الأربعاء، 29 يونيو، 2011

تعليق سريع على بيان مثير



طالعت للتو بيان الاتحاد من أجل الجمهورية الذي رد فيه على بيان سابق لاتحاد قوى التقدم، والذي كان ـ هو بدوره ـ قد نشر بيانا سابقا، يرد فيه على بيان سابق للاتحاد من أجل الجمهورية.
إن قراءتي السريعة لهذا البيان جعلتني أخرج بملاحظات سريعة ارتأيت أن أقدمها ـ "خاما" ـ للسادة القراء.
لقد أصبح من المؤكد بأن هناك في الأغلبية من يريد أن يُفشل للحوار، ونحن هنا أمام احتمالين:
الاحتمال الأول : أن يكون الرئيس نفسه يسعى لإفشال الحوار، ومع أن ذلك قد يكون محتملا إلا أنه سيبقى مستبعدا، خاصة وأنه كان في وقت سابق قد أعلن بأنه مستعد لأن يتحاور في كل شيء بما في ذلك الحوار حول انتخابات مبكرة. وإذا كان الرئيس يسعى لإفشال الحوار فربما يكون قد أعطى "تعليماته السامية" للأغلبية، وللاتحاد خصوصا، أثناء اجتماع الأمس بأن يتولى الاتحاد تلك المهمة، وبالتالي فإن بيان الاتحاد قد يكون تمهيدا ـ وطبقا للتعليمات السامية ـ لصياغة رد سلبي للأغلبية سيعلن عنه قريبا.
مشكلة هذا الاحتمال أنه يتناقض مع الكثير من المعطيات لعل من أهمها أن الرئيس هو أكبر مستفيد من الحوار في هذا الوقت، نظرا لتصاعد الاحتجاجات وتناميها سواء كانت نقابية، أو شبابية، أو شعبية لذلك فمن المستبعد أن يعطي في مثل هذا الوقت تعليمات من هذا النوع.
ولقد قلت سابقا، في تعليق سريع، على خطاب نائب الجمعية الوطنية الذي افتتح به الدورة الحالية، أن هناك تحالفا جديدا قد ينشأ بين رئيس الجمهورية ورئيس الجمعية الوطنية، وإن كلا الرجلين قد يقدم تنازلات وتضحيات كبيرة لصالح الطرف الآخر. وقلت وقتها إن زعيم التحالف قد يضحي بالمعارضة من أجل هذا الحلف الجديد، وهو ما كاد أن يحدث في الأيام الماضية. وقلت ـ كذلك ـ بأن الرئيس قد يضحي بأغلبيته من أجل هذا الحلف الجديد وهو ما يقودنا للاحتمال الثاني.
الاحتمال الثاني : أن يكون حزب الاتحاد من أجل الجمهورية هو الذي يسعى لإفشال الحوار بعد أن أصبح يشعر بمضايقة "الضيف الثقيل" والذي يمثله هنا التحالف الشعبي ، فالتحالف لن يرضى بأن يكون مجرد ضيف ينتظر ما سيقدم له، بل إنه سيحاول أن يحشر نفسه في المطبخ، ويحدد ـ بالتالي ـ ما يجب أن يقدم لــ"أبناء الدار" وعلى رأسهم الابن الأكبر ( الاتحاد من أجل الجمهورية) الذي أصبح يشعر بأنه لم يعد هو الابن المدلل، خاصة بعد أن يولد التوأمين السياميين (حزب العصر وحزب الغد).
وهذا الاحتمال تدعمه عدة نقاط من أهمها:
1 ـ اختيار التوقيت : إن نشر هذا البيان في مثل هذا اليوم، أي بعد يوم واحد من اجتماع الرئيس بالأغلبية، وقبل إعلان رد الأغلبية على الحوار ليؤكد بأن الاتحاد يسعى فعلا لعرقلة الحوار، وهو يعلم بأن اتحاد قوى التقدم سيرد قريبا وبلغة أقسى، فاتحاد قوى التقدم يسعى بدوره لإفشال الحوار، وسيرتاح لهذا البيان لأنه سيمنحه فرصة الرد في مثل هذا الوقت الهام. وإذا ما أضفنا إلى هذا البيان، البيان السابق للاتحاد من أجل الجمهورية، والذي جاء مباشرة بعد إعلان المعارضة لقبولها للحوار، والذي كانت أيضا لغته قاسية، فإن البيانيين وتوقيتهما ليؤكد بأن هناك شيئا ما يطبخه الاتحاد من أجل الجمهورية في مطابخه الخلفية.
2 ـ إن مطالبة زعيم التحالف للاتحاد من أجل الجمهورية بأن يسعى بشكل جاد إلى الحوار خلال مهرجانه ليوم أمس في تجكجة ليوحي بأن زعيم التحالف بدأ يستشعر بوجود عدم رغبة في الحوار من طرف الاتحاد من أجل الجمهورية.
3 ـ إن محاولة الاتحاد في بيانه للتذكير ببعض أوجه الخلاف بين أحزاب المعارضة، وإشارته الصريحة لبعض الانتقادات الموجهة لاتحاد قوى التقدم في وثيقة التحالف الأخيرة المعنونة ب :"كيف ومتى يكون الموقف صحيحا؟" لم يكن الغرض منه انتقاد قوى التقدم، وإنما كان من أجل إفشال مساعي "مسعود" الأخيرة الهادفة للتصالح مع بقية أحزاب المعارضة. فزعيم التحالف عندما جر المنسقية لقبول الحوار بادر إلى الاعتذار لأحزاب المعارضة عن بعض الانتقادات التي صدرت منه خلال الأيام التي سبقت قبول المنسقية للحوار، لذلك فقد حاول البيان أن يذكي من جديد الخلافات بين قادة المعارضة لعلك ذلك يساعد في إفشال الحوار.
4 ـ إن إصرار المعارضة على الحوار مع الرئيس كطرف، وليس مع أغلبيته التي لا تشكل ـ حسب المعارضة ـ شريكا مؤهلا للحوار، مع تجاهل الرئيس وتهميشه لهذه الأغلبية، في ظل تصاعد الهجرة المعاكسة من الأغلبية إلى المعارضة. كل ذلك قد يشجع الاتحاد إلى عرقلة الحوار الذي لن يحقق له مكاسب سياسية في ظل الظرفية الحالية.
وإذا كان الاحتمال الثاني واردا، فذلك يعني بأننا سنكون أمام مواقف مثيرة في الأيام المقبلة، ربما نعيش خلالها فصلا جديدا من فصول موريتانيا الجديدة، فربما تتحول الأغلبية إلى معارضة جديدة، وذلك بعد أن أصبحت هذه الأغلبية تشعر بأن الكل يدفعها إلى أن تكون معارضة، خاصة رئيس الجمهورية الذي أصبح يستمع لزعيم التحالف أكثر من استماعه لأغلبيته مجتمعة أو منفردة.

