الأربعاء، 10 يوليو 2024

هذا ما نتوقع في مأمورية الشباب


بعد أيام قليلة ستبدأ مأمورية رئاسية جديدة، تختلف عن كل المأموريات التي سبقتها، سواء منها المأمورية المنتهية للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، أو مأموريات الرؤساء السابقين، فالمأمورية القادمة ستكون بإذن الله أول مأمورية للشباب، أي أنها ستكون مأمورية بالشباب ومن أجل الشباب.

فماذا تعني لنا في "منتدى 24 ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية" مأمورية الشباب القادمة، وماذا نتوقع أن يتحقق فيها لصالح الشباب الموريتاني؟

إن من قرأ بعمق البرنامج الانتخابي لفخامة رئيس الجمهورية (طموحي للوطن)، واستمع بشكل جيد لخطاباته في الحملة، ستتولد لديه قناعة تامة بأن مأمورية الشباب القادمة ستتميز بمَلْمَحَيْنِ أساسيين، أولها يتعلق بطبيعة الملفات التي ستُحظى بالأولوية في هذه المأمورية، وثانيهما يتعلق بالواجهة الإدارية والسياسية التي ستتشكل ـ وبتدرج ـ  في المأمورية القادمة.

أولا/ عن الملفات ذات الأولوية

إن مأمورية الشباب تعني لنا في "منتدى 24 ـ 29" أولا ومن قبل أي شيء آخر،  أن تُحظى كل الملفات ذات الصلة بالشباب بأولوية كبيرة، وخاصة ما يتعلق منها بإصلاح التعليم، وترقية التكوين المهني، ومحاربة البطالة، والحد من انتشار الجريمة وتفشي المخدرات في صفوف القصر والمراهقين، وتطوير البنى التحتية الثقافية والرياضية، ودعم المقاولات الشبابية، وتشجيع المواهب والإبداع والابتكار في صفوف الشباب، دون أن ننسى المحاربة الصارمة للفساد، وذلك نظرا لأن شريحة الشباب هي الأكثر تضررا من تفشي الفساد، ولا يمكن ـ بأي حال من الأحوال ـ  أن نتحدث عن الاهتمام بالشباب دون أن تكون هناك محاربة جدية للفساد.

إن التركيز على الملفات ذات الصلة بالشباب، ومنحها الأولوية القصوى في العمل الحكومي، يجب أن يكون هو السمة الأبرز في مأمورية الشباب، وثمار ذلك ستصل بكل تأكيد لكل الشباب، ومن بعد ذلك يأتي ـ وفي درجة ثانية ـ  ضخ دماء جديدة في الواجهة الإدارية والسياسية للنظام.

ثانيا / عن الواجهة الإدارية والسياسية

من المهم جدا أن تُضخ دماء شبابية جديدة في الواجهة الإدارية والسياسية للنظام خلال المأمورية القادمة، والتي يُراد لها أن تكون مأمورية بالشباب ومن أجل الشباب، ولا يعني ذلك مجرد الاكتفاء بصورة شكلية من خلال "تشبيب" تلك الواجهة عمريا، دون أن يكون هناك "تشبيب" في الجوهر لأساليب العمل الإداري والسياسي للنظام ليكونا أكثر قدرة على مواجهة التحديات القائمة، والتي لم يعد بالإمكان مواجهتها بنفس الأساليب الإدارية والسياسية القديمة التي أثبتت عدم فعاليتها في مواجهة تلك المشاكل والتحديات.

من المهم جدا أن تُضَخَّ دماء جديدة في الواجهة الإدارية والسياسية للنظام خلال مأمورية الشباب القادمة، ولكن ذلك يجب أن يكون وفق ضوابط صارمة، حتى لا تتحول العملية إلى عملية شكلية، وحتى لا يتم تمييع مأمورية الشباب وإفراغها من محتواها الذي يحلم به الشباب ونحلم به جميعا، ولعل من أبرز تلك الضوابط:

1 ـ أن يكون حاضرا في أذهاننا جميعا أن الهدف من ضخ دماء شبابية جديدة في الواجهة الإدارية والسياسية للنظام، ليس فقط  من أجل الوصول إلى صورة شكلية، من خلال الدفع ببعض الشباب إلى واجهة العمل السياسي والإداري، وإنما الهدف منه هو إحداث تغيير جوهري وعميق في أساليب العمل الإداري والسياسي للنظام خلال المأمورية القادمة، فمأمورية الشباب ليست مجرد عملية ميكانيكية يتم بموجبها إبعاد الموظفين أو السياسيين من أصحاب التجربة الذين تجاوزوا مرحلة الشباب،  والدفع بالشباب ـ أي شباب ـ  إلى الواجهة الإدارية والسياسية.

2 ـ إن الشباب الذين يجب أن يُدفع بهم إلى الواجهة الإدارية أو السياسية للنظام هم أولئك الشباب الذي يمتلكون ما يكفي من مؤهلات ضرورية للقيام بالمهام التي ستوكل إليهم، وأن لا يكون قد عُرِف من بينهم من مارس من قبل الأساليب التقليدية التي نريد القضاء عليها في مأمورية الشباب، ومن هنا فيجب الحذر ـ كل الحذر ـ من الدفع بأي شاب إلى الواجهة يحمل صفة من الصفات التالية:

ا ـ من يتبنى خطابا قبليا أو جهويا أو شرائحيا أو عرقيا، ويجعل بالتالي انتماءه العرقي أو الشرائحي أو القبلي الضيق فوق انتمائه الوطني؛ 

ب ـ من لا يستطيع أن يتحرر من الأساليب النفعية أو الانتهازية التي طبعت العمل السياسي خلال الفترات الماضية، ولتوضيح الصورة أكثر فسنقدم لكم مثالا من العهد السابق.

لقد حاول الرئيس السابق، وربما تفاديا للربيع العربي، أن يؤسس أحزابا شبابية، تحت شعار "تجديد الطبقة السياسية"، فظهر الحراك الشبابي وملحقاته، ولكن المشكلة أن الشباب الذين قادوا تلك المشاريع السياسية، نقلوا جميع أمراض الطبقة السياسية التقليدية إلى مشاريعهم الحزبية الجديدة، وظهر أن تلك الأحزاب ما هي إلا محاولة لخلق عناوين شبابية ومساحات خلفية تُدار فيها معارك جديدة بين أقطاب الأغلبية التقليدية.

كانت فكرة تأسيس أحزاب شبابية فكرة رائعة، بغض النظر عن الدوافع لها، ولكن إخراج تلك الفكرة، ومسار تنفيذها، كان في منتهى السوء، فكانت الحصيلة أن ظهرت أحزاب شبابية جمعت كل أمراض الأحزاب التقليدية، وأضافت إليها ضعف التجربة والخبرة لدى مؤسسيها، مما نتج عنه في المحصلة النهائية ظهور أحزاب شبابية أكثر شيخوخة في العمل السياسي من الأحزاب التقليدية. 

ج ـ هذا عن الواجهة السياسية للنظام، أما بخصوص الواجهة الإدارية فيجب أن يُحمى ضخ دماء جديدة في الإدارة بضوابط ليست أقل صرامة، منها الحذر من أن تتحول عملية تجديد الواجهة الإدارية للنظام إلى عملية توريث بعض المناصب الإدارية لأبناء وأقارب الموظفين السامين في الدولة تحت شعار "تجديد الواجهة الإدارية"، فهذه نقطة يجب الانتباه إليها كثيرا، ولا يعني ذلك حرمان الشباب المنحدرين من أسر لها تاريخ طويل في العمل الإداري من الظهور في أي واجهة جديدة، وإنما يعني أن تكون الكفاءة هي المعيار الأساسي المعتمد في تجديد الواجهة، وذلك بدلا من الوساطة وكل أساليب التحايل الأخرى التي قد يستخدمها البعض للالتفاف على شعار تجديد الواجهة الإدارية.

وكما قلتُ سابقا، فإن مأمورية الشباب لا تعني ـ بأي حال من الأحوال ـ  إقصاء غير الشباب من الواجهة الإدارية والسياسية للنظام خلال السنوات الخمس القادمة، بل إن الاحتفاظ بغير الشباب من الموظفين من ذوي الخبرة والسيرة المهنية الحسنة في الإدارة، والاحتفاظ بغير الشباب من السياسيين الأكفاء في الواجهة السياسية، هما شرطان أساسيان لنجاح مأمورية الشباب.

 إن من يجب التخلص منه في المأمورية القادمة، هم أولئك الموظفين الذين جُرِّبُوا في مهام كثيرة في العهود الماضية، وأثبتوا فشلهم، وأولئك الذين ثبُت فسادهم وبالأدلة القطعية، وبخصوص السياسيين فإن من يجب إبعاده عن الواجهة في مأمورية الشباب هم أولئك السياسيين الذين لم تعد لديهم أي مصداقية لدى المواطن، وأصبحت دعايتهم للنظام تأتي بنتائج سلبية.   

3 ـ إن التدرج  في تجديد الواجهة الإدارية والسياسية هو أمرٌ مطلوب، بل وضروري جدا، لإنجاح مأمورية الشباب، ولذا فعلينا أن لا نتوقع أن نفتح عيوننا في أول يوم من مأمورية الشباب على حكومة شبابية أو على واجهة إدارية أو سياسية شبابية. 

إن المطلوب هو أن تُضَخَّ بعض الدماء الشبابية في الحكومة القادمة، وأن تُضَخَّ ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ دماءً جديدة في الواجهة الإدارية والسياسية، وأن يظل ضخ الدماء الجديدة في تصاعد مستمر، عاما بعد عام، وحكومة بعد حكومة، إلى أن نصل في نهاية مأمورية الشباب (العام 2029) إلى واجهة سياسية وإدارية يطغى عليها حضور الشباب، وذلك تمهيدا لتمكين الشباب بشكل كلي فيما بعد العام 2029.  

#منتدى24_29

حفظ الله موريتانيا..


السبت، 6 يوليو 2024

الأمن أولا


الأمن بالنسبة للدول كالصحة بالنسبة للأفراد، فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، وكذلك الأمن بالنسبة للدول فهو تاج على رؤوس الدول الآمنة والمستقرة لا تراه إلا الدول التي تعاني من صراعات عرقية أو حروب أهلية.

فهل فيكم مثلا من يحب أن يُشاهد والده يتسول عند ملتقيات الطرق في دمشق؟ 

وهل فيكم من يحب أن يشاهد والدته تُصارع من أجل البقاء على قيد الحياة في مخيم للاجئين الموريتانيين في مالي؟.

لنعلم جميعا أن بلادنا ليست محصنة ضد ما جرى وما يجري في بعض الدول العربية والإفريقية من حروب وفتن داخلية، ولنحمد الله على نعمة الأمن في بلادنا، فهي نعمة عظيمة، لا تقدر بثمن، وعند فقدانها ـ لا قدر الله ـ ستدركون بأن كل المطالب الأخرى هي مجرد مطالب ثانوية من الدرجة الثالثة أو الرابعة، فلنحافظ على هذه النعمة العظيمة بالابتعاد عن نشر كل ما من شأنه أن يُنمي الكراهية أو يؤجج الصراع بين مكوناتنا الوطنية أو يؤدي إلى أعمال شغب أو عنف يتضرر منها الأبرياء.

إن السبب الأول الذي جعلنا في "منتدى 24 ـ 29" ندعم المرشح الفائز محمد ولد الشيخ الغزواني هو قناعتنا الراسخة أنه هو المرشح الوحيد القادر على توفير الأمن لبلادنا في هذه الظرفية العصيبة من تاريخ منطقتنا، والتي تكثر فيها الانقلابات، وتتنامى فيها الحركات المسلحة، ويتسع فيها صراع ونفوذ القوى العظمى.

ونحن في المنتدى على قناعة تامة بأن الأمن في بلادنا لا يمكن أن نحافظ عليه في السنوات القادمة إلا إذا طبقنا برنامج "طموحي للوطن" بصرامة وفاعلية، خصوصا في مرتكزاته الإصلاحية التي تحدثنا عنها في بياننا التأسيسي:

1 ـ محاربة الفساد بشكل جدي وصارم، فتفشي الفساد أصبح يهدد اليوم تماسك بلدنا واستقراره، وإذا لم نحارب الفساد بجدية فإن أمن بلادنا سيبقى دائما في خطر؛

2 ـ التمكين للشباب.. لن ننعم في هذه البلاد بالأمن في السنوات القادمة، إذا لم نطلق برامج طموحة لإنقاذ شبابنا من تفشي الجريمة، وتعاطي المخدرات، والتسرب المدرسي، وانتشار البطالة، وتنامي روح اليأس والإحباط.

