السبت، 26 سبتمبر، 2009

الرئيس على الخط !!! / حكاية قصيرة


يحكى أنه في قريب الأزمان ..وحديث العصر والأوان .. كان يوجد كوخان .. يفصل بينهما حاجزان .. حاجز من قمامة .. وحاجز من مياه راكدة .. وفي الكوخين كان يسكن فقيران .. أحدهما كان حلمه جنتان .. بشرت بهما الستتان .. ووعدت بهما الحملتان .. وأقسم عليهما مرشح كل فقير جائع وظمآن .. وبصم عليهما ما يزيد على نصف المصوتين من السكان ..
أما الفقير الثان .. فلم يعد يثق في أي حكومة من إنس كانت أو من جان .. لأنه لم يشاهد في الميدان ..منذ سالف العصر والأوان .. إلا ظلما وجوعا وفقرا كان ضحيته ثلثا السكان .. رغم الوعود المتكررة لكل رئيس مُنصب أو مُنقلب و مُصحح في آن .. بأنه سيحول الصحاري إلى جنان ..وسيشيد القصور الشامخات فوق الكثبان ..ولن يترك على هذه الأرض مفسدا واحدا خارج القضبان .. وذلك حتى لا يبقي على أرض شنقيط جائع أو عطشان ..
و بعد انقضاء شهر رمضان .. اجتمع الفقيران .. ودار بينهما حوار ساخن ..نقدمه للقارئ بلا زيادة ولا نقصان ..إلا لضرورة السجع والأوزان ..
سأل الفقير الحالم .. الفقير المتشائم ..هل أتممت الصيام ؟
أجاب الفقير المتشائم : نعم لقد أكملت الصيام .. وكنت أكاد أصل الليل بالنهار والناس نيام .. لنقص في المؤونة و الطعام .. وعلى الكرام الذين ماتوا ألف سلام ..
قال الفقير الحالم : أبشر يا جار ..بما تناقلته الأخبار.. عن الخير ابن الأخيار ..قائد الجنرالات الأحرار .. الذي وعد بموريتانيا جديدة .. وقال بأنها لم تعد منا ببعيدة .. وأنها سيسعد فيها عامة الفقراء.. قبل خاصة الأغنياء ..
أفلا يكفيك يا سليل الفقراء .. بأن الرئيس تجاهل الكبراء .. وعَرَّجَ على من يفترش الأرض ويلتحف السماء .. وخصه بالسلام والولاء .. وذكره في خطاب التنصيب .. الذي سمعه البعيد والقريب ..وفي ذلك إشارة لكل لبيب ..بأن القادم من الأيام .. نعيم و برد وسلام ..على المعوقين والأيتام .. وعلى كل فقراء المدن والخيام ..
ثم سكت الفقير الحالم .. برهة من الزمان .. ليواصل بعد ذلك الحديث بامتنان .. وبمزيج من الغرور والافتنان ..
وأبشر يا صاح.. بأيام مليئة بالأفراح ..وبليال ملاح .. ستنسيك كل الأحزان والأتراح .. التي عشتها بعد كل تصحيح سابق وإصحاح..
وهل تصدق يا صاح ..بأن كل مالك قصر مرتاح .. سيتمنى أن يتحول قصره إلى كوخ من صفيح وألواح ..حتى تخدمه حكومة الفقراء كلما غدا أو راح ..وحتى ينعم فوق ذلك بما لاح .. لفقراء الأعماق ..ومساكين الآفاق ..ولكل متسول على حافة شارع أو زقاق ..
نزلت تلك الكلمات المطرزة .. على الفقير المتشائم وكأنها شحنة مكهربة.. وقال بعد أن نفد صبره .. وترك مضجعه .. ورشف من الماء رشفة .. وهدد صاحبه بصفعة .. هذا مجرد كلام .. سمعناه ذات يوم من الأيام .. وسئمنا من تكراره عاما بعد عام ..
ثم أردف قائلا : نحن نريد أفعالا ملموسة .. لا تحتاج لصحافة كذوبة .. ولا لبرامج مغشوشة ..أو تقارير مبتورة ..
