مثال واحد يتعلق بالتعامل مع مشكل القمامة، والتي كنتم قد أعطيتم أوامر صارمة للحكومة في مجلس الوزراء المنعقد بتاريخ 15ـ 10 ـ2009 بضرورة القضاء عليها نهائيا. وفي صبيحة الأحد الموالي تم ارتجال حملة لتنظيف العاصمة بقيادة الوزير الأول، وبمشاركة العديد من القطاعات الوزارية، وتم التأكيد حينها أن القمامة ستختفي خلال أسابيع معدودة ـ وبشكل نهائي ـ من العاصمة نواكشوط.
والذي حدث بعد ذلك أن القمامة زادت وبشكل ملحوظ، خاصة في المكان الذي انطلقت منه حملة الوزير الأول لتنظيف العاصمة. ولقد كان ذلك شيء طبيعي جدا، لأنه لم يكن من المتوقع أن تأتي تلك الحملة المرتجلة بنتائج أفضل من حملات التنظيف المماثلة لها، في العهود السابقة، يقول الخبراء: "إن استخدام نفس الأساليب يعطي دائما نفس النتائج".

الملاحظة الثالثة : يبدو أن اهتمامكم بتنمية البنية التحتية وتطويرها، يفوق كثيرا اهتمامكم بالتنمية البشرية. ويبدو أن اهتمامكم بشق الطرق وتشييدها، يفوق اهتمامكم ببناء إنسان موريتاني قادر على أن يقود عجلة التنمية، بشقيها البشري والمادي.
فمستوى الحماس الذي تعاملتم به مع إصلاح التعليم مثلا، أقل بكثير من مستوى الحماس الذي تعاملتم به مع تشييد الطرق في العاصمة، والتي تم تشييدها ـ والحق يقال ـ في وقت قياسي. ومع أن العاصمة قد تحولت إلى ورشة كبرى ( شق الطرق، تخطيط العشوائيات، توسيع شبكة المياه، توصيل الكهرباء إلى أماكن جديدة...).
إلا أنه في المقابل يلاحظ أن هناك فتورا في إصلاح التعليم، والذي يشكل إصلاحه الخطوة الأولى لبناء الإنسان الموريتاني. لقد وعدتم بمنتديات للتعليم خلال العطلة الصيفية الماضية، ومع ذلك فقد تم الافتتاح الدراسي دون أن يتم تنظيم تلك المنتديات ـ والتي تم استبدالها بمنتديات للمعادن ـ مما يعني أننا مقبلون على مزيد من الانهيار العلمي والثقافي والأخلاقي والقيمي للإنسان الموريتاني.
ولأن هناك حديثا يدور حول إمكانية دمج وزارتي التعليم ـ بقرار مرتجل جديد ـ في وزارة واحدة. فقد يكون من الضروري التذكير بأن عمليات الدمج والتفكك التي عرفتها هذه الوزارة، خلال السنوات الخمس الأخيرة، والتي بلغت في مجملها ثلاث عمليات دمج، وثلاث عمليات انشطار، كانت من أهم الأسباب التي ساهمت في انهيار التعليم لأنها شغلت العاملين في هذه الوزارة خلال السنوات الأخيرة، في الإجراءات الإدارية المرتبطة بعمليات الدمج والتفكك التي لا تنتهي.
فحل أزمة التعليم لن يتم من خلال عملية دمج جديدة للوزارتين، يقول الخبراء: "إن الأزمات العميقة لا يمكن مواجهتها بنفس الأساليب والعقليات التي أنتجتها".

الملاحظة الرابعة : لقد قلتم بأنه كان هناك تسيبا كبيرا في العهود السابقة، وهو ما استدعى منكم مراقبة صارمة، ومتابعة دقيقة لكل الملفات كبيرها وصغيرها. ورغم أهمية تلك المراقبة إلا أن التطرف في استخدامها قد يأتي بنتائج سلبية خطيرة.