3 ـ إصلاح الإدارة والاعتماد على أصحاب الكفاءة والاستقامة في تنفيذ برنامج "طموحي للوطن"، فالإصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا بالمصلحين، أي بتعيين أصحاب الكفاءة المشهود لهم بالاستقامة ونظافة اليد من المال العام.

إن تحصين بلادنا أمنيا خلال المأمورية القادمة، يحتاج لجيش وطني قوي وإلى قوات أمن يقظة، ويحتاج كذلك، وبدرجة ليست أقل، إلى الاهتمام بالشباب، ومحاربة الفساد، وإصلاح الإدارة، وقد احتلت هذه الملفات الثلاثة الصدارة في التزامات المرشح الفائز، وفي خطاباته في الحملة، ولذا فعلى كل داعمي الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الصادقين والمخلصين في دعمهم، أن يساعدوه في الوفاء بما التزم به للشعب الموريتاني الذي صوت له بنسبة 56.12%، ومكنه ـ بالتالي ـ من الفوز في الشوط الأول من انتخابات 29 يونيو 2024.   

#منتدى24_29 

 حفظ الله موريتانيا..

الثلاثاء، 2 يوليو 2024

أخطاء لجنة الانتخابات تتحملها المعارضة أولا


لا يهدف هذا العنوان الذي قد يبدو مثيرا للبعض لاستقطاب القراء، وإنما يهدف إلى تفنيد مغالطة ترسخت لدى الكثير من المهتمين بالشأن العام، مفادها أن المعارضة هي الضحية دائما لأخطاء لجنة الانتخابات وتقصيرها، وأنها ـ أي المعارضة ـ  لا تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية في كل ما قد يشوب عمل لجنة الانتخابات من أخطاء وتقصير.

لنعد قليلا إلى الوراء..

(1)

في وقت لم تكن فيه البلاد تمر بأي أزمة سياسية، وتحديدا في يوم 14 مايو 2020، أصدرت الأحزاب الممثلة في البرلمان بياناَ مشتركا جاء في فقرته الختامية  "تأمل أحزاب الموالاة والمعارضة الممثلة في البرلمان أن تُفضي خطوات التنسيق الحالي إلى الدخول في مرحلة جديدة، تُمهد لنقاش القضايا الجوهرية للبلاد، ووضع تصور لمعالجتها، وفق جدول زمني متفق عليه."

بطبيعة الحال، وكما هو معلوم، فإن هذا البيان صدر بتوجيه من فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والذي أظهر ومنذ وصوله إلى الحكم حرصا كبيرا على فتح صفحة جديدة مع المعارضة، قائمة على الحوار والتشاور.

بعد صدور هذا البيان قرر حزب تواصل أن ينسحب من منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان، وقد انتقد بشدة ما أسماه بعملية التسلل إلى التشاور من خلال تنسيقية أحزاب تشكلت في الأصل للتصدي لجائحة كورونا. 

تقدمت تنسيقية الأحزاب الممثلة في البرلمان ب "خارطة طريق من أجل تشاور شامل بين القوى السياسية"، والمهم، وهذا هو ما يعنينا في هذا المقام، أن الخارطة تضمنت بندا في أعلاها تحت عنوان :  "إصلاح المنظومة الانتخابية"

ويعني ذلك أنه كانت هناك إرادة سياسية قوية لدى رئيس الجمهورية لإصلاح المنظومة الانتخابية من قبل الدخول في أي استحقاقات انتخابية.

 (2)

بعد الكثير من التعثر المفتعل، وحرصا من رئيس الجمهورية على إطلاق تشاور مع المعارضة، فقد استقبل الرئيس منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان في يوم 17 أغسطس 2021،  وفي يوم الأربعاء 6 إبريل 2022 كلف الوزير الأمين العام للرئاسة بالإشراف على عمل اللجنة التحضيرية للتشاور، وفي يوم  16 إبريل 2022 انطلقت أشغال اللجنة التحضيرية للتشاور الوطني، وفي يوم 16 مايو 2022 انسحب قطب التناوب الديمقراطي الذي يتشكل من حزب الصواب ومشروع حزب "الرك"، والذي يتمثل في حقيقته في المزاج المتقلب للنائب بيرام الداه اعبيد، من جلسات التشاور، ليتم لاحقا تعليق ذلك التشاور.

(3)

بعد فشل ذلك التشاور والذي كان سيناقش فيه الجميع ملف "إصلاح المنظومة الانتخابية"، ونظرا لاقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية والبلدية والجهوية، وحرصا من رئيس الجمهورية على تنظيم انتخابات في جو توافقي أطلقت وزارة الداخلية تشاورا مع الأحزاب السياسية المعترف بها في يوم 12 يوليو 2022،، وتم الاحتفال بتوقيع نتائجه مساء الاثنين 26 سبتمبر 2022، وقد وقعته كل الأحزاب المعترف بها في موريتانيا باستثناء حزب واحد. هذا الاتفاق تضمن العديد من النقاط المهمة، كان من بينها ـ وهذا هو ما يهمنا هنا ـ  الاتفاق على تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات ، وقد تم تشكيل هذه اللجنة بالتناصف بين الأغلبية والمعارضة.

(4)

أشرفت لجنة الانتخابات بتشكيلتها الجديدة على انتخابات 13 مايو 2023، وهي الانتخابات التي شهدت الكثير من الأخطاء وأوجه التقصير، وقد أصدرت أغلب الأحزاب في المعارضة والأغلبية بيانات تندد بالتزوير الواسع الذي عرفته تلك الانتخابات.

ولذا فقد كان من الضروري جدا أن تنظم الأحزاب السياسية (معارضة وموالاة) حوارا جديدا يتضمن من بين أمور أخرى ملف الانتخابات، وذلك لتجنب تكرار الخروقات العديدة التي شابت انتخابات مايو 2023.

وهنا أيضا، وحرصا من رئيس الجمهورية إلى إطلاق حوار جديد مع المعارضة جاء "الميثاق الجمهوري" بمبادرة من حزبين معارضين، وقد تضمنت خارطة طريق هذا الميثاق العديد من البنود المهمة، كان على رأسها بندٌ جاء فيه بالحرف الواحد : " القيام، على وجه الاستعجال، بدراسة معمقة لمنظومتنا الانتخابية، وإذا اقتضى الحال الشروع في الإصلاحات المناسبة بما يعزز نظامنا الديمقراطي، بغية تجاوز الوضع المترتب عن الانتخابات الأخيرة، وتفعيل المقتضيات القانونية في مجال الانتخابات، وضمان تفادي أي خلاف انتخابي في المستقبل".

كان من الواضح أن هناك إرادة حقيقة للاستفادة من تجربة انتخابات مايو 2023، وتصحيح الاختلالات التي عرفتها، وذلك من أجل تنظيم انتخابات رئاسية في ظروف أفضل. 

لم تتحمس أحزاب الأغلبية لهذا الميثاق، ولكن حرص رئيس الجمهورية على تنظيم حوار مع المعارضة ألزمها بالموافقة عليه، وقد تم توقيع هذا الميثاق من طرف الحكومة ممثلة في وزير الداخلية، وثلاثة أحزاب : الإنصاف ـ التكتل ـ اتحاد قوى التقدم.

رفضت أحزاب المعارضة الحوار الذي دعا إليه الميثاق الجمهوري، وكان من نتائج ذلك أنه تم تنظيم الانتخابات الرئاسية تحت إشراف نفس اللجنة التي لم توفق سابقا في تنظيم انتخابات تشريعية وبلدية تحظى بالحد الأدنى من المصداقية.

الآن، يمكننا أن نخرج بالاستنتاجات التالية:

أولا / أن المعارضة وخاصة منها تواصل والنائب بيرام هي من كان يقف خلال المأمورية الماضية ضد الحوار، والذي يفترض فيه أن يتضمن من بين أمور أخرى إصلاح المنظومة الانتخابية؛

ثانيا/ أن الذي وقف ضد إعادة تشكيل لجنة الانتخابات الحالية، وتصحيح الاختلالات التي عرفتها انتخابات 13 مايو 2023 ، هو المعارضة التي رفضت المشاركة في حوار شامل على أساس وثيقة الميثاق الجمهوري، هذا إذا ما استثنينا حزبي التكتل واتحاد قوى التقدم اللذين يعتبران هما المبادران بالميثاق الجمهوري؛

ثالثا / أن أخطاء لجنة الانتخابات الحالية يجب أن تتقاسمها المعارضة والأغلبية مناصفة، وذلك لكونهما قد تقاسما تشكيلها مناصفة. طبعا يستثنى من ذلك الأخطاء المترتبة على حجب التمويل، أو ممارسة النفوذ والضغط على اللجنة، فتلك أخطاء تتحملها الحكومة لوحدها، ولكن مثل هذه الأخطاء لا يذكر في سرديات المعارضة حاليا؛

رابعا/ صحيح أن الخروقات كانت كبيرة في انتخابات مايو 2023، ولكن الصحيح أيضا أن لجنة الانتخابات صححت الكثير من أخطائها في الاستحقاقات الحالية، ولعل أبرز تلك التصحيحات هو نشرها لكل المحاضر على منصتها، ومن المعروف أن المعارضة كانت تحتج سابقا بسب غياب المحاضر، ولكنها هذه المرة لا تستطيع أن تحتج بسبب غياب المحاضر، وذلك بعد أن أصبحت متاحة للجميع بعد نشرها للعموم؛

خامسا/ رغم كل ما سبق، فما تزال المعارضة ترفض الاعتراف بنتائج الانتخابات وتهنئة الرئيس المنتخب، وما زال الرئيس المنتخب يصر على تنظيم حوار جديد مع المعارضة، وقد أكد ذلك في برنامجه الانتخابي، وفي خطابته في الحملة، وأخيرا في التهنئة التي بعث بها إلى الشعب الموريتاني بمناسبة فوزه؛

سادسا/ ربما تنقضي المأمورية القادمة والمعارضة ترفض للحوار، وربما تأتي انتخابات 2029 دون أن تحضر لها المعارضة، وهو ما سيرجح خسارتها من جديد في تلك الانتخابات، وهو ما يعني أنها ستعيد نفس ردود الفعل غير الديمقراطية، والتي عودتنا عليها مع كل استحقاقات، وهي ردود تبدأ بعدم الاعتراف بالنتائج، وربما تصل إلى احتجاجات، وذلك من قبل دخولها في سبات عميق لا تستيقظ منه إلا قبيل انتخابات جديدة لتشارك فيها دون تحضير، وهو ما يعني أنها ستجد نفسها أمام محطة فشل جديدة لا تجد ما تبررها به إلا القول بتزوير الانتخابات ورفض الاعتراف بنتائجها.

ويبقى السؤال : متى ستعترف المعارضة بنتائج الانتخابات الرئاسية؟

جواب : عندما تكون هي الفائز.

ومتى ستفوز؟

عندما تعترف بفشلها وتجري نقدا ذاتيا، تحضيرا للانتخابات القادمة.


حفظ الله موريتانيا..


الاثنين، 1 يوليو 2024

قراءة أولية في نتائج رئاسيات 2024


تحتاج النتائج المعلنة لانتخابات 2024 الرئاسية إلى قراءة معمقة، تستخلص منها الدروس والعبر التي قد تفيدنا مستقبلا في تطوير ديمقراطيتنا، والتحسين من أداء كل الأطراف الفاعلة فيها، ولكننا قبل ذلك قد نكون بحاجة إلى قراءة أولية للنتائج، نسجل من خلالها بعض الملاحظات الأولية، والتي قد نعود إليها مستقبلا بتحليل أعمق
.