السبت، 25 يونيو، 2011

سامحونا أيها الشهداء...



سامحونا إن لم نودعكم يوم رحيلكم إلى أرض المعركة...
سامحونا فقد كنا نستمع لأزوان في تلفزيوننا " الوطني"...
وسامحوننا إذا لم نتابع بطولاتكم وتضحياتكم في أرض المعركة...
سامحونا فقد كنا نستمتع بمواصلة الاستماع إلى "أزوان" ومتابعة وثائقيات " ترانستل" ...
وسامحونا إذا انشغلنا عنكم يوم استشهادكم بالاستماع إلى " أزوان" الصباح، و"أوزان" الزوال، و "أزوان" المساء...
فما نحن إلا نحن ... وما تلفزيوننا إلا تلفزيوننا..وما نخبنا إلا نخبنا..
سامحونا إن تحدث تلفزيوننا عن بطولات " لخمير الحمر" ولم يتحدث عن بطولاتكم ...
وسامحونا إن نقل لمشاهديه كل معارك العالم ولم ينقل لنا معارككم المجيدة...
وسامحونا إذا لم نستقبلكم بالدموع وبالزغاريد..
سامحونا فقد حاربتم خلسة، واستشهدتم خلسة، وعدتم خلسة، ودفنتم خلسة في باطن الأرض التي ضحيتم بأرواحكم من أجلها..
وسامحونا لأننا لم نجعل من عودتكم إلى أرض " الوطن " حدثا عظيما ...
واعذرونا إن حرمنا أطفالكم من أن يرفعوا رؤوسهم يوم عودتكم شهداء إلى أرض "الوطن"...
وسامحونا إن شعر أطفالكم بأنهم ليسوا كأطفال الشهداء في أي بقعة من هذا العالم...
سامحونا فأنتم لم تستشهدوا من أجل القبيلة حتى نخلد ذكراكم..
وسامحونا فأنتم لم تموتوا دفاعا عن الايدولوجيا حتى نتغنى عليكم..
سامحونا فقد ضحيتم في سبيل الوطن... ونحن يهمنا كل شيء إلا الوطن...
سامحونا إذا خذلتكم صحافتنا المستقلة... وسامحونا إذا ما روجت ـ وأنتم تقاتلون ببسالة ـ لمصدر عسكري مجهول له مآرب كثيرة فيما يقول...
سامحونا إذا ما تحدثنا عن المعركة وكأنها تدور في بلد آخر...

وسامحونا إن بخلنا عليكم بنون وألف..
سامحونا إذا تحدثنا عن الجيش الموريتاني ولم تتحدث عن جيشنا...
وسامحونا إذا قلنا عنكم قتلى الجيش الموريتاني وشهداء الجيش الموريتاني..
سامحونا إذا لم نستطع أن نقول جيشنا ولا أن نقول شهداءنا..
سامحونا فنحن نستطيع أن ننتسب لكل شيء ... إلا لوطن يجمعنا ..
سامحونا إذا لم نسميكم بأعز الناس، وأشرف الناس، وأنبل الناس...
سامحونا فأنتم لم تستشهدوا في سبيل لبنان.. سامحونا فقد استشهدتم من أجل موريتانيا..
وسامحونا فتلزيوننا " الوطني" ليس كالمنار .. وصحافته ليست كصحافة المنار..
وسامحوننا فليس فينا " نصر الله " ليخاطبكم بأشرف الناس، وأعز الناس، وأطهر الناس..
وسامحونا فقصائد شعرائنا محجوزة لشهداء فلسطين، والعراق، والصومال، وافغانستان، والشيشان..
فسامحوننا إن لم نستقبل استشهادكم بقصيدة..
وسامحوننا إن لم نخلد ذكراكم بقصيدة..
وسامحوننا إذا بخلت عليكم معارضتنا " الوطنية " الناصحة والناطحة ببيان...
وسامحونا إذا ما انشغلت بتدارس الموقف، و تباطأت بإصدار بيانات ورقية، عندما أسرعتم أنتم بالتضحية بأرواحكم...
سامحونا فأنتم لستم شهداء غزة، ولا مارون الراس، ولا الفلوجة، ولا قندهار حتى نسارع ـ وبإجماع ـ للوقوف معكم...
سامحونا...
أرجوكم سامحونا..
فقد خذلناكم يوم حاربتم من أجلنا..
وخذلناكم يوم استشهدتم من أجلنا..
وخذلناكم يوم عدتم إلينا أجسادا هامدة..
سامحونا...
أرجوكم سامحونا..
سامحونا فمن يدري..؟ فربما يخرج من أصلابنا من يقدر لكم تضحياتكم..
تصبحون على وطن يقدر التضحيات...
ملاحظة : لم أكن أرغب في أن أعيد نشر مقال كنت قد نشرته منذ تسعة أشهر عقب معركة حاس سيدي، لم أكن أرغب في ذلك خاصة في هذا الأسبوع الذي كتبت فيه مقالين وكنت مترددا في أيهما أنشره، ولكن بعد معركة وغادو وجدتني مضطرا لأن أعيد نشر هذا المقال، دون أي تعديل، فالليلة لا تختلف عن البارحة على الأقل في تلفزيوننا الذي استقبل سقوط شهداء ببرنامج غنائي جديد اسمه هذه المرة "صوت الوطن".

السبت، 18 يونيو، 2011

إني أشعر بالعار!!!



