الاثنين، 12 سبتمبر، 2011

خاص بالمشاركين في الحوار





قطعا لن أكون من بين المشاركين في حوار قصر المؤتمرات المزمع تنظيمه يوم 17 من الشهر الجاري، ومع ذلك فقد أعددت لهذا الحوار ورقة ارتأيت أن أنشرها قبل بدئه، وأن أضعها بين أيدي المشاركين فيه. ولقد حاولت أن أتجنب الحديث عن القضايا السياسية التي أعتقد أن المشاركين سيعطونها حقها في النقاش، وأن أركز بدلا من ذلك على قضايا قد لا يتم نقاشها من طرف ساستنا الذين تعودوا دائما التركيز على خلافاتهم، وقضاياهم الصغيرة، والابتعاد عن قضايا الوطن الكبرى العالقة، والتي كان من المفترض أن يكون قد تم حسمها في السنوات الأولى التي أعقبت ميلاد الدولة الموريتانية.
لذلك ستركز هذه الورقة على القضايا العالقة، خاصة منها تلك التي إن لم يحسم الخلاف حولها، وبشكل عاجل، فإنه لن يكون بالإمكان الحديث عن دولة موريتانية آمنة، لا في الحاضر، ولا في المستقبل المنظور أو البعيد.
وإن من أهم القضايا العالقة التي يجب على الأربعين مشاركا أن يحسموا الخلاف حولها:
إشكالية اللغة :
لم يعد من اللائق في بلد يعيش ما بعد عامه الخمسين أن يختلف مواطنوه حول لغته الرسمية. ولم يعد من المقبول أن يكون أي اهتمام رسمي باللغة الدستورية للبلد، حتى ولو كان مجرد كلام عابر، لابد أن تعقبه مباشرة مشاجرات وفتن عرقية داخل الجامعة أو خارجها.
فجدير بساستنا أن يعلموا بأن رفع شعار الاهتمام باللغات الوطنية، مع الوقوف ضد أي محاولة للاهتمام بتلك اللغات لم يعد مقبولا.
إن الدفاع عن الفرنسية، كي تبقى اللغة المسيطرة على الإدارة، لا يخدم تطوير لغاتنا الوطنية التي طالما نادى أحزابنا بتطويرها. وهو لا يخدم احترام الدستور الذي ينص في مادته السادسة على أن العربية هي اللغة الرسمية، في الوقت الذي تؤكد فيه الإدارة من خلال معاملاتها اليومية، بأن اللغة الفرنسية التي لم يذكرها الدستور الموريتاني، هي اللغة الرسمية للبلاد. ويكفي للتأكد من ذلك، أن تقرؤوا فاتورة الكهرباء أو الماء، أو آخر وصفة طبية لديكم، شفاكم الله من كل مرض.
إن على هذا الحوار الخروج بتوصيات عملية تعيد لدستور البلاد هيبته. وهيبة العربية واحترامها من هيبة الدستور. ويجدر به أن يخرج بتوصيات صريحة تفرض على الإدارة أن تبدأ من الآن ـ وبشكل متدرج ـ بالتخلي شيئا فشيئا عن الفرنسية لصالح العربية، حتى يكون بإمكاننا تعريب الإدارة، و بشكل كامل، في فترة زمنية معقولة.
وعلى الحوار أن يخرج كذلك بتصورات عملية تساعد في تطوير لغاتنا الوطنية وكتابتها، وجعلها مادة دراسية يدرسها كل الموريتانيين قبل نهاية العقد الحالي.
وليعلم إخوتنا الزنوج بأن دفاعهم المستميت عن الفرنسية، وتخليهم عن لغاتهم الوطنية، كان من بين الأسباب التي أدت إلى عدم الاهتمام بلغاتهم الوطنية التي يجب أن تكون لغات لكل الموريتانيين.
وبالمختصر المفيد، فإن اللغة العربية هي لغة ديننا الذي نعتز به جميعا، وهي اللغة الرسمية للبلاد دستوريا، وهي اللغة الوحيدة من بين لغاتنا الوطنية التي يمكن أن تكون لغة رسمية، وهي لغة الأكثرية في هذا البلد، لذلك فلم يعد من المقبول تهميشها وجعلها لغة ثانية لدى الإدارة.
