الأحد، 27 مارس، 2011

كفانا إصلاحا..يا سيادة الرئيس!!!

سيدي الرئيس،
يؤلمني حقا ـ ولأسباب عدة ـ أن أحدثكم في هذه الرسالة المفتوحة، بلغة صريحة جدا، لم أحدثكم بها من قبل في كل رسائلي الثمانية عشر الماضية، ولا حتى في تلك التي كتبتها لكم من قبل التنصيب. ولقد أجلت كثيرا كتابة هذه الرسالة، في انتظار بادرة ما، أو قرار ما، أو موقف ما، أو رسالة ما، توحي بأنكم ستمنحون للظرفية الصعبة التي تمر بها البلاد ما تستحق من اهتمام، ومن قرارات وإجراءات ثورية، وهو ما كان سيشوش ـ وبكل تأكيد ـ على الخلاصات المفزعة التي توصلت إليها، والتي يمكن لكل متأمل لنهجكم الإصلاحي أن يتوصل إليها، ودون عناء ذهني يذكر.
إن هذه الصراحة التي سأحدثكم بها في هذه الرسالة، يفرضها أكثر من سبب. تفرضها أولا هذه الثورات التي تحدث قريبا منا، و التي قد تطالنا نحن أيضا، عكسا لما يقوله أنصاركم السلبيون. فنحن رغم أن نصيب كل واحد منا من الثروات الطبيعية يفوق نصيب الفرد في الدول الشقيقة التي ثارت شعوبها، إلا أن دخل الفرد فينا لا زال أقل بكثير من نظيره في تلك الدول. ومدارسنا التي نتعلم فيها لازالت أتعس من مدارسهم، ومؤسساتنا الصحية أسوأ بكثير من مؤسساتهم الصحية. ونحن لا زلنا نعاني من نسبة بطالة أعلى من نسب البطالة التي يعانون منها، كما أننا نفتح أعيننا في كل صباح على مساكن وشوارع لا يمكن ـ بأي حال من الأحوال ـ مقارنتها بمساكنهم وشوارعهم.
صحيح أننا نتميز عن كل تلك البلدان بأننا نملك حرية تعبير أكبر، ولكن ما فائدة حرية التعبير إذا كانت لا تساهم في إصلاح الأوضاع؟ وما فائدة التعبير، بل وما فائدة الصراخ إذا كان القائمون على أمرنا يرفضون سماع صراخنا؟ وما فائدة حرية التعبير إذا كانت انتقادات رئيس الجمهورية لا تترك أثرا إيجابيا؟ لقد انتقدتم الإعلام الرسمي فازداد سوءا، وانتقدتم التعليم فتراجع التعليم أكثر، وانتقدتم الصحة، وانتقدتم القضاء، وانتقدتم قطاعات أخرى كثيرة فانهارت أكثر.
وهذه الصراحة تفرضها ثانيا تحديات أخرى، لم تتسببوا ـ قطعا ـ فيها، إلا أنكم مع ذلك مطالبون بإيجاد حلول لها، لأنها حدثت في عهدكم. فالعودة الإجبارية للآلاف من المواطنين من ساحل العاج، ومن ليبيا، في ظل أزمة اقتصادية عالمية خانقة، لا بد أن تكون له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني.
وأخيرا فهذه الصراحة تفرضها مناصرتي الإيجابية لكم بعد أن أصبحتم رئيسا للبلد، وحرصي الشديد على نجاحكم في مأموريتكم، وهذه المناصرة أستطيع أن أقسم لكم، بأنها أصدق بكثير من المناصرة السلبية لكثير من أغلبيتكم، حتى وإن ظهرت في شكل يختلف عن كل أشكال المناصرة التقليدية التي تعودتم عليها، والتي ترتكز ـ في الأساس ـ على التصفيق الساذج بالأيادي والأرجل.
بدءا أقول لكم، وبالعربي الصريح، بأنه لو استمر الإصلاح على هذا النهج، وبهذه الوتيرة، ولو استمرت الحرب على الفساد بخططها الحالية، فإنه لن يكون من المستبعد أن يخرج الشعب عن بكرة أبيه، وعمه، وجده ليطالبكم بأن توقفوا سياستكم الإصلاحية، وبأن تعلنوا نهاية فورية للحرب على الفساد، أو على الأقل هدنة طويلة الأمد مع المفسدين.
ولو استمرت الأمور تدار بهذا النهج "الإصلاحي"، فلن يكون غريبا أن يحن الناس للعهود البائدة، ولن يكون غريبا أن تتعالى أصواتهم بالهتاف :"وامفسداه"، واطائعاه"، "وامؤتمناه".
إن أحاديثكم المتكررة، والتي ما فتئتم تؤكدون من خلالها بأنكم ماضون في برنامجكم الإصلاحي، أصبحت تشكل بالنسبة لغالبية الشعب كابوسا مزعجا. والشعب الذي زادت أوضاعه سوءا بعد عشرين شهرا تقريبا من جهودكم الحثيثة في الإصلاح، أصبح يتطلع إلى شيء آخر غير سياسة الإصلاح التي تنتهجونها. فالإصلاح الذي لا يخلق وظائف، ولا يمنح رواتب منتظمة، حتى ولو كانت هزيلة، ولا يحارب الفقر، بشكل جاد، ولا يحسن من الخدمات الصحية، ولا يصلح تعليما، ولا يأتي بعدالة اجتماعية، ولا يعيد الهيبة للقضاء، ولا يعزز مواطنة، ولا يفتح حوارا بين الشركاء الاجتماعيين والسياسيين، فهو إصلاح لن تصفق له إلا الفئة التي دأبت على التصفيق، والتي لا زالت أياديها رطبة من التصفيق لأفران المصلحة، ولحملات مكافحة السمنة، ولبرنامج التدخل الخاص.
لا إصلاح يمكن توقعه من خلال ترقيع حكومة فاشلة، كثر ترقيعها، واعترفتم أنتم بفشلها، حتى وإن كان اعترافا بالتقسيط، على طريقة البيع في دكاكين التضامن. فالحكومة فاشلة بالجملة، ويكفي لإثبات فشلها بالجملة، أن نجمع "أقساط اعترافاتكم". لقد اعترفتم منذ أسبوعين، بأن الإعلام العمومي لم يتحسن في عهدكم، واعترفتم في وقت سابق، بأن الصحة في عهدكم ليست على ما يرام، واعترفتم منذ شهر تقريبا، بأن القضاء في حالة يرثى لها، وأخير اعترفتم منذ ثلاثة أيام بأن التعليم فاشل.
أليست هذه هي القطاعات الأساسية التي وعدتم بإصلاحها؟ ألا يكفي أن تعترفوا أنتم أنفسكم بالفشل لنحكم نحن على نهجكم الإصلاحي برمته بالفشل ؟ ثم هل تعتقدون حقا بأن المواطن سينسى همومه اليومية الكثيرة بمجرد أن تعدوه بأنكم ماضون قدما في نهجكم الإصلاحي الذي اعترفتم أنتم بفشله؟
إن ظهور احتجاجات عنيفة، في قرى تصنف عادة على أنها محصنة ضد الاحتجاج: "فصالة" و "الغايرة" مثلا، وربما تتبعهما "انبيكت لحواش"، مع تصاعد واتساع غير مسبوق في الاحتجاجات الفئوية، لهو أقوى دليل على أن نهجكم الإصلاحي يعاني من اختلالات بنيوية، وعلى أنه يحمل في طياته بذور فشله.
