الأحد، 26 أغسطس، 2012

شرح مضامين "الغضب الرئاسي" الأخير!!



إذا كانت لخطابات الرئيس مضامين تستحق أن تشرح وتفسر للمواطن البسيط، فإن لغضبه أيضا مضامين تستحق أن تشرح وتفسر لذلك المواطن البسيط.
 فلماذا لم يشرح لنا الإعلام الرسمي ـ المغضوب عليه من طرف الرئيس ـ  مضامين الغضب الرئاسي الأخير؟ وأين هو خلق الاتحاد من أجل الجمهورية؟  وأين بياناته الغاضبة؟ وأين هم الوزراء المغضوب عليهم من طرف الرئيس والشعب؟ ولماذا لا يقومون بزيارات غاضبة للولايات الداخلية ليشرحوا خلالها للمواطن العادي أسباب غضب الرئيس عليهم؟ وأين مقالات الدكتور الوزير السابق؟ ولماذا انقطعت كل هذه المدة؟ ولماذا لا يكتب لنا مقالا تحليليا عن "الغضب النير" أو "الغضب السامي" لفخامة رئيس الجمهورية؟ وأين هم خبراء النسب المئوية؟ ولماذا لم يقيسوا لنا غضب الرئيس في اجتماع مجلس الوزراء الأخير؟ وهل وصلت نسبة غضب الرئيس إلى 70% من مخزون الغضب الرئاسي، عفوا، من البرنامج الانتخابي للرئيس؟ وهل ما فجره الرئيس من غضب على الحكومة في السنوات الثلاث الأخيرة يعادل كل ما تفجر في موريتانيا من غضب خلال العهود السابقة التي حكمت البلاد منذ استقلاها، وحتى فجر السادس من أغسطس 2008؟
تلك أسئلة لا أستطيع أن أجيب عليها، وذلك لسبب بسيط جدا، وهو أني لست خبيرا في شرح مضامين خطابات الرئيس، ولا مضامين غضبه، والحقيقة أني لم أكتب هذا العنوان إلا لاستجداء المتخصصين في المجال، وللفت انتباههم إلى أهمية شرح مضامين الغضب الرئاسي الأخير للمواطنين البسطاء من أمثالي .
لست خبيرا في شرح مضامين الغضب الرئاسي، ولكني مع ذلك لا أنكر بأني فرحت كثيرا بمناسبة الغضب الرئاسي الأخير، رغم أنه جاء متأخرا جدا عن موعده الافتراضي، والذي كان يجب أن يكون بعد الأسبوع الأول من تشكيل هذه الحكومة، أي قبل ثلاث سنوات على الأقل، خاصة أن هذه الحكومة أظهرت ـ ومنذ أول أيامها ـ بأنها حكومة تستحق أن يغضب عليها الجميع: الرئيس، المعارضة، المواطن البسيط، المواطن الغير بسيط، الصحافة، خلق الحزب الحاكم، العاطلون، الموظفون، المتقاعدون، المعوقون، المتسولون..
ومن المؤكد بأني لست بحاجة لأن أستعرض معكم ـ في هذا المقال ـ المظاهر الميدانية لفشل الحكومة، فتلك المظاهر أصبحت واضحة وجلية للجميع، ولكني ـ في المقابل ـ سأقدم لكم اليوم وجها جديدا لفشل هذه الحكومة، لم أطلع عليه إلا في وقت قريب، وعن طريق الصدفة البحتة، وربما تكونوا أنتم أيضا لم تطلعوا عليه من قبل.
لقد دفعني الفراغ لأن أزور ـ ولأول مرة في حياتي ـ موقع الوزارة الأولى على الانترنت، وأن تصفحه، وأن أبحث فيه عن انجازات افتراضية للوزارة الأولى، وللوزارات التابعة لها نظريا، وذلك بعد أن فشلت في العثور ميدانيا على أي انجاز مقنع لتلك الوزارة ولا للوزارات التابعة لها نظريا.
 ولقد كنت أتوقع بأن حال الحكومة في العالم الافتراضي سيكون أفضل من حالها ميدانيا، فإذا بي أفاجأ بأن الحكومة على الإنترنت هي أكثر سوءا من الحكومة في الميدان، رغم أني لم أكن أتخيل ـ من قبل زيارتي لموقع الوزارة الأولى والوزارات التابعة لها نظريا ـ بأن هناك شيئا أكثر سوءا من الحكومة على الميدان.
زرت موقع الوزارة الأولى لأكتشف أن آخر خبر تمت إضافته للموقع هو:  بيان مجلس الوزراء الصادر بتاريخ : 19/07/2012، أي أن الوزارة الأولى، لم تقم بأي انجاز يستحق النشر منذ ما يزيد على الشهر.
وبحثت في الموقع عن أي شيء مفيد، فوجدت رابطا لمقال اليوم، فقلت في نفسي ربما أجد ضالتي في هذا المقال، فضغطت على الرابط فظهر لي خبر مكتوب بلغة بائسة تحت العنوان التالي: "رئيس الجمهورية يحضر حفل وضع الحجر الأساس لمشروع سد فيلو الهيدروكهربائي بولاية خاي المالية".
تركت الصفحة الرئيسية لموقع الوزارة الأولى، وأنا أشعر بغضب أشد من الغضب الرئاسي على تلك الوزارة، ولكني من قبل أن أتركها بشكل نهائي، قررت أن أزور الوزارات التابعة لها نظريا من خلال الروابط الموجودة في موقع الوزارة الأولى، وكانت النتائج كالتالي:
الرابط الأول كان لوزارة العدل، ولما ضغطت عليه، جاءتني عبارة تقول بأن الموقع قيد الإنشاء (بالفرنسية)، ولم أستغرب ذلك لأني اعلم بأن العدل في موريتانيا هو قيد الإنشاء منذ تأسيس الدولة الموريتانية وحتى اليوم.
وأعلم أيضا بأن حالته قد ساءت كثيرا مع الحكومة الحالية، وعموما فأنا لازلت أنتظر نصيبي من العدل الذي وعدني به الرئيس الغاضب ذات يوم من أيام أغسطس "المجيد".
الرابط الثاني الذي يقدمه موقع الوزارة الأولى، هو رابط وزارة الخارجية، ولما ضغطت عليه جاءني الرد سريعا: يستحيل إظهار الصفحة (بالفرنسية طبعا).
ولما جاءني ذلك الرد أشفقت على الجاليات الموريتانية، وعلى طلابنا في الخارج. كما أشفقت على كل محبي موريتانيا من الأجانب، والذين سيصدمون إذا ما قرروا يوما أن يزوروا موقع وزارة الخارجية على الانترنت من قبل أن يزوروا موريتانيا.
الموقع الثالث الذي يقدمه موقع الوزارة الأولى، هو موقع وزارة الدفاع، والذي كان أول موقع يظهر لي عندما ضغطت على رابطه، ولكن الصدمة كانت في آخر خبر يقدمه هذا الموقع، فهو خبر من العام الماضي، وكان عنوانه: "وزير الدفاع الوطني يستقبل سفير فرنسا المعتمد لدى موريتانيا بتاريخ:  29/11/2011".
الموقع الرابع كان لوزارة المالية، وكان شكل صفحته الرئيسية غريبا، فهي لا تشغل إلا جزءا صغيرا جدا من المساحة المتاحة، وكان أحدث شيء على الموقع، هو إعلان بيع "أبلوكات"!!، وذكرني ذلك الإعلان بجشع الحكومة المغضوب عليها رئاسيا وشعبيا، وبتحمسها لكل شيء يمكن أن تجبي منه مالا. كما ذكرني الإعلان أيضا بأن ساحة "ابلوكات" لا تزال جرداء رغم أنه قد قيل لنا عند عملية البيع بأن التشييد يجب أن يبدأ في العام الأول، وأن العمارات يجب أن تكتمل قبل نهاية العام الثالث، ومما تجدر الإشارة إليه هو أن عملية البيع قد مر عليها عام ونصف عام تقريبا.
الموقع الخامس كان لوزارة التهذيب الوطني، وهو موقع كارثة، وآخر خبر على الموقع عن ثانوية الامتياز، وهو خبر غير مؤرخ، وعندما ضغطت عليه لم أجد شيئا. والمؤلم حقا أن  صفحة موقع وزارة التهذيب الوطني بالعربية أكثر سوءا من صفحتها بالفرنسية، والتي هي في منتهى السوء. وازدراء اللغة العربية في مواقع الوزارات لم يقتصر فقط على موقع وزارة التهذيب، بل تشاركها وزارات أخرى في الاستهزاء باللغة الدستورية للبلاد، كوزارة الصيد التي لا يوجد لها أصلا أي موقع باللغة العربية، ووزارة الصناعة والمعادن والتي تشكل صفحتها بالعربية أكبر مسخرة حكومية على الانترنت.
الموقع السادس كان لوزارة الشؤون الإسلامية، وكان آخر خبر على الموقع هو: "رئيس الجمهورية يستقبل مسيرة الأئمة والعلماء ويؤكد حزم الدولة إزاء إهانة الشرع الإسلامي". وكان ذلك بمناسبة حادثة حرق الكتب الفقهية. أي أن الوزارة توقفت عن العمل نهائيا منذ يوم حرق الكتب الفقهية، وهو ما يعني أيضا بأن موقع الوزارة لم يأخذ خبرا بحلول شهر رمضان لهذا العام، ولا بعيد الفطر المبارك، ولا بخطابي رئيس الجمهورية اللذين ألقاهما بمناسبة بدء الصيام، وبمناسبة عيد الفطر المبارك.
الموقع السابع في اللائحة فهو لوزارة التشغيل والتكويـن المهنـي، وكان آخر خبر منذ الشهر الماضي، وهو يتعلق بتفقد الوزير لسير الإعمال الجارية في الكابل البحري، وأتمنى أن ينعكس  اكتمال الأعمال المتعلقة بالكابل البحري على مواقع الوزارات على الانترنت، وعلى أدائها، خاصة منها موقع الوزارة المعنية بتنفيذ الأشغال.
وحتى لا أطيل عليكم فيمكن القول بأن كل مواقع الوزارات بائسة، فبعضها لا وجود له في الانترنت، كوزارة الإسكان والاستصلاح الترابي، ووزارة التنمية الريفية، والخارجية، والعدل.  أما تلك التي لها مواقع، فتمتاز بوجود صورة دعائية للوزير على الواجهة مما يعني بأن القائمين على تلك المواقع سيجدون صعوبة كبيرة في إزالة صور الوزراء عندما تتم إقالة الحكومة الحالية.
كما أن هناك وزارات لا رابط لها أصلا في موقع الوزارة الأولى، وهناك روابط لوزارات لم تعد موجودة في الهيكلة الوزارية، كالوزارة المنتدبة لدى الوزير الأول المكلفة بالمغرب العربي.
أما وزارة الاتصال والتي اخترت أن أختم بها، فكان  آخر خبر على موقعها يتعلق بعودة وزير الاتصال من تركيا في منتصف الشهر الماضي.
تصبحون على حكومة لا تثير الغضب.