وبالعربي الصريح، فلم يعد مقبولا من ساستنا إظهار الشفقة الزائفة كلما كان هناك اهتمام رسمي بالعربية، بحجة أن ذلك سيتضرر منه ما يقارب ثلاثة آلاف حامل شهادة فرنسية عاطل عن العمل، تمنح لهم المنظمات والمؤسسات الأجنبية فرص تشغيل كثيرة. في الوقت الذي تغيب فيه تلك الشفقة الزائفة، ولا ترق فيه قلوب ساستنا لثلاثين ألف حامل شهادة بالعربية عاطل عن العمل. ولا ذنب لهم إلا أنهم صدَّقوا كذبة كبيرة في الدستور الموريتاني تقول بأن اللغة العربية هي اللغة الدستورية للبلد، وأنه قد تم تكوينهم بتلك اللغة. فأين أنتم يا أنصار اللغة العربية؟ ولِمَ لا تغرقون المواقع والصحف بمقالات وبيانات تطالب المشاركين في الحوار بإنصاف لغة بلادكم الرسمية، والتي هي من حسن حظكم لغة قرآنكم؟ بل ولِمَ لا تنظمون وقفات احتجاجية أثناء الحوار للمطالبة بتعريب الإدارة؟
أزمة الوحدة الوطنية :
إن قضية الوحدة الوطنية قضية معقدة، ولا تكفيها لوحدها ورقة كاملة. لذلك فسأركز على جزئية واحدة فيها، لأنها هي الأكثر إلحاحا في ملف الوحدة الوطنية. كما أنها هي الأكثر تهديدا لوحدتنا، في الحاضر، وفي المستقبل المنظور.
إن مكافحة الرق ومخلفاته يجب أن يشكلا أولوية لدى كل الموريتانيين، ويجب أن يلعب كل موريتاني دورا في هذا المجال بغض النظر عن شريحته أو عرقه أو موقفه أو تموقعه في الخريطة السياسية.
ومن اللافت للانتباه أن مشروع "حراس المستقبل" الذي ضم المئات من شخصيات موريتانيا ومثقفيها وأطرها وعلمائها، من شتى ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، ومن مختلف التخصصات لم يجد حتى الآن ترخيصا لمزاولة أنشطته الهادفة إلى صياغة وتنزيل إستراتيجية عمل اجتماعي تهدف إلى إرساء أسس الأخوة والمساواة بين مختلف شرائح شعبنا ومكوناته.
إن مشروع الحراس الطموح ما زال محروما ـ حتى يومنا هذا ـ من ترخيص، رغم تقديم ملف متكامل لوزارة الداخلية منذ ما يقترب من السنتين. في الوقت الذي منحت فيه الوزارة لما يطلق عليه حزب الشباب ترخيصا بعد أيام معدودة على تقديم ملفه للوزارة، إن هذه الازدواجية في التعامل يجب أن تتوقف فورا.
وعلى السلطات القائمة أن تهتم بشكل عملي بمكافحة الرق وبمخلفاته، وأن تشجع كل من يساهم في ذلك الجهد، وعليها أن لا تشكل عائقا في وجه المشاريع الجادة من خلال حرمان تلك المشاريع من تراخيص تمنح لكل من هب ودب.
وعلى المتحاورين في هذا الإطار أن يخرجوا بتوصيات واضحة وصريحة لاتخاذ جملة من الإجراءات والقرارات يستحسن أن يكون من بينها:
1ـ وضع آليات تمكن من خلق فرص للترقية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للأرقاء والأرقاء السابقين من خلال تمييز إيجابي لصالحهم.
2ـ تشجيع الأحزاب وهيئات المجتمع المدني على المشاركة في مكافحة آثار الرق، من خلال برامج عملية تتم صياغتها وفق إمكانات وقدرات تلك الأحزاب والهيئات.
3ـ تشجيع العلماء وحثهم على مكافحة الرق، وتصحيح الأخطاء في هذا المجال، مع تنقية كتبنا ومراجعنا الفقهية من بعض الشوائب التي لا تستند إلى أدلة شرعية راجحة.
عن الهوية والمواطنة:
من المقلق أننا، وبعد مرور نصف قرن على إعلان الاستقلال، ما زلنا من حيث مستوى الوطنية، نشكل الحلقة الأضعف في المنطقة. ولو كان هناك مقياس دولي لقياس مستوى الوطنية لدى الشعوب لكنا ـ كعادتنا ـ في ذيل القائمة.