المرشح الفائز: خطاب قوي وحملة مرتبكة

فاز المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني، وكما كان متوقعا، في الشوط الأول من الانتخابات، وبنسبة 56.12%، وجاء هذا الفوز نتيجة لما تحقق في المأمورية المنتهية من إنجازات، وخاصة في مجال التدخل لصالح الفئات الهشة، كما جاء أيضا نتيجة لخطاب قوي جدا أكد فيه المرشح، وفي كل محطات الحملة، أن المأمورية القادمة، ستكون مأمورية للتمكين للشباب ومحاربة الفساد، ولستُ هنا بحاجة إلى القول بأن هذين الشعارين كان لهما الوقع الكبير في قلوب وعقول الناخبين، فمحاربة الفساد كانت وستبقى هي المطلب الأكثر إلحاحا لدى الشعب الموريتاني، والتمكين للشباب كان وسيبقى أهم مطلب في بلد شاب، يعاني فيه الشباب من تحديات كثيرة من أبرزها البطالة، والتسرب المدرسي، وتفشي الجريمة، وتعاطي المخدرات، وفقدان الأمل، وتنامي روح الإحباط واليأس.

 لقد وُفق المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني في اختيار شعارين يمكن القول بأنهما الشعاران الأقوى والأكثر قدرة على استقطاب الناخبين، ووُفِق كذلك في خطاباته التي أكد فيها جميعا أنه سيحارب الفساد بصرامة، وأنه سيمكن للشباب في مأموريته القادمة، ويمكننا أن نقول في هذا المجال ـ وبكل اطمئنان ـ  أنه إذا كان هناك من أو ما يدين له المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني في فوزه، فسيكون شعار محاربة الفساد والتمكين للشباب، ولذا فإن ما ينتظر من المرشح بعد تنصيبه هو رد الجميل لهذين الشعارين، وذلك من خلال العمل على محاربة الفساد والتمكين للشباب، واختيار من سيعينه على ذلك من أغلبيته الداعمة، والتي لا يدين لها بفوزه هذا، فقد كان أداء حملتنا في المجمل باهتا، وفي اعتقادي أن الفارق الكبير في نسبتي المشاركة في رئاسيات 2019 و2024، والذي وصل إلى 7% لهو أكبر دليل على ضعف أداء حملتنا، فهذه النسبة التي تراجعت عن التصويت ليست محسوبة على مرشحي المعارضة، فكل من كان يفترض فيه أن يصوت للمعارضة فقد صوت لها، وإنما هي محسوبة على مرشحنا، وربما لم تصوت لاعتقادها أنه لا يحتاج تصويتها للفوز، أو ربما لأن الحملة لم تصل إليها ولم تدعوها للتصويت، وهذا هو الاحتمال الأقوى، ومما يعززه أن هناك قرى ريفية تأكد أنه لم يأتيها من يُطالبها بالتصويت للمرشح محمد ولد الشيخ الغزواني.

وفي اعتقادي أنه لو اشتغلت حملة المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني بنفس الكفاءة والجدية التي اشتغلت بها حملة المرشح حمادي ولد سيدي المختار لحصل المرشح محمد الشيخ الغزواني على أكثر من 65% في الشوط الأول.

هناك أمثلة واضحة يمكن أن نقدمها على ضعف أداء حملتنا في هذه الانتخابات، ولكننا لن نتحدث عنها الآن، وذلك لأن المقام لا يتسع لها، هذا فضلا عن كونه غير مناسب لذكرها.

خلاصة القول في هذه الفقرة هي أن المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني نجح بفضل ما قدم في مأموريته المنتهية، وكذلك بفضل شعاراته القوية التي رفعها في حملته الانتخابية، ولا منة لطواقم الحملة عليه في هذا الفوز، ويعني هذا أن المرشح غزواني سيكون في مأموريته القادمة حرا من أي التزام لأي جهة كانت، وسيبقى التزامه الوحيد هو برنامجه الانتخابي "طموحي للوطن" الذي قدمه للناخب، وشعاراته القوية التي رفعها في الحملة، واستقطبت له الكثير من المصوتين، ولذا فلنا أن نتوقع خلال المأمورية القادمة حربا صارمة على الفساد، وتمكينا بَيِّناً للشباب.

المرشح بيرام : المعارض الأكثر شعبية

للمرة الثالثة يتمكن المرشح بيرام الداه اعبيد من حسم الرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية، وقد حسمها هذه المرة بنسبة أعلى (22.10%). ففي انتخابات 2014 تمكن المرشح بيرام من احتلال المرتبة الثانية وبنسبة 8.67% ، وقد قيل حينها وهو قول له ما يبرره بأن بيرام تمكن من الحصول على تلك الرتبة نتيجة لمقاطعة المعارضة.

وفي رئاسيات 2019 تمكن أيضا من احتلال المرتبة الثانية، وبنسبة أعلى وصلت إلى 18.58 %، وقد قيل حينها وهو قول له ما يبرره كذلك بأن بيرام حصل على تلك الرتبة لأنه كان هو الوحيد الذي ترشح من شريحته في تلك الانتخابات.

في رئاسيات 2024، وفي ظل مشاركة المعارضة، وفي ظل وجود مرشح آخر من الشريحة تمكن المرشح بيرام من احتلال المرتبة الثانية وللمرة الثالثة، وبنسبة أعلى من السابق (22.10%) ، وبذلك يؤكد بيرام ـ سواء اختلفنا معه أو اتفقنا ـ أنه بات اليوم يمثل المعارض الأكثر شعبية في موريتانيا.

ولكن، المرشح بيرام بدلا من أن يستغل هذه النتائج الجيدة، ويعمل على طمأنة جميع المكونات سعيا للوصول إلى الرئاسة مستقبلا، اختار بدلا من ذلك أن يرفض النتائج، وأن يدعو إلى العنف، وهو إن لم يتراجع وبشكل سريع عن تلك الدعوة  فسيخسر كثيرا. 

سيخسر كثيرا لأن الشعب الموريتاني شعبٌ مسالم، لن يقبل بدعوات العنف، والغرب لم يعد كما كان، وذلك ما على المرشح بيرام أن يدركه، فإذا كانت دعوات العنف كانت تجد احتضانا في الماضي في الغرب، فالأمر أصبح اليوم مختلفا، والغرب يُدرك اليوم أن أمن موريتانيا واستقرارها، وهي التي توجد في منطقة غير آمنة، يصب في مصلحته.

تواصل : الحزب المعارض الأقوى 

دفع حزب تواصل برئيسه حمادي سيدي المختار مرشحا لرئاسيات 2024، وذلك في ظل ثلاثة تحديات كبيرة كان يمر بها الحزب:

أولها، أن الحزب كان قد شهد أكبر هجرة في تاريخه، وكان أغلب المهاجرين من قياداته في الصف الأول؛

ثانيها، أن الحزب يعاني اليوم من ضائقة مالية، وذلك بعد أن غادره رجال أعماله، وبعد أن انحسرت موارده المالية؛

ثالثها، أن الحزب لم يحسم قرار ترشح رئيسه إلا في وقت متأخر جدا، إن لم أقل في الوقت بدل الضائع.

ورغم كل هذه التحديات الكبيرة، فقد تمكن مرشح الحزب من أن يحقق نتيجة معتبرة، وأن يحصد المركز الثالث بجدارة، وبنسبة 12.76%، وذلك على الرغم من أنه لم يجد ـ عكس مرشحي المعارضة الآخرين ـ أي دعم من خارج حزبه من أي مكون معارض.

هذه النتيجة المعتبرة حققها الحزب بإمكاناته الخاصة، وبقواعده الحزبية، ودون أي دعم من أي جهة سياسية خارج الحزب، وإذا كان الحزب قد حصل على أصوات من خارجه، فسيكون ذلك نتيجة للوعد الذي أطلقه رئيسه خلال الحملة بتطبيق الشريعة الإسلامية في حال فوزه.

لقد أثبتت هذه الانتخابات أن حزب تواصل هو الحزب المعارض الأقوى، بل هو الحزب الأكثر تماسكا ومؤسسية في موريتانيا، فهو يعمل بشكل مؤسسي، ولذا فقد تبدلت رئاسته لأكثر من مرة، وهجره بعض قادته، وانحسرت موارده، ومع ذلك بقيت  قواعده الشعبية متماسكة، وربما أكثر تماسكا مما كانت عليه من قبل. كما أن بنيته الهيكلية لم تتأثر سلبا بما حدث، وقد أظهرت في الانتخابات الأخيرة أنها ما تزال قادرة على أن تغطي كل مكاتب التصويت بممثلين يمتلكون ما يكفي من مؤهلات، وأنها قادرة كذلك على الدفع بالعديد من الشباب المتحمس إلى الميدان ليخوضوا واحدة من أفضل الحملات التحسيسية الميدانية التي شاهدناها في هذه الانتخابات.

خلاصة القول في هذه الفقرة هي أنه إذا كان مرشح حزب تواصل لم يتمكن من الحصول على الرتبة الثانية التي كان يطمح لها، وله الحق ـ كل الحق ـ في أن يطمح لها، إلا أنه في المقابل تمكن من خلال هذه الانتخابات أن يؤكد أن حزبه خرج من كل الهزات التي عرفها مؤخرا، وهو أقوى مما كان، وأن قواعده الشعبية ما تزال في غاية التماسك، وأنها جاهزة لأن تعبر عن تماسكها وصلابتها كلما دعيت لذلك.   

المرشح العيد والخسارة اللغز

لم يكن مفاجئا أن يحتل المرشح العيد محمدن امبارك الرتبة الرابعة في رئاسيات 2024، ولكن المفاجئ حقا، بل والصادم، أن يحتل هذه الرتبة بنسبة متدنية جدا لم تتجاوز 3.57%.

كانت التوقعات المتفائلة تقول بأن المرشح العيد سيحصل على الرتبة الثالثة، وكانت التوقعات المتشائمة تقول بأنه سيحصل على الرتبة الرابعة، ولكن بفارق بسيط جدا مع صاحب الرتبة الثالثة. أما أن يكون الفارق مع صاحبة الرتبة الثالثة يقترب من 10% فهذا أقل ما يمكن أن يقال عنه هو أنه صادم جدا.

هناك أسباب وجيهة قد نفسر بها تأخر العيد إلى الرتبة الرابعة، منها أن تحالف جود انقسم إلى فسطاطين في وقت مبكر من بعد تأسيسه، فسطاط دعم العيد وفسطاط دعم سوماري، ومنها رواج شائعة تقول بأن العيد دُفِع به إلى الترشح للتأثير على مرشح آخر، وأنه يتلقى الدعم من أحد رجال الأعمال الداعمين للسلطة.

وبغض النظر عن مدى صحة تلك الشائعات، فالمؤكد أن حملة العيد عانت من عجز مالي كبير، وحتى لو افترضنا جدلا صحة تلك الشائعات، فإنها لا تكفي وحدها لتفسير لغز خسارة العيد، وحصوله على نسبة 3.57% فقط، من أصوات الشعب الموريتاني.

نظريا، يمكن القول بأن المرشح العيد هو المرشح المثالي للمعارضة، فهو عمريا ينتمي إلى فئة الشباب، ومن حيث التخصص فهو قانوني، وقد انتخب في البرلمان لمرتين، وهو رئيس سابق لميثاق لحراطين، ومناضل منذ صغره، وخريج من مدرسة أعرق حزب معارض، وصاحب خطاب وطني يحاول أن يكون خطابا جامعا، فلماذا لم يصوت له جمهور المعارضة، ما دام يجمع كل هذه الصفات التي يفترض أنها هي الصفات المطلوبة في المرشح الرئاسي لدى الناخب المعارض؟

ما حدث مع المرشح العيد في رئاسيات 2024، هو بالضبط ما حدث مع مرشح المعارضة "المثالي" في رئاسيات 2019. في تلك الرئاسيات كان المرشح محمد ولد مولود يمثل من الناحية النظرية المرشح الأمثل للمعارضة في تلك الانتخابات، وذلك بعد أن أفنى الرجل عمره وهو يناضل في صفوف المعارضة، وكان يُصوت لمرشحيها دائما في الانتخابات الرئاسية، وكان يتخذ مواقفه وفقا للمزاج المعارض، ومع ذلك فلم يمنحه جمهور المعارضة في رئاسيات 2019 أكثر من 2.44% من الأصوات المعبر عنها.

لم أجد تفسيرا للغز خسارة العيد وحصوله على نسبة متدنية جدا في رئاسيات 2024، كما أني لم أجد من قبل ذلك تفسيرا للغز خسارة محمد مولود وحصوله على رتبة متدنية في رئاسيات 2019، وعلى المعارضة أن تدرس هذه الظاهرة الغريبة من نوعها، وأن تبحث لها عن تفسير، فبأي منطق يتكرر حصول "مرشح المعارضة المثالي" على أسوأ النتائج في الانتخابات الرئاسية؟

 نصيحة من معارض سابق إلى مرشحي المعارضة

تعودتُ بعد كل انتخابات رئاسية على أن أوجه النصح لمرشحي المعارضة، وفي الماضي كنتُ أوجه ذلك النصح من موقع المعارض، واليوم سأوجهه من موقع الداعم لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وذلك لقناعتي بحرص فخامته على أن تبقى المعارضة قائمة وقادرة على أن تلعب دورها المطلوب منها في أي نظام ديمقراطي.