الاثنين، 20 أغسطس، 2012

حصيلة النسخة الرابعة من برنامج "ويؤثرون على أنفسهم"



لقد حققت النسخة الرابعة من برنامج "ويؤثرون على أنفسهم" نجاحا باهرا، خاصة على مستوى المبالغ المُحَصَّلة، حيث زادت الحصيلة لهذا العام على ثلاثة وثلاثين مليونا، استفاد منها ثلاثة عشر مريضا أي بمتوسط قدره 2.5 مليون أوقية  لكل مريض.
وتشكل هذه الحصيلة قفزة كبيرة إذا ما قورنت بالحصيلة في السنوات الماضية، ويكفي أن نعرف بأن أعلى مبلغ تحَصَّل عليه مريض في النسخ الماضية من البرنامج لم يتجاوز المتوسط الذي تم تحقيقه في هذا العام. أما أعلى رقم تم جمعه في هذا العام لصالح مريض واحد، فقد تجاوز أربعة ملايين وسبعمائة ألف أوقية، مقتربا بذلك من حاجز الخمسة ملايين، ذلك الحاجز الذي تمنت الحملة الالكترونية للبرنامج أن يتم تحطيمه في هذا العام.
وإننا بهذه المناسبة نتقدم بالتهنئة لأسرة البرنامج، وللمتبرعين له، ولمتابعيه، ولكل الشعب الموريتاني على هذه النتائج الطيبة التي تم تحقيقها خلال هذا الموسم، والتي لم تكن لتتحقق لولا التكافل و التنافس على البذل والعطاء الذي عُرف به أهل هذه الأرض، خاصة في مواسم البذل والعطاء.
لقد تبرع الموريتانيون في الداخل وفي الخارج، وتبرع الفقراء والأغنياء، فهذا فقير من حي شعبي يُصِر على المساهمة، ويقطع مسافة طويلة لكي يسلم للإمام خمسمائة أوقية ( 200 أوقية من عنده، و300 أوقية أرسلها معه فقير آخر)، وذلك تاجر من "أنغولا" يتبرع بمليون أوقية في حلقة واحدة.
وتبقى الجالية الموريتانية في "انغولا" من أهم المتبرعين لمرضى هذا البرنامج منذ إطلاق نسخته الأولى، وحتى اليوم، فلم تتوقف تبرعات تلك الجالية، عن أي حلقة من حلقات البرنامج، حتى أصبح من غير الممكن الحديث عن برنامج "ويؤثرون على أنفسهم" دون الحديث عن جاليتنا في "انغولا".
ولعل من أهم الأسباب كذلك التي أدت إلى نجاح هذا البرنامج هي تلك الشفافية التي تم اعتمادها في اختيار الحالات، وكذلك في استقبال التبرعات وفي تسليمها، ومع أن وجود الإمام المشرف على استقبال وتسليم التبرعات يكفي لوحده لزرع الثقة في نفوس كل المتبرعين، ولطمأنتهم على تبرعاتهم، إلا أن الإمام ـ وجزاه الله خيرا على ذلك ـ ظل يُصِرَّ دائما، وفي كل حلقة من حلقات البرنامج، على أن يذكر كل مبلغ استلمه، ومتى استلمه؟ وكيف استلمه؟ وذلك لكي يزيد من ثقة وطمأنة كل متبرع على حدة، حتى أولئك منهم الذين تبرعوا بمبالغ زهيدة جدا.  
وحتى يظل النجاح مستمرا فإنه يسرنا في الحملة الالكترونية للبرنامج أن نقدم مع هذه الحصيلة بعض المقترحات التي وصلتنا من متابعي حلقات البرنامج على الانترنت، والذين ظلوا يتابعون ويتفاعلون مع حلقاته التي كنا نحملها ـ أولا بأول ـ على اليوتيب، مع نشر ملخص مكتوب عن كل حلقة.
 ونتمنى أن تُأخذ هذه المقترحات بعين الاعتبار، وذلك من أجل أن يحقق البرنامج  المزيد من النجاح  في نسخه القادمة:
1 ـ  العمل على دمج الحلقات الخاصة بعرض التبرعات المتحصلة لكل مريض، مع الحلقات التي يتم فيها عرض الحالات، وذلك من أجل أن يتمكن البرنامج من عرض ثلاثين حالة خلال الشهر الكريم، بدلا من عرض ثلاثة عشر حالة فقط، والغرض من ذلك هو أن يستفيد أكبر عدد ممكن من المرضى الفقراء من الخدمات العظيمة التي يقدمها البرنامج. ومما يجب الإشارة له هنا هو أن عملية الدمج تلك يكفيها ربع ساعة فقط، أي أن الحلقة لن تزيد على ربع ساعة، وهذه مدة مناسبة جدا لمثل هذا البرنامج.
2 ـ ضرورة عرض الأماكن التي تستقبل فيها التبرعات وتحديد عناوينها خلال بث حلقات البرنامج، خاصة منها تلك الموجودة في قلب العاصمة، والتي تناسب جميع المتبرعين القادمين من المقاطعات الأخرى.
إن عدم وجود مكان محدد وثابت ومعروف في قلب العاصمة لاستقبال التبرعات، جعل بعض المتبرعين لا يتمكن من إيصال تبرعاته للإمام ( ولقد اتصلت بنا حالات من هذا النوع).
3 ـ  تخصيص موعد ثابت في المسطرة الرمضانية يناسب الجاليات الموريتانية في "انغولا" و"الكونغو" ( أكبر متبرع للبرنامج)، أي أن يكون بين أوقات إغلاق المحلات التجارية، وصلاة التراويح في الدولتين (الساعة الخامسة مساءً بالنسبة لنا). ولقد تقدمنا في آخر الشهر بطلب للتلفزيون باعتماد ذلك التوقيت، وهو ما استجاب له التلفزيون مشكورا،  ونتمنى أن يُحتفظ بهذا التوقيت ـ وبشكل دائم ـ في النسخ القادمة من البرنامج.
المشاركون في الحملة:
ـ مركز "الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
ـ "بلوار ميديا"
ـ صفحة "موريتانيا الغد"
ـ صفحة "محبو ولد سيدي يحي"
هذا فضلا عن العديد من الصفحات الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي كانت تشاركنا في نشر حلقات البرنامج.
لمتابعة  آخر حلقة من هذا البرنامج في هذا العام، وهي حلقة خاصة: http://www.youtube.com/watch?v=mNcAxansUdQ  