وإن من أهم أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي:
1 ـ الارتجالية في اتخاذ القرارات: لم يعد مقبولا الاستمرار في ارتجال قرارات تؤثر سلبا أو إيجابا على مصير بلد بكامله، في زمن أصبح فيه التخطيط يفرض نفسه، في كل كبيرة وصغيرة، ولم يعد الارتجال ممكنا حتى لو تعلق الأمر بقرارات داخل الأسرة، أو قرارات في النوادي، أو في المنظمات، أو في المشاريع الصغيرة الخاصة.
ولأنكم كنتم عازمين على الاستمرار في الارتجال، ولأنكم لا تعطون اهتماما كبيرا للاستشارات، فقد انعكس ذلك كله على تعييناتكم. فلم تتعبوا أنفسكم بالبحث عن الكفاءات، فاخترتم طاقما استشاريا ليست له القدرة ولا الرغبة في تقديم الاستشارة الصائبة. واخترتم حكومة غير قادرة على إعداد التصورات، و تمتاز ـ ويبدو أن هذا هو المهم لديكم ـ بأن لديها قابلية عجيبة لتنفيذ القرارات المرتجلة، دون تفكير، ودون تردد.
إن شعوركم بعدم الحاجة للاستشارة، وعجز كل من حولكم عن تقديمها، إما لأنه لا يستطيع، أو لأنه لا يرغب، أو لأنه لا يملك الشجاعة الكافية، لهما أخطر عائقين أمام نجاح برنامجكم الإصلاحي.
ولقد انعكس ارتجال القرارات على كل قطاعات الدولة الأساسية، وأدى إلى إرباكها وشللها وعجزها عن أداء مهامها الاعتيادية.
ويمكن تقديم التعليم كمثال من أمثلة عديدة على خطورة الارتجال. ففي وقت كان فيه الجميع ينتظر انطلاق منديات التعليم الموعودة، للتشاور حول سبل إصلاحه، فاجأتم الجميع بقراركم المرتجل الذي فككتم من خلاله الوزارة إلى ثلاث وزارات.
ولقد ظهر فيما بعد بأن الهيكلة الجديدة للوزارة غير قابلة للاستمرار. ولعل من المفارقات اللافتة أنكم دعوتم في زياراتكم الأخيرة إلى ضرورة توجه الشباب للتكوين المهني، في الوقت الذي كنتم تعلمون فيه، أن وزارة التكوين المهني في شلل كامل منذ الهيكلة الجديدة. فالوزير المنتدب للتكوين المهني، وكل أعوانه، لا يستطيعون أن يتخذوا اليوم أي قرار في وزارتهم ، وهم لا زالوا ـ وحتى كتابة هذه الرسالة ـ ينتظرون رسالة تكليف من الوزير الأول، ومن وزير الدولة للتعليم تحدد لهم مهامهم وصلاحياتهم.
وإن ميلكم للارتجال، هو وحده الذي فسرت به الوضعية المزرية التي يتخبط فيها المكتب الوطني للإحصاء، والذي يعاني عماله من وضعية في غاية السوء، لم يعرفوها من قبل. فأنتم وحكومتكم في غنى عن خدمات المكتب الوطني للإحصاء، ولستم بحاجة لأرقامه وتوقعاته ودراساته، فقراراتكم مرتجلة، والقرارات المرتجلة لا تحتاج ـ قطعا ـ إلى إحصائيات وأرقام.
2 ـ من أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي، غياب الرؤية الواضحة، والتي لا يمكن لأي برنامج إصلاحي أن ينجح دونها. ولقد تحدثت رياضيا، وفي وقت سابق، عن معادلة التغيير، وعن أهمية وضوح الرؤية في تلك المعادلة.
لن أعود في هذه الرسالة لذلك، وإنما سأكتفي بالقول بأن التأمل في برنامجكم الإصلاحي، وخاصة في مجال وضوح الرؤية، يؤكد بأنه يعاني من إشكال خطير ينتج عنه ـ وبشكل تلقائي ـ إشكالا آخر، لا يقل خطورة. فعدم وضوح الرؤية الإصلاحية لديكم أدى إلى بروز تنافر قوي في مجموع خطاباتكم، وقراراتكم، ومواقفكم، ورسائلكم. والتنافر هذا تسبب بدوره، في فشلكم في تسويق رؤيتكم للإصلاح، لأنها لم تكن واضحة أصلا لديكم.
ولتوضيح ذلك أكثر يمكن تقديم النماذج التالية، من عدم وضوح الرؤية، في برنامجكم الإصلاحي:
النموذج الأول: في فاتح مارس من العام الماضي ترأس الوزير الأول يوما احتفاليا باللغة العربية، وتحدث يومها بحماس كبير. وفي فاتح مارس من هذا العام، ترأس الاحتفال مستشار وزيرة الثقافة ، وأظهرته الوكالة الموريتانية للأنباء في صورة على طاولة جرداء، وخالية من أي مكرفون، ومن أي قنينة ماء.
المقارنة بين اليومين، تؤكد بأن موقفكم من مسألة اللغة العربية لم تحسموه بعد.
النموذج الثاني : في أحد التعديلات الوزارية ظهرت كتابة للشؤون الإفريقية فجأة، وفي تعديل آخر اختفت فجأة. هذا يعني بأنكم لم تحددوا حتى الآن مستوى علاقاتكم بالدول الإفريقية، ولا زالت الرؤية غير واضحة في هذا المجال.
النموذج الثالث: نظمتكم ـ لأول مرة في تاريخ البلد ـ لقاءً مع الشعب بمناسبة ذكرى التنصيب، بل إن بعض المواقع الإخبارية تحدثت عن خروجكم بلا بروتوكول للحديث مع بعض المحتجين أمام القصر. في المقابل فإنكم لم تنجحوا حتى الآن، في فتح حوار مع المعارضة. فأنتم في بعض الأحيان تظهرون انفتاحا غير مسبوق، وفي أحيان أخرى تظهرون انغلاقا غير مسبوق. هذا يعني أن الرؤية لم تتضح لديكم بعد، فيما يخص نمط وطبيعة وشكل التواصل، بينكم وبين المواطنين والشركاء السياسيين.
3 ـ من أسباب فشل برنامجكم الإصلاحي، أنكم تجاهلتم أن الحرب على الفساد، لابد لها من جناحين تحلق بهما. الجناح الأول هو مبدأ المكافأة، وإعطاء الأولوية في التعيينات للموظفين النزهاء الأكفاء. هذا الجناح ظل غائبا ـ وبشكل كامل ـ في حربكم على الفساد. أما الجناح الثاني، وهو الجناح المتعلق بالعقوبة، فقد انحرف ـ في بعض الأحيان ـ عن المسار الصحيح.