تعود مرشحو المعارضة أو بعضهم أن يرفضوا النتائج في كل انتخابات يشاركون فيها، وقد يُطالب بعضهم بالنزول إلى الشارع رفضا للتزوير الذي تقوم به لجنة الانتخابات، ولم يحدث في كل تاريخ الانتخابات الرئاسية في موريتانيا أن قررت المعارضة أن تقيم أداءها ولو لمرة واحدة، وذلك من خلال نقد ذاتي تحدد فيه أسباب فشلها المتكرر.

لستُ هنا للدفاع عن لجنة الانتخابات، فأنا أعتبر نفسي ضحية من ضحاياها الكثر، ولكن ما أريد أن أقوله هنا هو أنه على المعارضة ـ إذا ما أرادت أن تحسن من أدائها مستقبلا ـ  أن تتحمل نصيبا من أخطائها، وأن تتحمل كذلك نصيبا من أخطاء لجنة الانتخابات، وذلك لكونها شريكة ـ وبالتناصف ـ في اختيار حكماء تلك اللجنة.

لقد أثبتت الطريقة الحالية في اختيار حكماء اللجنة فشلها أكثر من مرة، فالمعارضة تختار دائما نصف حكماء اللجنة، ومع ذلك فهي تسارع دائما عند الإعلان عن نتائج  الانتخابات إلى اتهام اللجنة بممارسة التزوير، وتحميل السلطة المسؤولية الكاملة عن ذلك التزوير.

قد يكون من المهم مستقبلا تغيير أسلوب اختيار الحكماء، وأن يتم اختيارهم من المجتمع المدني ومن الشخصيات المستقلة التي تحظى بتزكية من الأغلبية والمعارضة.

وعموما، فعلى المعارضة الموريتانية أن تغير من طبيعة ردود فعلها على فشلها المتكرر في الانتخابات الرئاسية، وعليها بدلا من أن تحمل المسؤولية في فشلها للجنة الانتخابات وللسلطة الحاكمة، أن تجري نقدا ذاتيا لأدائها لاستخلاص الدروس والعبر التي قد تفيدها مستقبلا في منافسة مرشحي النظام.

لقد اشتغلتُ كثيرا في العام 2017 على التحضير لملف رئاسيات 2019، ونشرتُ في تلك الفترة سلسلة من المقالات الموجهة لقادة المعارضة تحت عنوان : "حتى لا نضيع فرصة 2019"، وكان من أهم ما خَرجتْ به تلك السلسلة من المقالات أن المعارضة لن تشكل منافسا جديا لمرشح النظام، إلا إذا أخذت بجملة من الإجراءات التحضيرية، لعل من أبرزها :

1 ـ أن تبدأ مبكرا في التحضير الفعلي للانتخابات الرئاسية، فإذا كانت المعارضة تطمح فعلا للفوز في رئاسيات 2029، فعليها أن تبدأ من الآن في التحضير لتلك الانتخابات؛

2 ـ أن تشكل في أول سنة من المأمورية القادمة لجنة عليا لصياغة البرنامج الانتخابي التوافقي لمرشح المعارضة في رئاسيات 2029، وقد يُكتفى بمبادئ عامة أو عناوين كبرى لهذا البرنامج الانتخابي؛

3 ـ أن يوكل لتلك اللجنة مهمة تحديد الصفات أو المواصفات التي يجب أن تتوفر في المرشح التوافقي للمعارضة؛

4 ـ بعد تحديد الصفات أو المواصفات المطلوبة في الترشح يمكن لتلك اللجنة أن تبدأ في استقبال ملفات المعارضين الراغبين في الترشح، وذلك لتختار من بينهم من تتوفر فيه أغلب صفات المرشح التوافقي المحددة سلفا ليكون هو المرشح التوافقي للمعارضة، أو على الأقل مرشحها الرئيسي الذي تلتف حوله أغلب الأحزاب والتشكيلات السياسية المعارضة؛

5 ـ  أن تعمل على طول المأمورية القادمة وفق استراتيجية واضحة تسعى إلى تعزيز استقلالية المؤسسات ذات الصلة بالعملية الانتخابية (المجلس الدستوري، لجنة الانتخابات ...إلخ).

هذا هو ما يجب أن تشتغل عليه المعارضة مستقبلا، بدلا من الانشغال برفض نتائج الانتخابات الحالية، والدخول من بعد ذلك في سبات عميق لا تستيقظ منه إلا قبيل رئاسيات 2029، فتعلن عن ترشيحات فوضوية، تؤدي بها إلى خسارة جديدة في مسار خسائرها المتكررة، ولتبدأ من بعد ذلك في ردود أفعالها التقليدية، أي رفض نتائج الانتخابات، وتحميل الخسارة للجنة الانتخابات والسلطة والحاكمة، وذلك من قبل الدخول في نوم عميق لا تستيقظ منه قبل العام 2034 لتكرر من جديد مسارها العبثي القديم الجديد.   

حفظ الله موريتانيا..


قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (12)

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (11)

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (10)

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (9)

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (8)

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (7)

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (6)

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (5)

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (4))

الأربعاء، 19 يونيو 2024

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (3)


" أعتزم بحول الله، وعلى غرار مندوبية تآزر، إنشاء مندوبية أخرى لترقية الشباب. يوكل إليها ملف الشباب في جميع أبعاده، وستمنح لها كل الصلاحيات والموارد الضرورية لذلك."

المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني في خطاب افتتاح الحملة (نواكشوط 14 يونيو 2024).

في يوم 24 إبريل 2024 وجه فخامة رئيس الجمهورية رسالة إلى الشعب الموريتاني، أعلن من خلالها عن ترشحه لمأمورية ثانية، وقد جاء في هذه الرسالة  أن المأمورية المقبلة، ستكون بإذن الله، مأمورية بالشباب ومن أجل الشباب.

قد يَرى البعضُ أن هذا مجرد شعار انتخابي، في حملة انتخابية عابرة، لكسب أصوات الشباب، ولكننا في "منتدى 24ـ 29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية" نعتقد أننا على أبواب مأمورية جديدة ستشهد عملا كبيرا بالشباب ولصالح الشباب.

هناك أكثر من إشارة تقول بأنه قد أظلتنا مأمورية للشباب، ستأتي من بعد مأمورية الفئات الهشة، وما كان للرئيس أن يبدأ حكمه بغير الفئات الهشة، وما كان له أن يُثنيه بغير الشباب، ولا يعني هذا الكلام أن مأمورية الفئات الهشة قد أهمل فيها الشباب أو أن مأمورية الشباب القادمة ستهمل فيها الفئات الهشة. 

كل ما في الأمر هو أن لكل مأمورية عنوانها الكبير العريض، فكانت الفئات الهشة هي العنوان الأبرز للمأمورية المنتهية، وسيكون الشباب بإذن الله هم العنوان الأبرز للمأمورية القادمة.

لقد أكد المرشح في كلمته في افتتاح حملة الشباب ( وأصبح للشباب حملتهم الخاصة الداعمة للرئيس، كما أصبحت لهم من قبل ذلك لائحة خاصة في البرلمان، وتلك إشارات سياسية لها دلالتها)، أقول أكد المرشح في كلمته في افتتاح حملة الشباب بأن قراره بجعل مأموريته الثانية مأمورية بالشباب ومن أجل الشباب لم يأت من فراغ، وأنه ليس مجرد شعار انتخابي، وإنما هو وليد قناعة كانت موجودة عنده، وهي قناعة ترسخت من خلال ممارسته لشؤون الحكم في المأمورية المنتهية، فالممارسة تعطي دروسا، وهذه الدروس استخلص منها الرئيس ـ وكما جاء في كلمته ـ أن تقدم بلدنا سيبقى مرهونا بقدرته على الاستفادة من طاقاته الشبابية.

نعم، إن تقدم بلدنا سيبقى مرهونا بالاستفادة من طاقات شبابه، ومن قرأ رسالة إعلان ترشح الرئيس، أو برنامجه الانتخابي (طموحي للوطن)، أو استمع إلى خطاباته في افتتاح الحملة الوطنية أو حملة الشباب، سيدرك أن الرئيس قد عقد العزم لأن تكون مأموريته الثانية مأمورية بالشباب، ومن أجل الشباب. 

غزواني الخيار الآمن لمستقبل واعد. 

#منتدى24_29

حفظ الله موريتانيا..


السبت، 15 يونيو 2024

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (2)


" نعتبر أن التجربة والخبرة التي اكتسبناها تجعلنا الأكثر تأهيلا لقيادة البلد في السنوات المقبلة بحول الله."

المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني في خطاب افتتاح الحملة (نواكشوط 14 يونيو 2024).

هناك مغالطة كبيرة يرددها الناشطون في الحملات المنافسة، تقول : مرشحنا لم يُجرب من قبل، ولذا فإننا ندعوكم إلى أن تصوتوا له وتجربوه!!

فيا إخوتنا الكرام في الحملات المنافسة إن مشكلتنا الأولى مع مرشحيكم، والذين نحترمهم كثيرا كما يحترمهم مرشحنا، هي أنهم بلا تجربة وبلا خبرة تؤهلهم لتسيير شؤون البلد في مرحلة دقيقة من تاريخه.

فعليكم أن تعلموا ـ يا إخوتنا الكرام ـ أن الدول لا يمكن أن يُخاطر بمستقبلها، ولا يمكن أن تسلم إدارتها لمرشح بلا تجربة وبلا خبرة في إدارة الحكم، ولا توجد في سيرته المهنية أنه تولى ـ على الأقل ـ تسيير مصلحة من الدرجة الثانية في إدارة عمومية من الدرجة الثالثة.

فبأي منطق تريدوننا أن نسلم حكم البلاد ـ ولسنوات خمس قادمة ـ لمرشح بلا تجربة وبلا خبرة، خاصة وأننا نعيش في منطقة من العالم تمر بتعقيدات أمنية مقلقة؟

فهل فاتكم يا من تنادون بالتصويت لمن لا تجربة له ولا خبرة له أننا نعيش في منطقة من العالم غير آمنة، تمدد فيها الإرهاب، واتسع فيها نفوذ الحركات المسلحة، وأصبحت ( فاغنر) تصول وتجول قرب حدودنا الشرقية؟

لا تتوقف التعقيدات الأمنية التي تمر بها منطقتنا عند هذا الحد، بل إن هناك ما يقلق أكثر، ونقصد بذلك موجة الانقلابات التي شهدتها العديد من دول المنطقة في السنوات الأربع الأخيرة ( انقلاب أغسطس 2020 في مالي، انقلاب إبريل 2021 في تشاد، انقلاب سبتمبر 2021 في غينيا، انقلاب يناير 2022 في بوركينافاسو، انقلاب يوليو 2023 في النيجر، وانقلاب أغسطس 2023 في الغابون).

إن وصول مرشح بلا تجربة ولا خبرة إلى السلطة في ظرفية أمنية بالغة التعقيد كهذه، سيعرض بلادنا لهزات أمنية عنيفة، وقد يؤدي بها إلى أن تصبح رقما جديدا في لائحة طويلة من دول المنطقة التي شهدت انقلابات عسكرية في السنوات الأخيرة. 

إن تجربة المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني في قيادة الجيوش وتجاربه في قطاعات أمنية أخرى هي التي حصنت بلادنا في المأمورية المنتهية من التهديدات الأمنية الخارجية، وحصنتها كذلك من موجة الانقلابات التي عرفتها دول المنطقة، ولو أنه فاز في رئاسيات 2019 مرشحٌ آخر بلا خبرة وبلا تجربة، لما سلمت بلادنا من موجة الانقلابات، ولَكُنا قد عشنا انتكاسة ديمقراطية، ولكانت مطالبنا تنحصر اليوم في استعادة المسار الديمقراطي.  