السبت، 18 أغسطس، 2012

خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة عيد الفطر المبارك*



أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لقد قررت أن أتقدم إليكم بخطاب مصارحة ومكاشفة في مثل هذا الظرف العصيب الذي تمر به البلاد، والذي يتسم  بانسداد سياسي لم يعد بالإمكان تجاهله، تصاحبه أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها شرائح واسعة من المجتمع، هذا بالإضافة إلى أزمة قيم وأخلاق تعيشها البلاد منذ فترة، أدت إلى تصاعد حالات الانتحار وجرائم القتل في الفترة الأخيرة، والتي كان من أكثرها فظاعة وبشاعة جريمة تلك الأم التي قتلت ابنها مع طفل آخر  بعد أن رمتهما في بئر، وكذلك المجزرة البشعة التي ارتكبها الأب الممرض، والتي راح ضحيتها أربعة أطفال صغار هم أبناء مرتكب تلك المجزرة البشعة.
في مثل هذا الظرف العصيب، كان لزاما عليَّ أن أتقدم إليكم بخطاب المصارحة والمكاشفة هذا، والذي لن أحدثكم فيه عن الانجازات الهامة التي تم تحقيقها منذ قدومي إلى السلطة،وذلك لأني كنت قد حدثتكم عنها  في مناسبات سابقة، كان آخرها لقاء الشعب في أطار. لن أحدثكم في هذا الخطاب عن أي انجاز، وإنما سأحدثكم عن بعض الإخفاقات التي حدثت منذ التنصيب إلى يومنا هذا، باعتبار أنه لا يوجد أي عمل بشري بلا أخطاء وبلا نواقص، لذلك فقد كان من الضروري، وبعد مرور ثلاث سنوات من مأموريتي، أن أبحث عن الأخطاء والإخفاقات التي حدثت، وأن أسعى بشكل جاد وصادق لمعالجتها ولتجاوزها.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
اسمحوا لي قبل أن أحدثكم عن تلك الأخطاء والإخفاقات، وعن الأساليب الجديدة التي سأتبعها لتصحيحها، اسمحوا لي قبل ذلك، أن أقول لكم وبصريح العبارة بأن بلادنا لن تتجاوز هذه الظرفية الصعبة التي تمر بها إذا لم تتكاتف جهود الجميع، وإذا لم يتحمل كل واحد منا مسؤوليته.
وفيما يخصني فاني أعلم بأني أتحمل ـ قطعا ـ المسؤولية الأكبر، وأعترف لكم بأني قد قصرت فيما مضى في تحمل تلك المسؤولية الجسيمة، ولكني أعدكم ـ ومن الآن ـ  بأني سأتحمل مسؤوليتي كاملة غير منقوصة، وأتمنى ـ في المقابل ـ  أن يتحمل كل واحد منكم أيضا مسؤوليته كاملة من أجل النهوض ببلدنا.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
إني أريد من خطاب المصارحة والمكاشفة هذا أن يؤسس ـ بإذن الله ـ لمرحلة جديدة من العمل الحكومي والسياسي، وهي مرحلة ستسعي ـ بشكل جاد ـ لبناء جسور جديدة وقوية، من الثقة بيني وبينكم، ودون الحاجة لوسطاء سياسيين. لقد تعاملت معكم بدون وسطاء في الحملة الانتخابية الماضية، ولم تخيبوا وقتها ثقتي فيكم، فصوتم لي وبكثافة، مما جعل فوزي في الانتخابات الرئاسية الماضية، لا منة فيه لأي وسيط سياسي أو اجتماعي، فالفضل فيه يرجع لله ثم لكم أنتم أيها المواطنون البسطاء الذين صوتم لي، وبكثافة، في انتخابات يوليو 2009.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
لا جدال في أن ما مضى من مأموريتي، قد تخللته بعض الأخطاء والإخفاقات، والتي سيتم تصحيحها وتفاديها  ابتداء من الآن، ومن بين هذه الأخطاء:
أولا : الارتجالية في اتخاذ القرارات، وهو ما جعل الكثير منكم يستغرب بعض القرارات التي تم اتخاذها وإلغاؤها دون تقديم أي تفسير لذلك، كالقرار المتعلق ـ مثلا ـ  بإنشاء كتابة الدولة للشؤون الإفريقية، والتي تم إلغاؤها بعد إنشائها بفترة قصيرة. فلا أنتم عرفتم لماذا تم إنشاؤها أصلا، ولا أنتم عرفتم ـ كذلك ـ لماذا تم إلغاؤها بعد ذلك، ولكم الحق ـ كل الحق ـ في أن تستغربوا ذلك، وأن تنتقدوه، لأنه لم يعد من المقبول في عالم اليوم ارتجال القرارات، حتى ولو كانت مجرد قرارات فردية، أو عائلية، أو قرارات داخل مؤسسة صغيرة. فكيف إذا تعلق الأمر بقرارات حكومية، يمكن لها أن تؤثر إيجابا أو سلبا على حياة المواطنين؟ لذلك فإني أعدكم بأني لن أرتجل ـ من الآن فصاعداـ أي قرار مهما كان حجمه، ومهما كانت طبيعته.
ثانيا هناك أخطاء وتجاوزات عديدة تم تسجيلها فيما  يخص الحرب على الفساد، والتي كانت من أبرز الشعارات التي دفعتكم للتصويت لي. نعم لقد حدثت أخطاء وتجاوزات كثيرة، دون أن يعني ذلك بأنه لم تتحقق مكاسب كبيرة في محاربة الفساد فيما مضى من المأمورية، خاصة في الشق المتعلق منها بالرقابة على التسيير.
ومن أجل تصحيح تلك الأخطاء المرتكبة في مجال محاربة الفساد، فإني أعدكم بأني سأركز في السنتين المتبقيتين من مأموريتي على النقاط التالية:
1 ـ تطهير الإدارة من كل رموز الفساد الذين تم تعيينهم فيما مضى من مأموريتي.
2 ـ ستعتمد كل التعيينات أو الترقيات التي ستتم فيما تبقى من مأموريتي على أساس الكفاءة لوحدها، والتي سنبحث عنها في كل مكان، ولا يهمنا بعد ذلك الانتماء السياسي، أو الجهوي، أو القبلي، أو العرقي، لصاحب تلك الكفاءة. وأتحداكم أن تأتوني مستقبلا بتعيين واحد لم يتم على ذلك الأساس، وأعتذر لكم هنا عن كل التجاوزات التي تم ارتكابها في هذا المجال، حيث أن كل التعيينات التي تمت فيما مضى من مأموريتي لم يُحترم فيها معيار الكفاءة ولا معيار الاستقامة.