وهنا كادت أن تزل بالفقير الحالم قدماه ..بعد أن استشاط غضبا وعبس حاجباه .. ولم يكن منه إلا أن تحركت شفتاه .. بصراخ يفهم من فحواه : ألم تشاهد متاجر رمضان .. قد تناثرت في كل مكان .. تبيع الأرز والسكر والزيت وكل أصناف الألبان .. لكل فقير إنسي كان أو جان ..
رد المتشائم بابتسامة ساخره .. وبحركات فيها كثير من الإشاره .. وشيء غير قليل من الإثاره .. أليس من الخسران .. أن تمر من العمر ساعتان .. أمام متجر أو دكان .. تباع فيه من الأرز حفنتان .. ومن الزيت جرعتان .. ومن اللبن المجفف صرتان ..
وما أهمية متاجر رمضان ..في مدينة أغرقها الفيضان ..واختفى فيها الضوء والنيران ..وأفلس فيها صاحب كل ورشة صغيرة .. وكل ممتهن لحرفة قديمة .. أو مهنة جديدة..
قال الفقير المتفائل .. لصاحبه المتحامل .. أنت ناكر للجميل عنيد .. ولا تريد أن تعترف بالعهد الجديد ..الذي وعد فيه الرئيس بمولد كهربائي يوم العيد .. للمشفى الوطني التليد.. وذلك حتى لا يموت شيخ أو وليد ..إذا ما انقطع عنه التيار كالعادة وهو في الإنعاش قعيد..
رد الفقير العنيد .. ذلك فعل سديد .. وأنا عليه شاهد عتيد.. ولن أنقص من أهميته أو أزيد ..ومع ذلك فقد سبقته سيئات .. وأزمات بلا مقدمات .. وليل مظلم كئيب .. ونهار بائس عصيب .. وصمت لرئيس الفقراء رهيب .. حير كل عاقل ولبيب ..وأخرس كل مناصر وحبيب ..بصم بحبر لاصق .. أو خط باءً بقلم رائق .. لإهداء فوز ساحق ..على التغيير الهادئ و الصادق..
قاطع الفقير الصبور .. صاحبه الجسور .. وقال : لقد كشفت المستور .. وتحدثت عن المحظور .. فلم يزل في قلبك شيء من الانتخاب السابق .. كزعيمك رافع شعار التغيير الصادق ..
قال الفقير المعارض .. دعك من الكلام العارض .. ومن تلفيق التهم زورا لبنى معارض ..فما نعيشه اليوم من حضيض .. ومن بؤس طويل عريض .. لا ينكره إلا صاحب عقل مريض .. أو إعلام رسمي بغيض ..
دعك من التحريض .. قالها الفقير الحالم بحروف تبرق كالوميض .. والسجع من صوته يفيض .. كأنه ينشد بيتا من القريض ..
أنت يا حالم .. تعلم أني فقير مسالم .. وما أنا على صاحبك بناقم .. ولكني أخاف مما هو قادم .. أخاف من أن يخرج الجياع .. وأن يسوقهم اليأس والضياع .. إلى ثورة ثانية يتجاهلها التلفزيون والمذياع .. حتى ولو أطلقت فيها الذخيرة .. ومات فيها شاب برصاصة رخيصة .. في مقاطعة مسالمة وديعة ..
لا قدر الله .. لا قدر الله .. لا قدر الله .. قالها الفقير الحالم ثلاثا .. ثم سكت طويلا .. وتذكر صراخا وعويلا .. ويوما عبوسا ثقيلا .. لم تشهد له البلاد مثيلا ..
خيم صمت مريع .. وسكون فظيع .. أعقبه حوار لطيف وديع .. بدأه الفقير الحالم بسؤال أذاب الصقيع .. وأعاد الصحبة إلى مستواها الرفيع ...
ماذا يمكن للرئيس أن يعمل الآن .. قبل أن يفوت الأوان .. وتذكر يا صاحبي بأن الموارد شحيحة ..وبأن عاما من الحصار له آثار وخيمة .. على بلد يعيش من عطايا الدول الصديقة والشقيقة ..
