الاثنين، 22 فبراير، 2010

عاجل إلى رئيس الجمهورية ... وللقصة بقية


سيدي الرئيس، لنستمع معا في بداية هذه الرسالة المفتوحة إلى أنين مهندس زراعي عاطل عن العمل : " أنا مهندس زراعي حاصل على شهادة مهندس منذ ثلاث سنوات، ولي ثلاث أخوة كل واحد منهم يحمل شهادة جامعية. نحن الأربعة لم نجد عملا مما جعلني أضطر لأن أهاجر إلى "غامبيا" لمزاولة أعمال لا أحب الحديث عنها. لم أكن أحب أن أهاجر لأني لا أحب الغربة عن الوطن. سنوات الدراسة التي هي أحلى سنوات العمر لم تكن بالنسبة لي كذلك، لأني كنت مرغما فيها على السفر طلبا للعلم. لقد أنفق والدي كل ما يملك - وهو قليل أصلا- من أجل أن أحصل أنا وإخوتي على شهادات جامعية. واليوم لم تعد أسرتنا تملك شيئا سوى أربعة من العاطلين عن العمل، لهم شهادات عالية، تحول بينهم وبين مزاولة الأعمال اليدوية. لقد اضطررت للخروج من هذا البلد - حتى لا أقول طردت- وذلك بعد أن أصبحت غير قادر على البقاء في أسرة فيها شيخ كبير، أصيب بمرض مزمن لا يجد من بين أولاده الأربعة من يستطيع أن يوفر له ثمن الدواء. لقد تركت البلد مرغما لأني أنا الأكبر، ولأنه كان لابد لهذا الشيخ الكبير من الدواء......
سيدي الرئيس، أنا لا اطلب منكم سوى أن تجمعوا بيني وبين أبي الشيخ الكبير، ولا سبيل إلى ذلك سوى بتوفير وظيفة واحدة لي أو لواحد من إخوتي الثلاثة.
فهل سأعود إلى أبي الشيخ، أم أنه سيرحل عن هذه الدنيا دون أن أراه؟" كان هذا مقطع من رسالتي السابعة من سلسلة الرسائل الثلاثين التي كتبتها للرئيس السابق، وهو مقطع وجدت أنه من المناسب أن أبدأ به رسالتي السادسة إليكم.
رحل الشيخ عن الدنيا، ورحل آباء آخرون، ولم يعد المهندس إلى الوطن، وهاجر حملة شهادات آخرون، هاجروا من بلد نصيب الفرد فيه من الثروة الطبيعية يفوق بكثير نصيب الفرد في تلك الدول المهاجر إليها. مات الشيخ، ولم يعد الابن، ولم تكتمل القصة التي لابد أن تفتح من جديد، على صعيد آخر، في عالم آخر، وفي يوم عصيب، ستدنو فيه الشمس من الرؤوس. لن تكون هناك مكيفات، وسيلجم العرق كثيرا من الخلق، وسيتمنى أهل النار أن يلقى بهم في النار نظرا لهول ذلك اليوم.أجارنا الله وإياكم من النار وأظلنا تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
كثيرة هي قصص المعاناة التي ستفتح في ذلك اليوم العصيب، وكثير هم الموريتانيون الذين سيطالبون بحقوقهم كاملة غير منقوصة، لن تكون هناك أغلبية تطبل لكم، يا سيادة الرئيس، كما طبلت لمن قبلكم، وكما ستطبل لمن يأتي من بعدكم. ولن تكون الصحافة الرسمية قادرة ـ في ذلك اليوم ـ على تزييف الحقائق، كما زيفتها لمن سبقكم، وكما ستزيفها لمن سيأتي بعدكم. لن يكون هناك حرس، وسيكون التسديد بالحسنات، وسيأخذ كل ذي حق حقه.
ومن بين من ستقابلهم في ذلك اليوم العصيب ـ يا سيادة الرئيس ـ عشرات الآلاف من حملة الشهادات العاطلين العمل الذين عانوا كثيرا، وظُلِموا كثيرا، وتجاهل همومهم الجميع. وستكون لكل واحد منهم قصة لم تكتمل.
وبعيدا عن تزييف الإعلام الرسمي، وبوصفي واحدا من أصحاب "الخبرة" الطويلة في البطالة، فقد وجدت من اللازم أن أحدثكم بصراحة وبصدق عن معاناة و مآسي العاطلين عن العمل، مع تقديم بعض الاقتراحات التي أعتقد أنها قد تكون ضرورية للتخفيف من تلك المعاناة.
في البداية أشكركم على تمديد سن الاكتتاب الذي كان مطلبا ملحا للعاطلين عن العمل، كما أشكركم على اكتتاب المئات من حملة الشهادات. تلك هي الأشياء الإيجابية التي تحققت في عهدكم لصالح العاطلين عن العمل. ولكن في المقابل حدث تراجع كبير لدور وكالة تشغيل الشباب التي أصبحت غائبة تماما منذ السادس من أغسطس، ولم يسجل لها أي عمل ميداني، خاصة في مجال تمويل المشاريع.