إني أشعر بالعار لأن عشرات الآلاف من التلاميذ في بلدي لم يتذوقوا طعم سمك بلادهم لأنهم يسكنون بعيدا عن المدن الموريتانية القليلة التي يتوفر فيها السمك، ومع ذلك فهم يفتخرون بأن شواطئ بلدهم تعد من أغنى شواطئ العالم بالسمك...
إني أشعر بالعار لأن الآلاف من التلاميذ الموريتانيين، الذين لم يتذوقوا طعم السمك وهم صغار، لن توفر لهم شواطئ بلدهم الغنية وظائف عندما يصبحون كبارا. وسيزداد الوضع سوءا، بالنسبة للصغار والكبار معا، مع تنفيذ بنود "الاتفاقية الكارثة" مع الشركة الصينية.
إني أشعر بالعار لأن قطاع الصيد في المغرب ـ ونحن نحب المقارنة بالدول المجاورة ـ يشغل مليون عامل، وفي السنغال ستمائة ألف عامل، وفي موريتانيا ـ وهي الأكثر سمكا ـ لا يشغل هذا القطاع، إلا ستين ألف عامل، هذا إذا ما اعتمدنا على أعلى التقديرات المعلنة...
إني أشعر بالعار لأن حكومة بلادي ـ في ظل هذه الوضعية المزرية ـ وقعت على اتفاقية صيد مع شركة صينية معروفة بتجارة الأسلحة أكثر من تجارة السمك...
إني أشعر بالعار لأن حكومة بلادي وقعت على اتفاقية يمتد عمرها 25 سنة مع شركة يثار حولها الكثير من الجدل، ولا وجود لها حتى في العالم الافتراضي، ولا تملك موقعا الكترونيا خاصا بها، في عصر أصبح متاحا فيه للبائع في دكاكين التضامن أن يؤسس موقعا الكترونيا لدكانه.
إني أشعر بالعار لأن وزيرا في حكومة بلادي وصف "الاتفاقية الكارثة" بأنها "اتفاقية تاريخية" ستشكل ثورة في مجال التنمية.
إني أشعر بالعار لأن وزير الصيد لم ينطق بكلمة واحدة أثناء نقاش "الاتفاقية الكارثة"، وكأنه ليس وزيرا للصيد، أو كأن الاتفاقية ليست في مجال الصيد، وإنما في مجال توريد الأسلحة والذي هو التخصص العلني لهذه الشركة.
إني أشعر بالعار لأن حكومة بلدي ستضحي بأربعين ألف وظيفة في الصيد التقليدي، من أجل توفير ألفين وخمسمائة وظيفة تعهدت بها الشركة الصينية، واشترطت لمنحها الكثير من الشروط...
إني أشعر بالعار لأن حكومة بلادي ستسمح للصينيين بممارسة أنماط من الصيد يحرمها الصينيون في بلدهم، وتحرمها أغلب بلدان العالم، ومع ذلك نشرعها نحن للصينيين في "الاتفاقية الكارثة"، عفوا "الاتفاقية التاريخية".
إني أشعر بالعار لأن شعب بلادي المسكين والذي سيكون أول متضرر من هذه "الاتفاقية الكارثة"، هو الذي انتخب نواب الأغلبية الذين صوتوا عليها، وهو الذي قد ينتخبهم أو ينتخب نوابا من طينتهم في البرلمان القادم...
إني أشعر بالعار لأن نواب الأغلبية لم يستغلوا الفرصة الثمينة التي أتيحت لهم، ولم يصوتوا ضد "الاتفاقية الكارثة"، لكي يختموا مأموريتهم في البرلمان بعمل صالح يكفرون به عن "كبائرهم" الكثيرة التي ارتكبوها خلال السنوات الخمس الماضية...
إني أشعر بالعار لأن أغلبية الأغلبية البرلمانية لازالت عاجزة أن تتخيل بأنها منتخبة من طرف الشعب، ولازالت تقلل من شأنها، وتعتقد بأنها مجرد مجموعة من الموظفين الصغار لدى الحكومة وأن عليها أن تصفق، وبابتذال، للحكومة...
إني أشعر بالعار لأن هناك نائبا في بلدي لا يقلقه في هذه الدنيا إلا أن تهاجر أسماكنا إلى بحار ومحيطات جمهورية مالي...
إني أشعر بالعار لأننا لم نتعلم من اتفاقية "وود سايد" ولا زلنا نسمح بملحقات، ونوقع على اتفاقيات لها ملحقات لا نعلم ما فيها.
إني أشعر بالعار لأنه لن يكون بإمكاننا طيلة ربع قرن كامل أن نتخذ قرارا سياديا فيما يتعلق بثروتنا البحرية...
إني أشعر بالعار لأننا ـ بعد انقلابين و انتخابات رئاسية نظمت مرتين ـ وقعنا على اتفاقية رفض الرئيس الأسبق "معاوية" ولأسباب سيادية التوقيع على اتفاقية أقل ضررا منها وأعظم فائدة. وهي اتفاقية كنا سنحصل بموجبها ـ وهذا ليس مجرد كلام ـ على المليارات دون إهدار أي ثروة. لقد رفض "معاوية" مشروع اتفاقية مع اليابان تحصل الحكومة الموريتانية بموجبه على المليارات مقابل التنازل عن قطعة أرضية لليابانيين ـ قد تكون أقل مساحة من القطعة المتنازل عنها للصينيين ـ لكي يشيدوا عليها مدينة لعجائزهم الذين ضاقت عليهم ـ أو بهم ـ الأراضي اليابانية...
إني أشعر بالعار لأن هذه الاتفاقية ستوقع في نسختين أصليتين باللغة الفرنسية لهما نفس الحجية القانونية، فلا نسخة بالعربية التي يقال زورا أنها هي لغتنا الرسمية، ولا نسخة باللغة الصينية التي هي لغتهم...
إني أشعر بالعار لأن هذه الاتفاقية ستسمح للصينيين باستيراد كل شيء من خارج البلد، ولا تلزمهم بشراء أي شيء من السوق المحلية. و سيعفى من الرسوم الجمركية ـ بموجب هذه الاتفاقية ـ كلما يستورده الصينيون من آلات وسيارات وطعام وشراب في الوقت الذي بلغت فيه الرسوم الجمركية نسبا عالية على أطعمتنا التي نقتات عليها، والتي قد يختفي منها السمك نظرا لأن الشركة الصينية سيسمح لها بشراء السمك من الشواطئ الموريتانية بحجة تصنيعه....
إني أشعر بالعار لأني أعلم يقينا بأن الصينيين والذين هربوا أسطولا من السفن في الليلة التي كان من المفترض أن يسلموه في صباحها للحكومة الموريتانية، لن يتورعوا عن تجاوز بنود هذه الاتفاقية المجحفة أصلا، ولن يجدوا في إدارتنا ـ للأسف الشديد ـ من يحول بينهم وبين تلك التجاوزات...
إني أشعر بالعار لأني أعلم بأن الصينيين ـ والذين منحت لهم هذه الاتفاقية امتيازات واسعة ـ سيطردون في وقت وجيز أغلب المستثمرين الوطنيين من قطاع الصيد، وبسرعة أكبر من السرعة التي طردوا بها المقاولين المحليين من قطاع البناء، والذين طردوهم ـ بسرعة لافتة ـ رغم أنهم لم يُمنحوا امتيازات في قطاع البناء تميزهم عن غيرهم.
إني أشعر بالعار لأن هناك أطفالا ولدوا مع ميلاد هذه "الاتفاقية الكارثة"، عفوا "التاريخية"، سيبدؤون التعلم في المدارس والاتفاقية لا زالت سارية، وسيتخرجون وهي لا زالت سارية، وقد لا يجدون وظائف نتيجة للآثار السلبية التي ستخلفها هذه "الاتفاقية الكارثة"...
إني أشعر بالعار لأن من بين أولئك الأطفال من سيلعن الحكومة الموريتانية، ويلعن البرلمان الموريتاني الذي صادق على الاتفاقية، ويلعننا نحن عامة الناس، لأننا لم نفعل شيئا من أجل إلغائها.
إني أشعر بالعار لأن هذه الاتفاقية لم تلتزم ـ في سابقة من نوعها ـ باحترام القوانين المنظمة للصيد في موريتانيا..
إني أشعر بالعار لأنه في الوقت الذي تُغْلق فيه مصانع دقيق السمك في العالم، فإن هذه الاتفاقية ستسمح للصينيين بإنشاء مصانع لدقيق السمك، دون قيود بيئية، ودون إلزامهم باستخدام بقايا الأسماك، وهو ما يعني أن كل طن من دقيق السمك سيكلف أربعة أطنان من السمك الطازج، وهو ما سيشكل نهبا خطيرا لثروتنا السمكية...
إني أشعر بالعار لأنه في الوقت الذي تتراجع فيه الرخص الممنوحة لصيد الأعماق لحماية ما تبقى من ثروتنا السمكية، ستمنح لشركة صينية مجهولة 15 رخصة للصيد في الأعماق...