3 ـ لن يكون هناك من الآن أي تمييز مهما كان نوعه بين المواطنين على أساس انتمائهم السياسي، فالتعيينات والصفقات وكل الخدمات العامة التي تقدمها الدولة لمواطنيها سيتساوى فيها كل المواطنين باستثناء التعيينات في الوظائف ذات الطبيعة السياسية، والتي سيظل من حقي أن أخص بها أغلبيتي الداعمة، وهنا أيضا أعد الأغلبية الداعمة بأن تلك التعيينات سيتم منحها وفقا لعنصر الكفاءة داخل الأغلبية نفسها.
4 ـ سيتم عزل كل الموظفين الذين لهم انتماءات سياسية علنية من كل الوظائف ذات الطبيعة الرقابية أو الجبائية أو التفتيشية، أو تلك التي لها صلة بمنح الصفقات العمومية.
5 ـ سأصدر تعميما يحرم على كل الوزراء والموظفين الكبار المشاركة في أي نشاط حزبي مهما كانت طبيعته، فالدور السياسي الذي على الوزير أن يلعبه هو أن يتفرغ ـ وبشكل كامل ـ لعمله الحكومي البحت، وكلما نجح الوزير في عمله الحكومي فإن ذلك سيكون بمثابة أفضل دعم سياسي يمكن أن يقدمه للفريق السياسي الذي ينتمي له.
ثالثا، فيما يخص الإعلام العمومي فإني أعدكم بأني سأتخذ في الأيام القليلة القادمة قرارات جريئة لتصحيح الأخطاء الكبيرة المسجلة في هذا القطاع. وإنه ليؤسفني حقا أن يظل فتح وسائل الإعلام العمومية من المطالب والشروط التي ترفعها المعارضة في حواراتها أو في اشتراطاتها لإجراء أي حوار مع الأغلبية.
إن الإعلام العمومي سيفتح ـ وبشكل كامل ـ أمام المعارضة، ولن نقبل أن يظل ذلك من مطالب المعارضة، لأنه من حقها أن تفتح لها قنوات الإعلام الرسمي، وبشكل كامل، سواء حاورت أم لم تحاور.
وإن أول خطوة سأقوم بها في هذا المجال هو أني سأعين على مؤسسات الإعلام الرسمي شخصيات إعلامية ذات كفاءة مشهودة، ولها مصداقية عند المعارضة من قبل أن تكون لها مصداقية عند الأغلبية الحاكمة.
رابعا: فيما يخص الحوار مع المعارضة المحاورة أو المعارضة المقاطعة، فإني أعدكم هنا بأني سأتخذ قريبا بعض القرارات الثورية التي أعتقد بأنها ستساهم في خلق  الحد الأدنى من الثقة بين كل الفرقاء السياسيين، وهو ما سيساعد ـ إن خلصت النيات ـ إلى أن نجلس معا على طاولة واحدة من أجل مصلحة وطننا، تلك المصلحة التي لن أدعي بعد اليوم بأن الأغلبية أكثر حرص عليها من المعارضة بفسطاطيها المحاور والمقاطع.
وإن من الأخطاء التي تم ارتكابها في هذا المجال، والتي سنعمل على تصحيحها، هو أن مؤسسة الرئاسة لم تتمكن فيما مضى من مأموريتي من أخذ مسافة واحدة من كل الفرقاء السياسيين، بل إنها في بعض الأحيان تدخلت في تفاصيل تلك الصراعات حتى الدقيق منها.
وإني أعدكم من الآن بأني كرئيس لكل الموريتانيين سآخذ ـ مستقبلا ـ  مسافة واحدة من كل الفرقاء السياسيين، وسأظل أحتفظ بتلك المسافة في كل ما تبقى من مأموريتي، دون أن يعني ذلك بأنني سأتخلى عن أغلبيتي التي دعمتني في الانتخابات الرئاسية الماضية.     
خامسا، لقد لاحظت فيما مضى من مأموريتي بأن الإدارة لا زالت تتعامل بكثير من الاستعلاء والخشونة مع المواطنين، كما لاحظت أن الموظفين لا زالوا يمنون على المواطنين بأي خدمة إدارية يقدمونها لهم، حتى ولو كانت بسيطة وتافهة. إن هذه النظرة الخاطئة لابد من العمل الجاد على تغييرها، حتى يعلم الوزراء وكل الموظفين أنهم في خدمة هذا الشعب، وأنهم يتلقون رواتب من ثروته، وهو ما يفرض عليهم تغيير أسلوب تعاملهم مع المواطنين.
سادسا، فيما يخصكم أنتم الفقراء فإني أعدكم من الآن بأني سأستعيد كل قنوات الاتصال بكم، والتي تم قطعها ـ "يا للأسف" ـ  بعد تنصيبي. وسأنظم سلسلة من الزيارات الميدانية التي سأستمع فيها لكم ودون وسيط، لتحدثوني عن همومكم وعن مشاكلكم، والتي سأعمل جاهدا  لإيجاد حلول سريعة لما يمكن أن يحل منها بشكل فوري.
كما أني سأقوم بسلسة من الزيارات المفاجئة لكل الإدارات ذات الصلة المباشرة بهمومكم، وذلك لأطلع ـ وبشكل مباشر ـ على تعامل تلك الإدارات معكم، وسيتم عزل ومعاقبة كل من وجدناه مقصرا في حقكم.
أما فيما يخص  مكافحة الفقر، والتشغيل، والحد من الآثار السلبية لارتفاع الأسعار، فإني أعدكم بأنه سيتم اتخاذ بعض القرارات والإجراءات الثورية، في وقت قريب، للحد من البطالة، ومن الفقر، ومن الانعكاسات السلبية لارتفاع الأسعار. وهذه الإجراءات لن أحدثكم عنها الآن، بل أني سأتركها تتحدث عن نفسها في وقت قريب.
أيها المواطنون..
أيتها المواطنات..
إني أهنئكم بمناسبة عيد الفطر المبارك، وإني أعلن ـ  بهذه المناسبة العظيمة ـ عن عفو رئاسي سيشمل العديد من السجناء، وسيكون من بينهم سجناء "إيرا" والذين أعدهم بأنه سيمنح لهم ـ فور خروجهم من السجن ـ ترخيصا سيمكن منظمتهم من مزاولة كافة أنشطتها الحقوقية المتعلقة بمحاربة الاسترقاق ومخلفاته، وستدعمهم الحكومة في تلك الأنشطة، ولكن عليهم ـ في المقابل ـ أن يعلموا  بأن الحكومة ستكون صارمة، وصارمة جدا، في التعامل مع كل من يسيء لمقدساتنا، أو يسيء لأي شريحة، أو عرق من مكونات شعبنا، حتى ولو كان يرفع شعارا نبيلا كالشعار الذي ترفعه منظمتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*تخيلت أنه تم تعييني مستشارا افتراضيا للرئيس، وأنه قد تم تكليفي بصياغة مسودة لخطاب الرئيس بمناسبة عيد الفطر المبارك، فجاءت هذه المسودة.
تصبحون على خطاب ثوري..

الاثنين، 13 أغسطس، 2012

وركعت موريتانيا لثلاثة صينيين ..!!