فيا إخوتنا الكرام إن الأمن والاستقرار بالنسبة للدول كالصحة بالنسبة للأفراد، فإذا كانت الصحة تاجاً على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، فإن الأمن تاجٌ على رؤوس الدول الآمنة والمستقرة لا تراه ولا تقدر قيمته إلا الدول التي تعيش الفتن والحروب، ولذا فقد لا يقدر الكثير منكم نعمة الأمن والاستقرار التي عاشتها البلاد خلال المأمورية الماضية.

لم يغتر مرشحنا غزواني بخبرته وتجربته الطويلة التي راكمها قبل الوصول إلى السلطة في العام 2019، بل ها هو يعترف وبكل تواضع في خطاب افتتاح حملته الانتخابية بأنه اكتسب تجربة وخبرة جديدة في المأمورية الماضية جعلته أكثر أهلية لقيادة البلاد من منافسيه الذين يفتخرون بأنهم بلا تجربة ولا خبرة، ومع ذلك يطلبون من الشعب الموريتاني أن يصوت لهم، وأن يسلمهم السلطة ليجعلوا من أمن البلد واستقراره مخبر تجارب يتدربون فيه على كيفية ممارسة الحكم.

من المؤكد أن الشعب الموريتاني لن يُفرط في أمن واستقرار بلده، وأمن البلد أعز وأغلى عند الناخب الموريتاني من أن يُخاطر به من خلال التصويت لمن لا خبرة له ولا تجربة له في إدارة الحكم، ليسلمه بذلك حكم البلاد في ظرفية أمنية بالغة التعقيد.

غزواني الخيار الآمن لمستقبل واعد. 

#منتدى24_29

قراءات سريعة في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية (1)


"لن يكون هناك مكان بيننا لمن يُصرُّ على مد يده للمال العام، كائنا من كان، ولن يراعى في ذلك أي اعتبار."

المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني في خطاب افتتاح الحملة (نواكشوط 14 يونيو 2024).

إنه التزامٌ صريح وقوي من المرشح بأنه "لا مفسد في المأمورية الثانية"، ويأتي هذا الالتزام بعد إشارات أخرى ليست أقل قوة ولا أقل صراحة، تؤكد أن المأمورية القادمة ستكون مأمورية حرب جدية على الفساد، ومن تلك الإشارات، ما جاء في رسالة إعلان الترشح التي وجهها المرشح إلى الشعب الموريتاني، فقد جاءت في هذه الرسالة عبارةٌ قوية (الضرب بيد من حديد) عند الحديث عن محاربة الفساد، وهي عبارة لا تنتمي إلى قاموس "القوة الهادئة" التي عُرف بها المرشح، فقد قال المرشح في تلك الرسالة: "سنضرب بيد من حديد ونواجه بكل قوة وصرامة كافة مسلكيات وممارسات الفساد والرشوة والتعدي على المال العام، ومن أجل ذلك سنتخذ مع بداية المأمورية المقبلة كل الإجراءات الضرورية لتعبئة الأجهزة الإدارية والرقابية والقضائية كافة من أجل تحقيق هذا الهدف."

وفي الرافعة الأولى من البرنامج الانتخابي للمرشح (طموحي للوطن) التزم المرشح بإنشاء منظومة متكاملة لمكافحة الفساد والرشوة، مع ذكر العديد من الإجراءات المهمة في مجال محاربة الفساد، والتي لا يتسع المقام لبسطها.

نعم كانت هناك ملاحظات في محاربة الفساد في المأمورية الأولى، وقد قال الرئيس في رسالة إعلان الترشح: " لا شك أن إكراهات الواقع وما قد يكون حصل، هنا أو هناك، من خطإ في التقدير، أو قصور في التخطيط والتنفيذ، قد أعاق أحيانا، وأبطأ أحيانا أخرى، تنفيذ بعض المشاريع والبرامج. لكني أؤكد لكم أنه ما من خطإ أو تقصير حصل في مرحلة ماضية إلا وقد استخلصنا منه الدروس والعبر المفيدة، وسيشكل لنا دافعا ومحفزا إضافيا للإسراع في تصحيح المسار".

إننا في "منتدى24 ـ29 لدعم ومتابعة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية" لنتطلع إلى إجراءات قوية ضد الفساد والمفسدين في المأمورية القادمة، ونحن على قناعة بأن فخامة الرئيس سيُنفذُ في المأمورية الثانية هذه الالتزامات القوية في مجال محاربة الفساد، والتي جاءت في رسالة إعلان ترشحه، وفي برنامجه الانتخابي، وكذلك في خطاب افتتاح الحملة.

غزواني الخيار الآمن لمستقبل واعد..

#منتدى24_29

الخميس، 30 مايو 2024

عن مرصد الوزير الأول لمراقبة الانتخابات


في العام 2019 أطلقنا في تنظيم من أجل موريتانيا مرصدا لمراقبة الانتخابات، وكان ذلك تفعيلا لإحدى توصيات مؤتمر التناوب السلمي على السلطة، وهو المؤتمر الذي كنا قد نظمناه في تلك الفترة وبحضور نوعي ومعتبر.

شرفني الزملاء في التنظيم باختياري لرئاسة هذا المرصد، والذي كان تمويله ذاتيا متحصلا من بعض تبرعات أعضاء التنظيم، وقد تمكن هذا المرصد وفي فترة وجيزة جدا من تحقيق النتائج التالية :

1 ـ تكوين ما يزيد على 120 مراقبا؛

2 ـ إطلاق ميثاق شرف انتخابي، وقعه جميع المترشحين في رئاسيات 2019 باستثناء المترشح بيرام، والذي قال بأنه لن يوقع الميثاق إلا إذا حُذفت منه النقطة الثانية، والتي يرى بأنها موجهة ضده، وهي النقطة التي تقول: " تجنب كل ما من شأنه إحياء النعرات القبلية أو الجهوية أو العرقية، والابتعاد عن كل ما يمس بالوحدة الوطنية".

3 ـ نيل ثقة الشركاء الأجانب، وقد زارتنا في مقر المرصد بعثة خبراء الاتحاد الأوروبي وبعثة مركز كندي، وحضر أحد مستشاري سفارة أمريكا في نواكشوط لحفل توقيع ميثاقنا الانتخابي.

في العام 2024، وبعد اللقاء التشاوري الذي نظمته وزارة الداخلية مع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، راسلتُ بعض الجهات المعنية، وعبرتُ لها عن استعدادي للمشاركة في أي مرصد يتم تأسيسه، وقدمتُ لتلك الجهات عرضا عن تجربتي الشخصية في مرصد تنظيم من أجل موريتانيا. 

توقعتُ أن ألقى ردا إيجابيا، وذلك لأسباب عديدة، لعل من أبرزها:

1 ـ أني أُحْسب على المجتمع المدني الذي يحاول أن يقدم عملا ميدانيا على أرض الواقع، ويفترض أن المجتمع المدني هو المعني الأول بالمرصد؛

2 ـ أن في سيرتي الذاتية المشاركة في تأسيس ورئاسة مرصد لمراقبة الانتخابات قدم عملا ملموسا في انتخابات 2019؛

3 ـ أني لا أحسب على المعارضة، على الأقل في هذا العهد، وإن كنتُ أعتقد أن الانتماء إلى المعارضة يجب أن لا يمنع من عضوية المرصد، بشرط أن يكون العضو المُعَين معارضا كان أو مواليا على استعداد لأن يجعل ولاءه للمرصد قبل ولائه السياسي.

لم أجد من يهتم بتلك المراسلات، ولم أجد من يستشيرني في الموضوع، ويبدو أن الوزارة الأولى لم تستشر كذلك المعارضة ولا أي من المترشحين للرئاسة من قبل الإعلان عن تشكيلة مرصدها، فجاءت نتيجة الإعلان عن المرصد سلبية في مجملها.

فبالإضافة على الحصول على التمويلات من بعض الشركاء، فمن المفترض أن الهدف من تأسيس مرصد لمراقبة الانتخابات هو تعزيز ثقة مرشحي المعارضة في الانتخابات الرئاسية القادمة، ولكن الذي حصل هو العكس تماما، فيكفي أن نتابع البيانات والتعليقات بعد الإعلان عن تشكيلة المرصد، لندرك أن ثقة المعارضة في الانتخابات قد تراجعت عن مستواها المنخفض أصلا بعد الإعلان عن تشكيلة المرصد، وقد كان من الأفضل أن لا يتم أصلا تأسيس مرصد للانتخابات، ما دام سيتم تأسيسه دون أي تشاور مع المعارضة أو مع هيئات المجتمع المدني التي تمتلك خبرة في هذا المجال.

للأسف، هكذا أضرت الوزارة الأولى بالرئيس ومن حيث أرادت أن تنفعه، فالرئيس وهو الذي يتوقع الجميع فوزه في الانتخابات القادمة، ليس بحاجة إلى مرصد مشوه لرقابة الانتخابات يزيد من شكوك منافسيه في شفافية الانتخابات، بل هو بحاجة إلى مرصد حقيقي يتمتع بالحد الأدنى من المصداقية، يستعيد بعض الثقة في المسار الانتخابي.

على كل حال لستُ نادما على أني لم أمنح العضوية في هذا المرصد، فقد كان هدفي الأول والأخير من عضوية المرصد هو استعادة بعض الثقة في العملية الانتخابية، فذلك هو ما كان سيفيد الرئيس، وذلك هو ما كان سيفيد الوطن، لستُ نادما على ذلك، فأنا الآن بإمكاني أن أشارك في الحملة الانتخابية دون أية قيود، وبالطريقة التي أراها مناسبة، والتي أعتقد أنها تخدم الوطن أولا، وتخدم الرئيس ثانيا، والذي أعتبر نفسي أحد داعميه الصادقين والمخلصين.

قد يغيب عن البعض أن هناك نوعا من الدعم قد يتعرض صاحبه لعداء شديد من جهتين متصارعتين في الظاهر، فهناك دعم قد يجعل صاحبه يصنف لدى بعض أغلبية الرئيس على أنه أخطر من المعارضة، وأنه يجب أن يُحارب أكثر منها، ولدي أمثلة دقيقة على ذلك، ولكن التوقيت لا يناسب لكشفها، ويُحارب في الوقت نفسه من طرف المعارضة، بل إنه في بعض الأحيان قد يتعرض لهجوم من المعارضة أشرس من هجومها على الداعمين التقليديين للنظام.

إن من يريد أن يكسب ثقة رئيس الجمهورية بدعم مختلف عن الدعم التقليدي سيجد عداءً شديدا من الأغلبية التقليدية، وإن من يريد أن يكتسب ثقة المواطن بأسلوب مختلف عن المعارضة سيجد عداءً شديدا من المعارضة، ولذا فعلى من يريد أن يكسب وفي وقت واحد ثقة رئيس الجمهورية وثقة المواطن، أن يكون على استعداد لتلقي النيران من جهتين متصارعتين في الظاهر، نيران من بعض الداعمين، ونيران من بعض المعارضين.

كل هذا العداء المزدوج لن يزيدنا إلا تمسكا بخط سياسي داعم، يجمع بين التثمين والنقد، ويضيف لهما ما تيسر من مقترحات، مع النزول إلى الميدان للمساهمة في تغيير الواقع كل ما كان ذلك ممكنا.

آه، نسيتُ أن أقول لكم بأني ومنذ مدة أهتم بمشاكل الشباب، وقد أطلقت برنامجا تدريبيا لاكتشاف وتنمية المواهب الشبابية، وقد استفاد منه حتى الآن العشرات من الشباب، ومع ذلك فلم أجد أي تعاون مع أي وزارة أو أي إدارة حكومية معنية بالشباب، وأعلم مسبقا أن أي تعاون مع المجتمع المدني في هذا المجال سيخصصه المسؤولون في القطاعات المعنية لبعض منظمات الحقائب التي يملكها أقارب أو مهرجين أو أي شخص آخر على استعداد للترويج إعلاميا أو سياسيا لأولئك المسؤولين.

يرفع الرئيس شعار "مأمورية بالشباب ومن أجل الشباب"، ومع ذلك لا تجد عملا ميدانيا لصالح الشباب يساهم به أيُّ من داعمي الرئيس تفعيلا لذلك الشعار المهم. 

شكرا للمركز الذي دعمنا في جمعية خطوة في هذا المشروع التدريبي الذي سيساعد في اكتشاف وتنمية المواهب الشبابية في بلادنا.

حفظ الله موريتانيا..




الأحد، 26 مايو 2024

هذا ما سُمِح بنشره وللحديث بقية..