إني أشعر بالعار لأني لم أفعل شيئا في سبيل إيقاف تبديد ثروة بلدي، وأشعر بالعار لأني لا زلت أكتفي بالتفرج وكأن الثروة المهددة ليست ثروتي، وليس لي فيها نصيب يجب علي أن أحميه، وأن أدافع عنه بكل السبل والوسائل المتاحة...

تصبحون ونواب أغلبيتكم يسبحون في بحار جمهورية مالي الشقيقة...

الأحد، 12 يونيو، 2011

اغتيال الفرص



لا أعتقد أن هناك بلدا أضاع رؤساؤه وساسته ومثقفوه ومواطنوه العاديون من فرص التغيير مثل ما أضعنا نحن. لقد مرت بنا فرص عديدة للتغيير، وكنا دائما نُسَخر لتلك الفرص من يطلق عليها "رصاصة الرحمة"، و يغتالها وهي لازالت في مهدها. ففي مرات كان الرئيس يتكفل بإطلاق الرصاصة القاتلة، وفي مرات أخرى كان المجتمع يقيض لها زعيما سياسيا يغتالها، منفردا في بعض الأحيان، وبمشاركة من المجتمع في أحايين أخرى، ليضيع بذلك هدرا "دم" الفرصة التي تم اغتيالها.
هي إذن فرص عديدة تم اغتيالها، سأحاول ـ تمشيا مع آخر صرعة في "موريتانيا الجديدة" ـ تحديد خريطة طبوغرافية لأماكن دفنها، مع نبش بعض القبور، التي دفنت فيها تلك الفرص، وذلك لتحديد الجناة الحقيقيين، الذين ارتكبوا تلك الجرائم البشعة، فاغتالوا فرصا بريئة ومسالمة بدم بارد.
ونظرا لصعوبة إعداد خريطة طبوغرافية لكل ضحايا الفرص التي تم اغتيالها منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا، نظرا لصعوبة ذلك، فإني سأكتفي هنا بنبش قبور الفرص التي تم اغتيالها بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة لفرسان التغيير، والتي تمر علينا ذكراها الثامنة في هذه الأيام.

(1)
في يوم الثامن من يونيو من العام 2003 ظهرت فرصة للتغيير بعد طول انتظار، لم تكن ملامح تلك الفرصة واضحة تماما، وذلك لأن من دفع بتلك الفرصة إلى الظهور، لم يكن قد بلور مشروعا واضحا للتغيير، وهو ما سيظهر أثناء المحاولة الانقلابية نفسها، والتي بدا فيها الكثير من الارتجال، رغم أن القادة الشجعان لتلك المحاولة الانقلابية قالوا بأنهم خططوا لها قبل ذلك بمدة غير قصيرة، إنه التخطيط للارتجال.
وسيظهر جليا عدم وضوح الرؤية في المشروع التغيري للفرسان بعد انقلاب الثالث من أغسطس، حيث تشتت الفرسان بسرعة رهيبة بين التشكيلات السياسية، رغم أن طائفة كبيرة من الموريتانيين تعاطفت معهم، واستقبلتهم بحفاوة، وكانت على استعداد لمناصرتهم ولدعمهم، وذلك قبل أن تكتشف بأن الفرسان لا يختلفون عن غيرهم من الطبقة السياسية، حيث تطغى المصلحة الشخصية على المصلحة العامة في العمل السياسي.
ورغم أن ملامح فرصة الثامن من يونيو لم تكن واضحة تماما بسبب عدم وضوحها في أذهان من قادوها، إلا أنه مع ذلك يمكن القول بأن الشعب الموريتاني هو الذي اغتال تلك الفرصة، لأنه ظل يتفرج ليوم أو ليومين كاملين على ما يجري في البلد من أحداث عظيمة، وكأنه ليس معنيا بها.

