الأربعاء، 20 أكتوبر، 2010

لكم استقلالكم..ولنا استقلالنا!


بسم الله الرحمن الرحيم
لكم استقلالكم..ولنا استقلالنا!
يبدو أننا سنحتفل في الثامن والعشرين من نوفمبر القادم بالذكرى الثالثة للاستقلال الوطني "المصحح" لا بخمسينية الاستقلال. ويبدو أنه لا زالت تفصلنا عقود من الزمن ـ ومن الوعي أيضاـ لكي نحتفل بطريقة لائقة بهذه الخمسينية. ويبدو كذلك أن اللجنة المحضرة لخمسينية الاستقلال لا زالت تصر على أن تقسم الشعب الموريتاني إلى فسطاطين : فسطاط يحق له أن يشارك وأن يحتفل بخمسينية الاستقلال في 28 من نوفمبر القادم. وفسطاط آخر، عليه أن يبحث عن وطن آخر، وعن استقلال آخر، وعن نوفمبر آخر، وعن خمسينية أخرى، وربما عن رئيس آخر.
فمن المؤسف حقا أن تتعامل اللجنة المحضرة للخمسينية بازدواجية صارخة مع الموريتانيين الراغبين في المشاركة في الاحتفالات المخلدة للذكرى الخمسين لاستقلال الدولة الموريتانية.
ومن المخجل حقا أن تخصص هذه اللجنة زاوية المقالات في موقعها على الانترنت لخمسة مقالات أصحابها من فسطاط واحد، في الوقت الذي ترفض فيه نشر مقالات متميزة كُتبت عن هذه الذكرى لأن كتابها من الفسطاط الآخر الذي يحاول جاهدا أن يجعل الولاء للوطن أهم من الولاء للموالاة أو للمعارضة.
و لابد لمن يزور موقع اللجنة المحضرة للاستقلال أن يُصدم عندما يكتشف بأن المقالات المنشورة في هذا الموقع لا صلة لها بالاحتفالية، اللهم إذا استثنيا مقالا أو اثنين حاول صاحبهما أن يختزل تاريخ وذاكرة أمة في طرق معبدة شيدت في العهد الحالي، أو لا تزال ـ على الأصح ـ أثناء التشييد.
لذلك فإنه من الضروري أن نُذكر اللجنة المحضرة للخمسينية بأن الشعب الموريتاني قد سئم من عمليات اختزال تاريخ البلد في فاصلة إعلانية قصيرة، تأتي قبل التاريخ الحقيقي، وهي فاصلة تُضغط فيها عقود من تاريخ البلد سبقت "العهد الميمون" الذي وُلِد فيه التاريخ مرة في 12 ـ 12 ـ 84. ووُلِد فيه مرات أخرى في أول أربعاء من أغسطس من العام 2005 و العام 2008.
لقد سئم الشعب الموريتاني تلك الاحتفالات التي تُضغط فيها سنوات وعقود من عمر الدولة الموريتانية، وتبسط فيها أيام وشهور أعقبت قدوم ساكن جديد للقصر الرئاسي بسطا عجيبا.
وإذا كان يحق للبعض أن يصغر و يتصاغر وينكمش ويتمدد ويتفاعل كيف ما شاء حتى يتحول إلى فرن من أفران المصلحة، أو كتاب من كتب الطبخ مع الميلاد الأول للتاريخ، أو أن يتحول إلى شجيرة، أو طريق معبد، أو إلى صرة من اللبن المجفف مع الميلاد الثاني أو الثالث للتاريخ الموريتاني . فإذا كان يحق لأولئك أن يتحولوا إلى كتب أو أفران أو شجيرات فإنه لا يحق لهم أن يختزلوا وطنا بكامله ويحولوه إلى حرف هجائي يكتبه أمي ظل أميا حتى في العهد الذي تم فيه القضاء على الأمية ـ حسب الإعلام الرسمي ـ في كل دول الجوار. أو يحولوا ذلك الوطن إلى شجيرة يغرسها فقير جائع كُتب عليه أن يزداد فقرا وبؤسا في العصر الذهبي للفقراء.