ومن المقلق كذلك أن أغلبنا يضع ولاءه للوطن في الرتبة الثانية أو الثالثة أو الرابعة بعد ولائه للقبيلة أو للعرق أو للايدولوجيا أو حتى لدول أخرى ..
والحقيقة أن لذلك أسباب عديدة من بينها أن السلطة لا تزال عاجزة عن تقديم أبسط الحقوق لمواطنيها. فالعاطل عن العمل إن لم يستنفر قبيلته أو شريحته أو أخوة له في الايدولوجيا أو في الحزب قد يصل إلى سن التقاعد قبل الحصول على وظيفة. والموظف لا يرتقي في وظيفته حتى ولو بذل جهدا استثنائيا إن لم يستنفر القبيلة أو الشريحة أو الحزب.
و الحقيقة المرة أن أسوأ الناس حظا في هذا البلد، هم أولئك الذين يؤمنون بالوطن، ويعتقدون بأن الوطنية يمكن أن تكون سلما قد يساعدهم على الصعود. وأحسن الناس حظا في هذا البلد، هم أولئك الذين يكفرون بالوطن، ويؤمنون بالقبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا، ويتخذون منها سلما لتجاوز الدرجات، وللقفز إلى أعلى.
لذلك فقد بات من الملح و الضروري، أن يبحث المتحاورون عن آلية ما، تفتح فرصا لأبناء الوطن الذين تم تهميشهم بسبب ولائهم للوطن. ويجب أن تكون تلك الفرص لا تقل أهمية عن الفرص التي تتيحها القبيلة أو الشريحة أو الايدولوجيا لأبنائها البررة الذين يمنحونها ولاءهم، وبشكل مطلق.
كما أنه على المتحاورين أن لا يتجاهلوا حقيقة مفزعة مفادها أننا مجموعة من "الأجانب" التي استوطنت هذه الأرض . ففينا المغاربة والصحراويون والسنغاليون والماليون الذين لن يتورعوا عن تجنيس إخوتهم وأقربائهم من تلك البلدان.
وعلينا أن لا نتجاهل بأن الرشوة قد تفشت فينا، وأن أوراقا معدودة من فئة الألف أو الألفين أوقية، قد تدفع بموظف بائس أن يبذل جهدا كبيرا لتزوير أوراق مدنية لكل عابر سبيل يدفع أوراقا نقدية مقابل تلك الأوراق المطلوبة.
وعلينا أن لا نتجاهل أن سمعة البلد في مجال حقوق الإنسان السيئة أصلا، قد زادت سوءا في السنوات الأخيرة بسبب كثرة الأجانب الذين يحملون جوازات سفر موريتانية مزورة، والذين يصفون موريتانيا بأبشع الأوصاف من أن أجل الحصول على اللجوء داخل تلك البلدان.
وقصة الغيني، الموريتاني بجواز سفره، الذي مات في أمريكا ليست هي الدليل الوحيد، ولا قصة الخمس والعشرين مهاجرا سريا الذين انقلب بهم قاربهم ومات منهم من مات، وتم اعتبارهم لدى وكالات الأنباء العالمية بأنهم موريتانيون، قبل أن يتبين لاحقا بأنه لا صلة تربطهم بموريتانيا، سوى جوازات سفرهم المزورة.
تلك أمثلة من بين أخرى، قدمتها لأقول بأنها قد آن الأوان لأن تهتم أحزابنا السياسية بالحالة المدنية للبلد. وأن تجعل من إصلاحها المطلب الأول، والأكثر إلحاحا، في سلة مطالبها، والتي كثيرا ما يكون فيها ما لا يرقى لأن يكون مطلبا لحزب سياسي.
فإصلاح الحالة المدنية يجب أن يكون مطلبا رئيسيا، في بلد كبلدنا لا تزال شهادة الزور فيه يتم تقديمها مجانا لكل من يريد الحصول على أوراق مدنية، مهما كانت طبيعتها.
إن على هذا الحوار أن يخرج بتوصيات صارمة، تطالب بضرورة ضبط الحالة المدنية، وبضرورة وضع شروط وآليات قاسية للحصول على الأوراق المدنية، دون أن يكون ذلك سببا في ظلم أي مواطن موريتاني. ووقوف بعض الأحزاب السياسية ضد مواصلة الإحصاء الجاري يعتبر خطأ فادحا، وإن كان ذلك لا يعني حق تلك الأحزاب بالمطالبة بتصحيح بعض الأخطاء التي قد ترافق عملية الإحصاء الجارية حاليا.