(2)
في يوم 25 من مارس 2007 تم إطلاق رصاصة طائشة على فرصة للتغيير واضحة الملامح، هذه المرة. وكانت من أكثر الفرص وضوحا وبروزا. ففي ذلك اليوم فوجئ الموريتانيون بزعيم عرفوه يخلق الفرص ولا يغتالها، فوجئوا به يخرج سلاحه ( شعبية متماسكة جدا في ذلك الوقت) ثم يصوبه وسط استغراب وذهول الجميع، صوب الفرصة النادرة التي ظهرت في ذلك اليوم.
كان المشهد مرعبا ومفزعا بل ومقززا لأنه جاء من مناضل كبير، كانت تعد "صغائره" القليلة "كبائر" لمكانته عند الناس، فإذا به في ذلك اليوم يفاجئ الجميع بارتكاب كبيرة سياسية، ربما تكون من أكبر الكبائر السياسية التي ارتكبت في حق ديمقراطيتنا الفتية.
حاول البعض أن يبرر عملية الاغتيال تلك التي تمت بدم بارد، بحجج واهية، فادعى أن رئيس التحالف كان مجبرا على ذلك، لأنه كان يعلم أن المجلس العسكري سينقلب على نتائج الانتخابات، إذا ما فاز خصم المجلس في الشوط الثاني. والحقيقة أن المجلس لم يكن في ذلك الوقت على قلب عقيد واحد، ولم يكن بإمكانه إطلاقا أن ينقلب على النتائج، مهما كانت طبيعتها، لأن المجلس منقسم، ولأن العالم في تلك اللحظة كان يتابع الانتخابات عن قرب، وكان يهمه كثيرا نجاح تلك التجربة الفريدة من نوعها في ذلك الوقت.
وحتى ولو افترضنا جدلا بأن المجلس العسكري كان سينقلب على النتائج، فذلك لم يكن مبررا للتصويت لمرشحهم. كان على رئيس التحالف أن يمنح صوته لشريكه في المعارضة، وليحدث بعد ذلك ما يحدث.
لقد كان على كفتي الميزان، رجلان يتشابهان في أشياء كثيرة، فهما يتقاربان في السن، وبنفس المؤهلات العلمية تقريبا، وبنفس الخبرات، وعلى نفس الدرجة من الالتزام الديني، وإن كان أحدهما يتميز عن الآخر بأنه لم يكن وزيرا في عهد ولد الطايع، وليست في سيرته فضيحة كبيرة لم تتكشف لنا ـ حتى الآن ـ كل تفاصيلها.
أحد الرجلين ضحى بسنوات طويلة من عمره و جهده وعرضه. فسُجِن عدة مرات، وساهم ـ بشكل أو بآخرـ في سقوط نظام ولد الطايع، وهو بذلك كان يستحق أن يترشح للرئاسة، بل وكان يستحق ـ في ذلك الوقت ـ الفوز بها. أما الرجل الثاني فلم يبذل جهدا حتى ولو كان جهدا يسيرا، في سبيل التحول الديمقراطي، وإنما ظل يتفرج من بعيد على تضحيات الآخرين، وانتظر حتى اكتمل كل شيء تقريبا، فجاء ليربك المشهد، وليترشح لمنصب الرئاسة مختطفا بذلك ثمار تضحيات الآخرين. والمصيبة أن ترشحه كان باقتراح وبدعم من بعض أعضاء المجلس العسكري، وهو ما شكل تهديدا لمسار ديمقراطيتنا الفتية ( ولقد اتضح ذلك فيما بعد).
المهم أنه في ذلك اليوم كان كل شيء في منتهى الوضوح، ولم يكن هناك أي منطق يبرر ـ إذا ما استثنينا المصالح الخاصة ـ لزعيم التحالف اغتيال تلك الفرصة النادرة حقا.
وبعد ذلك وفي أقل من سنتين، وفي يوم السادس من أغسطس تحديدا، سنجد أن مهمة الاغتيال سيتكفل بها هذه المرة زعيم المعارضة، في تآمر غير معلن لشيخي المعارضة على اغتيال الفرص المتاحة للتغيير. ويومها سيضطر زعيم التحالف لأن ينزل من جديد إلى ساحات النضال التي تعرفه ويعرفها. ولكن قبل نبش قبر الفرصة التي اغتالها زعيم التكتل، دعونا ننبش قبر فرصة أخرى، تم اغتيالها قبل ذلك، وإن كانت عملية الاغتيال في تلك المرة لم تكن مفاجئة، كما كانت عمليات الاغتيال التي سبقتها.

(3)

فجأة وجد "المرشح المؤتمن" نفسه رئيسا للبلاد، دون أن يبذل في سبيل ذلك جهدا مذكورا. ومن المفارقات اللافتة، أنه حصل على شرعية وطنية ودولية غير مسبوقة، لم يحصل عليها رئيس من قبله، ولم يحصل عليها الرئيس الذي جاء من بعده.
كانت هناك فرصة غير مسبوقة لأن يقود "الرئيس المؤتمن" تغييرا جذريا في هذه البلاد المتعطش شعبها لتغيير حقيقي.
ولكن الرئيس المؤتمن اغتال تلك الفرصة النادرة، لم يطلق عليها "رصاصة الرحمة"، كما كان يحدث في السابق، بل ظل يخنقها ويخنقها بهدوء ووقار، حتى سقطت ميتة ذات أربعاء مثير من شهر أغسطس الحبلى أيامه بالإثارة. ولقد وافق ذلك الأربعاء صبيحة السادس من أغسطس من العام 2008.
ظل "الرئيس المؤتمن" يتصرف وكأنه يستمد شرعيته من مزاج الضابطين اللذين بذلا جهودا جبارة في فوزه، فظل يتعامل معهما بطيبة كبيرة. وكان يتنازل لهما شيئا فشيئا عن صلاحياته، وبعد أن سلمهما كل صلاحياته، ولم يعد لديه ما يفعله، قرر أن يقيلهما دفعة واحدة، بل وأن يقيل معهما ضباطا آخرين.
وفي الليلة التي أعقبت إقالة الجنرالات لم يتمكن الكثير من الموريتانيين من النوم، بسبب البشاعة والعجرفة التي تم بها دفن "الفرصة المؤتمنة". لقد كان الجميع قلقا على مستقبل البلد، ولكن "الرئيس المؤتمن" في تلك الليلة ـ وحسب ما صرح به بعد ذلك لقناة الجزيرة ـ قرأ شيئا قليلا من الشعر، ثم غط بعد ذلك في نوم عميق، وكأن شيئا لم يحدث.
بعد ذلك أظهر "الرئيس المؤتمن" إرادة قوية، وظل يرفض الاستقالة حتى تم توقيع اتفاق دكار. ولو أن "الرئيس المؤتمن" أظهر قبل الانقلاب ربع أو خمس أو سدس ما أظهره بعد الانقلاب من تصميم وإرادة، لما ماتت الفرصة التي تم منحها له مخنوقة، ولما حدث ما حدث.