ومن المفارقات التي يمكن تسجيلها هنا أن هذه الوكالة قد استطاعت أن تقدم تمويلات هامة للكثير من العاطلين عن العمل، وبمبالغ معتبرة، وبطرق شفافة، قبل الثالث من أغسطس من عام 2005. وقد كان المعيار وقتها الذي يتم عليه الاختيار هو أقدمية التخرج. كما أن ذلك العهد شهد عمليات اكتتاب واسعة لحملة الشهادات، في محو الأمية ودور الكتاب وفي السياحة وفي المخابز وفي أنشطة خاصة أخرى. ولقد وفرت تلك الفرص متوسط دخل يقدر ب 30.000 أوقية للشهر، استفاد منه المئات إن لم أقل الآلاف من حملة الشهادات. أما بعد الثالث من أغسطس فقد تراجع كثيرا حجم التمويلات، وتراجعت الشفافية في اختيار المشاريع، كما تراجع عدد المكتتبين من حملة الشهادات وتم فصل المئات منهم.
بعد السادس من أغسطس غابت الوكالة تماما، ولم تعد تقوم بأي نشاط ميداني للحد من معاناة العاطلين عن العمل، ولتلافي ذلك النقص الكبير فإنني أقترح ما يلي:
1 ـ بما أن خزينة الدولة كانت توفر ما يزيد على خمسة آلاف راتب لموظفين أشباح، أغلبهم لا يحتاج لتلك الرواتب، فإني أقترح أن تُحول تلك المبالغ إلى إعانات اجتماعية لصالح أصحاب الشهادات العاطلين عن العمل، بحيث يقسم كل راتب إلى إعانتين، أو ثلاث،على المتخرجين الذين لم يحصلوا على وظيفة وذلك للتخفيف من معاناتهم كما يحدث في بعض البلدان.
2 ـ بما أن الحكومة قد قررت تأسيس شركة للنقل العمومي، وبما أن جمهورية إيران الإسلامية قد وعدت ب500 سيارة و250 حافلة، فإني أقترح بأن تخصص تلك السيارات لحملة الشهادات العاطلين عن العمل، بمعدل سيارة لكل حامل شهادة، وحافلة لكل عشرة عاطلين، وهو ما سيسمح بدمج 3000 حامل شهادة. يؤسس المستفيدون شركة للنقل ينتخب لها مجلس إدارة من حملة الشهادات وتقدم لها الدولة الدعم اللازم في مقابل أن تلتزم الشركة بتنفيذ سياسة الدولة في مجال النقل العمومي. يمكن تعميق هذا الاقتراح من خلال إشراك الخبراء في دراسة هذه الفكرة . أما إنشاء شركة للنقل تابعة للحكومة فلن يكون بالفكرة السليمة، لأنها ستنهار سريعا نظرا لصعوبة تسيير شركة من هذا النوع، وهي في النهاية ستشكل عبئا إضافيا على الدولة، كما هو حال شركة الكهرباء و شركة الماء و شركة الغاز أو كما هو الحال بالنسبة للخطوط الجوية الموريتانية.
ويجب أن تعطى الأولوية للأسر التي تضم أكثر من عاطل عن العمل، كما هو حال أسرة المهندس الزراعي الذي سمعنا شيئا من أنينه في بداية هذه الرسالة. فقد أدت أساليب الاكتتاب المعتمدة على الرشوة والوساطة والمحسوبية إلى تركيز البطالة في الأسر الفقيرة، وذلك بعد أن احتكرت الأسر الغنية الوظائف القليلة المتاحة. وهذا الإجراء يمكن تنفيذه عمليا من خلال العودة للمسجلين في الوكالة.
3 ـ لقد شكلت استقبالاتكم في القصر الرئاسي لممثلي الاتحادات الطلابية والنقابات العمالية ولممثلي الصحافة والأئمة وغيرهم، سابقة تذكر فتشكر. ولقد كان الغائب الأكبر عن تلك الاستقبالات هم حملة الشهادات العاطلين، رغم أن معاناتهم أشد من معاناة غيرهم. ورغم أنهم أولى من غيرهم بتلك اللقاءات، حتى يسمع شيء من أنينهم بشكل مباشر، وهم خير من يعبر عنه. لقد تم تجاهل معاناة العاطلين عن العمل من طرف الجميع ( حكومة، أحزابا، صحافة، مجتمعا مدنيا ...) كما أن الظروف المادية والنفسية الصعبة التي يعاني منها حملة الشهادات، وقلة الوسائل المتاحة لهم، وسلبية البعض منهم، كل ذلك ساهم في تجاهل همومهم.
وفيما يخص فئة المتقاعدين، فإني سأكتفي في هذه الرسالة بالتذكير باقتراح هام تم تقديمه في البرلمان، ولم يطبق حتى الآن، وهو اقتراح يطالب بإلزام شركات الحراسة العاملة في البلد بضرورة اكتتاب المتقاعدين من الجيش كحراس، بدلا من اكتتاب الأجانب.
أما فيما يخص محاربة الفقر، وتشغيل العاطلين عن العمل من غير ذوي الشهادات، فإنه يمكن أن أتحدث هنا عن اقتراحين هامين في هذا المجال: أولهما تم تقديمه سابقا، وبشكل تفصيلي، في الرسالة المفتوحة الثالثة، وهو يتعلق باستخدام القمامة كمصدر للدخل في الأوساط الأكثر فقرا. وهذا الاقتراح قد أصبح أكثر إلحاحا من ذي قبل، بعد الفشل البين للشركة الفرنسية في تنظيف العاصمة التي أصبحت نظافتها مسألة هامة، بعد أن تم اختيارها لتكون بمشاركة غيرها، عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2011.