لم يكن الخبر الذي تناقلته المواقع الموريتانية يوم 29 يوليو 2012 خبرا عاديا، فأن يقبل موظف برشوة فذلك ـ للأسف الشديد ـ لم يعد خبرا يستحق النشر لتكرار وقوعه، أما أن يرفض موظف موريتاني ـ وهو في كامل وعيه ـ  رشوة، فذلك قد أصبح هو الاستثناء الذي يستحق النشر بوصفه خبرا. وأن يُبَلِّغ ذلك الموظف عن تلك الرشوة، وعن الأجانب الذين قدموها له، فذلك مما لم نكن نتخيل حدوثه في مثل هذه البلاد التي انتشرت فيها الرشوة حتى أصبحت أمرا عاديا لدرجة أصبح  من المستحيل فيها  أن يحصل المواطن على أبسط خدمة عمومية دون أن يقدم رشوة، أو يستنفر ـ على الأقل ـ أقاربه ومعارفه لكي يتوسطوا له عند المعني بتقديم تلك الخدمة العمومية.
قطعا لم يكن رفض مدير الضرائب للرشوة المقدمة له من طرف الصينيين الثلاثة خبرا عاديا، ولم يكن تقديم شكوى والإبلاغ عن أولئك الصينيين الثلاثة الذين قدموا تلك الرشوة بالخبر العادي أيضا، لذلك فلم يكن غريبا أن يخلق ذلك الخبر فرحة عارمة لدى الناس، ظهرت في أحاديثهم، وهم يتناقلون تلك "الحادثة الغريبة". كما ظهرت أيضا تلك الفرحة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت صورة المدير العام للضرائب، والذي تحول  بين عشية وضحاها إلى بطل عند الجميع، لأنه كان هو أول موظف موريتاني يرفض أن يتسلم رشوة، ويبلغ عمن حاول أن يقدم له تلك الرشوة.
ولكن، ولأنه قد  قدر لنا أن نعيش في موريتانيا ذلك البلد الذي عودتنا "حكوماته الحزينة" على أن توزع الأحزان ـ وبكميات معتبرة ـ  على المواطنين، وأن تغتال ـ وبحماس ـ كل فرحة تظهر خلسة هنا أو هناك، وهي لا زالت في مهدها. لأنه قد قدر لنا ذلك فقد علمنا بأن "حكومة الأحزان"  قد أطلقت سراح الصينيين الثلاثة، حتى من قبل أن  يكملوا يومهم الأول في السجن، وربما تكون قد اعتذرت لهم عن تلك الساعات القليلة التي تم التعامل معهم فيها بما لا يليق مع كرامتهم كصينيين، يحق لهم أن يسخروا ويستهزئوا  من موريتانيا ومن قوانينها ومن عدالتها ومن موظفيها، متى شاؤوا وكيفما شاؤوا، و دون أدنى عقاب.
أُطلِق سراح الصينيين الثلاثة، وسارعت حكومة الأحزان والمصائب إلى وأد الفرحة التي تسللت خلسة إلى قلوب الموريتانيين، ومن قبل أن تكمل يومها الأول، وإن من شر البلية هو أن يبتلى شعب بحكومة من أحزان، لا شغل لها سوى توزيع الأحزان على الشعب، أو المسارعة  في وأد الأفراح وهي لا تزال في مهدها، كما كان يسارع العرب قديما في وأد بناتهم.
والمؤسف أن أغلب المواقع الوطنية تجاهلت إطلاق سراح الصينيين، ولم تعلق عليه، وإنما تشاغلت بأمور أخرى أقل أهمية، ونسي الناس بالتالي ـ  أو تناسوا ـ القصة بكاملها، وعادت موريتانيا إلى ما كانت عليه : أرض الأحزان والهموم والمصائب التي لا تنضب أبدا، والتي لا يمكن لأي فرحة عابرة  أن تعمر فيها ولو ليوم واحد.
ومما تجب الإشارة له هنا هو أني لا أعرف حتى الآن إن كان إطلاق سراح الصينيين الثلاثة قد تم بفعل تدخل من سفارة الصين، ودون أي تنازل من مدير الضرائب؟ أم أن مدير الضرائب قد رضخ للضغوط وسحب شكواه حسب بعض الإشاعات؟ فإن صح أن المدير قد سحب شكواه فإننا في هذه  الحالة لن نكون أمام اغتيال فرحة فقط، بل سنكون أيضا أمام انتحار عمل بطولي وهو لا يزال في مهده، وكثيرا ما تعودنا ـ في هذا البلد ـ على الانتحار المبكر للأبطال.
وإذا ما صح أن مدير الضرائب قد سحب شكواه من الصينيين الثلاثة، فسيكون من حقنا نحن في "ضحايا ضد الفساد" أن نسحب أيضا وسامنا الشعبي الذي قررنا أن نمنحه لذلك المدير في نهاية هذا العام، بوصفه "الموظف المثالي للعام 2012"، والذي وقع عليه اختيارنا نتيجة لارتفاع مستوى التحصيل في ظل إدارته، والذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة، ونتيجة كذلك ـ وهذا هو الأهم عندنا ـ لرفضه لتسلم  رشوة، وتقديم شكوى ممن قدم له تلك الرشوة. 
وفي انتظار أن نتوصل إلى حقيقة ما جرى مع الصينيين الثلاثة، وكيف تم إطلاق سراحهم، فإنه قد يكون من الضروري تسجيل بعض الملاحظات المختصرة حول عملية الإطلاق تلك.
1 ـ إن صح أن الصينيين الثلاثة قد تم تبرير إطلاق سراحهم بسحب مدير الضرائب لشكواه، فإننا في هذه الحالة سنكون في حاجة شديدة لأن يدلي لنا القانونيون برأيهم في ذلك، فالمدير ـ وهذا هو ما يتبادر لأذهان العامة ـ ليس هو المتضرر الوحيد من تلك الرشوة.
2 ـ إن إطلاق سراح الصينيين الثلاثة سيزيد مستقبلا من استهزاء الأجانب بالقوانين الموريتانية، وسيشجعهم أكثر على التهرب من دفع الضرائب، وإلى اللجوء للمزيد من الرشوة في تعاملاتهم مع الإدارة الموريتانية.
3 ـ إن المسار الذي سلكته تلك الحادثة سيصدم كل موظف نزيه، وسيجعله يتردد كثيرا من قبل أن يرفض أي رشوة، أو من قبل أن يبلغ عن أي راش.
4 ـ إن هذه الحادثة ستؤكد من جديد بأن الحرب المعلنة على الفساد هي مجرد شعار استهلاكي قد انتهت صلاحيته.
5 ـ  من السخافة أن نتحدث عن أن من عادة الصينيين أن يقدموا مبالغ مالية ضخمة لبعض الموظفين دون أن يقصدوا بذلك رشوتهم. كما أنه من السخافة أن ندعي بأن سجن الصينيين الثلاثة يعتبر إساءة للدولة الصينية، أو أنه سيؤثر في استقطاب المستثمر الأجنبي بشكل عام، والصيني بشكل خاص.
إن الذي سيؤثر حقا على استقطاب المستثمرين الأجانب هو أن يخلق لديهم الشعور بأنهم قد استثمروا أموالهم في غابة لا يحكمها أي قانون، ولا تضبطها أي أخلاق، وتغيب فيها الشفافية، وتنتشر في إدارتها الرشوة والفساد.
تصبحون على أفراح معمرة...