كارثة التعليم :
لست بحاجة لأن أذكر بأنه لا فائدة من تشييد وبناء الطرق إذا لم يسبقها، أو يصاحبها على الأقل، بناء مواطن صالح من خلال إصلاح التعليم. فلا فائدة من الاهتمام بالبنية التحتية ما دام تعليمنا فاشلا، ولا إمكانية لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي في ظل تعليم فاشل . فعلينا أن نرفع شعار "إصلاح التعليم" أولا، قبل أي شعار آخر مهما كانت أهمية ذلك الشعار.إن مأساتنا الكبرى أن التعليم لدينا وبشقيه النظامي والحر لا يبني أجيالا، وإنما يدمرها. فالهوة بين الأعراق تزداد بسبب المناهج المعتمدة، وهي المناهج التي كان يعول عليها في إذابة تلك الهوة، أو إيقاف اتساعها في أسوأ الأحوال. والفوارق الثقافية والاجتماعية بين أبناء الفقراء وأبناء الأغنياء تزداد اتساعا، بما يتناسب مع الفوارق الكبيرة بين المناهج المعتمدة من طرف المدارس الأجنبية الحرة، خاصة الفرنسية منها، مع المدارس العمومية، أو المتاجر الحرة، والتي نسميها مجازا بالمدارس الحرة. إن تراجع قيم المواطنة، وانتشار العنف والجريمة، واتساع البطالة، وغياب المهارات والكفاءة لدى الشباب، هي العناوين الأبرز لحصيلة العملية التربوية في بلدنا.
لذلك فعلى المتحاورين، أن يطالبوا، وبشكل ملح، بضرورة تنظيم منتديات للتعليم قبل الافتتاح الدراسي القادم، عسى أن نخرج من تلك المنتديات بأفكار ومقترحات تساعد في الحد من عملية تدمير الأجيال، التي تقوم بها مؤسساتنا التعليمية والتربوية، وبشكل حثيث.
إصلاح الإدارة:
لن أتحدث هنا عن المشاكل التي تعاني منها الإدارة، بل سأكتفي بجزئية واحدة في هذا الملف، تتعلق بالتعيين والترقية، وسأقدم حزمة من المقترحات أتمنى من المشاركين في الحوار أن يناقشوها، ومن بين هذه المقترحات أذكر:
1 ـ المطالبة بوضع قاعدة بيانات لكل موظف، تمكن من معرفة الموظف الصالح من الطالح، وذلك حتى تكون هناك مقاييس واضحة يمكن الاعتماد عليها في الترقية والتوشيح والتكريم، عكس ما هو قائم حاليا.
2 ـ ضرورة تقسيم الوظائف الإدارية إلى ثلاثة أصناف:
وظائف ذات حساسية عالية: وهذه يحرم تماما تعيين أي سياسي فيها مهما كانت كفاءته. وهذه الوظائف يجب أن تظل حكرا للموظفين الذين ليست لهم اتجاهات سياسية معلنة، والغريب أن هذه الوظائف يحتلها اليوم موظفون غارقون في السياسة حتى التراقي: مفتشية الدولة، رئاسة لجنة الصفقات، إدارة الضرائب، وكالة تشغيل الشباب....
وظائف ذات حساسية متوسطة: وهذه يمكن أن يعين فيها سياسيون، إلا أنه يشترط فيهم أن يكونوا من أصحاب الكفاءات المهنية.
وظائف غير حساسة : وهذه يمكن أن يعين فيها الجميع، ويمكن أن يتم احتكارها للفريق السياسي المتغلب ومن هذه الوظائف كل المناصب الوزارية.
3 ـ المطالبة بتفعيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والسلطة العليا للسمعيات البصرية، ولجنة الصفقات، ووسيط الجمهورية .....إلخ . ولن يتسنى ذلك إلا إذا تم حل تلك المجالس والهيئات، وذلك لكي يتم اختيار لجان وهيئات جديدة تعطى فيها الأولوية لأصحاب الكفاءات والتخصص، بدلا من ترك هذه الهيئات والمجالس بيد أفراد لا صلة لهم بالمجال، وليست لهم القدرة ولا الكفاءة لتقديم أي استشارة، ولا القيام بالمهام الموكلة لهم.