لقد استقال أغلب الموظفين بشكل غير علني مما أدى إلى تعطل مصالح المواطنين حتى في القطاعات الحساسة. لقد أصبح الوزراء والمديرون يعيشون فراغا كبيرا، وأصبح أغلبهم يرفض أن ينفذ أي عمل حتى ولو كان صغيرا، لأن أوامركم لم تصدر له بإنجاز ذلك العمل البسيط. كما أن كثرة التعيين والإقالة التي حدثت في عهدكم، والتي حطمت الإدارات التابعة لوزارة المالية الرقم القياسي فيها ( إدارة الضرائب، إدارة الميزانية) قد زادت من ارتباك العمل الإداري المرتبك أصلا. وإذا كان صحيحا أن بعض عمليات النهب والفساد قد تم الحد منها بفعل تلك الرقابة، وبفعل سحب الكثير من صلاحيات الموظفين، إلا أن ذلك قد صاحبه تراجع ملحوظ في مستوى الأداء الإداري الهزيل أصلا. إن إداراتنا ـ وهذا ما يستحي المعنيون المباشرون من قوله لكم ـ تعيش اليوم ظروفا صعبة بفعل الاستقالات الجماعية غير المعلنة لغالبية موظفي القطاع العام، والذين تحولوا في عهدكم إلى مجرد دمى لا تتحرك إلا بأوامر، حتى ولو تعلق الأمر بحركات بسيطة، كان من المفترض أن تتم بشكل تلقائي. يقول الخبراء بعد شيء من التعديل بأن القائد الناجح هو الذي يحيط نفسه بمجموعة من القادة الناجحين، لا بمجموعة من الدمى المتحركة.

الملاحظة الخامسة: لقد أصبح من الملح أن تعيدوا النظر في قنوات الاتصال بينكم وبين الفقراء الذين صوتوا لكم بكثافة، والذين يعتبرونكم أول رئيس لهم. لقد حاول العديد من هؤلاء الفقراء أن يسمعكم أنينه أثناء زياراتكم الميدانية، ولكن وكما جرت العادة حيل بينكم وبينهم. ومن المؤكد أن أنينهم لن يصلكم كما هو من خلال التقارير التي ترد إليكم، والتي قلتم بأنكم تحرصون على قراءتها. إنكم بحاجة إلى قنوات أخرى غير تلك التقارير، حتى تظلوا على إطلاع كامل بمشاكل الفقراء الذين صوتوا لكم، وانتخبوكم ذات يوم عصيب.
كما أنكم بحاجة إلى قنوات جديدة لتسوقوا من خلالها انجازاتكم، ولترسلوا من خلالها رسائلكم التي ترغبون في إرسالها إلى المواطنين العاديين، وذلك بعد أن فشلت وسائل الإعلام الرسمي، وبعد أن فشلت الأغلبية فشلت مريرا في تحقيق ذلك. فعلى سبيل المثال فقد فشلت الأغلبية، والإعلام الرسمي، في تسويق الحرب على الإرهاب التي تم التشويش عليها كثيرا، رغم أنها بدأت تعطي نتائج طيبة. يقول الخبراء بعد شيء من التعديل ليس المهم فقط أن يكون القائد على حق، بل إن من المهم أيضا أن يستطيع أن يثبت لمن يقود بأنه على حق.

الملاحظة السادسة : ليس من المعيب أن نستفيد من بعض الإيجابيات القليلة التي تحققت في العهود السابقة، خاصة ونحن سنحتفل بعد أيام معدودة بخمسينية الدولة الموريتانية التي يفترض أن ما تحقق فيها من إنجازات ـ رغم ضآلته ـ هو نتيجة لتراكمات تلك العهود. وبما أن هذه الرسائل ـ وكما قلت لكم سابقا ـ ستنحاز دائما للشرائح الأكثر فقرا، فإني هنا سأقدم لكم ثلاث مؤسسات، من ثلاث عهود "بائدة"، قدمت في الماضي للفقراء بعض الإنجازات الهامة، وهي اليوم عاجزة ـ في عهد الاهتمام بالفقراء ـ عن تقديم نسبة ضئيلة من تلك الانجازات. لقد أصبح من الضروري الاستفادة من ماضي تلك المؤسسات، والعمل بشكل جاد من أجل إعادة مستوى أدائها إلى ماضيه، حتى ولو تم اللجوء إلى إعادة تعيين من كان يديرها في تلك الفترات المضيئة من تاريخها.