(4)

في صبيحة السادس من أغسطس اتجهت أنظار الموريتانيين إلى زعيم التكتل، فقد كانت كلمته في ذلك اليوم هي وحدها التي ستحسم الصراع، الذي تفجر بسبب الخصام بين حلفاء الأمس.
وكان على زعيم التكتل في ذلك اليوم أن يكون في صف الرئيس المنقلب عليه، كانت الحكمة تقول ذلك، وكانت الأخلاق تقول ذلك، وكانت الديمقراطية تقول ذلك، وكان المنطق يقول ذلك، وكانت المصلحة الشخصية لرئيس التكتل نفسه تقول ذلك. توقع الناس أن زعيم التكتل سيعمل على وقف صعود الجنرال، دون أن يمكن "الرئيس المؤتمن" من العودة لإكمال سنواته الثلاثة وأشهره الستة المتبقية من مأموريته. لقد كان بإمكان زعيم المعارضة في ذلك اليوم أن يقول بالعربي الصريح والفصيح لا الانقلاب، ونعم لعودة مشروطة للرئيس المؤتمن، ينظم خلالها انتخابات رئاسية مبكرة.
في ذلك اليوم، لم يتردد زعيم التكتل، ولو قليلا، وإنما أخرج سلاحه، ثم صوبه في اتجاه فرصة السادس من أغسطس، وأطلق عليها رصاصة قاتلة. كان مشهد عملية الاغتيال تلك مثيرا للاشمئزاز وللغثيان أيضا. ظل زعيم التكتل يتفرج على الفرصة وهي تتخبط في دمائها، حتى إذا ما لفظت "أنفاسها الأخيرة"، وتوقفت نهائيا عن الحركة، ولم يعد بالإمكان نفخ الروح فيها، خرج على الناس وقال لهم إنا على الجنرال لغاضبون، ولانقلابه لمعارضون.

(5)
في يوم الخامس من أغسطس من العام 2009، وفي الملعب الأولمبي تحديدا، تابع الموريتانيون لقطة فريدة ومثيرة، وسيتابعون بعد عام من ذلك، لقطة أخرى لا تقل إثارة عن لقطة الملعب الأولمبي.
ففي يوم الخامس من أغسطس من العام 2009 سلم "رئيس الفقراء" على الفقراء المتواجدين في المنصة المكشوفة، قبل أن يسلم على "الكبراء" المتواجدين في المنصة الرسمية للملعب الأولمبي.
وفي السادس من أغسطس من العام 2010 قرر "رئيس الفقراء" أن يخلد ذكرى تنصيبه بلقاء مباشر يستقبل فيه أسئلة المواطنين وشكاويهم.
فهل كان يمكن اعتبار تلك اللقطات بشرى لميلاد "فرصة جديدة"، على أرض "موريتانيا الجديدة" بعد عملية مخاض عسيرة وشاقة؟
ظل مرشح الفقراء أثناء حملته الانتخابية ينتقد رموز الفساد، ويصفهم بأبشع الأوصاف. انتقدهم وهو بحاجة ماسة لدعمهم، ولما فاز في الانتخابات بفعل التصويت المكثف للفقراء (كنت من أقلية الفقراء الذين صوتوا ضده)، كان أول شيء فعله هو استدعاء رموز الفساد إلى قصره، كأنه لا يريد أن يفتح عيناه في أي يوم من أيام مأموريته، إلا على رموز الفساد، و لا يغمضهما كذلك إلا علي رموزه.
لا أحد يعرف ما الحكمة في استدعاء "رئيس الفقراء" لرموز الفساد، وهو في غنى عنهم، رغم أنه كان قد تخلى عنهم أثناء حملته الانتخابية، وهو في أمس الحاجة إليهم.
المؤكد أن استدعاء رموز الفساد بعد التنصيب مباشرة كان بمثابة رصاصة قاتلة، أطلقت على "الفرصة الجنين"، وهي لا زالت في بطن أمها "موريتانيا الجديدة"، والتي كانت هي بدورها ـ أي موريتانيا الجديدة ـ في بطن أمها "موريتانيا الأعماق". فماتت الفرصة الجنين، وماتت معها موريتانيا الجديدة، وماتت موريتانيا الأعماق، ومات التغيير البناء، ومات تجديد الطبقة السياسية، وماتت الحيتان في أعماق البحر، وماتت الشجيرات التي غرسها "رئيس الفقراء" وحاشيته، وماتت جائزة شنقيط، ومات المنتخب الوطني، وماتت دور الكتاب، وماتت عاصمة الثقافة الإسلامية، وماتت الخمسينية، ومات الاتحاد من أجل التصفيق، وماتت الأغلبية ونوابها شر ميتة، فمات النواب وكانت آخر كلمة يقولونها في نهاية مأموريتهم، بعد خمس سنوات من قول "نعم"، هي نعم لخراب البلد، نعم لنهب البحر، بما فيه وبمن فيه.
الغريب أنه بعد موت "الفرصة الجنين" لا زال رئيس الفقراء، وحكومة التراكمات، والأغلبية الميتة يُطلقون الرصاص، وبشكل مستمر، على أشلاء الفرصة الجنين.
فهل يتلذذ رئيس الفقراء، وحكومة التراكمات، والأغلبية الميتة بإطلاق الرصاص على الأجنة الأموات؟ ذلك سؤال سأترك لكم الفرصة للإجابة عليه، فلا تغتالوها يرحمكم الله.
هناك فرصة يتم اغتيالها الآن من طرف جهات شتى، ربما يتم الحديث عنها في وقت لاحق، إن شاء الله.
تصبحون وأنتم رحماء بالفرص.....