لقد كنا نتوقع من اللجنة المحضرة لخمسينية الاستقلال أن تجعل من يوم الثامن والعشرين من نوفمبر القادم مناسبة وطنية، من حق كل الموريتانيين أن يشاركوا فيها لأنها من المفترض أنها تهمهم جميعا، ولأنها قد لا تتكرر ثانية في حياة الكثيرين منهم. ولكن المؤسف أن اللجنة لا زالت تصر أن تجعل منها مناسبة سياسية خاصة ببعض الموريتانيين دون غيرهم ككل الاحتفالات السابقة بذكرى الاستقلال.
فالثامن والعشرون من نوفمبر القادم قد لا يختلف كثيرا عن 18.250 يوما سبقته هي عمر الدولة الموريتانية.
واللجنة المحضرة للخمسينية لا تختلف عن اللجان والسلطات العليا والمجالس الوطنية الكثيرة، والتي تبتلع كثيرا من أموال هذا الشعب الفقير دون أن تقدم شيئا مذكورا يبرر تلك الأموال الطائلة التي تم ابتلاعها.
لقد اختارت هذه اللجنة أن تكون عبئا ثقيلا على كاهل هذا الشعب المسكين مثلها مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والمجلس الإسلامي الأعلى، والسلطة العليا للصحافة، ووسيط الجمهورية، وغيرهم من المجالس واللجان والسلطات التي لم تقدم حسنة واحدة تشفع لها وتبرر بقاءها. ويكاد المرء يوقن أن مصائب هذا الشعب هي بالذات مصادر فوائد هؤلاء.
ولعل من أشد مصائبنا في هذا البلد أننا تعودنا على أن نختزل الوطن في وظيفة بالنسبة لمن له وظيفة، أو في قبيلة، أو في جهة، أو في عرق، أو في ايدولوجيا، أو في زعيم بالنسبة للمعارضين أو في رئيس بالنسبة للذين يولدون وهم موالون، ويعيشون وهم موالون، ويموتون وهم موالون.
ونحن بهذه المناسبة بحاجة إلى أن نتعلم درسا بسيطا جدا وهو درس من سطر واحد: إن الوطن أكبر من الرئيس، ومن الزعيم، ومن الموالاة، ومن المعارضة، ومن القبيلة، ومن العشيرة.
أضف إلى جملة المصائب في هذا البلد أن الأغلبية لا يهمها من أمور الوطن إلا أن ترضي الرئيس. والمعارضة لا يهمها إلا أن تغضبه. فالمعارضة التي تمت دعوتها للمشاركة في هذه الاحتفالية اختارت أن ترفض، وهي لم تتقدم بأي مقترح للجنة المحضرة للاحتفالية والتي هي في أمس الحاجة لمقترحات تملأ بها ـ على الأقل ـ صفحات موقعها الذي نشرت فيه كتابا لا صلة له بالاستقلال بمجرد أن مؤلفه عضو ناشط في اللجنة الإعلامية للحزب الحاكم.
لقد كان من واجب المعارضة أن تقدم اقتراحاتها لهذه الاحتفالية رغم أنها مقترحات كان من المؤكد أنها ستفرض لأنها لم تأت من الفسطاط الذي من حقه أن يشارك في احتفاليات خمسينية الاستقلال.
ومن مآسي هذا البلد أن الأغلبية لا تفعل شيئا من أجل هذا الوطن، والحكومة لا تنجز شيئا لصالحه، واللجان والسلطات العليا والمجالس لا تفكر في أي شيء. فكل هؤلاء يقتاتون من إنجازات الرئيس التي هي في مجملها أقل بكثير مما حلم بها الفقراء ذات يوم مجيد من أيام أغسطس المجيدة.
ومن أشد معضلاته أن المعارضة لا تختلف عن الأغلبية في أي شيء، فهي أيضا تقتات من إخفاقات الرئيس، ولا تفعل شيئا من أجل أن تقلل من تلك الإخفاقات والتي تكفي ـ بالمناسبة ـ لإطعام كل المعارضات في الدول المجاورة.
ولعل أشد ما نقاسيه أننا مخيرون بين أن نختزل الوطن في شجيرة أو في رئيس أو في وظيفة أو في قبيلة أو في أي شيء أو أن نعيش بلا وطن...