أول هذه المؤسسات وكالة تشغيل الشباب والتي اكتتبت قبل 3 أغسطس 2005 وفي مدة قصيرة جدا، آلاف حملة الشهادات في وظائف مؤقتة، كما مولت مئات المشاريع الفردية والجماعية من خلال تقديم قروض معتبرة. هذه المؤسسة منذ 6 من أغسطس 2008 لم تقدم أي إنجاز، أكرر، لم تقدم أي إنجاز، لصالح حملة الشهادات العاطلين عن العمل والذين يعيشون ظروفا مقلقة ومأساوية.
ثاني هذه المؤسسات صناديق القرض والادخار، والتي كانت حاضرة كمؤسسة تنموية، وبشكل ميداني في عهد الرئيس السابق، وهي تعيش اليوم وضعية مزرية، جعلتها غير قادرة على أن تلعب أي دور تنموي مهما كان حجمه.
وثالث هذه المؤسسات الإعلام الرسمي وخاصة التلفزيون الذي كان قريبا شيئا ما من هموم المواطن العادي، في المرحلة الانتقالية الأولى، والذي هو الآن ـ رغم زيارتكم له ـ يمر بوضعية بائسة، تثير الشفقة والاشمئزاز في نفس الوقت.

وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد، وإلى الرسالة الخامسة عشر إن شاء الله.

الأحد، 14 نوفمبر، 2010

الاتحاد من أجل التصفيق


لقد صفق الموريتانيون كثيرا لرؤسائهم وخاصة في العقود الأخيرة، لقد صفقوا كابرا عن كابر، وصاغرا عن صاغر لأفران المصلحة، ولمحاربة السمنة، ولفصول محو الأمية، ولبرامج التدخل الخاص، ولمتاجر رمضان، ولحملات التنظيف، وللطاولات المدرسية، ولغرس الأشجار..
لقد صفق هذا الشعب المصفق بطبعه، كما لم يصفق أي شعب آخر.صفق العلماء والعقلاء والوجهاء والمثقفون والأغنياء والفقراء والأميون والمهمشون والصالحون والطالحون والأصحاء والمرضى والجياع والمتخمون والراشدون والسفهاء.صفق الرجال والنساء والشباب والكهول والشيوخ والأطفال...
لقد صفق كل شيء في هذا البلد، لذلك فإنه يُشرع لنا ـ بمناسبة الخمسينية ـ أن نتساءل ما الذي كنا نصفق له في طيلة هذه العقود؟؟؟
فهل حققنا في العقود الأخيرة أي إنجاز يستحق كل هذا التصفيق؟ ألسنا من أكثر الدول تخلفا؟ ومن أكثرها فقرا وجهلا ومرضا وفسادا؟ ألسنا من أقل شعوب الأرض وطنية؟ ألسنا في أسفل القاع رياضيا وثقافيا وأخلاقيا وتنمويا؟ ألسنا نحن البلد الوحيد الذي لا يزال وبعد مرور نصف قرن من استقلاله يتعامل رسميا بلغة غير دستورية ؟
المقلق حقا أن المخزون الاستراتيجي الموريتاني من التصفيق لا ينضب أبدا، بل إن احتياطنا من التصفيق ـ عكس غيره ـ من ثرواتنا الطبيعية في تجدد دائم، وفي ازدياد مذهل.
أقول هذا الكلام بمناسبة وصول عدد المصفقين في اتحاد جمهورية التصفيق إلى ثمانمائة ألف مصفق ومصفقة، مما يعني ـ إذا ما استثنينا الأرجل المصفقة ـ أن مليونا وستمائة ألف يد ستتنافس وستصفق بحرارة وحماس في اتحادية المصفقين، كما صفقت في عادل، وفي الحزب الجمهوري، و في هياكل المصفقين، أو كما صفقت قبل ذلك، أو صفق آباؤها أو إخوة لها في حزب الشعب المجبول على التصفيق.