تعودنا أن تأتي بعد كل كلمة لأبي عبيدة الناطق باسم كتائب القسام فيديوهات توثق بعض عمليات المقاومة، ولأن الكلمة الأخيرة كانت استثنائية، وكل كلمات أبي عبيدة هي كلمات استثنائية، فقد كان الفيديو الذي أعقبها استثنائيا، وكل الفيديوهات التي تبث بعد كلمات أبي عبيدة هي فيديوهات استثنائية.

خُتِمَ الفيديو الاستثنائي بعبارة " هذا ما سُمح بنشره وللحديث بقية.."، وكانت كلمة أبي عبيدة قد بدأت بواجهة جاء فيها قوله الله تعالى (فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)، وهذا ختام الآية 26 من سورة الأحزاب (وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)، ويأتي بعد هذه الآية قوله جل من قائل في الآية 27 (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَٰرَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَـُٔوهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرًا)، وفي هذا التسلسل القرآني ما يزيد من إيماننا بأن النصر قادم بإذن الله.

إن السرعة التي أُعِدَّت بها كلمة أبي عبيدة، والآية التي اختيرت لأن تكون مقدمة للكلمة، واللقطة التي جاءت في فيديو العملية، إن كل ذلك ليؤكد من جديد أن المقاومة ما زالت قادرة على القيام بمسؤولياتها العسكرية والإعلامية وحتى النفسية باحترافية كبيرة، وعلى أحسن وجه.

لقد أتت هذه العملية الاستثنائية، في توقيت استثنائي، من معركة طوفان الأقصى الاستثنائية، والتي لن يكون ما قبلها مثل ما بعدها. فهذه العملية قد جاءت في وقت ينتظر فيه العدو تحقيق أي انتصار بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر. أراد العدو أن يستعيد جثث بعض جنوده ليسجل بذلك انتصارا وهميا، فكان أن وقع بعض جنوده في الأسر، وكانت تلك خيبة أخرى للعدو جاءت بعد خيبات كثيرة.

ولعل من أقوى رسائل فيديو " هذا ما سُمح بنشره وللحديث بقية.." أن يظهر المقاوم الفلسطيني بحذاء مدني بسيط أثار الكثير من التعليقات، وهو يسحب جنديا إسرائيليا في نفق كان وإلى وقت قريب مدججا بأحدث أنواع الأسلحة، وقد أظهر الفيديو صورا من تلك الأسلحة.

هذه الخيبة الجديدة للعدو زاد الله من خيباته، تأتي بعد خيبات كثيرة للعدو شهدها الأسبوع الأخير، ومن تلك الخيبات إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية عن سعيه للحصول على أوامر اعتقال بحق رئيس وزراء العدو ووزير دفاعه، وإعلان ثلاث دول أوروبية اعترافها بدولة فلسطين، ثم قرار محكمة العدل الدولية بوقف عملية رفح فورا.

إن كل خيبة للعدو هي ـ وبلا شك ـ  انتصار للمقاومة، وتوالي انتصارات المقاومة ليؤكد أن ما قبل طوفان الأقصى لن يكون مثل ما بعده.

هناك تغير عميق يحدث في العالم بعد طوفان الأقصى، وربما يكون الاستثناء الوحيد هو شعوب وحكام بلاد العرب والمسلمين مع استثناءات قليلة، فرغم كل ما حدث في الأشهر الماضية، فلم تقطع أي دولة من الدول العربية المطبعة الست علاقاتها مع العدو، وربما تكون هناك دولة سابعة يُقال إنها في طريقها إلى التطبيع، فهل ينتظر حكام هذه الدول قيام الساعة حتى يقطعوا علاقاتهم الدبلوماسية مع العدو؟

وتبقى الشعوب العربية والإسلامية تشكل هي كذلك استثناءً، فهذه الأحداث العظيمة لم تغيرها، والدليل على ذلك أن عملية الأسر لم يتم الاحتفاء بها في العواصم والمدن العربية والإسلامية بما يليق بها من تحرك جماهيري.

هذا ما سمح الوقت بكتابته، وللحديث بقية..

حفظ الله المقاومة..

هذا ما سُمِح بنشره وللحديث بقية..

تعودنا أن تأتي بعد كل كلمة لأبي عبيدة الناطق باسم كتائب القسام فيديوهات توثق بعض عمليات المقاومة، ولأن الكلمة الأخيرة كانت استثنائية، وكل كلمات أبي عبيدة هي كلمات استثنائية، فقد كان الفيديو الذي أعقبها استثنائيا، وكل الفيديوهات التي تبث بعد كلمات أبي عبيدة هي فيديوهات استثنائية.

خُتِمَ الفيديو الاستثنائي بعبارة " هذا ما سُمح بنشره وللحديث بقية.."، وكانت كلمة أبي عبيدة قد بدأت بواجهة جاء فيها قوله الله تعالى (فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)، وهذا ختام الآية 26 من سورة الأحزاب (وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)، ويأتي بعد هذه الآية قوله جل من قائل في الآية 27 (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَٰرَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَـُٔوهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرًا)، وفي هذا التسلسل القرآني ما يزيد من إيماننا بأن النصر قادم بإذن الله.

إن السرعة التي أُعِدَّت بها كلمة أبي عبيدة، والآية التي اختيرت لأن تكون مقدمة للكلمة، واللقطة التي جاءت في فيديو العملية، إن كل ذلك ليؤكد من جديد أن المقاومة ما زالت قادرة على القيام بمسؤولياتها العسكرية والإعلامية وحتى النفسية باحترافية كبيرة، وعلى أحسن وجه.

لقد أتت هذه العملية الاستثنائية، في توقيت استثنائي، من معركة طوفان الأقصى الاستثنائية، والتي لن يكون ما قبلها مثل ما بعدها. فهذه العملية قد جاءت في وقت ينتظر فيه العدو تحقيق أي انتصار بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر. أراد العدو أن يستعيد جثث بعض جنوده ليسجل بذلك انتصارا وهميا، فكان أن وقع بعض جنوده في الأسر، وكانت تلك خيبة أخرى للعدو جاءت بعد خيبات كثيرة.

ولعل من أقوى رسائل فيديو " هذا ما سُمح بنشره وللحديث بقية.." أن يظهر المقاوم الفلسطيني بحذاء مدني بسيط أثار الكثير من التعليقات، وهو يسحب جنديا إسرائيليا في نفق كان وإلى وقت قريب مدججا بأحدث أنواع الأسلحة، وقد أظهر الفيديو صورا من تلك الأسلحة.

هذه الخيبة الجديدة للعدو زاد الله من خيباته، تأتي بعد خيبات كثيرة للعدو شهدها الأسبوع الأخير، ومن تلك الخيبات إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية عن سعيه للحصول على أوامر اعتقال بحق رئيس وزراء العدو ووزير دفاعه، وإعلان ثلاث دول أوروبية اعترافها بدولة فلسطين، ثم قرار محكمة العدل الدولية بوقف عملية رفح فورا.

إن كل خيبة للعدو هي ـ وبلا شك ـ  انتصار للمقاومة، وتوالي انتصارات المقاومة ليؤكد أن ما قبل طوفان الأقصى لن يكون مثل ما بعده.

هناك تغير عميق يحدث في العالم بعد طوفان الأقصى، وربما يكون الاستثناء الوحيد هو شعوب وحكام بلاد العرب والمسلمين مع استثناءات قليلة، فرغم كل ما حدث في الأشهر الماضية، فلم تقطع أي دولة من الدول العربية المطبعة الست علاقاتها مع العدو، وربما تكون هناك دولة سابعة يُقال إنها في طريقها إلى التطبيع، فهل ينتظر حكام هذه الدول قيام الساعة حتى يقطعوا علاقاتهم الدبلوماسية مع العدو؟

وتبقى الشعوب العربية والإسلامية تشكل هي كذلك استثناءً، فهذه الأحداث العظيمة لم تغيرها، والدليل على ذلك أن عملية الأسر لم يتم الاحتفاء بها في العواصم والمدن العربية والإسلامية بما يليق بها من تحرك جماهيري.

هذا ما سمح الوقت بكتابته، وللحديث بقية..

حفظ الله المقاومة..

هذا ما سُمِح بنشره وللحديث بقية..

تعودنا أن تأتي بعد كل كلمة لأبي عبيدة الناطق باسم كتائب القسام فيديوهات توثق بعض عمليات المقاومة، ولأن الكلمة الأخيرة كانت استثنائية، وكل كلمات أبي عبيدة هي كلمات استثنائية، فقد كان الفيديو الذي أعقبها استثنائيا، وكل الفيديوهات التي تبث بعد كلمات أبي عبيدة هي فيديوهات استثنائية.

خُتِمَ الفيديو الاستثنائي بعبارة " هذا ما سُمح بنشره وللحديث بقية.."، وكانت كلمة أبي عبيدة قد بدأت بواجهة جاء فيها قوله الله تعالى (فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)، وهذا ختام الآية 26 من سورة الأحزاب (وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)، ويأتي بعد هذه الآية قوله جل من قائل في الآية 27 (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَٰرَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَـُٔوهَا ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرًا)، وفي هذا التسلسل القرآني ما يزيد من إيماننا بأن النصر قادم بإذن الله.

إن السرعة التي أُعِدَّت بها كلمة أبي عبيدة، والآية التي اختيرت لأن تكون مقدمة للكلمة، واللقطة التي جاءت في فيديو العملية، إن كل ذلك ليؤكد من جديد أن المقاومة ما زالت قادرة على القيام بمسؤولياتها العسكرية والإعلامية وحتى النفسية باحترافية كبيرة، وعلى أحسن وجه.

لقد أتت هذه العملية الاستثنائية، في توقيت استثنائي، من معركة طوفان الأقصى الاستثنائية، والتي لن يكون ما قبلها مثل ما بعدها. فهذه العملية قد جاءت في وقت ينتظر فيه العدو تحقيق أي انتصار بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر. أراد العدو أن يستعيد جثث بعض جنوده ليسجل بذلك انتصارا وهميا، فكان أن وقع بعض جنوده في الأسر، وكانت تلك خيبة أخرى للعدو جاءت بعد خيبات كثيرة.

ولعل من أقوى رسائل فيديو " هذا ما سُمح بنشره وللحديث بقية.." أن يظهر المقاوم الفلسطيني بحذاء مدني بسيط أثار الكثير من التعليقات، وهو يسحب جنديا إسرائيليا في نفق كان وإلى وقت قريب مدججا بأحدث أنواع الأسلحة، وقد أظهر الفيديو صورا من تلك الأسلحة.

هذه الخيبة الجديدة للعدو زاد الله من خيباته، تأتي بعد خيبات كثيرة للعدو شهدها الأسبوع الأخير، ومن تلك الخيبات إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية عن سعيه للحصول على أوامر اعتقال بحق رئيس وزراء العدو ووزير دفاعه، وإعلان ثلاث دول أوروبية اعترافها بدولة فلسطين، ثم قرار محكمة العدل الدولية بوقف عملية رفح فورا.

إن كل خيبة للعدو هي ـ وبلا شك ـ  انتصار للمقاومة، وتوالي انتصارات المقاومة ليؤكد أن ما قبل طوفان الأقصى لن يكون مثل ما بعده.

هناك تغير عميق يحدث في العالم بعد طوفان الأقصى، وربما يكون الاستثناء الوحيد هو شعوب وحكام بلاد العرب والمسلمين مع استثناءات قليلة، فرغم كل ما حدث في الأشهر الماضية، فلم تقطع أي دولة من الدول العربية المطبعة الست علاقاتها مع العدو، وربما تكون هناك دولة سابعة يُقال إنها في طريقها إلى التطبيع، فهل ينتظر حكام هذه الدول قيام الساعة حتى يقطعوا علاقاتهم الدبلوماسية مع العدو؟

وتبقى الشعوب العربية والإسلامية تشكل هي كذلك استثناءً، فهذه الأحداث العظيمة لم تغيرها، والدليل على ذلك أن عملية الأسر لم يتم الاحتفاء بها في العواصم والمدن العربية والإسلامية بما يليق بها من تحرك جماهيري.

هذا ما سمح الوقت بكتابته، وللحديث بقية..

حفظ الله المقاومة..

الخميس، 23 مايو 2024

في انتظار ميلاد مبادرة غير تقليدية!