وحق لنا أن نتساءل هل نحن مخيرون بين أن نشارك فسطاطا من هذا البلد في خمسينية قرر أن يختزلها ويختصرها ويضغطها في ثلاث سنوات أو أن ننتظر خمسينية أخرى من الراجح أننا لن نعيش لحظة قدومها؟
إننا مجبرون على أن نقول بالعربي الفصيح والصريح للفسطاس الذي سيحتفل بخمسينيته في الثامن والعشرين من نوفمبر القادم:
لكم وطنكم الذي إذا شئتم اختزلتموه في طريق معبد أو في شجرة أو في متجر رمضاني.. وسيبقى لنا وطننا الذي اختزلناه في حلم جميل لا بد له أن يتجسد حتى وإن طال الانتظار.
لكم خمسينيتكم ... وسننتظر خمسينيتنا التي لابد وأن تأتي.
لكم استقلالكم.. وسننتظر استقلالنا.
تصبحون على الوطن الحلم ..

الاثنين، 11 أكتوبر، 2010

حراس المستقبل .. ومستقبل الحراس(1)

لم يعد خافيا أن "السفينة" قد امتلأت صفائحها بالثقوب والفجوات، وأنها قد خُرِقت في أكثر من موضع. ولم يعد خافيا كذلك أن من أخطر ما يهددها بالغرق هو تلك الثقوب والفجوات التي تُحدث خرقا في السلم والوئام الاجتماعيين، لذلك فقد كان من الملح والملح جدا أن تتشكل مبادرة وطنية تتخصص وتتفرغ في سد الثقوب والفجوات الأكثر خطورة، ثم تعمل بعد ذلك لمنع حدوث أي ثقوب جديدة، حتى تتمكن سفينتنا من العبور الآمن إلى الشاطئ دون الغرق في بحار مخيفة وموحشة، موجها كالطود العظيم، ونهارها كليلها حالك الظلمة، شديد الرهبة.
ميلاد مبادرة : لقد ولدت مبادرة "حراس المستقبل" في لحظة تاريخية فاصلة، تنفرد بعديد من الميزات لعل من أهمها:
 أن ميلادها قد جاء قبيل الاحتفال بخمسينية الاستقلال بأسابيع معدودة وفي ذلك دلالات وإشارات كثيرة.
 أن الإعلان عنها قد جاء في وقت كان فيه الكثير من الموريتانيين يبحث عن مشروع وطني هادف ينخرط فيه من أجل مواجهة التحديات الكبرى التي تهدد مستقبل البلاد، بعيدا عن التجاذبات والصراعات السياسية الآنية.. الرسائل وردود الأفعال تؤكد هذه الحقيقة.
 أن الإعلان عنها قد جاء في وقت انقسمت فيه النخبة حول الاسترقاق ومخلفاته إلى فريقين: فريق يتعامل مع الرق بسلبية فاضحة، وفريق آخر يتعامل معه بتطرف صادم.
لذلك فقد كان من الضروري جدا أن يولد مشروع جديد، لحلف جديد، يركز على ثلاث نقاط أساسية:
أولاهما: أن محاربة مخلفات الرق هي أولوية الأولويات لأنه لم يعد من اللائق ـ ونحن نحتفل بالذكرى الخمسين لميلاد الدولة الموريتانية ـ أن تظل هذه القضية مطروحة وبهذه الحدة.
ثانيهما: لا يمكن أن نفسر فشلنا كدولة أو كنخب في استئصال هذه الظاهرة ومخلفاتها بشكل نهائي بتفسيرات عنصرية، كعنصرية الدولة أو النظام، أو نفسرها بتحالف بعض الشرائح ضد شريحة معينة...إلخ
فالحقيقة أن الدولة لم تفشل في القضاء نهائيا على مخلفات الرق لأنها دولة عنصرية، وإنما فشلت لنفس الأسباب التي جعلتها تفشل في محاربة الجهل والفقر والتخلف رغم ما تمتلك من ثروات متنوعة. والمقارنة هنا لا تعني أننا ننظر لمشكل العبودية كنظرتنا للفقر أو للجهل أو لأي ظاهرة أخرى، وإنما هي مقارنة من أجل تفنيد نظرية عنصرية الدولة والشرائح التي يحلو للبعض أن يتحدث عنها كلما تحدث عن العبودية. ومن المؤكد أن هذه النظرية لا تساعد في القضاء على مخلفات الاسترقاق لأنها تقزم محاربة مخلفات الرق وتجعل منه مجرد ظاهرة تخص شريحة واحدة وليس قضية وطنية كبرى، نريدها نحن في "حراس المستقبل" أن تظل من أهم القضايا التي يجب أن يتنافس في محاربتها المتنافسون من أبناء هذا الوطن بغض النظر عن انتماءاتهم وأعراقهم وشرائحهم الاجتماعية.