وكمثال على ذلك، فقد ذكرت بعض المواقع الإخبارية، بأنكم أمرتم الخزينة ـ لأسباب سياسية بحتة ـ بأن تعيد إلى رئيس حزب الوئام المبالغ الكبيرة، التي أُجبر على دفعها، في وقت سابق، بدعوى الاختلاس.
لا يجوز لكم أن تعيدوا أموال الشعب لمن اختلسها، إذا كان فعلا قد اختلسها. أما إذا كان بريئا، فعلى القضاء أن يعلن ذلك، وعلى السلطات أن تعتذر له علنا عن الضرر الذي ألحقته به، لكونها قد اتهمته سابقا وعلنا، بالاختلاس وبسرقة المال العام.
وهناك صور وقرارات عديدة أخرى، لا تنسجم إطلاقا مع الحرب المعلنة على الفساد. فإلغاء حظر استيراد بعض أنواع السيارات مثلا، بعد المصادقة عليه في البرلمان، دون العودة إلى البرلمان، شكل صدمة كبيرة في هذا المجال.
كما أن تعيين عدد كبير من المفسدين، شكل انتكاسة كبيرة لهذه الحرب المعلنة. وهناك حجة ذكرتموها أكثر من مرة، مفادها أن المفسدين الذين عينتموهم، لن يكون بإمكانهم أن يختلسوا المال العام في عهدكم.
وفضلا عن صعوبة تصديق ذلك، فإن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاسهم للمال العام، وإنما تكمن في خيبة الأمل، التي يتسبب فيها تعيين كل مفسد، للكثير من الموظفين المستقيمين، والذين قد يفتر حماس بعضهم، وينحرف عندما يتم حرمانه من التعيين، في الوقت الذي يتابع فيه تعيين المفسدين فرادى وجماعات.
سيدي الرئيس،
إن الإصلاح الذي نطمح إليه، هو ذلك الإصلاح الذي يكون نتاجا لخطط مدروسة من قبل الخبراء، أيا كان انتماءهم السياسي، تصاغ في شكل مشاريع قوانين يصادق عليها البرلمان، وتطبقها الحكومة. وهو أيضا يجب أن يكون نتاجا لتراكم قرارات، ومواقف متناسقة، ذات طبيعة إصلاحية واضحة، يتضح دون عناء لمن يتأملها أنها إصلاحات فعلية لا شكلية. أما رفع شعار الإصلاح، في الوقت الذي تكون فيه أغلب القرارات والمواقف المتخذة، لا يمكن كشف وجهها الإصلاحي، حتى ولو بكثير من لي الأعناق، فذلك إصلاح لن يقنع أحدا، خاصة في عام الثورات هذا.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد..وإلى الرسالة العشرين، إن شاء الله.

الأحد، 20 مارس، 2011

أي إعلام عمومي تريدون؟


تابعت ـ باهتمام بالغ ـ تصريحين متواليين ومتطابقين لرئيس الجمهورية انتقد فيهما الإعلام الرسمي، على هامش لقاءين متعاقبين ببعض ممثلي قطاع الصحافة، كان أولهما مع مكتب تجمع الصحافة، أما ثانيهما فقد كان مع نقيب الصحفيين الموريتانيين.
كما أني كنت قد تابعت قبل ذلك ـ وبفضول كبيرـ بعض التصريحات التي تميزت بنبرة حادة، وبجرأة غير مسبوقة أطلقها بعض العاملين في قطاع الإعلام الرسمي، وتوعدوا فيها بتنظيم سلسلة من الاحتجاجات والاعتصامات المتوالية، للمطالبة بحقوقهم المشروعة، والتي كان ـ ولا زال ـ على رأسها المطلب الشهير المتعلق بزيادة 50%.
والحقيقة أن كل تلك التصريحات لم تقدم أجوبة مقنعة على أسئلة ملحة، وإنما أثارت أسئلة عديدة، وغذت شبهات قديمة جديدة مرتبطة بقطاع يمكن اعتباره بأنه هو "التفاح الفاسدة" التي أفسدت كيس التفاح كله، فلا مصيبة في هذا البلد إلا وللإعلام الرسمي مساهمة جبارة في حدوثها.
وحتى لا أكرر كلاما قديما كنت قد عبرت عنه في مقالات سابقة، فإني سأحاول أن أخصص هذا المقال للإجابة على سؤالين في غاية الأهمية، أحدهما أثارته تصريحات رئيس الجمهورية، والتي أكد فيها بأنه أعطى تعليماته بضرورة فتح وسائل الإعلام أمام الجميع، إلا أن العاملين في تلك المؤسسات لم ينفذوا تلك التعليمات. أما ثانيهما فقد أثاره العاملون في الإعلام الرسمي عندما توعدوا بتنظيم سلسلة من الاحتجاجات للمطالبة بحقهم في زيادة 50% التي حُرموا منها.
يقول السؤال الأول : هل الرئيس جاد فعلا في فتح مؤسسات الإعلام الرسمي أمام الجميع؟
والإجابة على هذا السؤال تفترض أن نميز في البداية بين كلمتي الرغبة والإرادة، وهذا التفريق بين الكلمتين هو وحده الذي سيمكننا ـ وحتى إشعار آخر ـ من إيجاد تفسير منطقي للتناقض الصارخ بين رغبة الرئيس المعلنة في الإصلاح، وغياب الإرادة الجادة في فرض ذلك الإصلاح المنشود.
فلا جدال ـ حسب ظواهر الأمور ـ في أن الرئيس يرغب فعلا في التحسين من أداء الإعلام الرسمي، وفي فتحه أمام جميع الموريتانيين، وفي منحه مزيدا من الاستقلالية.
لا جدال في وجود تلك الرغبة التي تظهر من خلال بث كل مداولات البرلمان ـ بأمر من الرئيس ـ رغم أن بعض النواب، استغل تلك المداولات في بعض الأحيان، للإساءة لشخص رئيس الجمهورية، وتحدث فيها بعضهم عن رئيس الجمهورية بطريقة لا تليق.
ومما يجب أن نلفت الانتباه إليه هنا هو أن وسائل الإعلام الرسمي التي نقلت كل مداولات البرلمان، لم يكن في مصلحتها، ولا في مصلحة النظام، أن تغلق أبوابها أمام أي نقاش آخر، مهما كانت حدته، لأن ذلك النقاش ـ وببساطة شديدة ـ لن يكون أكثر حدة من انتقادات نواب المعارضة للرئيس ولأغلبيته.
وتظهر كذلك رغبة الرئيس في تحسين أداء الإعلام الرسمي، من خلال لقائه بالشعب بمناسبة ذكرى التنصيب، رغم ما شاب ذلك اللقاء من أخطاء تعمدها القائمون عليه.