4 ـ المطالبة بتأسيس صندوق يتم تمويله من اقتطاعات من موارد الجمارك والضرائب لتقديم منح مالية لحملة الشهادات العاطلين عن العمل، ويجب أن لا تقل قيمة المنحة عن 15000أوقية.
من أجل إعلام عمومي:
لا جدال في أن الإعلام الرسمي، والذي يقال بأنه سيتحول إلى إعلام عمومي لا يزال يشكل عاهة مستديمة، وعائقا كبيرا في وجه أي إصلاح.
ومن المؤسف أن غالبية العاملين في هذا القطاع، والذين كان من المفترض بهم أن يناضلوا في سبيل إصلاحه، هم الذين يعيقون بالدرجة الأولى إصلاح هذا القطاع الحساس. وهم الذين يرفضون أن يستجيبوا لكل الدعوات المنادية بفتح مؤسسات الإعلام الرسمي أمام جميع الموريتانيين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، بما في ذلك تلك الدعوات التي أطلقها رئيس البلاد أكثر من مرة.
إن إصلاح الإعلام الرسمي، يتطلب من المشاركين في الحوار أن يقدموا توصيات صريحة وواضحة تهدف إلى:
1ـ تذكير العاملين في هذا القطاع بأنهم يتقاضون أجورهم من الضرائب التي يدفعها المواطن الموريتاني، سواء كان معارضا أو مواليا، لذلك فهم ملزمون أخلاقيا وقانونيا بتقديم ما يهم ذلك المواطن، بدلا من التصفيق والتطبيل للنظام الحاكم.
2 ـ تذكير العاملين في هذا القطاع بأن المواطن الذي ينتقد الأوضاع ليس أقل وطنية ممن يمتدحها، بل العكس قد يكون صحيحا، لذلك فيجب أن لا يشكك في وطنية من ينتقد، وأن لا يكون ذلك سببا لأن يحال بينه وبين مؤسسات الإعلام الرسمية.
3 ـ وضع أساليب شفافة لاختيار الضيوف، تعتمد في الأساس على مقدار مشاركة واهتمام الفرد بالشأن العام. ويجب أن لا تظل العلاقات الشخصية، والتزلف للحكام، هي المعايير التي يتم على أساسها اختيار الضيوف.
4 ـ إن انفتاح مؤسسات الإعلام الرسمي يجب أن لا يكون موسميا، ولا أن يكون ردة فعل لتوجهات وأوامر عليا، بل يجب أن يظل هو السمة الملازمة لتلك المؤسسات.
5 ـ يجب أن نتذكر دائما بأن انفتاح وسائل الإعلام لا يقتصر على الجانب السياسي فقط، بل يتعداه ليشمل جوانب أخرى، تنموية وثقافية وترفيهية. وعلى الإعلام الرسمي أن يقدم ما يهم مختلف فئات وشرائح المجتمع، وما يحقق رغباتها، سواء كانت تلك الرغبات مرتبطة بالدين، أو بالسياسة، أو بالرياضة، أو بالترفيه، أو بالثقافة، أو بالحوارات والنقاشات، أو بقضايا تهم الشباب أو المرأة أو الطفل.
الحرب على الفساد :
إن على المتحاورين أن يفكروا في اقتراح آليات تمكن من محاربة الرشوة والفساد، كتأسيس هيئة مستقلة لذلك الغرض، تُختار لها شخصيات نظيفة، وتكون محل إجماع. وهذه الهيئة يجب أن يكون من مهامها السهر على الحرب على الفساد، حتى لا يتم استخدامها كسلاح سياسي ضد الخصوم السياسيين.
وفي هذا الإطار يجب أن تسن قوانين تجرد كل موظف ثبت أنه أخذ رشوة، أو نهب مالا عاما من وظيفته، مع حرمانه من مزاولة أي وظيفة عمومية أخرى، أو الترشح لأي منصب سياسي.
ويبقى إصلاح العدل، والذي لم أخصصه له فقرة، رغم أهميته، هو القطاع الذي يجب إصلاحه، قبل أي قطاع آخر. فبوجود العدل يمكن أن نحلم بكل الإصلاحات المذكورة في هذه الورقة، وبغيابه فسيكون من الحماقة أن نحلم بأي إصلاح.
تصبحون على حوار بناء..

