الأربعاء، 23 سبتمبر 2020

ساعة تطوع

 


صادق مجلس الوزراء في بيانه الأخير على مشروع قانون جديد للجمعيات، وقد شكل هذا القانون مطلبا رئيسيا لنشطاء المجتمع المدني خلال السنوات الماضية. بعد عرض مشروع هذا القانون على البرلمان والمصادقة عليه سيكون التصريح بإنشاء جمعية يكفي ويغني عن طلب الترخيص ومشاكله المعقدة.

إن مصادقة مجلس الوزراء على مشروع هذا القانون يعدُّ خطوة هامة في الاتجاه الصحيح، ولكن يبقى السؤال الأهم : هل ستنعكس المصادقة على هذا القانون الجديد على أداء المجتمع المدني أم أن التغيير الذي سيحصل لن يتعدى زيادة أعداد الجمعيات المصرح بها ووصولها إلى أرقام فلكية؟ بعبارة أخرى : هل ستقتصر نتائج هذا القانون الجديد على أن ينتقل عدد "جمعيات الحقائب" من الآلاف إلى عشرات الآلاف ؟

مهما تكن الإجابة على هذا السؤال، فإن الشيء المؤكد ـ حتى الآن ـ هو أننا في هذه البلاد بحاجة ماسة إلى ترسيخ ثقافة العمل التطوعي وإلى إقناع النخب بضرورة الاهتمام بالشأن العام. فأغلب نخبنا منشغلة بالبحث عن مصالحها الخاصة، وقليلة الاهتمام بالصالح العام مع وجود استثناءات تؤكد صحة القول بأن لكل قاعدة استثناءات، ولذا فلم يكن غريبا أن يتكرر على مسامعنا في الفترة الأخيرة من حكم الرئيس السابق أن أطر الولاية كذا أو المدينة كذا أطلقوا مبادرة تزلفية تطبيلية تدعو إلى انتهاك الدستور . إن الشيء الذي لم نسمعه لا في فترة حكم الرئيس السابق، ولا في فترات حكم من سبقوه، ولا في العام الذي مضى من حكم الرئيس الحالي، هو أن أطر الولاية كذا أو المدينة كذا نظموا يوما تفكيريا لدراسة مشاكل ولايتهم أو مدينتهم، أو أنهم أطلقوا قافلة صحية، أو نظموا نشاطا ثقافيا، أو شاركوا في أي عمل تنموي مهما كان حجمه لصالح مدينتهم أو ولاياتهم. طبعا هناك استثناءات قليلة تؤكد هي بدورها صحة القاعدة، وتكاد تنحصر تلك الاستثناءات في مبادرتي أطر تجكجة والحوض الغربي في مجال نظافة المدن.

في موريتانيا هناك بالفعل كارثة لا تجد من يتحدث عنها، إنها كارثة "الأطر"، فالأطر هم قومٌ لا يجلبون منفعة لمدنهم ولا لوطنهم، وليتهم اكتفوا فقط بعدم جلب المنفعة، بل إنهم قومٌ يسارعون في أغلب الأحيان إلى جلب الضرر، أو على الأقل يسارعون إلى حجب هموم ومعاناة سكان المدن عن الرئيس وأركان نظامه، ولذا فقد عودونا على أن لا يهتموا بمدنهم إلا عندما تكون هناك مواسم انتخابية أو عندما يقرر الرئيس تنظيم زيارات للداخل. عندها فقط يسارعون إلى مدنهم ليحجبوا عن الرئيس مشاكل ومعاناة السكان الحقيقيين لتلك المدن، وذلك من خلال استقباله بأحسن الثياب، وأفخر السيارات،  وبالقول بأن مدنهم على أحسن ما حال.

إن أطر موريتانيا بحاجة إلى أن يكفروا عن ذنوبهم التي ارتكبوها في حق مدنهم ووطنهم، ولا يتعلق الأمر هنا بالأطر لوحدهم، فواجب كل الموريتانيين أن يكفروا عما ارتكبوه في حق وطنهم، وذلك من خلال الانخراط في أنشطة مجتمعية ذات نفع عام ، بقدر ما يسمح الوقت والجهد والإمكانيات، وهذه بعض الأفكار والمقترحات التي قد تكون مفيدة في هذا المجال.

 

أولا/ أنشطة خاصة بالشباب العاطل عن العمل

لقد اخترتُ أن أبدأ بالشباب العاطل عن العمل والقليل الإمكانيات، وذلك لأقول بلغة صريحة وفصيحة بأنه لا أحد يستثنى من العمل التطوعي. هذا المقترح الخاص بالشباب الذي لا يمتلك الحد الأدنى من الموارد سيكون تحت عنوان "ساعة تطوع"، وهي الساعة التي اخترتها عنوانا للمقال.

يتلخص مقترح "ساعة تطوع" أو "ساعة خدمة عامة" في أن تكون رسوم الانتساب للنوادي والجمعيات الشبابية التي لا يمتلك أصحابها موارد مالية تقتصر فقط  على التزام المنتسب بالتبرع بساعة من وقته كل أسبوع للخدمة العامة، وذلك بدلا من دفع أي رسوم مالية حتى ولو كانت رمزية.