الاثنين، 6 أغسطس، 2012

مختصرات على هامش "لقاء الشعب



تابعت ـ كغيري من الموريتانيين ـ  النسخة الثالثة من  "لقاء الشعب"، وسجلت أثناء تلك المتابعة بعض المختصرات التي كنت أنشرها ـ أولا بأول ـ على صفحتي الخاصة، وهي مختصرات عدت إليها في صبيحة هذا اليوم، وقمت بترتيبها وتبويبها في النقاط التالية:
1 ـ كنت من الميالين جدا للغة الأرقام، ولكن الأرقام التي قدمها الرئيس في بداية لقائه لم تكن أرقاما مقنعة، بل كانت أرقاما ميتة لا تنبض بالحياة، ولا تزرع أي ثقة في نفوس المواطنين كما كان يحدث عادة عندما يتم الحديث لهم بمثل تلك الأرقام الكبيرة.
هذه الأرقام الكبيرة لم تنعكس على مستوى معيشة المواطنين، ولم تتسبب في زيادة الأجور أو الرواتب، ولم تخلق فرصا جديدة للتوظيف، ولم تحسن من أداء المؤسسات المعنية بالتنمية وبمكافحة الفقر ( فوكالة تشغيل الشباب تمر بأسوأ فتراتها منذ أسسها الرئيس الأسبق معاوية، وصناديق الادخار والتي لعبت دورا تنمويا ملحوظا في عهد المدير الذي سُجن بسبب الفساد، لم يعد لها أي دور مرئي أو غير مرئي في محاربة الفقر أو في الدفع بعجلة التنمية).
2 ـ افتخر الرئيس بتصاعد بعض الأرقام، وهي أرقام ستظل في تصاعد مستمر مهما كان الرئيس الذي يقودنا، فتصاعد تلك الأرقام أمر طبيعي جدا، بل وحتمي، ولا علاقة له بأي انجاز.
ومن بين تلك الأرقام المتصاعدة تحدث الرئيس عن تزايد عدد الأطباء في عهده، وفي ذلك مغالطة كبيرة،  فالأطباء الذين تخرجوا في عهد الرئيس الحالي، لا يحق له أن يعتبرهم من انجازاته، ولا يحق ذلك أيضا للرئيس السابق، ولا للرئيس الأسبق، فهؤلاء الأطباء هم من انجازات الرئيس معاوية لأنه قد تم إرسالهم للتكوين في أواخر سنوات حكمه.
أما الأطباء الذين يحق للرئيس الحالي أن يفتخر بهم فهم أولئك الذين سيتخرجون بعد ثلاث سنوات من الآن، أي أولئك الذين بدؤوا تكوينهم بعد السادس من أغسطس من العام 2008.
وما ينطبق على الأطباء ينطبق على غيرهم من أصحاب التخصصات.
3 ـ حصر الرئيس أسباب انتشار البطالة في عدم مواءمة التكوين مع المناهج التعليمية، ويبقى السؤال المطروح هنا هو : ما الذي  فعله الرئيس لكي يوائم بين مخرجات التعليم وسوق العمل؟ والجواب السريع على ذلك السؤال: لا شيء حتى الآن.
فمنتديات التعليم والتي لا تحتاج لإمكانيات مالية ضخمة تأخرت كثيرا عن موعدها، وهي لا زالت من الوعود التي لم تنجز، رغم مرور ثلاث سنوات على تنصيب الرئيس أي أنها لازالت خارج 70%.
ومما زاد من تعقيد الأمور هو اختيار وزراء للتعليم لهم مشاغل سياسية ( وزير التعليم الثانوي هو الأمين العام للحزب الحاكم، وزير الدولة للتهذيب هو الوزير المُفرغ للحوار).
أما فيما يخص التكوين المهني فقد ارتكبت الحكومة الحالية أخطاء جسيمة عندما زادت مدة التكوين، فما نحتاجه في هذه البلاد هو تكوين قصير مع زيادة عدد المستفيدين، حتى يستفيد أكبر عدد ممكن من الشباب، وذلك لأن نسبة هامة من ثروتنا يتم استنزافها من طرف يد عاملة غير متخصصة، وفي هذا المجال فنحن نحتاج ـ على المدى القصير ـ إلى برامج واسعة في التثقيف الحرفي وحملات توعية على أهمية الحرف وممارستها، وهذا هو ما أهمله النظام الحالي . أما تكوين يد عاملة عالية التخصص فذلك يجب أن يكون في إطار خطة متوسطة أو بعيدة المدى.
4 ـ  تحدث الرئيس عن انجازات كبيرة على مستوى المياه، ميدانيا يمكنني أن أقول بأن مقاطعة "مكطع لحجار" عطشت كثيرا ولم تتدخل الحكومة، وفاض فيها الماء وغرقت دون أن تتدخل الحكومة أيضا.
5 ـ تحدث الرئيس عن 70% من الإنجازات التي تحققت من برنامجه، والحقيقة أن هذا الرقم بالذات أصبح فاقدا للمصداقية من كثرة استخدامه. ففي نهاية العام الأول من مأمورية الرئيس تحدث بعض أنصاره عن 70% من الانجازات التي تحققت، وفي نهاية العام الثاني تحدثوا عن 70% من الإنجازات التي تحققت، وفي نهاية العام الثالث تحدث الرئيس عن 70% ، وربما يتحدث عن نفس الرقم في العام القادم، وفي العام الذي يليه إن كتب له أن يتحدث حينها في "لقاء مع الشعب".
كنا نتمنى أن نسمع مرة عن 40 %  تحققت من قبل تحقق 70%، ونسمع بعدها عن 60 % تحققت، ثم نسمع عن 70% بعد ذلك، أما نسمع من أول يوم في المأمورية عن 70%، ونسمع عنها في آخر يوم فذلك مما لا يليق بنا كمواطنين لا زلنا نعيش خارج المصحات النفسية، وتلك نعمة عظيمة تستحق الشكر الكثير.
6 ـ حاول الرئيس ـ على عكس عادته ـ  أن يضبط جوابه، وأن يزن كلماته عندما بدأ يتحدث عن مبادرة مسعود، ولذلك دلالته، عكس رئيس حزب الوئام الذي كان حديثه عن المبادرة أقل إيجابية ولذلك أيضا دلالته.
7 ـ لوحظ أن الرئيس كان يعطي الأوامر أثناء اللقاء ولا يستجاب له، فقد طلب من المنظمين أن يأتوه بصاحب اللافتة، ويسمحوا له بالتحدث إن كان لديه شيئا يريد أن يقوله، ولكن الذي حدث بعد ذلك أن صاحب اللافتة تم  القبض عليه واعتقاله.
8 ـ لقد تم انقطاع الخط  لمرة واحدة، وكان ذلك أثناء حديث المتدخل الوحيد الذي بدا من أول كلمة له أنه كان سينتقد الرئيس، ولم ينقطع الخط عن أي واحد من المتدخلين الآخرين الذين امتدحوا الرئيس. ولقد قال الصحفي المدير للقاء بأن المتدخل هو الذي قطع الخط، وتلك كلمة كنا نسمعها دائما، كلما أرادت التلفزة أن تقطع الخط عن متدخل مشاكس، مما يعني أن التلفزة لا تتغيرا أبدا حتى في ليلة "اللقاء بالشعب".
9 ـ لم يسمح للتدخل إلا لشيخ متقاعد ( والمتقاعدون هم الأكثر حظا في عهد الرئيس الحالي ولازالت مجالس الإدارات مخصصة لهم، وبشكل كامل)، ومقاول (بدا متناقضا في حديثه فقد قال بأن الأوضاع على ما يرام في الوقت الذي قال بأن حقوقه وحقوق غيره ضائعة منذ عام)، هذا فضلا عن واحد من الصم والذين أصبحت تدخلاتهم من ثوابت "لقاء الشعب"، بالإضافة لرئيس حزب الوئام، وهؤلاء الأربعة هم الذين مثلوا الشعب المتواجد في ميدان الملعب!!!!
10 ـ لم يكن أداء الصحفيين جيدا، بل كانت أسئلتهم باهتة ودون المستوى، ولا تتناسب مع الحدث، حتى أنهم نسوا في هذا العام مشاكلهم التي تخصهم كصحفيين.
11 ـ تحدث الرئيس عن الأرواح البريئة التي أزهقت في ظل حكمه وكأنها مسألة عادية، أولا يذكر الرئيس بأنه كان قد اعتبر ـ لتبرير الانقلاب ـ  قتل شاب في كنكوصة بالجريمة النكراء، وهي حقا جريمة نكراء لا تقل بشاعة عن الجرائم التي ارتكبت في عهده.
12 ـ أظهر الجمهور المتواجد في الملعب، وهو "الصفوة" التي استخلصها الحزب الحاكم من مناضليه، أظهر عدم اكتراث بحديث الرئيس، وتشاغل بأحاديث جانبية أثناء حديث الرئيس، ولذلك دلالته. فقط عندما تكون هناك  حاجة للتصفيق، أو ضرورة لترديد اسم الرئيس يستفيق ذلك الجمهور.
13 ـ فيما يخص الحديث عن القاعدة، وعن شمال مالي،  والأمن بصفة عامة، فذلك مجال أعتقد أن الرئيس قد حقق فيه انجازات تذكر، وأنا من الذين يدعمونه في تلك الجزئية، رغم بعض التحفظات على بعض التفاصيل، ولست من الذين يعتبرون أن ما يقوم به الجيش الموريتاني يمكن عده حربا بالوكالة.
تصبحون وقد حققتم فعلا 70% من برامجكم الشخصية .. 