ثالثهما : على "حراس المستقبل" أن يستنهضوا الهمم ويستنفروا كل النخب وبالأخص أولئك الذين لا يزالون يتعاملون مع هذه الظاهرة بسلبية فاضحة. وهناك نوعان من التعامل السلبي أحدهما لا يهتم بالظاهرة أصلا، ولا يعتبرها من القضايا الشائكة التي تهدد مستقبل البلاد. وثانيهما وهو الأقل سلبية يكتفي بالحديث عن الظاهرة دون أن يقدم جهدا ميدانيا لمحاربة مخلفاتها وذلك نتيجة لاعتقاده الخاطئ أن الحكومة هي المعنية أولا و أخيرا بمعالجة مخلفات الاسترقاق. ومن هنا فعلى القائمين على حلف "حراس المستقبل" أن يهتموا بمجالين اثنين في إستراتيجيتهم لمحاربة مخلفات الاسترقاق.
المجال الأول : تقديم المقترحات للسلطة والضغط من أجل تنفيذها، وهذه المقترحات يجب أن تمتد لتشمل كل القضايا ذات الصلة بظاهرة الرق ومخلفاته كالفقر والجهل والفساد..
المجال الثاني: وهو ما أشار إليه الإعلان التأسيسي للحلف، فعلى "حراس المستقبل" أن يصمموا برامج عملية على مقاسهم، يكون بالإمكان تنفيذها بوسائلهم وبإمكانياتهم الخاصة، دون الحاجة لدعم السلطات. وهناك بعض المقترحات العملية التي ستترك للنقاشات الداخلية لأعضاء الحلف.
المهم أنه على "حراس المستقبل" أن يمتلكوا وسائل تمكنهم من أن يبتدعوا ويصمموا برامج قادرة على أن تصل للمزارع في حقله، ولربة البيت في كوخها، وللطالب في مدرسته، وللقروي في قريته. وأن لا يقتصر عمل الحلف على بعض الندوات والنقاشات والحوارات النخبوية التي لا يتجاوز صداها جدران القاعات التي تحتضنها.
ومن المصادفات اللافتة أنه في الوقت الذي كنت أكتب فيه عن "حراس المستقبل" كانت الفضائيات تنقل صورة "حسن نصر الله " الأمين العام لحزب الله وهو يغرس الشجرة المليون أمام بيته.
لقد استطاعت منظمة لبنانية غير حكومية وهي منظمة الجهاد للبناء الإنمائية أن تغرس لوحدها في أقل من عام واحد مليون شجرة. هذا في الوقت الذي لا نستطيع فيه نحن أن نجزم إن كانت الحكومة والأغلبية الداعمة لها ستتمكنان من غرس مليون شجرة في السنوات الأربع القادمة! وهذه المقارنة لا أوردها هنا لانتقاد مشروع غرس مليون شجرة في العاصمة، وإنما أوردها لتقديم حقيقة في غاية الأهمية أتمنى أن يعيها كل عضو من الأعضاء المائة والخمسين المؤسسين لحلف "حراس المستقبل". فبإمكان الحلف أن يحقق للمهمشين في هذا البلد ما عجزت الدولة الموريتانية أن تحققه لهم. والأمثلة أكثر من أن يتم حصرها، وهي لا تقتصر قطعا على مليون شجرة غرستها منظمة لبنانية غير حكومية في أقل من عام، في الوقت الذي لم تستطع فيه الحكومة اللبنانية أن تنجز مثل ذلك، وفي الوقت الذي تجعل فيه الحكومة الموريتانية من مشروع غرس مليون شجرة خلال أربع سنوات إنجازا عظيما حتى من قبل أن يكتمل. فهناك مثال آخر تقدمه منظمة غير حكومية أخرى هي "بنك غرامين" الذي أسسه "محمد يونس"، والذي قدم من التمويلات الصغيرة في "بنجلادش" ما لم تستطع الحكومة البنجالية أن تقدمه. وفي "الكويت" استطاعت منظمة "العون المباشر" أن تنجز في بعض دول إفريقيا من المشاريع الدعوية والتنموية ما لم تستطع "الكويت " ولا أي دولة خليجية أخرى أن تنجزه في تلك البلدان.