ولأن البعض قد ينزعج من تسمية المناضلين الشرفاء، فرسان التغيير البناء، والجنود الجدد للحرب على الفساد، والحرب على الإرهاب، و الحرب على التصحر بالمصفقين، لأن البعض قد يزعجه ذلك فإنه قد يكون من المناسب أن أطرح التساؤلات التالية:
لماذا فشل ثمانمائة ألف "مناضل" في تقديم مقترح واحد لحكومة هي بأمس الحاجة للمقترحات؟ وكيف فشل ثمانمائة ألف "مناضل" في تقديم نصيحة واحدة لرئيس بحاجة ماسة لمن يقدم له النصح؟ وكيف عجز ثمانمائة ألف "مناضل" و"مناضلة" في تسويق إنجاز واحد من إنجازات رئيس الجمهورية؟ ( هناك إخفاقات وهناك ـ كذلك ـ إنجازات تحققت لم يستطع المصفقون تسويقها للرأي العام وأقصد هنا شق الطرق، والحرب على الإرهاب والتي تعتبر أهم إنجازات الرئيس الحالي رغم أنه تعرض بسببها لانتقادات كثيرة).
لقد فشل الثمانمائة ألف "مناضل" و"مناضلة" في كل ذلك، لأنهم ـ وببساطة شديدة ـ لم يجتمعوا في اتحاد المصفقين ليقدموا مقترحا أو نصيحة أو يسوقوا انجازا. لقد اجتمعوا لهدف واحد، ولغاية واحدة، وهي أن يصفقوا بأياديهم وبأرجلهم، فرادى وزمرا، كما صفقوا بالأمس في كل ساحات التصفيق وملاعبه التي تعرفهم ويعرفونها، فهناك هتفوا كثيرا.. وهناك تجمهروا كثيرا.. وهناك صفقوا كثيرا..وهناك زغردوا كثيرا..
لذلك فإنه من الحماقة أن نطلب من الثمانمائة ألف مصفق ومصفقة أفكارا أو مقترحات أو نصائح. فالثمانمائة ألف ولدوا ليصفقوا ويزغردوا، لا ليفكروا، ولا ليقترحوا، ولا لينصحوا. إنهم مصفقون بالفطرة..هكذا وُلدوا .. هكذا جُبلوا ..هكذا خُبزوا ..هكذا نشؤوا ..هكذا شبوا..هكذا شابوا..وهكذا قد يموتون..
ومن لطف الله بنا أن جيشنا على مذهب فقهي واحد، فلو كان في جيشنا ضابط حنبلي أو حتى شيعي وقاد انقلابا ناجحا لتحول ـ وبتلقائية عجيبة ـ ثمانمائة ألف مالكي موريتاني إلى شيعة أو حنابلة في أول يوم من أيام التصحيح الشيعي أو الحنبلي..
ولو أن ذلك الانقلاب نجح لقادت وزارة التوجيه الإسلامي حملة ضد مختصر خليل وموطأ مالك في كل القرى والمدن الموريتانية.
حتى أيادينا تحورت ولم تعد تصلح للبناء أو الأعمار بعد أن تخصصت وتفرغت للتصفيق. فحامل الشهادة العاطل عن العمل لم تعد له وسيلة يجربها للحصول على وظيفة غير التصفيق، والموظف لا يترقى في وظيفته بالكفاءة وإنما بالتصفيق، ورجل الأعمال يصفق لكي يحصل على صفقة عمومية، والمهتم بالشأن العام يصفق لكي تفتح أمامه قنوات التصفيق الرسمي من إذاعة وتلفزيون. والمظلوم يضطر للتصفيق لكي يرفع عنه الظلم. وبصفة عامة فالمواطن ـ أي مواطن ـ يصفق إجباريا لكي يحصل على حقوق المواطنة، أو على الأصح حقوق التصفيق، فحقوق المصفقين محفوظة دائما، أما حقوق المواطنين فهي ضائعة أبدا.
لقد فشلت كل حروبنا السابقة ضد السمنة والأمية والفقر لأننا خضناها بجيش جرار من المصفقين. ونحن اليوم مهددون بالفشل أيضا لأن حروبنا الجديدة ( الحرب على الفساد، والحرب على التصحر، والحرب على الإرهاب) نخوضها بثمانمائة ألف مصفق ومصفقة.
لذلك فنحن اليوم بحاجة ـ قبل أي حرب أخرى ـ لحرب جادة على ظاهرة التصفيق بكل أشكاله وتجلياته، ونحن في هذه الحرب الجديدة ـ والتي سيصفق لها المصفقون الذين نحارب تصفيقهم ـ ربما نحتاج إلى:
1 ـ إعلان يوم وطني تحت شعار يوم بلا تصفيق.