الأحد، 5 يونيو، 2011

في سبيل شعار موحد للحراك الشبابي



بدءا لابد من الاعتراف بأن عدد الشباب المطالب بإسقاط النظام يزداد يوما بعد يوم، وتقوى حجته، ويعلو صوته في الحراك الشبابي، على حساب المكتفين بالمطالبة بإصلاح النظام، والذين يقل عددهم، وتضعف حجتهم، ويخفت صوتهم شيئا فشيئا.
تلك حقيقة كان لا بد من الاعتراف بها، من قبل تقديم وجهة نظر المكتفين بالمطالبة بإصلاح النظام، وهم الذين يستندون ـ في اعتقادي ـ على حجج قوية تستحق التأمل، وهذه الحجج يمكن إجمالها في نقاط سبع:
أولها: يتفق الطرفان سواء منهما من يرفع شعار إسقاط النظام، أو المكتفي بالمطالبة بإصلاحه على ضرورة استقطاب الاحتجاجات الفئوية المتنامية، والتنسيق والتعاون معها في مرحلة لاحقة، مما سيعطي للحراك الشبابي زخما هو في أمس الحاجة إليه.
وبما أنه لا خلاف بين الطرفين على أهمية استقطاب الاحتجاجات الفئوية، فإن السؤال الذي يطرحه نفسه هنا هو: أي من الشعارين أقدر على استقطاب الاحتجاجات الفئوية؟
إن من خصائص الاحتجاجات الفئوية التي نتابعها يوميا، هي أنها ـ وهذا لابد من قوله ـ احتجاجات تطبعها الأنانية، وتوجهها المصالح الآنية الضيقة.
فالأطباء والممرضون لا يهمهم من إصلاح البلد إلا إصلاح قطاع الصحة، وهم يختزلون إصلاح قطاع الصحة في "علاوة الخطر"، فإن حُرموا منها اعتبروا أن القطاع فاسدا، وإن مُنحت لهم اعتبروه قطاعا صالحا، حتى ولو كان منحها لهم لن يغير من سلوكهم اتجاه المريض الذي هو أحق منهم بعلاوة الخطر. فالطبيب ـ وأنا لا أتحدث عن كل الأطباء ـ كثيرا ما يكتب للمريض دواءً يزيد من مرضه، بدلا من أن يخفف منه، الشيء الذي يؤكده العديد من المرضى الذين سمحت لهم إمكانياتهم بالذهاب إلى الخارج، وبعرض الأدوية التي كانوا يستخدمونها هنا، على طبيب هناك.
والأساتذة والمعلمون يختزلون إصلاح التعليم في تحقيق بعض المطالب الخاصة بهم، والتي لا أشكك في شرعيتها، وبعد ذلك فلا يهم قطاع التعليم، وليزداد انهيارا، المهم أن تتحقق المطالب النقابية.
والعاطلون عن العمل من أصحاب الشهادات لا يهم من الإصلاح إلا أن يحصلوا على وظائف. فالدكاترة العاطلون عن العمل يختزلون الإصلاح في أن يكتتبوا في الجامعة، ولا يهمهم بعد ذلك مصير بقية العاطلين من حملة الشهادات. وحملة الشهادات من نفس المستوى لا يهتم بعضهم ببعض، ويكفي أن نعلم بأن رابطة حملة الشهادات لم تندد بالقرار الجائر الذي حُرم بموجه من بلغ سن الأربعين من المشاركة في مسابقة 250إطارا، وذلك لأن القائمين على الرابطة لم يتضرروا بشكل مباشر من ذلك القرار.
وعمال الإعلام الرسمي لا يختزلون فقط مشاكل قطاع الإعلام في زيادة 60% (50 +10)، بل يختزلون كل مشاكل البلد في تلك الزيادة. ومن المؤكد أن عمال هذا القطاع حتى وإن حصلوا على تلك الزيادة، فإن ذلك لن يكون سببا في توقفهم عن إفساد هذا القطاع الحساس الذي أبعدوه عن هموم المواطن الذي يدفع لهم أجورهم، والذي سيدفع لهم الزيادة التي يطالبون بها من خلال الضرائب التي يدفعها ذلك المواطن المسكين، والذي كثيرا ما يتم تجاهل همومه من طرف المطالبين بزيادة 60%، حتى وإن طالبتهم أعلى سلطة في البلاد بالاهتمام بتلك الهموم، وألحت عليهم في ذلك.
إن كل الاحتجاجات الفئوية التي نتابعها اليوم، إنما هي احتجاجات تسعى لتحقيق مصالح ضيقة وآنية، عكس الحراك الشبابي الذي يناضل المشاركون فيه من أجل قضايا وطنية كبرى تخلى عنها الجميع، بما في ذلك الأحزاب السياسية، والتي كان من المفترض أن تكون هي من يتولى الدفاع عن تلك القضايا الكبرى.
فأصحاب الاحتجاجات الفئوية قد يفكر بعضهم في الالتحاق بالحراك الشبابي، ليس من أجل الإصلاح، وإنما للضغط على النظام من أجل الاستجابة لمطالبه الفئوية، بشرط أن يظل الحراك الشبابي يقتصر على رفع شعار الإصلاح. أما في حالة رفع شعار إسقاط النظام فإن ذلك سيصعب كثيرا من إمكانية استقطاب أصحاب الاحتجاجات الفئوية، بل سيجعلها مستحيلة الحدوث. فأصحاب المطالب الفئوية يعتقدون أن الخروج خلف ذلك الشعار سيحرمهم نهائيا من تحقيق مطالبهم، والتي لم يحتجوا إلا من أجلها وأجلها فقط. ومما يجب ذكره هنا هو أنه في حالة تبني الحراك لشعار إصلاح النظام، كشعار موحد، وفي حالة تمكنه من استقطاب بعض أصحاب المطالب الفئوية، فذلك لا يعني أن أصحاب الاحتجاجات الفئوية لن يتركوا الحراك إذا ما تحققت مطالبهم الفئوية، حتى ولو زادت أحوال البلد سوءا. فالعملية هنا تتعلق بتحالف تكتيكي، ليس إلا، فأصحاب المطالب الفئوية لا يريدون من ذلك التحالف المنشود إلا الحصول على ورقة ضغط على النظام من أجل الاستجابة لمطالبهم، أما الشباب فإن ذلك التحالف سيعطي لحراكهم زخما هم بأمس الحاجة إليه.
ثانيها : إن كل الثورات العربية التي حدثت حتى الآن، لم ترفع شعار إسقاط النظام، في بداية تحركها، بل إنها اعتمدت على التدرج في مطالبها. وتلك الثورات لم ترفع شعار إسقاط النظام إلا بعد أن أزهقت أرواح بريئة من طرف أجهزة القمع التابعة للأنظمة الحاكمة في تلك الدول. لذلك فإن رفع شعار إسقاط النظام في موريتانيا، في مثل هذا الوقت، ليس إلا محاولة لحرق مرحلة من مراحل النضال، مرت بها كل الثورات الشبابية، وهي التي شَرَّعت لها رفع شعار إسقاط النظام.