وتلك الأمثلة وغيرها، مما لا يتسع له المقام، تجعلنا في "حراس المستقبل" نعتقد بأنه بإمكاننا أن نضع بصمتنا الخاصة، وأن نحقق في مجال الوئام الاجتماعي ما فشلت الحكومات المتعاقبة في تحقيقه. و يمتلك الحلف العديد من الطاقات والقدرات التي قد تساعده في تحقيق ذلك، ومن هذه الطاقات والقدرات يمكنني أن أذكر:
1ـ لقد استقطب الفريق المؤسس للمبادرة تشكلة نادرة من الشخصيات الفكرية والثقافية والدينية والإعلامية والحقوقية والتي يمكن لها أن تشكل ـ بحق ـ فريقا متميزا للإصلاح وللوئام الاجتماعي.
2 ـ لهذا الفريق القدرة الكافية لأن يفكرـ بشكل استراتيجي واستشرافي ـ في كبريات القضايا وأن يستنبط لها حلولا جذرية، وأن يجسد تلك الحلول في صيغة عمل ميداني.
3ـ بإمكان هذه "الكتلة الوطنية" المشكلة للحلف أن تتحول إلى كتلة مغناطيس لجذب واستقطاب كل الوطنيين المخلصين والذين تشرأب أعناقهم منذ عشرات السنين إلى مشروع وطني طموح وجاد يوظف إمكاناتهم وقدراتهم الهائلة في عمل وطني كبير. فالكثير من أبناء هذا البلد قد طال انتظاره لعنوان جاد يحتضن الأفكار الجادة، لذلك فأمام حلف "حراس المستقبل" فرصة نادرة لأن يكونوا ذلك العنوان المفقود.
تحيين الأهداف وتطوير الوسائل:

في اعتقادي أن مستقبل "حراس المستقبل" يكمن في القدرة على التركيز على "أمهات" المشاكل التي يعاني منها البلد في الوقت الحالي والتي تهدد مستقبل وجوده، وذلك لتفادي أخطاء كثيرا ما تقع فيها نخبنا التي لا زال الكثير منها ـ وهو على أبواب العقد الثاني من الألفية الثالثة ـ يخاطبنا بخطاب الستينات والسبعينات ويصر على نبش " تراث" و "أرشيف" هموم ومشاكل الستينات ليستخرج لنا منها المشاكل والهموم التي يجب علينا أن نناضل من أجلها في العقد الثاني من الألفية الثالثة!
فإذا كان يشرع لنا في الستينات أو في السبعينات أن نحلم بالوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، فإننا اليوم ـ للأسف الشديد ـ أصبح أقصى ما يمكننا أن نحلم به هو أن نصون وحدة وطننا المهدد في وحدته مثلما هو حال الدول العربية الأخرى كالسودان والعراق والبحرين واليمن و مصر...
وإذا كنا بالأمس القريب يحق لنا أن نُحَمل كل قطرة دم تسيل في أي بلد مسلم للغرب الكافر، فإننا اليوم لم يعد بإمكاننا أن نتجاهل الدماء الكثيرة التي تسكب على أراضينا بسبب قتال بعضنا للبعض الآخر لأسباب ترتبط بخلافات مذهبية أو عقائدية أو فكرية...
لقد أصبحت لدينا هموم ومشاكل وأحلام قد لا تتطابق تماما مع هموم ومشاكل وأحلام الستينات والسبعينات.
واليوم لم يعد بالإمكان أن نتقبل تقاعس النخب عن مسؤولياتها الاجتماعية بحجة التفرغ لكشف ومواجهة المؤامرات الخطيرة التي نتعرض لها صباحا ومساء من طرف الغرب الكافر أو الغرب الاستعماري.
ومع أنه لا أحد مهما كان مستوى براءته أو طيبته أو سذاجته، يمكن أن يشكك أو يقلل من حجم المؤامرات التي نتعرض لها من طرف الآخر، إلا أنه يمكننا مع ذلك أن نقول ـ ونحن مرتاحو البال ـ بأن أخطر مؤامرة تعرضت لها بلداننا تتمثل في تخلي النخب عن أدوارها وعن مسؤولياتها الاجتماعية والوطنية.