2 ـ تقديم مشروع قانون للبرلمان الموريتاني يجرم ظاهرة التصفيق بكل أشكالها.
3 ـ إطلاق حملات وقوافل داخل القرى والمدن للتحسيس بمضار التصفيق، مع التحذير من خطورة التصفيق لحملات محاربة التصفيق.
4 ـ تقييد أيادي و أرجل الثمانمائة ألف مصفق ومصفقة المنخرطين في الاتحاد من أجل التصفيق لمدة عامل كامل، بسلاسل حديدية قوية، مع إخضاعهم للتجارب التالية:
• الإعلان عن فشل محاولة انقلابية عبر قنوات التصفيق الرسمي ( تلفزيون، إذاعة) وبعد ذلك الإعلان يتم تحديد المصفقين والمصفقات الذين سيتمكنون من تحطيم السلاسل الحديدية للالتحاق بالمسيرات "العفوية" التي ستخرج للتنديد بالمحاولة الانقلابية الفاشلة.
• الإعلان بعد ذلك وبمدة عن بيان رقم واحد لحركة تصحيحية ناجحة عبر قنوات التصفيق الرسمي، ولا يهم تحديد اسم قائدها، ثم بعد ذلك يتم تحديد المصفقين والمصفقات الذين تمكنوا للمرة الثانية من تحطيم قيودهم للمشاركة في المسيرات "العفوية" التي ستخرج لتأييد حركة التصحيح الجديدة . يتم بعد ذلك نفي كل من تمكن من تحطيم قيوده لمرتين متتاليتين خارج البلاد لأنه مدمن تصفيق، ولا أمل في علاجه.
• يتم إخضاع ما بقى من الثمانمائة ألف مصفق ومصفقة لبرنامج تأهيلي مكثف لتدريبهم على عدم التصفيق، وذلك من خلال تقسيمهم إلى مجموعات. يتم إجبار كل مجموعة على قضاء أسبوع كامل في قصر المؤتمرات، حيث يستمعون وبشكل متواصل ولمدة أسبوع كامل لشريط يتم فيه تكرار جملة واحدة، كما يفعل محولو الرصيد، وهذه الجملة هي : " طبقا للتوجيهات السامية لرئيس الجمهورية". يتم بعد ذلك إطلاق سراح كل من تمر عليه الجملة ـ ولو لمرة واحدة ـ دون أن يصفق، أما الذين تمكنوا من مواصلة التصفيق ليل نهار ولأسبوع كامل فيتم إخضاعهم لدورة تدريبية أخرى أكثر قسوة قبل أن يتم دمجهم في حياة صحية خالية من التصفيق..
تصبحون على وطن خال من التصفيق...

الأربعاء، 10 نوفمبر، 2010

الحزام الناسف!


بسم الله الرحمن الرحيم
ابتدع مواطن مصري في فيلم سينمائي حيلة ذكية لخداع شرطة المرور، حيث صمم قميصا أبيض بعارضة سوداء كان يلبسه أثناء قيادته لسيارته لكي يوهم شرطة المرور بأنه يضع حزام الأمان.
لقد فات ذلك المصري بأنه كان يتحايل على نفسه ويخدعها قبل أن يخدع شرطة المرور. ونشوة الانتصار التي كان يشعر بها كلما تمكن من المرور بالشرطة بحزامه الوهمي دون أن يدفع غرامة كانت نشوة خداعة، ناتجة عن نظرة خاطئة لحزام الأمان. ولو أن ذلك المواطن المصري نظر نظرة سليمة لحزام الأمان لما خلعه حتى في الأماكن التي لا توجد فيها شرطة، وما فكر ـ أصلا ـ في ابتداع تلك الحيلة الذكية في الأماكن التي توجد فيها شرطة مرور.
ومن يتأمل هذه القصة سيكتشف ـ بلا عناء ـ أننا نحن جميعا، بشكل أو بآخر، لا نختلف عن المواطن المصري صاحب القميص الأبيض بالعارضة السوداء، وأننا جميعا نضع أحزمة وهمية، وأننا جميعا نخدع أنفسنا قبل أن نخدع "شرطة المرور". فأغلب الموريتانيين يصحو من نومه كل صباح ليبدأ التمثيل والسمسرة والاحتيال لكي يقنع الآخرين بدوره الذي يمثل وبحزامه الوهمي، لذلك فإن كل صاحب حزام وهمي مطالب ـ وبشكل فوري ـ أن يخلع ذلك الحزام . فكفانا ضحكا على أنفسنا، كفانا،كفانا، كفانا....