وجه فخامة رئيس الجمهورية محمد الشيخ الغزواني منذ شهر تقريبا رسالة إلى الشعب الموريتاني أعلن من خلالها عن ترشحه لمأمورية ثانية، وتضمنت هذه الرسالة ملامح برنامجه الانتخابي، وقد شملت الرسالة العديد من الالتزامات المهمة في مختلف المجالات، وكان من أبرز تلك الالتزامات:

 1 ـ أن المأمورية القادمة ستكون بالشباب ومن أجل الشباب؛

 2 ـ أنه سيتم الضرب بيد من حديد على كافة أشكال ممارسة الفساد والرشوة والتعدي على المال العام؛

 3 ـ أن الإدارة تعاني من انتشار بعض المسلكيات المنافية لأخلاقيات المهنة، وأن هناك ضرورة لإصلاحها وعصرنتها، وهو ما يعني بطبيعة الحال الحاجة إلى المزيد من الشفافية في الاكتتاب، واعتماد الكفاءة في التعيين والترقية.

بعد نشر هذه الرسالة أُطْلِقت مبادرات عديدة داعمة لترشح الرئيس، وقد لوحظ أن القاسم المشترك بين أغلب تلك المبادرات هو الغياب التام لأي حديث جدي عن إشراك الشباب، ومحاربة الفساد، وإصلاح الإدارة، وهو ما يعني أن هناك محاولة لدى بعض المبادرين للالتفاف المبكر على أهم المرتكزات الإصلاحية التي جاءت في رسالة إعلان الترشح، ومن هنا تبرز أهمية إطلاق مبادرة غير تقليدية تدعم رئيس الجمهورية، وتعمل على استقطاب المصوتين له، وتقف في الوقت نفسه ضد أي محاولة يمكن أن تقوم بها أي جهة للالتفاف على ما جاء في رسالة إعلان الترشح من وعود إصلاحية في غاية الأهمية.

إننا اليوم في أمس الحاجة إلى مبادرة سياسية غير تقليدية تستقطب بعض الداعمين من أصحاب الرؤى الإصلاحية داخل الأغلبية، تعلن عن دعمها لرئيس الجمهورية في الحملة الانتخابية، على أن لا يتوقف دعمها للرئيس في فترة الانتخابات فقط، وإنما يمتد إلى السنوات الخمس القادمة (المأمورية الثانية)، وذلك لمساعدته في تنفيذ برنامجه الانتخابي الذي التزم به للشعب الموريتاني على أحسن وجه، فتسوق المنجز بشكل احترافي،  وترصد ما يقع من نواقص وخلل وما يسجل من بطء، وتقدم المقترحات اللازمة لتصحيح ما يقع من خلل، ولتسريع وتيرة الإنجاز إن لوحظ أن هناك بطئا في العمل الحكومي وفي تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالاهتمام بالشباب ومحاربة الفساد وإصلاح الإدارة.

إننا في المأمورية القادمة للرئيس بحاجة ماسة إلى الخروج عن النهج التقليدي للأغلبية والمعارضة، فأسلوب الأغلبية القائم على أن كل شيء على ما يُرام، وأن البرنامج الانتخابي للرئيس قد أنجز بنسبة 100% لم يعد صالحا لزماننا هذا، وضرُّ هذا الأسلوب من الدعم أكثر من نفعه، ونفس الشيء يمكن أن يُقال عن أسلوب المعارضة التقليدي القائم  هو بدوره على العدمية، وعلى القول بأنه لا شيء من برنامج الرئيس الانتخابي قد تحقق إطلاقا.

إننا بحاجة ـ بالفعل ـ  إلى مبادرة شعبية لدعم ومتابعة تنفيذ البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية، يُعلن عنها في أقرب وقت، وتوضع لها من طرف مؤسسيها خطة عمل على مرحلتين:  

المرحلة الأولى / فترة الحملة الانتخابية : وفي هذه المرحلة يجب أن تقتصر أنشطة المبادرة على دعم الرئيس انتخابيا، واستقطاب المصوتين له، وذلك من خلال :

1 ـ العمل بجد على استقطاب المصوتين من خارج صفوف الداعمين التقليديين، على أن يكون التركيز على الناخبين المترددين، وكذلك الناخبين المحسوبين على المعارضة؛

2 ـ  ضمان حضور مرتكزات الإصلاح التي جاءت في رسالة الترشح (الاهتمام بالشباب ، محاربة الفساد، الإصلاح الإداري )، ضمان حضور تلك المرتكزات في الخطاب السياسي للحملة، وفي كل أنشطتها، على أن يكون ذلك من خلال اتصال مؤسسي المبادرة باللجنة السياسية لحملة فخامة الرئيس، وبكل الأحزاب والمبادرات الداعمة له، ومطالبتها بأن تعطي مساحة واسعة للمرتكزات الإصلاحية التي جاءت في رسالة إعلان الترشح في كل خطابات وأنشطة الحملة. ومن المؤكد أن حضور تلك المرتكزات الإصلاحية في خطاب الحملة وأنشطتها سيجلب المزيد من المصوتين لبرنامج رئيس الجمهورية.

المرحلة الثانية / ما بعد فوز و تنصيب رئيس الجمهورية

في هذه المرحلة يكون تركيز المبادرة على الأنشطة التي من شأنها أن تساهم في تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية الانتخابي على أحسن وجه، وذلك من خلال متابعة وتيرة تنفيذه، ويمكن أن يتم ذلك من خلال :

1 ـ تنظيم نشاط كبير تستعرض فيه حصيلة المائة يوم الأولى من المأمورية الثانية، على أن تقيم فيه عملية الإقلاع على مستوى تنفيذ البرنامج الانتخابي للمأمورية الثانية، وإعداد تقارير دورية من بعد ذلك (كل ثلاثة أشهر) عن وتيرة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية، وخاصة في المجالات المتعلقة بالشباب، ومحاربة الفساد، والإصلاح الإداري.

2 ـ رصد النواقص والاختلالات في تنفيذ برنامج الرئيس الانتخابي، وتقديم المقترحات التي قد تساعد في تصحيح تلك الاختلالات؛

3 ـ العمل على تسويق ما يتم إنجازه من برنامج الرئيس خلال المأمورية الثانية بأسلوب احترافي يحظى بالمصداقية لدى المتلقي، وهذا مما أخفقنا فيه كداعمين للرئيس خلال المأمورية الأولى.

هذا عن خطة عمل المبادرة خلال السنوات الخمس القادمة، أما بخصوص الانتساب لها فهو يجب أن يكون مفتوحا أمام كل داعمي فخامة الرئيس الراغبين في الانضمام إليها، أما فيما يتعلق بتصدر واجهتها، أي تولي مناصب قيادية فيها، فهو أمرٌ مختلفٌ، وستكون له شروطه الصارمة، والتي من بينها:

1 ـ أن لا يكون في ماضي من يتقدم لأي منصب قيادي في هذه المبادرة أية شبهة فساد؛

2 ـ أن لا يكون في سجله السياسي أنه قد شارك في أي نشاط  سياسي ذي صبغة قبلية أو جهوية أو شرائحية؛

3 ـ أن لا يكون من طائفة السلبيين العدميين، أو المثبطين، أو المكتفين بالتفرج على ما يجري في البلد من أحداث دون أن تكون له أي ردة فعل؛ 

4 ـ أن يكون من المؤمنين بأهمية الإصلاح الآمن والمتدرج، وكذلك من المقتنعين بأن إصلاح المجتمع يبدأ أولا بإصلاح النفس؛

5 ـ أن يمتلك شجاعة التثمين والنقد والنصح وأن تكون لديه قدرة اقتراحية؛

6 ـ أن لا يكون من الذين يسعون لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة من خلال المبادرة؛

7 ـ أن يكون على استعداد لتخصيص بعض وقته وجهده للخدمة العامة.

 

تنبيه : يعدُّ هذا المقال بمثابة رسالة إشعار لكل من تتوفر فيه الشروط أعلاه، ويرغب في الانضمام إلى هذه المبادرة غير التقليدية، والتي سيعلن عنها قريبا إن شاء الله.

حفظ الله موريتانيا..

محمد الأمين الفاضل

Elvadel@gmail.com

الأربعاء، 22 مايو 2024

لا معارضة تُنافس، ولا أغلبية تَدعم (الجزء الثاني)!


خصصنا الجزء الأول من هذا المقال لنقد المعارضة، وتحدثنا فيه عن عجزها وعن عدم قدرتها على أن تشكل منافسا محتملا وجديا للنظام في الانتخابات الرئاسية القادمة، وبينا في ذلك الجزء من المقال أن المعارضة لن تكون منافسة جدية في أي انتخابات رئاسية  لمرشح النظام، ما لم تأخذ بجملة من الإجراءات التحضيرية أو التمهيدية للدخول في الانتخابات، ولعل من أبرز تلك الإجراءات :

1 ـ أن تبدأ مبكرا في التحضير الفعلي للانتخابات الرئاسية، وأي تحضير لا يبدأ في أسوأ الأحوال قبل عام من موعد تلك الانتخابات لا يمكن أن نُصَنَّفه في خانة التحضير المبكر؛

2 ـ أن تُشَكل لجنة عليا لصياغة المبادئ العامة للبرنامج الانتخابي للمرشح التوافقي للمعارضة؛

3 ـ أن يوكل لتلك اللجنة مهمة تحديد الصفات أو المواصفات التي يجب أن تتوفر في المرشح التوافقي للمعارضة؛

4 ـ بعد ذلك تبدأ اللجنة في استقبال ملفات المعارضين الراغبين في الترشح، وذلك لتختار من بينهم من تتوفر فيه أغلب صفات المرشح التوافقي المحددة سلفا ليكون هو المرشح التوافقي للمعارضة، أو على الأقل مرشحها الرئيسي الذي تلتف حوله أغلب الأحزاب والتشكيلات السياسية المعارضة؛

5 ـ لا بأس بوجود مرشحين ثانويين محسوبين على المعارضة، ويمكن لمن لم يُقبل ملفه أن يترشح، ولكن بصفته مرشحا ثانويا يعتمد على قدراته وإمكانياته الذاتية ـ لا على المعارضة ـ  في تحصيل الأصوات.

اليوم تدخل المعارضة في منافسة انتخابية دون أن تأخذ بأي واحد من تلك الإجراءات التمهيدية أو التحضيرية، وهو ما يعني أنها لن تكون منافسا جديا في رئاسيات 2024، وإن كان من نصيحة يمكن أن نقدمها اليوم للمعارضة، فهي نصيحة قديمة جديدة، فيكفى المعارضة ما كررت من أخطاء سابقة، وعليها أن تركز جهودها مستقبلا خلال المأمورية القادمة على  العمل من أجل تقوية المؤسسات الدستورية، وعليها أن تصنف ملف رئاسيات 2029 على أنه ملف استراتيجي للمعارضة يحتاج إلى تحضير مبكر جدا.

لا أغلبية تدعم

في  الشطر الثاني من عنوان المقال (لا أغلبية تدعم) سنُوضحُ أن الأغلبية بشكلها الحالي عاجزة هي أيضا عن أداء دورها الرئيسي والأساسي، فهي عاجزة عن توفير ما يلزم من دعم سياسي وإعلامي لفخامة رئيس الجمهورية، وهذا العجز قد أشار إليه نائب رئيس حزب الإنصاف السيد يحيى ولد أحمد الوقف، وبشكل غير مباشر، خلال الزيارة الأخيرة لرئيس الجمهورية لمدينة نواذيبو، وذلك عندما قال حسب ما نشرته منصة "سكوب ميديا" : " إن الحكومة أنجزت خلال السنوات الأخيرة الكثير من المشاريع الكبرى، لكنها لم تُحْظ بتسويق جيد لدى الرأي العام." 

فإذا كانت الحكومة قد أنجزت الكثير من المشاريع في السنوات الأخيرة، وإذا كانت تلك الإنجازات لم تحظ بتسويق جيد لدى الرأي العام، فمن هو المسؤول الأول عن هذا الفشل؟

هذا سؤال بسيط جدا، ويمكن أن يجيب عليه تلميذ في سنة أولى إعدادي حديث العهد بالاهتمام بالشأن العام. إن المسؤول الأول والأخير عن ذلك الفشل هو الأغلبية الداعمة للنظام بشكل عام، وحزب الإنصاف بشكل خاص.  