أما الاقتراح الثاني فهو يتعلق بعمل ميداني قدمه مركز "الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية لكل الوزارات والقطاعات ذات الصلة. ولقد اطلع على ذلك الاقتراح وبشكل ميداني، مدير الشؤون الاجتماعية بمفوضية حقوق الإنسان، ومدير التكوين بوكالة تشغيل الشباب، ومديرة الأسرة ...إلخ
لقد حاول المركز وبعد سلسلة من الدراسات أن يساهم في محاربة الفقر من خلال برنامج تدريبي رائد، يسعى لأن يتغلب على بعض نواقص التكوين المهني والحرفي المعتمد في البلاد.
لقد قام المركز بتصنيف بعض المهن والحرف الصغيرة جدا والتي لا زال يحتكرها الأجانب، ثم بعد ذلك أطلق برنامجا مجانيا للتثقيف الحرفي في تلك المهن، ويمتاز ذلك البرنامج بالخصائص التالية:
1ـ أن تكون مدة التدريب قصيرة جدا لا تتجاوز الشهر، وأن تكون كلفته زهيدة حتى يمكن للمركز أن يدرب أكبر عدد ممكن.
2 ـ أن يتم التدريب بوسائل وبآلات بسيطة جدا، يمكن للمتدرب أن يوفرها بعد انتهاء فترة التدريب. فمن أخطاء التكوين المهني المعتمد أنه يدرب على آلات معقدة وباهظة لا يمكن للمتدرب أن يوفرها.
3ـ يستفيد المتدرب من دورة مبسطة في تسيير المشاريع الصغيرة، فتعلم حرفة لا يكفي وحده لإطلاق مشروع ناجح.
4 ـ تم التركيز على المنتسبين لصناديق الادخار وذلك لأنهم أحوج من غيرهم للتدريب على مهنة مربحة يمكن لهم أن يمارسوها إذا ما حصلوا على قروض صغيرة.
5 ـ تم التركيز على المشاريع الصغيرة جدا والتي يمكن إطلاقها من المنزل " مشاريع من المنزل".
لقد استطاع المركز بوسائل ذاتية متواضعة جدا، وبتضحيات كبيرة، أن يقدم دورات متميزة في صناعة الحلويات. ولقد تم التدريب على أفران قادرة على إنتاج كميات تجارية، وبجودة عالية جدا، وهي أفران مصنعة محليا، ومتوفرة في السوق بأسعار تتراوح بين 50000 أوقية إلى 60000 أوقية.
لقد حاولنا في المركز أن يتم تقديم تلك الدورات عن طريق التلفزيون حتى تعم الاستفادة على أكبر قدر ممكن. كما حاولنا بعد ذلك ومع وزير الإعلام الحالي أن يسمح لنا التلفزيون أن نقدم برنامجا على شكل دورات في التنمية البشرية وهو ما فشلنا أيضا فيه.
وللقصة بقية.. وإلى الرسالة السابعة إن شاء الله.. وفقكم الله لما فيه خير البلد.

محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

السبت، 13 فبراير، 2010

أسئلة على الطاولة


يبدو أن الطاولة المدرسية سيكون لها شأن كبير في هذا البلد، ويبدو أننا سنشاهد كثيرا تلك الطاولة في بيت الشعوذة المرئي (التلفزيون). وسنسمع عنها كثيرا في بيت الشعوذة المسموع (الإذاعة). وسنقرأ عنها في بيت الشعوذة المقروء (يومية الشعب). وربما نسمع قريبا من يدعو إلى إبدال النجمة في العلم الوطني بطاولة مدرسية، أو إبدال الهلال بمقعد دراسي (مذكر الطاولة). وربما يبدع أحد شعرائنا قصيدة رائعة عن الطاولة تكون بديلا لكلمات نشيدنا الوطني الذي يبدو أن كلماته ـ بالنسبة للبعض ـ قد شاخت كثيرا.
ومن يدري فربما تتفتق مواهب فنانينا عن أغنية للطاولة؟ كما تفتقت مواهبهم ذات يوم عن أغنية الكتاب، في زمن عز الكتاب، الذي بزغ نجمه على حساب أفران المصلحة بعد أن تآمر الجميع عليها، ولم يعد أحد يتحدث عنها، رغم أنها كانت في يوم من الأيام هي الشغل الشاغل لكثير من أهل هذا البلد بنخبهم وعامتهم.
ولأن عاصمتنا التي تم اختيارها لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية، لا تحوي من المعالم الثقافية إلا معلمة الكتاب، التي تم تشييدها في وسط "كارفور مدريد". ولأننا لم نعد نعيش في العهد البائد، عهد الكتاب، فإننا اليوم بحاجة ماسة لأن يتطوع أحد رجال أعمالنا بهدم تلك المعلمة، وإبدالها بصفوف متراصة من الطاولات المدرسية الكبيرة التي يمكن رؤيتها من مكان بعيد، وذلك لكي تكون الطاولة المدرسية هي أول شيء يشاهده زائر عاصمة الثقافية الإسلامية لعام 2011.
ونحن اليوم بحاجة ماسة لجمع التبرعات، من أجل تصنيع الطاولات، كما تبرعنا في الماضي للكتاب. ونحن بحاجة لأن نُحَوِّل المخابز ـ لا أتحدث إلا عن المخابز ـ إلى معامل لتصنيع الطاولات. ونحن بحاجة أيضا إلى تحويل وزارة التكوين المهني إلى وزارة للطاولة المدرسية، حتى نحقق وعد الرئيس، ونوفر مقعدا دراسيا لكل تلميذ، ثم بعد ذلك نفكر في توفير طاولة لكل موريتاني، ثم بعد ذلك يمكن لنا أن نفكر في توفير ثلاث طاولات لكل موريتاني، طاولة يولد عليها، وثانية يعيش عليها، وثالثة يموت عليها.