فالمنتخب(بفتح الخاء) صاحب الثوب الأبيض بالعارضة الزرقاء، والذي يُذكر بالبطاقة البيضاء ذات العارضة الزرقاء، لا يختلف كثيرا عن ذلك المواطن المصري صاحب القميص الأبيض بالعارضة السوداء. فهذا المنتخب الذي قد تسمع منه كلاما جميلا وهو يمثل دور البرلماني الذي ينتقد وزيرا أثناء مداولات البرلمان، هو نفسه الذي يتبدل حديثه إلى حديث آخر، إذا ما قابل ذلك الوزير في مكان خفي لا يوجد فيه تلفزيون.
والمنتخب صاحب العارضة الزرقاء، برلمانيا كان، أو عمدة، أو شيخا ينسى دائما هموم الوطن والمواطن كلما خلا بوزير أو مدير، وهو لا يتذكر في تلك الخلوة إلا همومه الخاصة. مما يعني أن ما نسمعه منه ليس إلا تمثيلا وخداعا للمواطنين، وهو لا يختلف في جوهره عن خداع المواطن المصري صاحب الحزام الوهمي لشرطة المرور.
لهذا المنتخب نقول كفى تمثيلا، كفى، كفى..فحزامك الوهمي قد يتسبب في حزام ناسف.
والوزير صاحب السيارة السوداء ذات العارضة الزرقاء قد يخدعك وتتوهم أنه وزيرعندما تشاهده وهو يقلب مجلدا من الملفات أثناء الاجتماع الأسبوعي للوزراء، أو عندما تشاهد حرسيا مسكينا يفتح له باب السيارة السوداء،كلما هبط منها أو "هبط" إليها، أو عندما تسمعه يتحدث عن الإنجازات "الجبارة" و"المعتبرة" التي حققتها الوزارة في ظل عهده الميمون. فهذا الوزير الذي قد تتوهم للحظات عابرة أنه وزيرا ليس بوزير حقيقي، وإنما هو شخص يتقن فن التمثيل وله قدرة عجيبة لأن يمثل دور الوزير في اجتماعات مجلس الوزراء، وأن يمثل ذلك الدور أثناء جلوسه في المقعد الخلفي لسيارته السوداء.
والحقيقة أنه إنما يرتدي حزاما وهميا لخداع المواطن البسيط، فهو إن خلا بنفسه لا يفكر إلا في طريقة لنهب شيء من موارد الوزارة، وهو يستطيع أن ينهي كل مأموريته دون أن يفكر ولو لخمس دقائق في هم من الهموم الكثيرة لوزارته. و يستطيع ـ وليته فعلها ـ أن يغط في نوم عميق طوال مأموريته، ولو أنه نام لكان حال الوزارة أفضل.
لهذا الوزير الممثل نقول لقد أصبحنا نعرفك على حقيقتك، ولقد عرفناك في عهد "العزيز" أكثر، فالعزيز الذي عينك وزيرا لا يعاملك على أنك وزير، وإنما يعاملك بوصفك موظفا من الدرجة العاشرة، فلا داعي لارتداء الحزام الوهمي لخداعنا، فاخلع حزامك الوهمي، وكفى تمثيلا،كفى، كفى..فحزامك الوهمي قد يكون سببا في حزام ناسف.
والسياسي الذي يختفي فجأة مع غروب شمس يوم التصويت، ولا تشرق شمسه إلا في المواسم الانتخابية، أو في المواسم التصحيحية، هو أيضا إنما يرتدي حزاما وهميا.
والسياسي ـ في هذا البلد ـ كلما فكر في خداع أمة من الفقراء، ارتدى حزامه الوهمي ولبس ثوبه الأشد بياضا من أرز الفقراء، وذلك قبل أن يهبط على حشد من الفقراء لا هو يعرفهم ولا هم يعرفونه، ليقول لهم ـ وهو لا تبدو عليه آثار السفر ولا السهرـ بأنه ما أغمض جفنا وما استراح له جنب لكثرة انشغاله بهموم المواطنين، خاصة الفقراء منهم.