كل تلك الإشارات تقول بأن الرئيس يرغب فعلا في استقلالية الإعلام الرسمي، ولكن في المقابل هناك إشارات أخرى أكثر وضوحا، تقول بأن الرئيس ليست له إرادة جادة لتحسين أداء الإعلام الرسمي، ولو كانت هذه الإرادة موجودة لدى الرئيس فعلا، لقام بأول خطوة في سبيل تحقيق ذلك، ولاختار لإدارة تلك المؤسسات من يسعى بصدق، ويمتلك ـ في الوقت نفسه ـ القدرة اللازمة لتحسين أداء تلك المؤسسات الفاشلة حتى الآن.
ولو كان الرئيس يسعى فعلا للتحسين من أداء تلك المؤسسات لأعاد الاعتبار للصحافيين والإعلاميين المشهود لهم بالتميز، والذين تم إبعادهم وإبدالهم بمن لا صلة له بالإعلام، ولا قدرة له على التحسين من أدائه، حتى ولو مُنح زيادة 500% على راتبه.
وقبل أن أختم الجواب على السؤال الأول لا بد أن أشير بأنه قد يُقبل من العبد الفقير كاتب هذا المقال، ومن غيره من عامة الناس، أن تكون لهم رغبة في إصلاح الإعلام الرسمي، دون أن ينفذوا تلك الرغبة، لأنهم لا يملكون الوسائل اللازمة لتنفيذ تلك الرغبة ميدانيا. أما أن تكون للرئيس ـ الذي يملك كل تلك الوسائل ـ رغبة في الإصلاح، دون أن يجسد تلك الرغبة ميدانيا، فذلك يعني أن الرغبة لم تكن موجودة أصلا، وهو ما ينسف كل ما قيل سابقا للإجابة على السؤال الأول.
بل إنه فوق ذلك يمكن القول ـ لنسف ما قيل سابقا ـ بأن الرئيس عندما ينتقد الإعلام الرسمي، أو أي قطاع حكومي آخر، إنما ينتقد نفسه، لأنه هو المسؤول أولا و أخيرا أمام الله، وأمام الشعب الموريتاني عن كل تلك الأخطاء التي ينتقدها. وعلى الرئيس أن يعلم بأن أي تلميذ في الإعدادية يمكن له أن يكشف كل عيوب الإعلام الرسمي، لأنها واضحة جلية. ونحن لسنا بحاجة لرئيس ينتقد عيوبا صارخة، بقدر ما نحن بحاجة لرئيس يصلح تلك العيوب الصارخة. وبلغة أيامنا هذه، فإن الشعب لا يريد رئيسا ينتقد الأوضاع، وإنما يريد رئيسا يُصلح تلك الأوضاع. وإذا كانت القدرة على انتقاد الواقع تنفع كثيرا أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، فإن الاعتماد عليها قد يضر كثيرا من أصبح هو الرئيس.
أما السؤال الثاني الذي سأحاول أن أجيب عليه في هذا المقال فيقول: هل يحق للإعلاميين الرسميين أن يطالبوا بزيادة 50% أم أنه لا يحق لهم ذلك؟
في البداية أقول بأنه يحق لكل عامل ـ نظرا لتدني الرواتب ـ أن يحتج، وأن يناضل، وأن يطالب بزيادة راتبه بنسبة معتبرة ( لا أقصد هنا الدلالة اللغوية لكلمة معتبرة في قاموس الوزير الأول).
وأقول ـ تلمسا لعذر عن كلام سأقوله بعد حين ـ بأني كنت قد طالبت الوزارة الوصية في مقالات سابقة بأن تمنح للعاملين في الإعلام الرسمي زيادة 50 % التي مُنحت لغيرهم من العمال.
كما أني كنت قد خصصت قبل ذلك أسئلة عديدة لصالح مؤسسات الإعلام الرسمي من بين خمسين سؤالا كتبتها لرئيس الجمهورية، مباشرة بعد الإعلان عن لقاء الشعب، بمناسبة ذكرى التنصيب.
تلك الأسئلة مع غيرها من الأسئلة، التي ظل يطرحها غيري، والتي تهم العاملين في الإعلام الرسمي، كان يمكن طرحها على رئيس الجمهورية خلال ذلك اللقاء، إلا أن بعض العاملين، وبعض القائمين على مؤسسات الإعلام الرسمي، هم الذين ضيعوا تلك الفرصة اليتيمة، التي كان يمكن من خلالها أن يتم طرح مشاكلهم ـ وبشكل مباشرـ على رئيس الجمهورية.
وبالعودة إلى جواب السؤال، فإني أقول بأنه لا يحق لكثير من العاملين في الإعلام الرسمي أن يطالبوا بزيادة 50%، بل إنه لا يحق للكثيرين منهم أن يتقاضى راتبه أصلا، حتى من دون تلك الزيادة.
لا يحق لهم ذلك لأسباب عديدة أذكر منها اختصارا:
1 ـ إن عمال الإعلام الرسمي يتقاضون رواتبهم من ثروة الشعب، لذلك فإنهم مطالبون بخدمة الشعب لا خدمة غيره. ويتأكد الأمر أكثر عندما تتكرر الأوامر من أعلى سلطة في البلاد لتطالبهم بالتفرغ لمهمتهم، والابتعاد عن التطبيل والتصفيق للرئيس ولأغلبيته.
ولأن الكثير من العاملين في هذا القطاع الحيوي لم يهتموا في الماضي، ولا في الحاضر، بالشعب ولا بهمومه، لذلك فإنهم لا يستحقون الرواتب التي يتقاضونها من ثروة هذا الشعب المسكين والمغلوب على أمره.
إن على المطالبين بزيادة 50% أن يؤدوا واجبهم قبل المطالبة بتلك الزيادة. وعليهم أن يتوبوا قبل ذلك كله من الضرر الذي ألحقوه بالشعب الموريتاني المسكين.
عليهم أن يتوبوا من كل ذنب اقترفوه في حق كل مواطن مات مريضا، ولم يجد علاجا، ولم يُسمج له أن يُسْمِع أنينه قبل موته، من خلال مؤسسات الإعلام ( تلفزيون ، إذاعة، الشعب).بل إن ذلك المواطن المسكين وهو يموت بلا علاج ، كان يسمع من بعض المطالبين اليوم بحقهم في الزيادة، بأن المؤسسات الصحية تؤدي مهامها على أحسن وجه.
وعليهم كذلك أن يتوبوا من كل ذنب ارتكبوه في حق جياع كثر، وفقراء كثر، وعاطلين عن العمل كثر، ومظلومين كثر لم يسمحوا لهم بأن يتحدثوا في وسائل الإعلام التي يصفونها زورا بأنها مؤسسات عمومية ووطنية.
وعليهم ـ قبل المطالبة بالزيادة ـ أن يتوبوا من ذنوب اقترفوها في حق معارضين كثر، سبوهم، وشتموهم، وقذفوهم بأبشع الأوصاف، في مؤسسات الإعلام " الوطني"، ليس خدمة للشعب، وإنما تزلفا لحاكم، سريعا ما ينقلبون عليه وينتقدوه، بعد أول دقيقة يعلن فيها أنه قد انقلب عليه منقلب آخر.