ثالثها: من مصلحة المطالبين بإسقاط النظام ـ حفاظا على وحدة وتماسك الحراك ـ أن يرفعوا شعار إصلاح النظام ـ ولو مؤقتا ـ لتحقيق أهداف مرحلية، لابد من تحقيقها قبل أن يكون بإمكانهم تحقيق هدفهم الاستراتيجي. وهذه الأهداف المرحلية هي بمثابة درجات السلم التي لا بد من المرور بها.
ورفع شعار إصلاح النظام لا يعني بالضرورة التخلي عن شعار إسقاط النظام، بالنسبة للذين يومنون به. أما رفع المطالبين بإصلاح النظام، لشعار إسقاط النظام، فذلك يعني تلقائيا أنهم تخلوا عن شعارهم الذي يومنون به. فلا يمكن لعاقل أن يتصور بأن يكون مطلب إسقاط النظام، هدفا مرحليا أو تكتيكيا، في سبيل إصلاح النظام الذي تم إسقاطه!!!
رابعها: إن شعار إصلاح النظام يمكن أن يستقطب في الظروف الحالية الكثير من الموريتانيين، عكس شعار إسقاط النظام، والذي قد يعتبره البعض منفرا. كما أن شعار إسقاط النظام قد يتم استغلاله من طرف البعض لتغذية صراعات وأحقاد شخصية وقبلية بغيضة. وهو فوق ذلك يمكن أن ينحرف بالحراك عن أهدافه النبيلة التي رسمها الشباب، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار بأن الحراك الشبابي لم يتمكن حتى الآن من أن تكون له هوية، أو كيان واضح، يمكنه من أن يحمي وجهته ومساره النضالي من المتربصين الكثر، والذين سيبذلون جهودا جبارة من أجل الانحراف به إلى غايات و أهداف بائسة، وهم يملكون لذلك وسائل عديدة، قد لا يكون الشباب محصنا ضدها بشكل كامل، على الأقل في الوقت الحالي.
خامسها: إن إسقاط النظام في الظروف الحالية، قد لا يؤدي إلا ميلاد نظام جديد بعقلية جديدة، بل يمكنني القول بأنه لن يؤدي إلا لبعث نظام قديم، ونفخ الروح فيه، ليحكم البلاد والعباد بنفس العقلية البائدة التي يناضل الشباب اليوم من أجل القضاء عليها.
إن التغيير سيظل صعبا، في ظل تحكم النخب السياسية التقليدية في المشهد السياسي، حتى ولو تم إسقاط النظام الحالي، وذلك نظرا لغياب كيان سياسي شبابي واضح الملامح، له من القدرة والوسائل ما يمكنه من استثمار جهده النضالي، لضمان ميلاد نظام جديد، في حالة سقوط النظام القائم.
وإن تمديد العمر الافتراضي لشعار إصلاح النظام سيساعد كثيرا في إمكانية ميلاد تشكلة سياسية شبابية بشكل طبيعي، لا تولد استجابة لأوامر عليا كما هو الحال بالنسبة لحزب العصر، وإنما تولد استجابة لرغبة شبابية جامحة وملحة، يتم تجسيدها ميدانيا، وتكون نواتها الصلبة من الشباب الذي يقود اليوم الحراك، ومن الشباب الذي قد يلتحق به في وقت لاحق، ومن الشخصيات الوطنية الأخرى التي قد تدعم ـ وبشكل صريح ـ الحراك الشبابي الحالي، خاصة منها تلك التي ستدعمه في مراحله الأولى.
إن إسقاط النظام في ظل غياب تشكلة سياسية شبابية بإمكانها أن تقود عملية التغيير لن يؤدي إلى تغيير حقيقي.
سادسها: لابد من الاعتراف بأن كلفة إسقاط النظام التي ارتفعت كثيرا مع الثورات الليبية والسورية واليمنية قد شوشت كثيرا على المواطن العادي في كل البلدان العربية، بما في ذلك المواطن في بلدنا. فالحماس الذي تابع به المواطن العادي الثورتين التونسية والمصرية، لا يمكن مقارنته بالحماس الذي يتابع به الآن الثورات التي لا زالت تعمل من أجل إسقاط الأنظمة الحاكمة في بلدانها كما هو الحال في ليبيا وفي سوريا وفي اليمن.
ولابد كذلك من الاعتراف بأن ذلك الفتور الذي شهده حماس المواطن العادي أثناء متابعته للثورات العربية في تسلسلها سينعكس سلبا ـ وإن بدرجات متفاوتة ـ على تحمس ذلك المواطن لشعار إسقاط النظام أينما رُفع، وهو الشعار الذي لم يعد مغريا اليوم ـ على الأقل بالنسبة للمواطن العادي ـ كما كان مغريا في بداية هذا العام حيث تمكن الشعب التونسي والمصري من إسقاط دكتاتوريهما بكلفة زهيدة وزهيدة جدا، إذا ما قورنت بالكلفة التي يدفعها اليوم أشقاؤنا في ليبيا، وإخوتنا في سوريا، وأهلنا في اليمن السعيد.
سابعها: إن رفع شعار إصلاح النظام سيسمح للحراك الشبابي بالتدخل في مجالات عديدة، وفي مناصرة قضايا كثيرة تحتاج لمن يناصرها. فرفع شعار إصلاح النظام لا يتناقض مع الاهتمام بقضايا جزئية يشكل الاهتمام بها ضرورة ملحة. أما رفع شعار إسقاط النظام فإنه سيحد كثيرا من مجالات التدخل، وسيحصر تلك المجالات في أفق ضيق يستحيل معه التدخل في مجالات جزئية أو قطاعية. فمن يرفع شعار إسقاط النظام لن يكون بإمكانه أن ينتقد النظام في قضايا جزئية، أو يطلب منه إصلاحات جزئية.
إن مشكلة توحيد شعار للحراك، هي مسألة في غاية الأهمية، وإذا كان رفع شعار إصلاح النظام، غير مناسب للبعض، فإن هناك شعارا جديدا ابتدعه بعض النشطاء في الحراك الشبابي، وهو شعار موريتاني خالص، سيتم رفعه وترديده في حزمة أنشطة جديدة، وذلك لقياس مدى الاستجابة الشبابية له.
إن الشعار الجديد الذي تم طرحه اليوم، هو شعار ينسجم تماما مع شعار إسقاط النظام، كما أنه ينسجم أيضا ـ وبنفس الدرجة ـ مع شعار إصلاح النظام. إنه شعار: "نريد الحياة بلا ظالمين".
تصبحون على حياة بلا ظالمين.