وسيتحول بيت الشعوذة المرئي في الأيام القادمة إلى طاولة منوعة، وستنظم طاولات مستديرة وأخرى مستطيلة عن الطاولة المدرسية. سنتعرف على آخر أخبار الطاولات والمقاعد في الأعماق، وسنسمع الرأي الطبي عن خطورة عدم الجلوس على الطاولة المدرسية، وستنظم لقاءات خاصة ومنتديات عن الطاولة، وسيتمتع المشاهد بعناصر وتقارير عجيبة وغريبة عن الطاولة المدرسية وعن المقعد الدراسي.
إنه عهد الطاولة المدرسية الذي ستستعيد فيه كل طاولات البلد ومقاعده المدرسية المكانة اللائقة ، وهو عهد يمكن التأريخ له مع الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الجمهورية للثانوية التجارية، مباشرة بعد عودته من إيران. لا أدري ما العلاقة بين إيران والطاولة ؟ وإذا كان فيكم من يعرف شيئا في التراث الفارسي يمجد الطاولة المدرسية المصنعة في الثانوية التجارية الإيرانية فليغثنا به.
لقد كانت الضربة القاضية التي شكلت السقوط الحقيقي لدولة الكتاب، هي قرار الحكومة بإغلاق جميع دور الكتاب، ودفن كل الكتب الموجودة في البلد ـ بطريقة استفزازية ـ في مخازن الحالة المدنية.
لم يكن الكتاب محظوظا في هذا البلد، لقد ولد في وزارة الداخلية، وعاش في دور الكتاب السيئة الصيت، ومات عندما تم اختيار نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية، ثم دفن في مخازن الحالة المدنية.
بالمختصر المفيد، لقد انهارت دولة الكتاب، كما انهارت قبل ذلك دولة أفران المصلحة، وهانحن اليوم نشهد ميلاد دولة الطاولة المدرسية والتي من أبرز سماتها أنها دولة ذات ثلاثة أوجه : وجه يُشَرِّع نقدها للمعارضة، ووجه ثان يشرع مدحها للموالاة، ووجه ثالث يربك كل الموريتانيين الذين ليسوا من المعارضة ولا من الموالاة ، لأنهم في حيرة من أمرهم. فهم لا يعرفون إن كان عليهم أن ينتقدوا هذه الدولة التي حدثت فيها أخطاء شنيعة، لم يعرفوها من قبل، أم يمدحوها لأنها تحققت فيها أشياء لم تكن تخطر لهم على بال؟
فمن حق المعارضة أن تصف دولة الطاولة بأنها دولة دكتاتورية لأنها ترفض محاورة شريكها الأساسي أي المعارضة، ولأنها تسجن وتغرم الصحافة المستقلة. ومن حق الموالاة أن تصفها بأنها جمهورية حوار وتشاور، فهي تحاورت مع الشباب ومع الناقلين، ومع العلماء، وحتى مع السجناء الذي لم يكن أحد يتخيل أن تتم محاورتهم.
ومن حق الفئة الثالثة أن تحتار لأنها لا تستطيع أن تجزم بدكتاتورية الحكم، ولا تستطيع أن تجزم كذلك برغبته بشكل جدي في الحوار والتشاور.
ومن حق المعارضة أن تصف هذا الحكم بأنه لا يشجع العلم، لأنه تعامل مع الكتاب بشكل غير لائق. ومن حق الأغلبية أن تدعي بأن هذه الحكومة تشجع العلم، لأنها أول حكومة تلتزم بمقعد لكل تلميذ. ومن حقنا نحن أهل الفئة الثالثة أن نحتار لأننا لا نعرف إن كان هذا النظام يشجع العلم أم لا؟
ومن حق المعارضة أن تقول بأننا نعيش في فساد كبير بعد أن تم تعيين كبار المفسدين، في وظائف حساسة. وبعد أن تمت تعيينات، وترقيات، وتوشيحات كثيرة، لا يمكن القول بأنه قد تمت فيها مراعاة الاستقامة والنزاهة . ومن حق الأغلبية أن تقول بأننا نعيش أول حرب جدية ضد الفساد. والدليل هو تجريد الكثير من المفسدين، وتجفيف الكثير من منابع الفساد، من خلال تحديد علاوات السكن، والنقل، وعدم تحمل تسديد فواتير الكهرباء، والماء، والبنزين، وإيقاف السيارات الحكومية. ومن حق الرأي الثالث أن يحتار لأنه لا يستطيع أن يجزم بأن الحكومة جادة في محاربتها للفساد، ولا يستطيع كذلك أن يقول بأنها ليست جادة في حربها على الفساد.
ومن حق المعارضة أن تقول بأن علاقاتنا الخارجية ليست بخير، وبأن دبلوماسيتنا وقعت في أخطاء كثيرة، من بينها ترك الحياد في قضية شائكة. ومن حق الموالاة أن تقول بأن البلد قد حقق انتصارا كبيرا بطرده لسفير العدو الصهيوني، وباستعادته لعلاقات طبيعية مع كل المحاور، مما سينعكس على البلد إيجابيا. ومن حق أهل الفريق الثالث أن يحتاروا من هذه الخلطة العجيبة التي جمعتها دبلوماسيتنا، وهل ستتمكن من استخدامها في مصلحة البلد؟ أم أن تلك الخلطة لن يكون بالإمكان ابتلاعها بشكل سلس وستنعكس سلبا علينا.