2 ـ إن الصحفي العمومي الذي يستحق راتبا محترما هو ذلك الصحفي الذي يناضل ويضحي بوقته وبجهده وبسمعته، وحتى بعمله، من أجل أن يفرض على المؤسسة التي يعمل فيها أن تمنحه استقلالية كافية، تمكنه من تأدية مهمته النبيلة على أحسن وجه. أما الصحفي العمومي الذي "يناضل" و"يضحي" بوقته وبجهده وبسمعته من أجل أن يعيق أي تحسن، أو أي استقلالية في المؤسسة الني يعمل بها، حتى ولو كانت تلك هي "رغبة" أعلى سلطة في البلاد. إن مثل هذا الصحفي لا يستحق الراتب الذي يتقاضاه، أحرى أن يطالب بزيادته.
3 ـ إن أهم خطوة إصلاح يمكن اتخاذها في الوقت الحالي، إذا ما ظل الرئيس يرفض أن يعين على تلك المؤسسات من له القدرة والرغبة في إصلاحها، هي العمل على ترشيد الموارد التي تهدرها مؤسسات الإعلام الرسمي، خاصة التلفزيون والوكالة الموريتانية للأنباء ( الإذاعة قد تكون أحسن قليلا)، وذلك من خلال إغلاق تلك المؤسسات التي فشلت فشلا ذريعا، في أن تقدم شيئا مفيدا للمواطن وللدولة، وتشريد كل العاملين فيها.
فتوفير فاتورة الكهرباء التي تكلفها التلفزيون، وتوزيع المبلغ المخصص لتلك الفاتورة على فقراء" فصالة" أو "الغايرة" قد يكون أكثر أهمية من استمرار التلفزيون بباقته الشاحبة التي يطالعنا بها كل يوم.
4 ـ لا خلاف على أن القائمين على هذه المؤسسات لا يملكون موارد كافية، ولا خلاف على أن ظروف العاملين في تلك المؤسسات ليست مريحة، وأن الوسائل المتاحة لهم لتأدية مهامهم قد لا تكون كافية، لا خلاف على كل ذلك. ولكنه لا خلاف أيضا على أن الأوجه الحالية المسيطرة على شاشة التلفزيون، وعلى بقية مؤسسات الإعلام الرسمي ليست لها رغبة أصلا في تقديم ما يفيد المواطن.
فإعداد برنامج تلفزيوني، أو إذاعي، أو تخصيص صفحة في الشعب مثلا لتأبين المرحوم عالم الرياضيات الشهير يحيى ولد الحامد لا يحتاج إلى موارد مالية، بقدر ما يحتاج إلى حس وطني، وأخلاقي، وإنساني كثيرا ما يغيب عن العاملين في تلك المؤسسات.
وربما يقول قائل هنا بأن تجاهل مؤسسات الإعلام الرسمي، لوفاة المرحوم يحيى ولد الحامد، إنما هو ناتج عن تجاهل السلطات الرسمية لتلك الفاجعة.
وفي اعتقادي الشخصي أن تجاهل السلطات الرسمية لوفاة عالم الرياضيات الشهير، إنما هو بسبب سلبية السلطات الرسمية، وبسبب غياب روح المبادرة لدى الحكومة، التي لا يمكن لأي وزير فيها أن يتخذ أي قرار مهما كانت بساطته، إذا لم تصدر له "توجيهات سامية" باتخاذ ذلك القرار.
ولو أن أي صحفي في الإعلام الرسمي من الصحفيين المطالبين اليوم بزيادة 50% قرر ـ بمبادرة شخصية ـ أن يقوم بتأبين عالم الرياضيات الراحل، لما وجد ـ بالتأكيد ـ من يمنعه من ذلك، ولكن المشكلة تكمن في أن أولئك الذين يطالبون اليوم بحقوقهم كاملة، لا زالوا يرفضون ـ وبإصرار عجيب ـ تأدية واجباتهم، حتى منها تلك التي لن تسبب لهم ضررا مهما كانت بساطته، بل أن مثل تلك المبادرات التي لا كلفة لها، كانت ـ على العكس ـ ستساعدهم في أن يكتسبوا مصداقية هم بأمس الحاجة إليها.
6 ـ من الغريب أن لا يتذكر بعض الإعلاميين الرسميين الغاضبين أصحاب الرأي، وقادة الفكر، إلا في أوقات الشدة والعسرة. ومن الغريب أن يطلب الإعلاميون الغاضبون مناصرة من حجبوا عنهم التعبير عن آرائهم من خلال مؤسسات من المفترض ـ أو هكذا يقال ـ إنها مؤسسات عمومية مفتوحة للجميع.
فكم من صاحب رأي حرمه صحفيو الإعلام الرسمي من الظهور في المؤسسات التي اغتصبوها، وانحرفوا بها عن مسارها الوطني، وحولوها إلى مؤسسات لإعاقة التغيير، بدلا من أن تكون مؤسسات لإحداث التغيير.
وكم من صاحب رأي مستنير ربما توقع أن يستضيفه التلفزيون "الكولومبي" قبل أن يستضيفه التلفزيون "الوطني". وكم من صاحب رأي مستنير توقع أن تستضيفه إذاعة "لكوادور" قبل أن تستضيفه الإذاعة "الوطنية". وكم من صاحب قلم رصين توقع أن تنشر له الجريدة الرسمية لهايتي ـ لا أدري إن كانت لهايتي جريدة رسمية ـ قبل أن تنشر له الجريدة الرسمية الموريتانية.
إن مشكلة الإعلام الرسمي لا يمكن اختزالها في زيادة 50 %، ولن يتم حلها ـ بالتأكيد ـ من خلال منح زيادة لعمال اكتتبوا بطرق لا صلة لها بالشفافية إطلاقا.
إن أزمة الإعلام الرسمي أشد استفحالا، وأكثر عمقا من ذلك كله، وهي لا تختلف عن أي أزمة من الأزمات الكثيرة التي تتخبط فيها كل المؤسسات العمومية.
إنها أزمة نتجت في الأساس عن حصاد سنوات عجاف، لم يعقبها ـ حتى الآن ـ عام أغيث فيه الناس، وهي سنوات عجاف ظلت فيها تلك المؤسسات تطرد وتهمش وتقصي خيرة موظفيها، في الوقت الذي كانت تستقطب فيه صغار الناس، وترفعهم مكانا عليا، ليفسدوها، ويفسدوا من خلالها المجتمع كله.
لذلك فإن إصلاح الإعلام الرسمي ، إذا ما كان يُراد له الإصلاح، يجب أن يبدأ أولا بتثبيت قوة طاردة وجاذبة في كل مؤسسات الإعلام الرسمي، طاردة لكل "الصغار" الذين تضخموا كثيرا، وقادرة على أن تلفظهم بعيدا، في الوقت الذي تستطيع فيه أن تجذب " الكبار" الذين تقزموا كثيرا بفعل التهميش و الإقصاء الممنهج.