السبت، 4 أغسطس، 2012

يا أهلنا في أطار أدخلوا ملاجئكم فرئيس الفقراء قادم..!!



لقد كنت إلى وقت قريب أعتقد بأن كلمة الشعب تعني كل أفراد الشعب، وأنه إذا كان لابد من تمييز ايجابي لمن يستحق أن ينفرد بتلك الكلمة دون غيره، فإنه يجب أن يكون الفقراء والبسطاء والمرضى وأصحاب المظالم، خاصة إذا ما كنا نعيش أفراح الذكرى الثالثة المخلدة لتنصيب "رئيس الفقراء".
ذلك هو ما كنت أعتقد من قبل، ولكن لقاءات الشعب التي نظمها رئيس الفقراء أثبتت لي بأن الشعب الذي يحرص الرئيس على لقائه، ليس هو الشعب الذي أعرفه، ولا ذلك الذي أنتمي إليه. .
ولقد تكشفت لي تلك الحقيقة شيئا فشيئا، ففي العام الأول كنت أعتقد بأن الشعب الذي يقصده الرئيس بلقائه هو الشعب المعروف لدينا نحن العامة. وقد دفعني ذلك الاعتقاد الخاطئ لأن أتحمس كثيرا لأول لقاء بالشعب فكتبت بمناسبة ذلك اللقاء رسالة مفتوحة إلى الرئيس تحت عنوان " أسئلة حائرة إلى رئيس الجمهورية" جمعت فيها ثمانية وأربعين سؤالا من تلك الأسئلة الحائرة التي ترتسم على شفاه بسطاء الشعب، ثم انتظرت من الرئيس أن يجيبني على سؤال واحد منها على الأقل، ولكن الرئيس لم يجب على أي سؤال منها، الشيء الذي جعلني أشعر بخيبة أمل كبيرة بعد لحظة حماس عابرة.
بعد اللقاء الأول بالشعب علمت بأن هناك صنفين من الشعب : شعب رئاسي (وهو الحاشية)، وشعب شعبي (عامة الناس وبسطائهم)، ولأني لست من الشعب الرئاسي، ولا أعرف ما هي همومه بالضبط، ولا طبيعة أحلامه، ولأني وقتها لم أكن قد أعلنت التوقف عن كتابة الرسائل المفتوحة، فكان لابد لي من كتابة رسالة مفتوحة بمناسبة النسخة الثانية من اللقاء بالحاشية، وقد كتبتها، ولكن بعد أن اهتديت إلى حيلة ذكية مكنتني من كتابة رسالة مفتوحة خالية من أي سؤال، وكان عنوانها: "لن أسألكم يا سيادة الرئيس".
أما في هذا العام فقد كتبت بمناسبة النسخة الثالثة من لقاءات الرئيس بحاشيته مقالا تحت عنوان : "الرئيس يلتقي بحاشيته في أطار".
ولقد كتبت ذلك المقال بعد أن علمت بأن "الشعب" الذي يعتصم بشكل يومي أمام القصر الرئاسي، ليس من الشعب حسب الفهم الرئاسي، فلو كان من الشعب حقا لقرر الرئيس أن يلتقي به، خاصة أن اللقاء به لن يكلف خزينة الدولة أوقية واحدة. فالشعب المعتصم اختار أن يتحمل تكاليف التنقل إلى الرئيس، بدلا من ترك الرئيس وحاشيته يتحملون تلك التكاليف، كما هو حاصل في لقاء الرئيس بحاشيته في أطار.
ولقد علمت أيضا بأن عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل من حملة الشهادات ليسوا كذلك من الشعب حسب الفهم الرئاسي، فلو كانوا من الشعب لقرر الرئيس أن يلتقي بهم، خاصة وأن فيهم مجموعة "كواس حامل شهادة" والتي اقتحمت القصر الرئاسي ذات يوم مثير، واعتصمت داخله وطالبت بلقاء الرئيس، ولكن لأنها ليست من الشعب الرئاسي فقد رفض الرئيس أن يلتقي بها، وحاصرها الحرس الرئاسي وحرمها من الماء والطعام حتى أخرجها الجوع والعطش من قصر "رئيس الفقراء".
ولقد علمت بأن الطلاب ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، و أن الأساتذة المعلقة رواتبهم ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن العمال في أكجوجت و أزويرات ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن أهلنا في مكطع لحجار والمذرذرة وجكني وباقي مقاطعات الوطن ـ باستثناء انبيكت لحواش والشامي ـ  ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن البحارة في نواذيبو ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن نساء أدويرارة لسن من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن العائدين من ساحل العاج وليبيا ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن نساء الفلوجة لسن من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن كل أهالينا في الترحيل ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن المحامين ونقيبهم ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن الأطباء والممرضين ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن المعوقين ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن المتسولين ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وأن أهلنا في أطار ليسوا كذلك من الشعب حسب الفهم الرئاسي.
فأهلنا في أطار عليهم أن يختفوا تماما عن الأنظار خلال "لقاء الشعب" لأنهم ليسوا من الشعب حسب الفهم الرئاسي، وعليهم أن لا يخرجوا من بيوتهم حتى لا يشوهوا الشوارع التي تم تنظيفها، ولا المباني التي تمت صباغتها، ولا اللوحات الجميلة التي تم رفعها.
عليهم أن يختفوا عن الأنظار حتى لا يزعجوا الرئيس ـ بمظهرهم البائس ـ  خلال مقامه في مدينتهم التي تبدلت، أرضها،  وشوارعها، ومبانيها، ولوحاتها، وساكنتها أيضا.
ستظهر أطار خلال مقام الرئيس، وكأنها مدينة بلا معاناة، مع أن العكس هو الذي كان يجب أن يحصل، فزيارة الرئيس كان يجب أن تستغل لإظهار المعاناة، ولإخفاء أي مظهر من مظاهر النعيم في المدينة، إن كان مثل ذلك المظهر يوجد أصلا، لأن ذلك ربما كان سيدفع بالرئيس لأن يفعل شيئا للمدينة، أو يتألم على الأقل لحالها، حتى ولو كان ذلك الألم  ليوم واحد فقط.
وختاما فعلى الشعب الموريتاني أن يعلم بأنه ليس هو الشعب المقصود بلقاء الرئيس، فالشعب المقصود حسب الفهم الرئاسي يتكون من سبعة من الصحفيين، و 15000 إلى 20000 مدعو من طرف الحزب الحاكم، وعشرة إلى عشرين متصلا عبر الهاتف سيتم إخضاعهم لأحدث وسائل الفلترة المعروفة.
تصبحون وأنتم من الشعب الرئاسي..

الأربعاء، 1 أغسطس، 2012

لقاء الرئيس بحاشيته في أطار!!