الشيء المؤكد ـ وهذه ليست نبوءة ـ هو أن أمور هذا البلد ستتحسن كثيرا في المستقبل القريب، أو تسوء كثيرا، لن تكون هناك حالة وسطى، وهذا هو الجديد في جمهورية الطاولة المدرسية. وسيكون عمر تلك الحيرة ـ التي نعاني منها الآن ـ قصيرا جدا. فمن خصال رئيسنا الحالي أن له قدرة كبيرة على تجسيد أفكاره ميدانيا. وتلك الميزة رفع بها قادة دولا كثيرة، ودمر بها قادة آخرون دولا كثيرة أخرى، والأمثلة لا حصر لها. والمشكلة هنا هي أننا لا نعرف ـ بالضبط ـ ما يفكر به الرئيس. ويتساوى الجميع في ذلك، يتساوى البعيد مع القريب، والأمي مع المتعلم، ويتساوى المعارض مع الموالي، ويتساوى العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذا المقال، مع كل مستشاري رئيس الجمهورية ومقربيه. فنحن جميعا حكومة وشعبا، معارضة وأغلبية، نخبا وعامة، لم نكن نعلم أن الطاولة المدرسية سيكون لها شأن مذكور إلا بعد أن علمنا وفي وقت واحد بزيارة الرئيس للثانوية التجارية.
والدليل على هذا الكلام، هو أنه لو علم أي واحد من الموريتانيين، أو الموريتانيات، بأن الرئيس سيرفع من شأن الطاولة المدرسية لشهدتم رجالا يتحولون إلى مقاعد مدرسية أمام الثانوية التجارية، ولشهدتم ـ كذلك ـ نساء يتحولن إلى طاولات مدرسية.
والرئيس ـ وهذه معضلة قديمة جديدة ـ ليست لديه أغلبية تفكر معه وتوجهه وتنصحه، وتحول بينه وبين أخطاء القرار الفردي. إن الأغلبية الداعمة للرئيس الحالي لا تختلف عن الأغلبية الداعمة للرؤساء السابقين، إنها أغلبية تصفق إلى أبعد الحدود لمن يحكم، وتدير ظهرها له بشكل عنيف عندما يفقد الحكم. لقد فشلت وساطة الأغلبية في ملف رجال الأعمال. كما أنها فشلت في إطلاق سراح حنفي، رغم توصيتها بذلك في الأيام التشاورية للحكامة. وبالعربي الصريح والفصيح : إن الأغلبية غائبة ميدانيا ـ لا يعني ذلك حضور المعارضة ـ ولا تؤثر على الرئيس إلا كما يؤثر عليه العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذا المقال.والرئيس يعلم بأن الأغلبية ليست جادة في وساطتها، و لا في مطلبها بإطلاق سراح الصحفي حنفي. وهو يعلم كذلك بأنه عندما يرفض طلبا أجمعت عليه أغلبيته، فإن ذلك لن يتسبب في أي شيء، أقول أي شيء.
وهنا سأطرح أسئلة على الطاولة وسأترك الإجابة عليها لكل من يريد الإجابة، وخطوط الاتصال ستبقى مفتوحة لكل من يريد أن يقول كلاما ينسجم مع التوجهات النيرة والتعليمات السامية.
هل من الأفضل أن نحاسب الصحافة المستقلة على "صغائرها" أم نحاسب الصحافة الرسمية على " كبائرها"؟ ألم تتوقف خدمة التعليقات التي كان ينتقد بها البعض موقع تقدمي؟ وفي المقابل ألم تتراجع بيوت الشعوذة كثيرا إلى الوراء؟ أليس التلفزيون أسوأ اليوم من التلفزيون في العهد المؤتمن والذي كان فيه التلفزيون أسوأ مما كان عليه في المرحلة الانتقالية الأولى؟ ألم يطرد التلفزيون كل أوجهه المتميزة؟ ألا تتحكم فيه اليوم وفي كل برامجه الأساسية نفس الأوجه التي عرفناها وهي تشغل الناس ببرامج السمنة وأفران المصلحة وكتب الطبخ؟ وهل أن حنفي هو الصحفي الذي أضر بأخلاق هذا البلد؟ وهل أنه هو الذي علمنا النفاق والتزلف لكل حكام هذا البلد؟ وهل هو من كان يمارس الشعوذة ليقنعنا بأن الجحيم الذي عشناه كان جنانا عظيمة ؟ أم أنه هو الذي كان يكتب حروفا من النار تحرق جنان بيوت الشعوذة، سواء المرئي منها أم المسموع أو المقروء؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يأتينا بعجائز يقلن بأن الرئيس حقق كل أحلامهن الدنيوية ولم يعد لديهن ما يطلبنه إلا أمور الآخرة. وأستغفر الله من هذا الكلام ؟ وهل أن حنفي هو الذي بشر الموريتانيين بأن الأمية سيقضى عليها في ستة أشهر؟ وهل أنه هو الذي استضاف صاحب منظمة غير حكومية وعدت بتنفيذ تلك البشرى ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يطلب من الشيخ الذي بلغ من العمر عتيا أن يكذب كذبة تمتد في الآفاق وأن يقول بأن دفتر ولده هو دفتره؟ وأن يقول بأن كل ما في ذلك الدفتر من كلمات قد خطها بيمينه في فصل محو الأمية الذي لا يعرف أين يقع ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول لنا بأن النساء الأميات المنخرطات في تعاونيات ريفية نائية يسوقن منتجاتهن عن طريق الانترنت ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يبشر الجوعى بأنه لن يجوع جائع في غرب إفريقيا بعد حصاد العشب الذي أنبته الله على هذه الأرض وصوره وقدمه بيت الشعوذة المرئي على أنه أرز؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يتحدث عن الانجازات الكبرى في العهود "المباركة" حتى يخيل لكل فقير في غرب إفريقيا بأنه سيصبح غنيا، وحتى يخيل لكل حالم في شمال إفريقيا بأن كل أحلامه ستتحقق؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يطلب من حامل الشهادة الذي يشتغل في مؤسسة كبيرة أن يكذب ويدعي بأنه مالك تلك المؤسسة وأنه أنشأها بمبادرة شخصية بعد تخرجه من الجامعة؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول بأن القمامة نعمة كبرى لأنها مؤشر على الطفرة الاستهلاكية التي عرفها البلد في العهد "المبارك" ؟ وهل أن حنفي هو الذي شغل الجوعى بالحديث عن السمنة حتى يتناسوا الجوع والفقر والجهل والمرض؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يعتبر كل عهد عهدا مباركا ما دام يحكم، ويعتبره عهدا مشؤوما بعد الدقيقة الأولى من إذاعة البيان الأول؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول بأن عمال البلد هم أكثر عمال العالم حظوظا لأن أجورهم تزداد دون أن يحتاجوا للإضرابات ؟ وهل أن حنفي هو الذي لم يستطع أن يكتشف خطأ واحدا لمعاوية خلال عقدين من الحكم مليئة بالأخطاء ؟ وهل أن حنفي هو الذي حُجبَت عنه كل أخطاء معاوية حتى صبيحة الثالث من أغسطس ؟ وهل أن حنفي لم يتحدث عن " الموبقات " الكبرى للرئيس المؤتمن إلا بعد الدقيقة السادسة من الساعة السادسة من صبيحة السادس من أغسطس؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يشجع الناس على الكذب والنفاق والتزلف والتصفيق بالأيادي والأرجل لكل سلاطين البد؟ وهل أن حنفي هو الذي كنا نشاهده في بيت الشعوذة المرئي وهو يمدح الرئيس معاوية بنفس الكلمات التي مدح بها الرئيس أعل والرئيس سيدي ؟ وهل أن حنفي هو الذي كنا نشاهده يصف الرئيس السابق سيدي بأقبح الأوصاف بعد سقوطه، تماما كما فعل قبل ذلك مع الرئيس أعل وكما فعل مع الرئيس معاوية؟ وهل أن حنفي هو ذلك الشخص الذي كنا نشاهده في بيت الشعوذة المرئي في عهد ولد الطايع ولا نزال نشاهده حتى أيامنا هذه، يتكلم بنفس اللغة وبنفس الأسلوب وبنفس العقلية التي أضرت كثيرا بهذا البلد ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يتحدث عن كل معارض وكأنه خطر كبير ومخلوق عجيب ليس في قلبه مثقال ذرة من وطنية ؟ وهل أن حنفي هو الذي أهان زعيم المعارضة الدستورية منذ أشهر قليلة ؟ لا أدري لماذا لا تكون المعارضة ذكية ولو لمرة واحدة وتشكو بدورها ممن أهانها وأساء إليها من باب إزعاج القضاء وإحراجه على الأقل.
إذا كان حنفي قد فعل تلك الأشياء فإنه قد أضر كثيرا بأخلاق البلد، ولذلك فإننا نستنكر ونشجب ونندد ونستغرب ذلك الحكم المخفف الذي حكم عليه به القاضي، ونطالب بمحاكمته للمرة الثالثة والحكم عليه بالمؤبد مع الأعمال الشاقة..
أما إذا كان حنفي قد وهب قلمه المبدع لمواجهة من كان يقوم بذلك، فإنه يستحق شيئا آخر غير سجن كان قدره أن لا يزوره ـ ولو بشكل عابر ـ من أفسد أخلاق هذا البلد حقا.
تصبحون على قليل من الحياء...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.comwww .autodev.org

الأحد، 7 فبراير، 2010

الانقلاب "الأسمر"


في البداية أعتذر للقراء عن استخدام كلمات من قبيل " البيظان" و" لحراطين " و" لكور".. إنها كلمات لا أحب استخدامها ولكن فرضتها طبيعة المقال.
لقد تزايدت وبشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة المقالات والتصريحات والمواقف الصادرة عن جهات عديدة من " الجيل الثاني والثالث" لحركة الحر. وهي مواقف وتصريحات قد تشكل تمهيدا لصياغة البيان الأول للانقلاب الذي أصبحت كل الدلائل تشير إلى تفكير البعض في القيام به. وسواء نجح ذلك الانقلاب على القادة المؤسسين للحركة أو فشل فإنه قد أصبح من الضروري أن يتم توسيع النقاش الدائر حول هموم الشريحة المظلومة ليشارك فيه الجميع، باعتبار أن معاناة تلك الشريحة هي معاناة وطن بكامله بكل شرائحه وأعراقه، أو هكذا يجب أن تكون.
ومن المؤسف حقا أن كل ما يطفو على السطح حتى الآن من مقالات ومقالات مضادة، أو من تصريحات وتصريحات مضادة، لا يخدم إطلاقا معاناة تلك الشريحة. فالبعض للأسف الشديد لا يزال يتجاهل ويرفض أن يسمع أنين المستضعفين من تلك الشريحة، أما البعض الآخر فإنه يعمل جاهدا لكي يُحَوِّل ذلك الأنين إلى سلعة يمكن تسويقها في الدوائر الغربية وفق مواصفات ومقاييس الجودة الأوروبية، مقابل عائد مادي لا يستفيد منه إلا مُصَدِّر تلك السلعة..