فبأي منطق يمكن للنخب أن تعيش فراغا ـ وأقصد هنا الفراغ في العمل الاجتماعي والتطوعي والخيري ـ في بلد همومه ومشاكله بحجم همومنا ومشاكلنا؟
وأي شرع أجاز لهذا الفريق الرائع من نخبتنا الذي أسس "حراس المستقبل" أن يظل متفرقا وأن لا يجتمع إلا في أيامنا هذه، وبعد أن أصبح الماء يتسرب إلى داخل السفينة من خلال ثقوب وفجوات شتى؟
لقد تأخر هذا الفريق كثيرا في التشكل، ولكنه في النهاية اجتمع في حلف مبارك إن شاء الله. وهو حلف نرجو له أن يتيح لنا جميعا فرصة للتوبة من سنوات الانسحاب والتفرج على هموم وأوجاع البلد.
والحلف ـ وهذا من أهم ما يميزه ـ لا يقدم حلولا جاهزة لكبريات القضايا، وإنما يفتح غرفا للتفكير المتخصص في كل جوانب و أبعاد المشكل وذلك من أجل مساهمة الكل في وضع تصورات للحلول، وفي تنزيلها للواقع مع المشاركة في تنفيذها ميدانيا في إطار مبادرة وطنية تتحدد فيها قيمة الأعضاء ومكانتهم وفق الجهد الذي يقدمونه، ولا تتحدد وفق أي معيار آخر.
تصبحون وأنتم أعضاء في الحلف...

الاثنين، 4 أكتوبر، 2010

خاص برئيس الجمهورية (13)


سيدي الرئيس،
لقد انتقدتم بشدة التلفزيون أثناء زيارتكم له، وطلبتم من القائمين عليه أن يهتموا أكثر بهموم المواطنين. ولقد استدعيتم ثلاث مرات ـ على الأقل ـ مديري مؤسسات الإعلام الرسمي، وطلبتم منهم نفس الطلب. بل إنكم فوق ذلك قررتم أن تجعلوا من ذكرى التنصيب مناسبة للقاء مفتوح للإجابة على أسئلة بعض الصحفيين والمواطنين العاديين الذين أتيحت لهم فرصة المشاركة في ذلك البرنامج الهام، والذي شكل سابقة من نوعه في المنطقة. كل ذلك حدث بعد تنصيبكم، وكل ذلك جعلنا نتوقع أن يتحسن أداء الإعلام الرسمي، خاصة بعد أن صادق البرلمان على قانون تحرير الفضاء السمعي البصري. ولكن الذي حدث كان هو العكس تماما، فقد ابتعدت تلك المؤسسات كثيرا عن هموم المواطن العادي، في تحدٍ سافر لتعليماتكم وتوجيهاتكم الصريحة والواضحة في هذا المجال.
لقد أردتم للتلفزيون أن يكون قريبا من هموم المواطن العادي، وأراد له مديره أن يكون بعيدا من هموم المواطن. فكان ما أراد المدير، لا ما أردتم أنتم.
صحيح أن المدير استحدث بعد زيارتكم للتلفزيون برنامج " الحكومة في الميزان". وصحيح أيضا أنه سمح بتقديم بعض الحلقات الحوارية التي تم فيها نقاش بعض القضايا التي تهم المواطن العادي. ولكن صحيح أيضا أن كل ذلك كان مجرد ردة فعل عابرة، على تعليمات وتوجيهات سيادتكم السامية، والتي كانت بالنسبة لمدير التلفزيون مجرد تعليمات وأوامر عابرة، يجب التعامل معها بشكل عابر.
لقد توقف برنامج "الحكومة في الميزان" قبل أن يستضيف كل الوزراء. وتوقف برنامج " المنتدى" الذي كان يناقش ـ من حين لآخرـ بعض القضايا التي تهم المواطن. كما تجاهل التلفزيون المعركة الأخيرة التي خاضها جيشنا الوطني ضد بعض الإرهابيين في الشمال المالي، بل إنه ركز على برامج الغناء والطرب في الأوقات التي كان فيه بعض جنودنا الأبطال يقدمون أرواحهم دفاعا عن الوطن. ولم يبذل التلفزيون أي جهد ـ حتى ولو كان قليلا ـ من أجل تصحيح نظرة البعض للعمليات التي يقوم بها جيشنا ضد الإرهاب، والتي لا زال البعض يعتبرها حربا بالوكالة.