إن إصلاح الإعلام الرسمي بدون التصالح مع أولئك الكبار، لن يكون إلا مهزلة جديدة، تضاف إلى المهازل الكثيرة التي دمرنا بها، ولازلنا ندمر بها، هذا البلد المتعطش ـ بكل قطاعاته ـ لإصلاح جدي.
تصبحون على إعلام عمومي ..

الاثنين، 14 مارس، 2011

كيف تُزيح دكتاتورا عربيا في ثلاثة أسابيع!؟


لن يكون غريبا في عام الثورات هذا، أن تصدر عشرات الكتب التي تحمل مثل هذا النوع من العناوين المغرية، على طريقة كتب كيف تتعلم الانجليزية في شهر، أو كيف تكون مؤثرا في أسبوع. ونظرا لأن هذه الثورات المباركة كانت ثورات عربية خالصة، فلن يكون غريبا كذلك أن تتأثر عناوين الكتب المحتملة الصدور بالخصوصية العربية والإسلامية في صياغة العناوين. فربما نسمع عن كتاب "المختصر المفيد في سقوط العقيد"، أو كتاب "صريح الأقوال لإزاحة الجنرال"، أو كتاب " سبع خطوات للإطاحة بأعتى الديكتاتوريات"، أو غير ذلك من العناوين المنظومة.
هي إذاً عناوين كثيرة محتملة لكتب قد تصدر أو لا تصدر، اخترنا من بينها تلخيصا لكتاب افتراضي لم يصدر بعد، تحت عنوان " كيف تزيح دكتاتورا عربيا في ثلاثة أسابيع!؟". وفي هذا الملخص لن نقدم ـ بالتأكيد ـ نصائح عملية ملموسة لإزاحة دكتاتور عربي في ثلاثة أسابيع ، وإنما سنحاول ـ بدلا من تقديم خطوات عملية بشكل مباشر ـ أن نتتبع بعض الملامح المشتركة بين الثورات الثلاث ( التونسية، المصرية، الليبية) في محاولة لمعرفة أسرار نجاح تلك الثورات، في إزاحة ثلاثة دكتاتوريين لم يكن من المتخيل أن إزاحتهم ستكون بتلك البساطة، وبتلك السرعة التي تمت بها.
رحل دكتاتوران، والثالث سيرحل قريبا لا محالة، بفعل ثورات شبابية تشابهت ملامحها وإن اختلفت في بعض التفاصيل الصغيرة. ومن بين الملامح المشتركة كانت هناك ملامح ظاهرة وجلية لا تحتاج لجهد فكري كبير من أجل تلمسها، ويمكن أن أذكر منها في هذا المقال سبعا.
1 ـ الشعور بالمسؤولية لدى أغلب المشاركين في الثورات الجديدة، حيث لوحظ في هذه الثورات ـ وهذه من أهم ميزاتها ـ أن كل مشارك كان يتصرف وكأنه لوحده في الميدان، أو كأنه هو وحده، دون غيره، من يقع عليه عبء نجاح الثورة، دون أن يعني ذلك غياب روح العمل الجماعي. لقد كان الجميع يفكر فردا فردا، ويقترح فردا فردا، وينزل إلى الميدان فردا فردا. وغابت السلبية والإتكالية عن المشاركين في هذه الثورات، ولم يكن هناك مشارك يقبل ـ عكس ما كان يحدث في السابق ـ أن ينوب عنه مشارك آخر، أو أن يناضل، أو أن يضحي نيابة عنه.
2 ـ لقد استطاعت هذه الثورات وفي بدايتها أن تستقطب خيرة الشباب في البلدان التي اشتعلت فيها تلك الثورات، حيث لوحظ أن الشباب الذي قاد ـ وبشكل جماعي ـ تلك الثورات كان هو الشباب الأكثر تعلما، والأكثر وطنية، والأكثر تحضرا، والأكثر سلمية، والأكثر معاصرة، خاصة من حيث القدرة على تطويع التكنولوجيا واستخدامها لصالح القضايا التي يناضل من أجلها.
ووجود هذه النخبة الشبابية الرائعة هو الذي أسقط كثيرا من "الخرافات" التي كان يجمع عليها الناس، والتي كانت تُعيق كل تغيير عن طريق الاحتجاج والثورات الشعبية.
فأسقط الشباب خرافة الفوضى، ولم يعد التظاهر والاحتجاج يعني الفوضى. وذلك بعد أن أثبت الشباب الثائر في تونس، وفي مصر، وفي ليبيا بأنه أشد حرصا على النظام و السكينة والأمن من الأنظمة الحاكمة، والتي كان من المفترض أن تكون أكثر حرصا على تحقيق كل ذلك. وقد ظهر ذلك من خلال تأسيس لجان شعبية لتوفير الأمن، كما ظهر أيضا من داخل ساحات الاحتجاج نفسها، والتي كانت آمنة من الداخل، ومنظمة بطريقة مبهرة، خاصة في القاهرة التي كان يجتمع في ميدان تحريرها الملايين من المحتجين.
وسقطت خرافة الفتنة، ولم يعد التظاهر مرادفا للفتنة الطائفية أو القبلية أو العرقية. فقد استطاع الشباب الثائر أن يُظهر صورا راقية من اللحمة الوطنية بين الطوائف والأعراق والأديان والقبائل لم يكن بالإمكان مشاهدتها قبل اشتعال تلك الثورات المباركة.
3 ـ لقد استطاع الشباب الثائر أن يثبت بأن هذا الجيل الجديد من الثورات، ليس ثورات جياع يقودها جياع، أخرجهم الجوع إلى الشوارع، ليحتجوا بعنف، ولينهبوا، وليسرقوا ما يسد رمقهم. ومع أن هناك جياعا كثرا في ثورات الفيس بوك إلا أنهم يختلفون عن غيرهم من الجياع، فهم متعلمون راشدون ووطنيون، ولم ـ ولن ـ يقبلوا بأن يخربوا أوطانهم في سبيل وجبة من طعام.
ولقد استطاع شباب الثورات الجديدة، أن يفرضوا على الأوساط الإعلامية والسياسية والنخبوية بصفة عامة استبدال مصطلح مشين ومنفر ( ثورة الجياع)، بمصطلح أخر متحضر وأنيق وجذاب (ثورة الفيس بوك).