لقد صرح أحد "المناضلين الجدد" في لحظة "صفاء" لصديق له بأن القسوة التي يتحدث بها عن " البيظان " إنما هي قسوة من أجل كسب قوته، وأنه في أعماقه يحب " البيظان " خاصة منهم أولئك الذين لم يتخلوا عن ممارسة الرق لأنهم يوفرون له مصدر رزق لا ينفد !!! هكذا رد ذلك "المناضل" عندما انتقده صديقه على قسوته على" البيظان".
وتلك واحدة من مآسي هذا البلد، فغالبية نخبنا مجرد سماسرة وتجار. والأمر هنا لا يقتصر على شريحة دون أخرى، وإن كانت المتاجرة بهموم " لحراطين " أكثر رواجا من المتاجرة بهموم الشرائح الأخرى، لأن معاناتهم أشد عمقا من معاناة غيرهم.
إن من يهتم حقا بهذه الشريحة المظلومة عليه ـ حسب اعتقادي ـ أن يأخذ بعين الاعتبار الحقائق التالية:
1ـ إن الزعيم "مسعود" سيبقى أعظم هبة قدمتها موريتانيا لحركة الحر، كما أنه سيبقى ـ في المقابل ـ أعظم هبة قدمتها حركة الحر لموريتانيا .. لذلك فإنه لا يجوز لحركة الحر أن تحتكره وتحرم موريتانيا منه . كما أنه لا يجوز لموريتانيا أن تحتكره وتحرم الحركة من زعيمها المؤسس.
2ـ إن خبرة الزعيم "مسعود" وتضحياته الكبيرة التي قدمها في وقت كانت تصعب فيه التضحية تؤهله أكثر من غيره لأن يحدد متطلبات المرحلة ويرسم مسار النضال الذي يجب أن يُسْلَكَ من أجل تجاوز مخلفات الاسترقاق. وعندما يحدد الزعيم "مسعود" رؤية معينة فإنه لا يجوز للغير أن يشكك في تلك الرؤية ويبدلها بمشروع تصادمي ستكون نتائجه مدمرة وكارثية على الوطن كله.
3 ـ لقد استطاع الزعيم "مسعود" بحكمته المعهودة، أن يشكل تحالفا بين الحر والناصريين. وهو تحالف استفادت منه حركة الحر، كما استفاد منه الناصريون، بل أن ذلك التحالف تعدت آثاره الإيجابية حزب التحالف.
وبالرغم من أننا كنا نتوقع أن ذلك التحالف سيمتد ليشمل حركات وتنظيمات وأحزاب أخرى، خدمة للشريحة، وخدمة للوطن كله، فإذا بنا نفاجأ بخطابات وبيانات تصادمية تأتي من متطرفي التنظيمين المكونين للتحالف الشعبي التقدمي.
4 ـ إن مغازلة اليهود والتقرب من الغرب ونعت الرئيس السوداني بأشنع الأوصاف لا يخدم " لحراطين " في أي شيء. ولقد أثبتت سنوات التطبيع البائسة بأن أبناء هذه الشريحة كانوا هم الأكثر نفورا وبعدا من اليهود. لذلك فإن هذه الشريحة لن يستطيع أن يقودها إلا من كان يعتز بدينه وبكرامته وبهويته.. ولقد أثبت التاريخ بأن " لحراطين " حتى ولو تعرضوا للظلم من الأخوة فذلك لن يكون سببا في أن تتولد لديهم عقدة من هويتهم وانتمائهم لهذا البلد.
5ـ إن التهجم على الشرائح الأخرى، وعلى العلماء، وعلى رموز هذا البلد، لا يخدم إلا أعداء هذا البلد. وعلينا أن نتذكر دائما بأن من علماء هذا البلد من قدم خدمات جليلة في تعليم أبناء شريحة لحراطين التي يعتبر الجهل و الفقر من أعظم التحديات التي تواجهها.
ولقد استطاع الأستاذ الجليل "محمد ولد سيدي يحي" أن يلعب دورا كبيرا في مجال تعزيز الوحدة الوطنية، من خلال دروسه ومحاضراته التي استفاد منها الكثير من أبناء هذه الشريحة. لدرجة أنه أصبح من بين تلاميذه من ينشر العلم داخل أوساط الشريحة، ويؤم المصلين، ويعظ بشكل رائع جدا، كما هو حال إمامنا في مسجد الحي.
ومن المؤسف أنه لا أحد يعترف بشكل رسمي أو شعبي لذلك الداعية بجهده الكبير الذي يقوم به. وهنا لا أتحدث عن دوره الدعوي والوعظي ، بل عن دوره في تقليص الفوارق بين الشرائح في مجال العلم.
6 ـ في المقابل لا أحد يستطيع أن ينكر بأن هناك عدم تحمس لدى البعض في محاربة بقايا ومخلفات الاسترقاق، كما أنه لا يمكن للمُنْصِف إلا أن يستغرب بأنه رغم كثرة الأحزاب والمنظمات فلم يزل اكتشاف حالات الاسترقاق في هذا البلد والتنديد بها يقتصر على منظمات قليلة يقودها مناضلون من " لحراطين". لقد أصبح من اللازم والضروري أن تشارك الشرائح الأخرى في التنقيب عن حالات الاسترقاق وكشفها.