لقد أحسنت بطرح هذا السؤال .. وأنا لن أطلب من صاحبك المحال .. وإن كان من اللازم أن أذكره بمقال .. برروا به سابقا إزاحة الشيخ المقال ..
لقد مر عامان .. على غرق أهل الطينطان .. ولم تحقق لهم ثورة الشجعان .. حبة خردل توضع في ميزان .. ..ولقد غرقت مدن أخرى عديدة ..وقرى وأحياء جديدة .. مما زاد من حجم المصيبة ..وما أكثر أشباه حليمة ..التي تفشت فينا عادتها القديمة ..
أما عن الإرهاب .. وجرائم القتل والاغتصاب ..والتي كان يُبَرَرُ بها الانقلاب ..فقد خَلَّفَت في العهد الجديد .. فاجعة في كل صعيد .. وما حزام البصري منا ببعيد ..
وعن الأسعار .. فقد عانى من ارتفاعها سكان البوادي والأمصار .. وليس في ذلك إفشاء للأسرار ..وقد تجاوزت أسعار الخضروات .. والأسماك ولحوم الحيوانات ..كل المقاييس
والمستويات .. رغم أنها ليست من الواردات .. ولا تنقلها السفن ولا الطائرات .. ولا تُدفع عنها للجمارك ضرائب وإتاوات ..
وفيما يخص الفساد .. الذي أضاع البلاد .. وأهلك العباد .. وجُنِّدَ لمحاربته خطباء وفرق إنشاد .. فقد عرفت سوقه الكساد .. ولم يعد يتحدث عنه هازل أو جاد .. في محاولة لتقليد حاكم البلاد ..الذي لم يعد ينطق بكلمة فساد .. ولا برموزه الأقوياء الشداد .. منذ أن تم انتخابه رئيسا للبلاد ..
ولماذا لم نعد نسمع حديثا ذا شجون .. كل فقير به مفتون .. ثم أين ما وعد به من سجون .. وهل رحل عن البلاد المفسدون ..وهل ترانا عن ذلك غافلون .. و لماذا لا يحاكم أولئك المجردون المقالون .. إن ثبت أنهم سارقون ومجرمون ..
ثم أليست الحكومة ..عاجزة مشلولة .. ومريضة وموبوءة .. وأسوأ من كل الحكومات السابقة المعروفة ..
وهنا قال الفقير الذي هو بالجنرال متيم مجنون .. إنا للمعارضة لمنقلبون .. وللإتحاد من أجل الجمهورية لكارهون .. وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
لقد أصابنا فعلا كثير من الإحباط .. في الساكن الجديد للبلاط .. ويشهد على ذلك كل حلاق أو خياط ..لم يحصل قبل العيد على قيراط .. وهو الآن يمشي على صراط .. وبالدائنين محاط .. فطوبى لمن حصل على عمل لا يحتاج من الكهرباء لكيلوواط ..
لقد أصبحنا نعيش بلا أمان ..بين المطرقة والسندان .. بعد أن تَخَلَّى عن السفينة القبطان .. وأصبح على غرار الشيخ المقال من هواة الطيران .. فهو اليوم في كاراكاس وغدا قد يكون في طهران ..
فهلا اقتدي القبطان .. بزعيم فنزويلا وقائد إيران ..لتستنسخ منهما في شنقيط خصلتان ..
فرئيس إيران .. له موقع على الانترنت يتصل به الفقراء بالمجان .. ولثائر كاراكاس .. لقاء مع كل الناس .. في برنامج إذاعي مفتوح لكل حيران .. يعاني من مشكلة في أي مكان ..ومدته ساعتان ..
قلت : يا ليت رئيسنا يكون على الخط .. حتى يحدثه كل فقير لم يحدث رئيسا قط .. بهمومه التي أَنَّ منها وأَط .. في برنامج إذاعي بلا قيد أو شرط ..
تصبحون والرئيس على الخط ...