لهذا السياسي نقول لقد اكتشفناك على حقيقتك، فاخلع حزامك الوهمي، فكفى خداعا، كفى، كفى..فحزامك الوهمي قد يتسبب في حزام ناسف.
وللمثقف صاحب الرأي المستطير( بالطاء لأنه لا شيء ينير في هذا البلد ) والذي يقيس كل شيء وفق "ترمومتر" مصالحه الخاصة، فإن عُيِّن أو أُعْطِي قال بأن أحوال البلد بخير. وإن مُنِع عطاءً أو أقيل من وظيفة أطلق صفارات الإنذار معلنا قرب دمار، وخراب، وهلاك البلاد والعباد.
وللمثقف الذي علمنا تقديس الأشخاص وازدراء الأوطان، وللمثقف الذي عرفناه نشطا كلما كانت هناك مناسبة تصحيحية أو انتخابية تستحق أن يجمع لها المنحدرون من القبيلة أو الولاية في فندق من الفنادق لتقديم بيانات التأييد والمساندة، وللمثقف الذي عرفناه كسولا خاملا إذا ما تعلق الأمر بالهم العام لمدينته أو لوطنه.
لذلك المثقف ـ إن جازت تسميته بالمثقف ـ نقول لقد انكشفت فلا داعي للتمادي في الخداع، اخلع حزامك الوهمي، فكفى خداعا، كفى، كفى..فحزامك الوهمي قد يتسبب في حزام ناسف.
وللصحفي الذي تأتيه الأوامر من أعلى سلطة في البلاد بأن يهتم بهموم المواطن ومع ذلك يظل ـ كما عهدناه ـ وفيا لمدرسة السمنة، وأفران المصلحة، وبرنامج التدخل الخاص، ومواكب غرس الشجر.
وللصحفي الذي يمدح بثمن، ويكتب بثمن، وينتقد طلبا لثمن، ويصفق بثمن، ويصور بثمن، ويصرخ بثمن، ويسكت بثمن، ويحيا بثمن، ويموت بلا بثمن.
لذلك الصحفي نقول أنت لست صحفيا، فالصحفي في العالم يناضل ويضحي في سبيل الحقيقة، أما أنت فتأتيك الأوامر من الرئيس لقول الحقيقة، ومع ذلك لا تستطيع أن تجرب قولها، ولا تستطيع أن تحاول ـ ولو لمرة ـ قولها حتى نعرف إن كان الرئيس جادا في أوامره أم لا؟ أنت لست صحفيا ولم يعد بإمكانك أن تخدعنا، فاخلع الحزام الوهمي، إن كنت تريد أن تكون صحفيا، وإلا فسنقول لك كفى خداعا، كفى، كفى..فحزامك الوهمي قد يتسبب في حزام ناسف.
وللإمام صاحب العمامة البيضاء، واللحية الكثة البيضاء، والذي يبيع وصل إفطار الصائم داخل مباني الوزارة، وللإمام الذي يتقاضى راتبا عن تدريسه في فصول وهمية لمحو الأمية، وللإمام الذي يجمع الأموال من دول الخليج لبناء المساجد وكفالة الأيتام، فيبذرها ذات الشمال وذات الشمال في مصالحه الخاصة والخاصة جدا.
لذلك الإمام نقول اتق الله في نفسك، واتقيه فينا، واخلع حزامك الوهمي، فكفى خداعا، كفى، كفى،كفى ،كفى..فحزامك الوهمي قد يتسبب في حزام ناسف.
للقاضي السمسار بالثوب الأسود، وللطبيب السمسار بالثوب الأبيض،وللأستاذ السمسار، وللشرطي السمسار، وللموظف السمسار، وللمثقف السمسار، وللصحفي السمسار، وللإمام السمسار، وللمواطن السمسار، وللسمسار السمسار...لكم جميعا نقول لقد آن الأوان لأن نخلع أحزمتنا الوهمية، فقد بلغت بلادنا من العمر خمسين حولا، فكفانا خداعا، كفانا، كفانا.. فأحزمتنا الوهمية هي التي تسبب في الأحزمة الناسفة.
فيا ليت قومي يفقهون ذلك.. ليتهم يفقهونه..
تصبحون بلا أحزمة وهمية......