الاثنين، 5 سبتمبر، 2011

أولويات الرئيس





تابعت على شاشة التلفزيون الرسمي مشاهد من زيارات الوزراء لبعض الولايات الداخلية، أثناء عطلهم السنوية. ومتابعتي لتلك الزيارات لفتت انتباهي لجملة من الملاحظات، لخصتها في النقاط الثلاث التالية:
1ـ أكد الوزراء خلال تلك الزيارات بأن الرئيس يعطي الأولوية لكل القطاعات، وبلا استثناء. فوزيرة الثقافة كررت أكثر من مرة بأن الرئيس يعطي الأولوية للثقافة وللشباب، وإن كانت لم تقدم دليلا واضحا على ذلك. والحقيقة أن هناك أدلة كثيرة تناقض قولها، ويمكن أن أذكر منها: إغلاق دور الكتاب، إيقاف جائزة شنقيط، الانسحاب من مشروع نواكشوط عاصمة للثقافة، الانسحاب من بعض التصفيات الرياضية.
وزراء التعليم الثلاثة، بكبيرهم ومتوسطهم وصغيرهم أكدوا جميعا بأن الرئيس يعطي الأولوية للتعليم، وهم بدورهم لم يقدموا دليلا على ذلك، في الوقت الذي توجد فيه أدلة تناقض قولهم، منها تفكيك الوزارة بشكل ارتجالي وعبثي إلى ثلاث وزارات. وهو ما نتج عنه ارتباك كبير، خاصة في مجال التكوين المهني، الذي طالما وعد الرئيس بتطويره، والذي يعيش اليوم شللا شبه كامل. فالوزير المنتدب له لا يزال ينتظر الهيكلة الجديدة التي كان من المفترض أن تصاحب قرار تفتيت الوزارة. وربما تكون الحيرة التي يعيشها هذا الوزير، الذي لم يعد لديه شيئا يفعله، هي التي جعلته يترك قطاعه، ويكتفي بمرافقة مفوض الأمن الغذائي خلال الزيارات التفقدية.
ويمكنكم للتأكد بأنفسكم من الأولوية الممنوحة للتعليم في العهد الحالي، أن تقارنوا بين وزارة التعليم اليوم، وهي تحت قيادة ثلاثة رجال من رجالات موريتانيا الجديدة، مع وزارة التعليم يوم كانت تقودها امرأة "مفسدة" لوحدها في العهد البائد.
المثير للسخرية أن وزير التعليم الثانوي الذي قام بزيارة "تفقدية" لبعض الولايات للتعرف على مشاكل قطاعه، اختار لتلك الزيارة توقيتا غريبا، حيث كانت المدارس مغلقة، والأساتذة في عطلهم السنوية، وأغلب التلاميذ والآباء خارج المدن التي زارها الوزير.
ولعل أهم دليل يمكن تقديمه لإثبات أن ما يقوله وزراء التعليم الثلاثة، من اهتمام بالتعليم، هو مجرد كلام، فيكفي أن أشير إلى أن منتديات التعليم الموعودة منذ ثلاث سنوات لم تعد تجد من يتحدث عنها، وربما لا تجده، في المستقبل المنظور. فأهل"موريتانيا الجديدة" يعتقدون بأن بناء وتشييد الشوارع أهم بكثير من بناء المواطن الذي سيستغل تلك الشوارع.
وزير التنمية الريفية هو الآخرقال في زياراته التفقدية بأن الرئيس يعطي الأولوية للتنمية الريفية. وقال وزير العدل بأن الأولوية هي للعدل، بينما أكدت وزيرة الوظيفة العمومية بأن الأولوية لدى الرئيس هي للعمال.وقال وزير المياه بأن الأولوية للمياه. وقال وزير التجارة بأن الأولوية لدى الرئيس هي لتخفيض الأسعار ولدكاكين التضامن. وقالت وزيرة المرأة بأن الأولوية للمرأة. وقال وزير البيئة بأن الأولوية لمشروع غرس مليون شجرة على رمال العاصمة. وقال وزير الاتصال في زياراته التفقدية بأن الأولوية لدى الرئيس هي لقطاع الاتصال، في حين أكد وزير الصحة بأنها للصحة.