7 ـ لقد حاول البعض أن يشكك في جدية دعم " البيظان" للمرشح " مسعود" في الانتخابات الرئاسية الماضية. ورغم قناعتي بأن المرشح " مسعود" يستحق ـ لنضاله ـ أكثر من 16% التي حصل عليها، إلا أنه مع ذلك يمكن القول بأن تلك النسبة كانت تشكل مؤشرا مهما خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار حقيقة هامة وهي أن المرشح " محمد ولد عبد العزيز" قد اخترق الشعبية التقليدية للمعارضة بخطابه الانتخابي، خاصة في الأوساط الفقيرة، وبالأخص في التجمعات التي يكثر فيها "لحراطين". لذلك فإن وصف "البيظان" الذين شكلوا غالبية شعبية "مسعود" وبذلوا كل ما في وسعهم من أجل نجاحه بالبرابرة والإقطاعيين لا يخدم "لحراطين" بصفة خاصة، ولا يخدم موريتانيا بصفة عامة.
إن من تهمه محاربة الرق ومخلفاته، عليه أن يعمل على تماسك 16% وتوسيعها وتوجيهها في مشاريع سياسية وتنموية لمحاربة الرق، بدلا من تفكيكها من خلال التصريحات المتطرفة، والتصريحات المتطرفة المضادة.
8 ـ لا أحد يستطيع أن ينكر بأن نسبة توظيف لحراطين لا يتناسب ـ إطلاقا ـ مع حجم الشريحة، ولكنه مع ذلك لا يمكن تفسير ذلك تفسيرا عنصريا لأن نسبة التعلم تلعب دورا هاما وهناك قبائل كثيرة تعاني من نفس الشيء، بالمقارنة مع قبائل أخرى أقل عددا. كما أن عدم تناسب الوظائف مع الحجم العددي يمتد ليشمل شرائح الزنوج فيما بينها، حيث أن هناك شرائح زنجية تحتكر وظائف أكثر من شرائح أخرى هي أكثر عددا.
9 ـ يتحدث البعض عن عنصرية الدولة ويحتج بعدم تطبيق القوانين التي تم وضعها لمحاربة الرق. والحقيقة أن الدولة عاجزة عن تطبيق أي قانون في أي مجال من مجال تدخلاتها، لذلك فالمسألة ليست عنصرية في تطبيق القانون، وإنما هي عجز بنيوي في تطبيق أي قانون.
10ـ ليس من حق أي واحد منا أن يتهجم على شريحة كاملة ويصفها بأبشع الأوصاف. وليس لأي أحد منا الحق في بث الكره والحقد بين مكونات هذا الشعب الطيب بكل أعراقه.
وعلى القائمين على بعض الجرائد والمواقع التي تشارك في نشر ثقافة الكره والحقد ـ والتي كنا نعتقد أنها أكثر مهنية من ذلك ـ أن يعلموا بأن عليهم وزر كل كلمة سوء يبثونها في الآفاق.
11 ـ إن ترسيخ قيم الديمقراطية واستغلال ما تتيحه من هوامش واسعة للعمل السياسي والتنموي سيبقى أفضل وسيلة لمحاربة الرق. أما استغلال ذلك الهامش ـ بشكل سلبي ـ في بث روح التفرقة والتباغض وفي الاستجداء بالخارج فستكون آثاره وخيمة على الجميع، وقد يؤدي ـ لا قدر الله ـ إلى غرق السفينة بكاملها وبما فيها من "حراطين" و"بيظان" و"اكور".
12 ـ إن تنمية الديمقراطية في هذا البلد هي التي ستمكننا من تفكيك بعض العلاقات والروابط التقليدية الجائرة، وإبدالها بمؤسسات مدنية وسياسية قادرة على توجيه الأكثرية الفقيرة لاختيار من يخدم مصالحها، مما سينعكس إيجابا على فقراء هذا البلد ومهمشيه والذين يشكل "لحراطين" ـ بطبيعة الحال ـ غالبيتهم.
13 ـ إن هناك فجوة كبيرة بين الأداء السياسي والأداء التنموي، فالخطاب السياسي بلغ مراحل متقدمة أما الأداء التنموي فهو في انحطاط متنامي. ونحن مجتمع يتقن الكلام والصراخ، وبإمكان كل واحد منا أن يُسِيل وديانا "بعرق لسانه" ولكنه في المقابل لا يستطيع أن يُسيل قطرة عرق واحدة من جبينه في عمل تنموي هادف.
فأين هي الأحزاب وأين هو المجتمع المدني في آدوابة ؟ ولماذا الكل يصرخ ويصرخ بهموم لحراطين ومع ذلك فلا أحد يفكر في أن يفتح فصلا واحدا لمحو الأمية، أو مركزا لمحاربة الفقر لهؤلاء المهمشين والمظلومين؟ فعلينا أن نعلم بأن فتح فصل واحد لمحو الأمية في آدوابة خير من كثير من البيانات ومن الصراخ الذي يصم الآذان. والعبء الأكبر في هذا المجال يقع على أولئك الذين يفتح لهم الغرب خزائنه، ومع ذلك يبخلون على آدوابة بفصل واحد لمحو الأمية.
إن من يهتم بهذه الشريحة حقا عليه أن يهتم أولا بتعليمها وبتوعيتها وبتثقيفها المهني والحرفي وهناك تصور جاهز أعده مركز " الخطوة الأولى " يمكن تقديمه لكل من يهمه الأمر .
تصبحون على وطن لا فوارق فيه ...
محمد الأمين ولد الفاظل
رئيس مركز " الخطوة الأولى" للتنمية الذاتية
هاتف 6821727
Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org