سيدي الرئيس،
لقد أصبحت لكل مؤسسة من مؤسساتنا الإعلامية سياستها الإعلامية الخاصة بها، والتي لا يحدد معالمها إلا مزاج المدير لوحده. فوزارة الاتصال ليست هي من يحدد السياسة الإعلامية، وليس لوزيرها سلطة على من يدير هذه المؤسسات. ويكفي أن أقدم مثالا واحدا من أمثلة عديدة يمكن تقديمها في هذا المجال. لقد قرر مدير الإذاعة أن يبث بيان السلطة العليا للصحافة الأخير، في حين أن مدير التلفزيون رفض بث ذلك البيان. ألا يعني ذلك أن التلفزيون والإذاعة لا يتبعان لنفس الوزارة، ولا لنفس الحكومة، ولا يخضعان لنفس السياسة الإعلامية؟ أم أن المسألة تتعلق بمجرد اختلاف في "الأمزجة" حيث كان مزاج مدير الإذاعة رائقا وقت تسلمه للبيان فبثه. في حين أن مزاج مدير التلفزيون لم يكن كذلك فرفض بث البيان.
عموما لقد اتسمت ردة فعل السلطة العليا للصحافة "بدروشة" ألفناها. ولقد كان رئيسها يعلم أنه لا سلطة له عمليا على مؤسسات الإعلام الرسمي، حتى ولو كان نظريا يملك سلطات واسعة. لذلك فهو لم يتجرأ حتى على الاحتجاج على عدم بث البيان لأنه يعرف جيدا بأن احتجاجه لن تكون له نتيجة. ولم يشفع له ـ لبث بيانه ـ أنه تعامل مع الإعلام الرسمي والمستقل بازدواجية واضحة، وذلك عندما اكتفى بانتقاد بعض المواقع والصحف المستقلة، ولم ينتقد سلبية الإعلام الرسمي.
نفس الازدواجية انتهجها رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، الذي كان قد وعد في وقت سابق بأنه سينتقد كل تقصير من طرف الحكومة، ورغم ذلك فلم يتجرأ على نقد الموقف السلبي للإعلام الرسمي. وإنما اكتفى بانتقاد بعض القنوات الفضائية بحدة لافتة، وهدد بسحب تراخيصها. وربما كانت تلك الحدة اللافتة جاءت كمحاولة ذكية للتغطية على عجزه اللافت عن انتقاد أي مؤسسة إعلامية عمومية، حتى ولو كان قد وعد بذلك في " التقرير المذهبي للحزب"
فلماذا الكل يخاف من مديري الإعلام الرسمي؟ وإلى متى يظل المواطن الموريتاني يزداد ابتعادا عن الإعلام الرسمي كلما كانت هناك أحداث وطنية كبيرة؟
سيدي الرئيس،
لقد كتبت لكم سابقا عن مصير المقترح الذي قدمته من أجل استحداث برنامج شبابي متخصص في التنمية البشرية، كان يمكن ـ لو تم قبوله ـ أن يشكل إضافة نوعية لما يقدمه التلفزيون.
الشيء الذي أضيفه في هذه الرسالة، هو أن مدير التلفزيون تلقى أوامر من وزير الاتصال السابق بضرورة إطلاق البرنامج. كما تلقى توصية إيجابية من إدارة السمعيات البصرية بضرورة اعتماده، وذلك بعد أن كلفها الوزير الحالي بدراسة المقترح والرد عليه. هذا فضلا عن تدخل مستشاركم الإعلامي والذي كان قد أكد هو الآخرـ بعد أن اطلع على تفاصيل المقترح ـ بأن البرنامج سيتم اعتماده. لقد تم رفض البرنامج لأنه ـ ببساطة شديدة ـ لم يوافق مزاج المدير، والذي يظهر أن مزاجه أهم من أوامر وزير الاتصال، ومن أوامر مستشاركم الإعلامي، وأهم ـ بالتأكيد ـ من اقتراحات كل العاملين في وزارة الاتصال.
فإلى متى ستظل المؤسسات العامة تسير وفق مزاج من يديرها، لا وفق القوانين ولا وفق المصلحة العامة ؟ وهل من اللائق أن نظل دولة " أمزجة" لا دولة مؤسسات في الوقت الذي سنحتفل فيه ـ بعد أسابيع معدودة ـ بخمسينية استقلال الدولة الموريتانية؟ وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد ... وإلى الرسالة الرابعة عشر إن شاء الله.