والحقيقة أن ادعاء كل وزير بأن قطاعه هو الذي يحظى بأولوية الرئيس، أفقد كلمة "أولوية" دلالتها اللغوية.فالرئيس ـ ومهما كانت قدراته ـ لا يمكن أن يعطي الأولوية لكل القطاعات الوزارية مرة واحدة وفي نفس الوقت. لذلك يمكن القول بأن كلمة أولوية تفقد شحنتها ودلالتها عندما ينطق بها وزير من وزراء "حكومة الأولويات"، تماما كما يحدث مع كلمات أخرى ككلمة "جبارة" و "معتبرة" والتي فقدت معناها، منذ أمد بعيد، لكثرة استخدام الوزراء لها أثناء حديثهم عن إنجازاتهم المتواضعة. ومن الانجازات "المعتبرة" و"الجبارة" لحكومة الأولويات في زياراتها التفقدية، تدشين محل لشحن بطاريات الهواتف المحمولة، في قرية "التيدومة"، بولاية الحوض الغربي!!!
2 ـ وزير الإسكان والعمران يبدو أنه من أكثر الوزراء ذكاء، ويبدو أنه شعر في وقت مبكر بأن كلمة أولوية قد فقدت دلالتها اللغوية، لذلك فهو عندما يتحدث عن قطاعه لا يكتفي بأن يقول بأن الرئيس يمنح لقطاعه الأولوية، بل يصر على أن يضيف كلمة قصوى، لتصبح الأولوية الممنوحة لقطاع الإسكان تختلف عن الأولوية الممنوحة للبيئة مثلا، لأنها "أولوية قصوى".
وربما تكون هذه الأولوية القصوى هي التي جعلت الوزير يقول بأن "انبيكت الأحواش" أصبحت مدينة عصرية، فيها الماء والكهرباء والصحة والتعليم وكل ما تحتاجه المدن العصرية، وهذا الكلام كرره الوزير عن قرى وتجمعات سكنية أخرى.
ولو كان المواطن يصدق "وزير الأولوية القصوى"، لهاجر سكان العاصمة إلى "انبيكت لحواش"، وإلى "ترمسه"، وإلى مدينة عصرية أخرى، في ولاية "كوركول"، لم أتذكر الآن اسمها، وصفها "وزير الأولوية القصوى" أثناء زيارته لها وصفا عجيبا، رغم الشفقة التي كانت تثيرها مشاهدة "المدينة العصرية" في نفوس كل من حُظِي بمشاهدتها أثناء زيارة "الأولوية القصوى" لها.
المهم أن "وزير الأولوية القصوى" قد حل مشكلة عويصة، لأنه شيد لنا من خلال خطاباته المتكررة، مدنا عصرية، يمكن لمن يصدق حكومة الأولويات أن يهاجر إليها، للحصول على عيش كريم، لم يحصل عليه حتى في العاصمة، التي عجزنا أن نجعل منها مدينة عصرية، رغم مرور ما يزيد على نصف قرن على تأسيسها.
3 ـ أثبتت تلك الزيارات بأن لوزراء الأولوية عطلا سنوية، لا تتجاوز الأسبوعين، وهذه معلومة جديدة، لمن كان يعتقد ـ كما هو الحال بالنسبة لي ـ بأن وزير الأولوية يعيش عطلة سنوية دائمة، براتب كبير. فهو موظف كبير صغير، براتب وزير، وبمهام سكرتير.
ووزراء الأولوية يؤكدون ذلك بأنفسهم، فيستحيل أن تسمع وزير أولوية يدعي بأنه أنجز عملا ما، بمبادرة منه، ودون أوامر سامية، حتى ولو كان مجرد تدشين لمحل تشحن فيه بطاريات الهواتف المحمولة.
فوزراء الأولوية ـ بما فيهم وزير الأولوية القصوىـ يظلون في مكاتبهم لا يفعلون شيئا، وهم لا يقومون بأي شيء من قبل أن تأتيهم توجيهات سامية من الرئيس، لكي يقوموا بمهامهم الموكلة إليهم، والتي كان من المفترض أن يقوموا بها دون الحاجة لأوامر سامية، أو لتعليمات نيرة.
فهل سمع أحدكم وزير أولوية عادية أو أولوية قصوى يدعي بأن أنجز عملا ما، حتى ولو كان بسيطا من قبل أن تأتيه الأوامر السامية أو التعليمات النيرة لانجاز ذلك العمل؟
تصبحون بلا تعليمات نيرة...