4 ـ يمتاز ثوار الفيس بوك بأن لهم قدرة فائقة على رسم الأهداف الطموحة، والتي تمتاز بخاصيتي الهدف الطموح، من حيث كونه صعبا وممكنا في نفس الوقت. فهم يختلفون عن فئتين من المناضلين السياسيين التقليديين لم يتسم نضالهما بالفعالية، وتسببتا، بشكل أو بآخر، في استمرار هذا الواقع البائس الذي تعيشه المجتمعات العربية. وهاتان الفئتان هما : فئة كانت تناضل من أجل تحقيق أهداف تافهة، وسخيفة، كالسعي لتحقيق بعض المصالح الشخصية لقادتها، أو تحقيق مصالح حزبية ضيقة في أحسن الأحوال، وفئة ثانية ظلت تناضل في سبيل أهداف نبيلة، بطرق مستحيلة ، وفاتها بأنها كانت تهدر طاقاتها في أهداف مستحيلة التحقيق في ظل الوضعية العربية الراهنة، فتحقيق الوحدة العربية يسبقه تحقيق الوحدة الوطنية الداخلية، وتحرير فلسطين لن يأتي إلا بعد تحرير الشعوب العربية من الدكتاتوريات التي تحكمها. كما أن ثوار الفيس بوك أثبتوا كذلك أنهم قادرون على التفريق ـ عكس المناضلين التقليديين ـ بين الأهداف الإستراتيجية، والأهداف المرحلية و الإجرائية والتكتيكية التي لا تتعدى كونها مجرد درجات في السلم لابد من المرور بها للوصول إلى الهدف الاستراتيجي، دون أن يعني ذلك أنها تستحق التوقف بشكل نهائي عند إحداها.
5 ـ تتسم هذه الثورات بخطابها المقنع و بشعاراتها الجذابة التي استطاعت أن تستقطب شرائح وفئات عديدة، في وقت قياسي. فهذه الثورات التي بدأت بالشباب، تحولت في وقت قصير إلى ثورات شعبية انضمت لها كافة الشرائح والفئات، والتحق بها الشيوخ والأطفال والنساء والعلماء والمثقفون والبسطاء والعاطلون والموظفون والفنانون ...
ولقد تميزت هذه الثورات بأنها ابتعدت بحكمة بالغة عن كل الشعارات والخطابات التي قد تُثير حساسية البعض، وركزت على المطالب والشعارات التي هي محل إجماع وطني ولا يتخلف عنها إلا "بلطجي" مشهود له بالبلطجة، أو منتسب للحزب الحاكم معروف بانتسابه لكل حزب حاكم.
6 ـ تميز ثوار الفيس بوك بقدرتهم الفائقة على كشف عورات النظام الحاكم وإرباكه، وعلى تقديمه للشعوب وإظهاره على حقيقته المخجلة والبائسة والتي استطاع أن يحجبها عن المواطنين سنين عددا.
ولم يستطع الدكتاتوريون الثلاثة أن يصمدوا في وجه تلك الثورات الذكية التي استخدمت أسلحة جديدة لم تكن معهودة، أجبرت الحكام على أن يتحدثوا، ويتحدثوا، ويتحدثوا. فتحدث أولهم عن عصابة من الملثمين، وتحدث ثانيهم عن أقلية مندسة، وجاء ثالثهم بنظرية الحبوب الهلوسة. ولم يعرف الحكام كيف يواجهون الاحتجاجات، فهم إن تركوها سلمية بلا مواجهة أظهروا للعالم كم تكرههم شعوبهم، وإن واستخدموا العنف أظهروا للعالم كم هم وحشيون. أما الخيار الثالث وهو الخيار الأسلم، أي الاستجابة ـ وبشكل مبكر ـ للمطالب فلم يهتدوا إليه، لذلك فقد رفضوا الاستجابة لمطالب الثوار في الوقت المناسب ، ولم يستجيبوا لها إلا بعد أن أصبح الوقت متأخرا جدا، وبعد أن أصبحت الاستجابة لتلك المطالب دليلا على ضعف الحاكم وعزلته ، وليست دليلا على توبته ورغبته في الإصلاح.
7 ـ لقد استطاعت تلك الثورات أن تكشف عن زيف نظرية التآمر والتي ظل يرددها الحكام ويسومون بها كل من يريد ويسعى للإصلاح. فالحكام هم الذين عُرفوا بتنفيذ أوامر الأجنبي ولم يتركوا الأجنبي بحاجة لأن يحيك المؤامرات، لأنهم ينفذون له كل ما يريد، ودون الحاجة للتآمر. أولئك الحكام المتآمرون على شعوبهم هم الذين يتهمون كل راغب في الإصلاح بأنه عميل ومتآمر مع الأجنبي.
ولقد كشفت تلك الثورات بأن "الراعي" أشد خطرا من "الذئب"على “القطيع" (وعذرا على استخدام هذا المصطلح الذي لم يعد صالحا بعد الثورات المباركة). وكشفت كذلك أن الثورة على "الراعي" يجب أن تسبق مواجهة الذئب. فمواجهة الذئب لن نكسبها إلا بعد القضاء نهائيا على " الراعي" الظالم.
تصبحون على رحيل الدكتاتور الثالث...

هلوسات المجنون المعمم!!!


وفي اليوم السابع عشر..
أحرق الثوار الكتاب الأخضر..
ومزقوا العلم الأخضر..
وزحفوا على كل أخضر..
وقالوا بصوت واحد: ارحل يا "معمر"..
ارحل يا أيها السفاح الأكبر..
ارحل يا أيها الكذاب الأشر..
ارحل يا أيها "المُهلوس" الأخطر..
ارحل يا "معمر"..
ارحل يا "معمر"..
ارحل يا "معمر"..
ومر يومان والشعب ينتظر..
أن يُزف إليه أحلى خبر..
وفي ليلة من يوم عسر..
أطل الدكتاتور الأشهر..
من ذات صفائح ودسر..
وبيده مظلة وعلى رأسه عمامة من وبر..
ثم قال بكلمات قُصَّر..
من حديث مختصر..
في اختصاره الكثير من العبر..
يا كلاب.. إني لا أفكر في السفر..
وإن السماء الآن تمطر..
بماء منهمر!!..
***************
وفي الظهور الثاني للمراهق الهَرِم..
أطل المجنون المعمم..
من أمام بيته الذي لم يرمم..
وفي يده كتاب قانون الغابة الأقدم..
يغلقه تارة فيهدد ويسب ويشتم..
ويفتحه تارة ويتمتم..
ثم يقرأ بصوت متلعثم..
كلمات لا أصل لها في أي معجم..
سأذبحكم في كل دار .. ولن أندم..
سأذبحكم في كل زنقة .. ولن أندم..
سأذبحكم في كل بيت.. ولن أندم..
سأستجلب مرتزقة من بلاد العرب والعجم..
سأوزع السلاح بكرم..
سأحرق البلاد وسأهدم..
وسأختم أيامي بنهر عظيم من دم..
نهر أحمر تتحدث عنه كل الأمم..
و يستمر عارض الأزياء يتكلم ويتكلم..
ثم يتكلم ويتكلم..
وتمر الساعات دون أن يختتم..
وفي الأخير يقرر الصنم ..
ملك ملوك الحمير والغنم..
وأشهر دجال في تاريخ الأمم..
بأنه على الوطن أن يحترق فداءً للمجنون المعمم..
***************
وفي الظهور الثالث يطل المشعوذ من فوق سور طويل..
ويستمر في النباح والعويل..
وفي الصياح وفي الصهيل..
ويقول يا جرذان ما أنا برئيس حتى أستقيل..
فأنا مجد ماله من مثيل..
أنا فَخْر ماله من بديل..
أنا زعيم..أنا مفكر.. أنا شيخ جليل..