لقد أصبح من الواضح أن الشعب سيكون هو الغائب الأبرز خلال لقاء "الشعب" الذي سيتم تنظيمه في هذا العام في مدينة أطار، سيغيب الشعب، وستأتي أفواج من وجهاء القبائل، ومن خلق الاتحاد، ومن أطر لا يتقاعدون أبدا ليحلوا محل الشعب، وليقابلوا رئيسا لم يفارقوه ولا للحظة.
سيصفد الشعب بالسلاسل في "الليلة المباركة" من شهر أغسطس "المبارك"، وسيظل الشعب مصفدا حتى يعود الرئيس إلى قصره، وتغلق عليه الأبواب من جديد، وتتأكد الحاشية بأن الشعب لن يكون بمقدوره أن يتجاوز الأبواب و لا الأسوار ولا الجند، حينها، وحينها فقط  ستفك القيود عن الشعب المسكين.
لن يلتقي الرئيس بالشعب في أطار، لأن الرئيس لا يريد أصلا أن يلتقي بالشعب، ولأن حاشيته أيضا لا تريد له ذلك.
فالرئيس لا يريد أن يسمع من الأنين إلا أنين جشع حاشية، ولا أن يصله من الهموم إلا هموم الحاشية، ولا أن يرى في "الليلة المباركة" إلا الكروش المنتفخة، والأيادي المصفقة، والوجوه الشاحبة لحاشيته، والتي كانت ـ بالمناسبة ـ حاشية من حكم من قبله، وستكون أيضا حاشية من سيحكم من بعده.
تقول الحاشية وهي التي لم تصدق يوما لا في القول ولا في الفعل بأنها تسعى لنجاح "لقاء الشعب"، ولو أنها  كانت تسعى حقا لنجاح اللقاء، لاختفت عن الأنظار، ولأوقفت اجتماعاتها و تحضيراتها، ولعدلت عن فكرة الرحيل إلى أطار، ولتركت الرئيس يذهب لوحده، ويقابل فقراء وبسطاء أطار لوحده، ويسمع منهم دون وسيط، ودون أن يشوش عليه ضجيج الحاشية وتصفيقها الذي لا ينضب أبدا.
إن ما تقوم به الحاشية الآن من اجتماعات قبلية، ومن جمع للأموال الطائلة إنما يهدف أساسا إلى حجب الرئيس عن الشعب، وحجب الشعب عن الرئيس، وبالتالي حجب هموم الفقراء ومعاناتهم عن سيادته، فالرئيس عندما يصل إلى أطار، ويلتفت يمينا أو شمالا في "الليلة المباركة"، أو في صبيحتها فلن يرى إلا حاشيته التي جاءت معه ببطونها المنتفخة، وبأثوابها النظيفة، وبأثر "نعيم" المال الحرام على نواصيها.
لن يُسْمح لفقراء أطار أن يشاهدهم "رئيسهم"، أما أن يكلمهم أو يحاورهم حتى من وراء حجاب فذلك مما لا يحلم به الفقراء. والمصيبة أن الحاشية ليست لوحدها هي التي تريد أن تبعد الفقراء عن رئيسهم، بل إن الرئيس نفسه لا يريد أن يلتقي بالفقراء ( الشعب الحقيقي)، ولو أنه أراد ذلك حقا، لفعل كما يفعل "رؤساء الفقراء" في العالم.
فلو أنه أراد بحق أن يقابل الشعب الحقيقي لقرر أن يزور المدن التي تضررت بفعل الأمطار الأخيرة ليقابل الأسر المنكوبة والمشردة في النعمة، أو في كيهيدي، أو في مكطع لحجار، أو في صنكرافة، ولفعل كما فعل رئيس فقراء فنزويلا، والذي استقبل في قصره بعض الأسر الفقيرة التي شردتها الفيضانات، وطلب من عمال القصر أن يعاملوها كما يعامل ضيوف القصر من أصحاب المقامات السامية، حتى يجد لمأساة تلك الأسر المشردة حلا، ويعوضها منازل عن منازلها المهدمة.
وبطبيعة الحال فلم تشرق شمس فنزويلا من مغربها في صبيحة ذلك اليوم بسبب تلك "الكبيرة" التي ارتكبها رئيس فقراء فنزويلا، عندما فتح أبواب قصره لأسر فقيرة ومنكوبة.
ولو أن الرئيس أراد بحق أن يقابل الشعب الحقيقي لنظم وجبة إفطار في قصره من "مال الشعب" لمجموعة من الحمالين، أو المعوقين، أو العاطلين عن العمل، أو من مرضى برنامج "ويؤثرون على أنفسهم"، وسمع منهم دون وسيط، بدلا من أن تظل دعوات الإفطار في القصر مقتصرة على أولئك الذين تعودوا على أكل أموال الشعب بالباطل.
فأن يشارك بعض الفقراء الرئيس في وجبة إفطار، أو في غيرها، فذلك لن يؤدي قطعا إلى طلوع الشمس من مغربها، فهذا رئيس فقراء تركيا ، أو رئيس حكومتهم على الأصح  يخرج ذات جمعة من الجامع بشكل عادي، فتستدعيه مواطنة تركية فقيرة  ليشرب معها الشاي، فيلبي دعوتها، ويأتي الجيران من فقراء الحي لمنزل صاحبة الدعوة، ويقابلون رئيس حكومتهم، ويطرحون عليه مشاكلهم، ودون أن يتسبب ذلك في أن تطلع شمس تركيا من مغربها.
وذلك رئيس فقراء إيران ينام في "قصره" على حصير عادي كما ينام فقراء بلده، رغم أن بلده يصدر السجاد الفاخر لكل دول العالم، و فوق ذلك يرفض أن يبسط له السجاد الأحمر في زياراته، أو أن ترفع صوره.
هذا الرئيس الفقير كان يشاهد دائما وبيده مكنسة، ويلبس زي عمال النظافة، وهو يشارك في تنظيف الشوارع المحيطة بسكنه، ولم يتسبب أيضا ذلك في أن تشرق شمس إيران من مغربها.
وهذا رئيس الفقراء في البرازيل، ماسح الأحذية السابق، والذي أحبه شعبه لدرجة المطالبة بتعديل الدستور والإلحاح في تلك المطالبة حتى يتسنى للشعب أن ينتخبه لمأمورية ثالثة، وهو ما رفضه بشدة.
فهذا رئيس فقراء البرازيل يقدم دعما غير مسبوق لعمال القمامة في بلده، ولم يتسبب ذلك الدعم في أن تطلع شمس البرازيل من مغربها.
تلك نماذج قليلة من تصرفات ومواقف كثيرة لبعض "رؤساء الفقراء" في العالم، والذين لم يكتفوا بحمل اللقب فقط، وإنما عُرفوا بقربهم والتحامهم بفقراء بلدانهم، ولم يتركوا حاشيتهم تحول بينهم مع فقراء بلدانهم كما هو حاصل عندنا.
وبالعودة إلى فقراء موريتانيا، فمن المؤكد بأن الحاشية ستطبل كثيرا للقاء الرئيس معها في أطار، وستصفه بأنه كان لقاء بالشعب، وبفقرائه، وبأن "رئيس الفقراء" لم يخذل خلال ذكرى التنصيب الثالة الفقراء الذين انتخبوه ذات يوم عصيب من أيام يوليو.
فلتقل الحاشية ما تشاء، وليطبل الإعلام الرسمي كما يشاء، وليزغرد "رجال" الاتحاد كما شاؤوا، ولكن ليعلم الرئيس بأن لقاء الشعب قادم لا محالة، في يوم ستبدل فيه الأرض، وستهرب فيه الحاشية، والاتحاد، والإعلام الرسمي عن "رئيس الفقراء" ليتركوه وحيدا في مواجهة فقراء شعبه أمام حكم عادل.
وليعلم الرئيس بأن هموم الفقراء التي يعانون منها اليوم في ظل حكمه، والتي كان بإمكانه أن يخفف منها ولكنه لم يفعل،  سيحملونها معهم حتى يلاقوه في "لقاء الشعب"  القادم، وحينها سيندم الرئيس كثيرا لأن أضاع الفرصة، ولم يستمع لشكاوى الفقراء ومظالمهم في لقاء أطار، بدلا من أن يضطر لسماعها بعد حين، وأمام رب وسع كل شيء علما وعدلا، ولن تضيع عنده حبة قمح، أو قرص دواء، أو جرعة ماء، أو وجبة طعام، لأي فقير من فقراء موريتانيا.
وإني كلما تخيلت ذلك اليوم أدركت أن الذي يثير الشفقة حقا هو رئيس الفقراء لا الفقراء الذين ستنتهي معاناتهم مع الفقر بمغادرتهم لهذه الدنيا على أبعد تقدير.
تصبحون على انقطاع للكهرباء في "الليلة المباركة" ....