إن الأغلبية الحالية ـ وعلى رأسها حزب الإنصاف ـ  تعاني من عجز كبير، وعموما فإن الأغلبيات في موريتانيا تعودت على أن تقتات من الرصيد الشعبي للرئيس، ودون أن تضيف له شيئا، ولذا فكل "الأحزاب الحاكمة" تنهار مباشرة بعد أن يترك الرئيس الحكم، ولكم في الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي وحزب عادل خير مثالين يمكن تقديمهما في هذا المجال. 

إن هذا النوع من الدعم الذي يقتات سياسيا على الرصيد الشعبي للرئيس، جعل الأغلبية تتحول من داعم للرئيس، إلى عبء ثقيل عليه، وحول بالتالي دعمها من دعم إيجابي إلى دعم سلبي. 

إن دعم الأغلبية لن يكون إيجابيا إلا إذا احترم المنتمون لها الترتيب الآتي في تقديم  الدعم .

أداء الواجب أولا 

 ونقصد بذلك أن يؤدي الداعم للنظام واجبه أولا، فإن كان موظفا حكوميا أدى واجبه الوظيفي أولا، وإن كان رجل أعمال مارس أنشطته التجارية دون نهب للمال العام، وإن كان منتخبا (بفتح الخاء) أدى واجبه اتجاه الناخب أولا، وهكذا..

فمثلا الطبيب الذي يؤدي واجبه على أحسن وجه، ويتعامل مع مرضاه برفق، فهو بذلك يؤدي أكبر دعاية سياسية يمكن أن يؤديها الطبيب لأي نظام حاكم، والأستاذ الذي يؤدي واجبه الوظيفي على أحسن وجه، ويدرس تلاميذه بجد فهو يؤدي بذلك أكبر دعاية سياسية يمكن أن يؤديها الأستاذ لأي نظام حاكم، والموظف في شركة المياه مثلا عندما يبذل ما يستطيع أن يبذل من جهد في سبيل توفير وصول الماء إلى المواطن في أحسن الظروف، فهو بذلك يؤدي أفضل دعاية للنظام، والمنتخب (بفتح الخاء) نائبا كان أو رئيس جهة أو عمدة عندما يكون قريبا من ناخبيه، يستمع إلى مشاكلهم، ويسعى بجد إلى حلها، فهو بذلك يقدم أفضل دعم للنظام، والقيام بهذا النوع من الدعم الإيجابي سيزيد حتما من الرصيد الشعبي للرئيس. 

تقديم خدمة ذات نفع عام ثانيا

عندما يؤدي الداعم واجبه الوظيفي على أحسن وجه إن كان موظفا، وعندما يؤدي المنتخب (بفتح الخاء) ورجل الأعمال والوجيه مهامهم المنتظرة منهم أولا، ويبقى لديهم  من بعد ذلك فائضٌ من الوقت أو المال يريدون إنفاقه في خدمة النظام، فهنا تأتي مرحلة المبادرات الداعمة للنظام، وهنا يجب أن نفرق بين المبادرات ذات النفع العام، والمبادرات ذات الضرر العام، والمبادرات عديمة الجدوى، ونقصد بهذه الأخيرة تلك المبادرات التي لا تنفع ولا تضر.

بالفعل هناك مبادرات ذات ضرر عام، وهناك مبادرات عديمة الجدوى، وهناك مبادرات ذات نفع عام، والأغلبية بحاجة ماسة اليوم إلى هذا الصنف الأخير من المبادرات، وبحاجة إلى أن تُطلق مبادرات من نوع آخر غير تلك المعروضة حاليا في سوق السياسة، مبادرات تحت شعار "داعمون إيجابيون"، فبدلا من أن يتجه المبادرون إلى قصر المؤتمرات لإلقاء الخطب المكررة، وأخذ الصور التي قد يظهر فيها نفس الأشخاص، فعليهم بدلا من ذلك إن أرادوا أن يكون دعمهم للرئيس دعما إيجابيا أن يتجهوا إلى الشوارع لينظفوها، أو إلى بعض المنشآت العمومية ليرمموا ما يستطيعون ترميمه من نوافذ وأبواب، أو يذهبوا إلى المدارس لتقديم دروس تقوية لأبناء الفقراء، أو يسيروا قوافل طبية للقرى أو الأرياف...إلخ

على كل داعم جدي، وعلى كل مبادر صادق، أن يخصص ساعة على الأقل من كل أسبوع للخدمة العامة، فينفق جزءا من وقته أو من ماله إن كان من أصحاب الأموال في عمل تطوعي يعود بالنفع على الوطن والمواطن، ويزيد بالتالي من شعبية الرئيس، فهذا هو الدعم الإيجابي، وهذا هو الدعم الذي ينفع الرئيس ويزيد من شعبيته.

إن الدعم الذي نُشاهده في أيامنا هذه يدخل في الأغلب في دائرة الدعم السلبي، فيمكن أن تجد الموظف الذي لا يؤدي واجبه الوظيفي، والذي قد يدفع بالكثير من المواطنين لأن يعارضوا النظام بسبب سوء تعامله معهم، قد تجد مثل ذلك الموظف في مبادرة تنظم نشاطا في قصر المؤتمرات يمتد لساعات،  يقول فيها إنه داعم للرئيس، وقد فاته أن الظهور لساعة أو ساعتين في مبادرة داعمة للرئيس لن يعوض 1% من الأضرار التي جلبها للنظام وللرئيس من خلال سوء تعامله مع المواطن عندما يأتيه في مكتبه طالبا خدمة عمومية، أو من خلال ما ينهبه ذلك الموظف من مال عام.

للأسف الشديد، فإن أغلب داعمي الرئيس الذين يتسابقون اليوم للظهور في عشرات المبادرات، هم في حقيقة الأمر من أشد معارضيه، حتى وإن حاولوا التغطية على ذلك بمبادراتهم الداعمة. إنهم يعارضون الرئيس سرا بسوء أدائهم الوظيفي، وبنهبهم للمال العام، وبابتعادهم عن الناخب إن كانوا قد انتخبوا نوابا أو عمدا أو رؤساء مجالس جهوية.

صحيح أنه قد لا يظهر ضعف الأغلبية، وذلك بسبب ضعف المعارضة، وصحيح كذلك أنه قد لا يظهر ضعف المعارضة وذلك بسبب ضعف الأغلبية، فالأغلبية والمعارضة تعيشان اليوم ما يمكن أن نسميه "توازنا في الضعف"، وهذا التوازن في الضعف هو الذي جعل المعارضة غير قادرة على أن تنافس انتخابيا، وجعل الأغلبية غير قادرة على توفير دعم حقيقي للنظام، وتبقى  بذلك عبئا سياسيا ثقيلا على الرئيس تقتات على رصيده الشعبي، ودون أن تضيف أي شيء لذلك الرصيد.

حفظ الله موريتانيا...

الخميس، 9 مايو 2024

لا معارضة تنافس، ولا أغلبية تدعم! (الجزء الأول)


بدءا لا بد من القول بأن هذا المقال سيُغضب المعارضة ولن يرضي الأغلبية، أو بعبارة أخرى، سيغضب الأغلبية ولن يرضي المعارضة، أو بعبارة ثالثة أكثر دقة سيغضب كل الطيف السياسي بأغلبيته ومعارضته، ولن يرضي منهم أحدا.

لا معارضة تنافس

لا معارضة تنافس هذا هو الاستنتاج الذي يُمكن أن نخرج به بعد القراءة التحليلية لواقع المعارضة حاليا، ولما دفعت به من مرشحين منافسين في رئاسيات 2024.
هذا الاستنتاج السريع سيقودنا إلى طرح السؤال : متى تكون المعارضة منافسة في الانتخابات الرئاسية؟
في العام 2017 اشتغلتُ كثيرا على ملف رئاسيات 2019، ونشرتُ في تلك الفترة سلسلة من المقالات تحت عنوان : "حتى لا نضيع فرصة 2019"، وكان من أهم ما خَرجتْ به تلك السلسلة من المقالات أن المعارضة لن تشكل منافسا حقيقيا لمرشح النظام، إلا إذا أخذت بجملة من الإجراءات التحضيرية، لعل من أبرزها :
1 ـ أن تبدأ مبكرا في التحضير الفعلي للانتخابات الرئاسية، وأي تحضير لا يبدأ قبل عام من موعد تلك الانتخابات لا يمكن أن نُصَنَّفَه في خانة التحضير المبكر؛
2 ـ أن تشكل لجنة عليا لصياغة البرنامج الانتخابي التوافقي للمعارضة الموريتانية في الانتخابات الرئاسية، وقد يُكتفى بمبادئ عامة أو عناوين كبرى لهذا البرنامج الانتخابي؛
3 ـ أن يوكل لتلك اللجنة مهمة تحديد الصفات أو المواصفات التي يجب أن تتوفر في المرشح التوافقي للمعارضة؛
4 ـ بعد تحديد الصفات أو المواصفات المطلوبة في الترشح تبدأ اللجنة المشكلة من طرف المعارضة في استقبال ملفات المعارضين الراغبين في الترشح، وذلك لتختار من بينهم من تتوفر فيه أغلب صفات المرشح التوافقي المحددة سلفا ليكون هو المرشح التوافقي للمعارضة، أو على الأقل مرشحها الرئيسي الذي تلتف حوله أغلب الأحزاب والتشكيلات السياسية المعارضة؛
5 ـ لا بأس بوجود مرشحين ثانويين محسوبين على المعارضة، ويمكن لمن لم يقبل ملفه أن يترشح، ولكن بصفته مرشحا ثانويا يعتمد على قدراته وإمكانياته الشخصية لا على أحزاب المعارضة في تحصيل الأصوات.
في اعتقادي الشخصي أن المعارضة الموريتانية إذا لم تبدأ في التحضير للانتخابات الرئاسية قبل عام على الأقل من تنظيم تلك الانتخابات، وإذا لم تكتب برنامجا انتخابيا توافقيا، يتبناه مرشحها التوافقي الذي تلتف حوله، فإنها ستبقى معارضة خارج دائرة المنافسة في الانتخابات الرئاسية.
يمكنكم أن تلاحظوا أن الترشح في فسطاط المعارضة كان فوضويا، وأنه اليوم لا يوجد مرشح توافقي للمعارضة، بل ولا يوجد مرشح يمكن أن نصنفه على أنه هو المرشح الرئيسي للمعارضة في ظل تعدد المرشحين، ويمكنكم أن تلاحظوا كذلك أن التحضير لرئاسيات 2024 جاء متأخرا، وإلى الحد الذي جعل أكبر حزب معارض يفشل ـ وحتى كتابة هذه السطور ـ في تحديد موقفه النهائي من الترشح لرئاسيات 2024.
تأخرت المعارضة كثيرا في فتح ملف رئاسيات 2024، وكان حزب تواصل هو الأكثر تأخرا، وسبب ذلك واضح، وهو أن حزب تواصل غير معني بشكل مباشر بالانتخابات الرئاسية، فتركيزه ينحصر على الانتخابات التشريعية والبلدية والجهوية، وبما أن الحزب غير معني بالانتخابات الرئاسية، فقد تأخر كثيرا في فتح ملفها، ويعكس ذلك التأخر إحدى نقاط ضعف المعارضة الموريتانية، حيث يكون التركيز دائما على المصالح الحزبية الضيقة، أما المصالح الاستراتيجية للمعارضة في مجموعها، والتي يأتي على رأسها ملف الانتخابات الرئاسية، فإنها لا تحظى إلا باهتمام ثانوي، وهذا هو ما جعل تواصل يتأخر في حسم موقفه من الانتخابات الرئاسية، ولا يولي هذا الملف ما يستحق من اهتمام، وإن كان هناك من اهتمام جدي بهذا الملف، فهو يأتي فقط من شخصيات معارضة لها طموحها الشخصي بالوصول إلى الرئاسة.
أشير في الأخير إلى أن أحزاب المعارضة كانت تنخرط في الماضي في تكتلات كبرى لا تتفكك إلا في المواسم الانتخابية ( الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، منسقية المعارضة، المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة ..إلخ) . أما اليوم فإنها تعاني من التفكك حتى من قبل الموسم الانتخابي.
أفضل ما يمكن أن تقوم به المعارضة في هذا الموسم الانتخابي هو استخلاص الدروس من انتخابات 2024، والبدء بعد ذلك في التحضير الجيد لرئاسيات 2029.
يتواصل إن شاء الله.
حفظ الله موريتانيا..