أنا لاتينيٌ ..أنا إفريقيٌ ..أنا هنديٌ ..أنا صينيٌ .. أنا شيطان أصيل..
أنا رمز .. أنا تاج على رأس كل ثائر أصيل..
أنا "معمر"وقبل الوطن يُنادِى باسمي كل عزيز وذليل..
أنا "معمر" ومن يذكر الوطن قبل اسمي فهو خائن وعميل..
أنا يا فئران لست رئيسا حتى أستقيل..
أنا ثائر.. والثائر لا يستقيل..
أنا لو استقلت لنضب النفط الخفيف والثقيل..
أنا لو استقلت لتبخرت مياه البحار قبل غروب شمس الأصيل..
أنا لو استقلت لانتحر الآلاف مالهم من كفيل..
أنا لو استقلت لما حكم الشعب نفسه ولانهار الفكر البديل..
أنا يا كلاب لا أستطيع أن أستقيل..
أنا يا جرذان ليس لي بديل..
أنا يا فئران ما لي من مثيل..
فارحلوا أنتم جميعا أما أنا فلا يحق لي الرحيل..
واقرؤوا إن شئتم فصلا من كتاب الأباطيل..
لتعلموا أن الاستقالة تمثيل..
وأن كل تمثيل تدجيل..
**************
وفي الظهور الرابع يطل المجنون المعمم من داخل قاعة..
ويتحدث أكثر من ساعة..
ويقسم أنه لم تنظم في الجماهيرية مظاهرة..
وأن كل ما في الأمر أن حفنة من أنصار "أسامة"..
أطلقوا في "البيضاء" شرارة..
وأعلنوا قيام إمارة..
و يعيد المجنون المعمم نفس الخرافة..
ثم يقول بكل جرأة وجسارة..
إن العرب يحسدونكم ..فيا للخسارة..
وإن ثروة الشعب تقسم بينكم بكل شطارة..
وإن القائد وأبناءه هم أفقر من في الحارة..
وإن ما قيل عن الأرصدة مجرد نكتة ودعابة..
وإن مليارات الجنيهات ما هي إلا كذبة باطلة..
ويقول المجنون المعمم إن من حق الأبناء ومن حق "عائشة"..
أن ينفقوا على "الخير" في كل مناسبة..
والخير قد يكون في إنفاق مليون دولار على كندية راقصة..
وقد يكون في تنظيم حفلات طيش ساهرة..
وقد يكون رشى لتلميع أوجه كالحة..
وقد يكون استثمارا في شركات زائفة..
وقد يكون لشراء حبوب هلوسة راقية..
ويستمر المعمم المجنون يردد نفس الخرافة..
وينام أغلب من في القاعة..
ويزحف الثوار بكل بسالة وشجاعة..
ويشتد الخناق على المجنون وأبنائه الثمانية..
وفي انتظار أن يسدل الستار على أسخف خرافة..
استمرت أربعة عقود وزيادة..
يحسب العالم أنفاسه خوفا من أن يرتكب المجنون المعمم أعظم حماقة..
تصبحون على نهاية أسخف خرافة..
ملاحظة : يمكن العودة لمقالات سابقة كتبتها عن " القذافي" كان أولها بعنوان " شكرا للعقيد " وتم نشره في 19 من إبريل 2007 وكتبته للرد على سخريته من الديمقراطية الموريتانية. والثاني كان تحت عنوان " عن أي مفكر تتحدثون؟" كتبته بمناسبة استهزاء القذافي بتاريخ موريتانيا السياسي وبرؤسائها وكذلك بمناسبة صلاته بجموع الموريتانيين في الملعب الأولمبي، وثالث المقالات كان تحت عنوان " مصفقون بلا حدود" وقد كُتب بمناسبة بيعة بعض الموريتانيين للزعيم المجنون.

التصفيق للكارثة!!!

إنهم أغبياء فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم سذج فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم غوغاء فعلا لأنهم انتخبوك..
إنهم تائهون لأنهم انتخبوك..
إنهم ضائعون لأنهم انتخبوك..
إنهم بائسون لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن لا يحلموا بأي شيء لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يقبلوا بالعطش لخمس سنوات لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن لا يطالبوا بمضخة لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا عطشا بلا أنين لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا جوعا لأنهم انتخبوك..
كان عليهم أن يموتوا كمدا لأنهم انتخبوك..
وكان عليهم أن يقبلوا كل إهاناتك لأنهم هم الذين انتخبوك..
فلتعش نائبا تقول ما تشاء..
ولتعش نائبا تسخر ممن تشاء..
حينما تشاء..وكيفما تشاء..
فقل ما شئت لمن انتخبوك..
واسخر كما شئت ممن انتخبوك..
وابشر ـ يا سيادة النائب ـ فالقطيع هو القطيع..
سينتخبك من جديد..
فأنت ابن القبيلة..
وستوزع يوم الانتخاب صدقات قليلة..
وأنت فوق ذلك تصفق لرئيس البلاد..
وأنت نجم في سماء الاتحاد..
وترعى قطيعا على حدود البلاد..
ليس من حقه أن يتظاهر..
وليس من حقه أن يشكو..
وليس من حقه أن يصوت لغيرك..
لقد ضاعوا يوم انتخبوك..
لقد تاهوا يوم انتخبوك..
فانتخابك كان كارثة..
وحديثك كان كارثة..
وصمتك أربع سنين كان كارثة..
واشتغالك بهاتفك أثناء المداولات كان كارثة..
وتثاؤبك عندما يحتدم النقاش كان كارثة..
وتعليقك على الاحتجاجات في مقاطعتك كان أكبر كارثة..
كل شيء فيك كان كارثة..
وكل شيء في البلاد كارثة..
حكومتها كارثة..
منتخبوها كارثة..
مثقفوها كارثة..
ساستها كارثة..
معارضوها كارثة..
ومواطنوها هم أكبر كارثة..
فهم كالقطيع يسيرون خلف كل كارثة..
ويصفقون لكل كارثة..
ويصطفون لاستقبال كل كارثة..
يؤلفون الأشعار في مدح الكارثة..
يغنون للكارثة..
يلبسون أحسن الثياب لاستقبال الكارثة..
ثم فجأة يكتشفون أن الكارثة كانت فعلا كارثة..
عندما تنقلب كارثة على كارثة..
أو تصحح الكارثة مسار كارثة..
فتختفي كارثة ..
وتظهر كارثة..
وترحل حاشية الكارثة عن الكارثة إلى الكارثة..
وتختفي الفوارق بين الكارثة والكارثة..
فيثور شباب في بلاد الكارثة..
يطالب بعضه بإصلاح الكارثة..
ويدعو بعضه لإسقاط الكارثة..
ويبقى القطيع كعادته يمجد الكارثة..
ويؤلف الأشعار للكارثة..
ويغني للكارثة..
ويصفق للكارثة..
في انتظار هجرة جديدة عند قدوم أول كارثة..
تصحح مسار آخر كارثة..
بالعفو والصفح عن كل كارثة..
تصبحون على إعصار يمحق كل كارثة....