لنفترض مثلا أن عشرة شباب قرروا أن يؤسسوا جمعية، وأن يخصص كل واحد منهم ساعة من كل أسبوع للخدمة العامة كرسوم انتساب لتلك الجمعية..هذه العشر ساعات يمكن أن تستثمر في :

-  القيام بأعمال ميدانية كتنظيف شارع في الحي، أو خدمة مريض في المستشفى بلا مرافق، أو تقديم حصص تقوية لتلاميذ فقراء ..وهكذا؛

 - القيام بأنشطة توعوية في بعض القضايا التي تحتاج لأنشطة من ذلك النوع؛

وحتى في حالة عدم التمكن من القيام بأي أنشطة ميدانية أو توعوية فيمكن تخصيص هذه الساعات العشر للتفكير في القضايا العامة. يُقال بأن الموريتاني هو الشخص الوحيد الذي لا يستطيع أن يقضي ساعة متواصلة وهو يفكر في قضية عامة، ولذا فإن مجرد التفكير في قضايا الشأن العام يمكن أن يصنف في بلادنا على أنه عمل تطوعي.

ثانيا / أنشطة خاصة بالسياسيين وبالأحزاب السياسية

يدور في أيامنا هذه جدل واسع حول السقاية التي ينظمها حزب تواصل في كل عام لصالح المشاركين في امتحانات البكالوريا، . في هذه السقاية يرفع الحزب لافتات تحمل شعاراته، بل أكثر من ذلك فإنه يلف ما يمنحه للطلاب من خبز وألبان بأوراق تحمل شعار الحزب.

لنفترض بأن ما يقوم به حزب تواصل من أنشطة خيرية سواء تعلق الأمر بسقاية الطلاب أو بالتدخل في القرى والمدن المنكوبة، لنفترض بأن كل ذلك العمل ليس صدقة لوجه الله، وإنما هو عمل سياسي صرف يسعى الحزب من خلاله إلى تحقيق مكاسب سياسية وانتخابية، حتى ولو تأكدنا من صحة هذه الفرضية، فإنه سيبقى علينا كمتابعين للشأن العام أن نشيد بهذا العمل التطوعي، فالحزب الذي ينفق موارده التي خصصها للدعاية وللحملات الانتخابية في غير المواسم الانتخابية هو أفضل من ذلك الحزب الذي لا ينفق مالا إلا خلال أيام الحملات الانتخابية. وإن الحزب الذي ينفق جزءا من موارده التي خصصها للدعاية والحملات الانتخابية في سقاية طالب أو في إغاثة منكوب تضرر سكنه من الأمطار إلى غير ذلك من أوجه الإنفاق، لهو خير ألف مرة من ذلك الحزب الذي لا ينفق تلك المخصصات إلا في الصور المكبرة لمرشحيه، أو في حفلات موسيقية يقيمها خلال ليالي الحملة الانتخابية. إنه علينا أن نفرق بين مال أنفق أو جهد بذل في تنظيف شارع أو في إغاثة منكوب، وبين مال آخر أنفق في صور مكبرة لمرشح أو في حفلة موسيقية للدعاية له، فالإنفاق الأول سيستفيد منه الفقراء، وسيعود إيجابا على الوطن. أما الإنفاق الثاني فلن يحقق نفعا للوطن، ولن يفيد المستضعفين.

لقد تعودنا في المواسم الانتخابية أن يظهر أشخاص ميسورون كمترشحين، وينفقون أموالا طائلة في الحملات الانتخابية ومع ذلك لا يتمكنون من الفوز، والأمثلة كثيرة وليست بالبعيدة، وقد حصل شيء من ذلك خلال الانتخابات التشريعية والبلدية الماضية.

أكاد أجزم بأن أولئك الذين أنفقوا أموالا طائلة خلال الحملة في الصور وفي السهرات الموسيقية ولم يحالفهم الحظ في الفوز، لو أنهم أنفقوا تلك الأموال فيما ينفع الناس وفي غير المواسم الانتخابية لتمكنوا من الفوز إن ترشحوا.

إن مليون أوقية تنفق في غير المواسم الانتخابية فيما ينفع الناس ستأتي ـ بكل تأكيد ـ بأصوات تضاعف تلك الأصوات التي سيأتي بها أضعاف ذلك المبلغ إن  أنفق في مواسم انتخابية على الصور وعلى الحفلات الموسيقية.

إن من أهم نقاط قوة حزب تواصل ـ والتي يتميز بها عن كثير من الأحزاب ـ هي أنه لا ينسى المواطنين ولا ناخبيه في الفترات التي لا تكون فيها مواسم انتخابية، وإن من أبرز نقاط ضعف الكثير من الأحزاب السياسية في بلادنا هي أن صلتها بناخبيها وبالمواطنين بصفة عامة مرتبطة أساسا بالمواسم الانتخابية.

خلاصة القول في هذه الجزئية هي أنه على السياسيين الذين لا ينفقون أموالهم لوجه الله وإنما ينفقونها لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية، عليهم أن ينفقوا تلك الأموال فيما ينفع الناس وفي غير المواسم الانتخابية، فمثل ذلك الإنفاق سيزيد من مكاسبهم السياسية ومن حظوظهم الانتخابية، وسيعود بالنفع على الوطن.

ثالثا / أنشطة خاصة برجال الأعمال والأطر

تفرض المسؤولية الاجتماعية أن يلعب رجال الأعمال أدوارا لصالح مجتمعاتهم  وأوطانهم، ويلاحظ في هذا المجال تقصيرا كبيرا من طرف رجال أعمالنا مع وجود استثناءات قليلة وقليلة جدا تؤكد صحة القاعدة التي تقول بأن رجال أعمالنا لا يهتمون بالأنشطة ذات النفع العام. لم نسمع عن رجل أعمال شيد مدرسة في مدينته أو وفر سيارة إسعاف لمستوصفها أو أطلق قافلة صحية أو مول مشاريع مدرة للدخل لفقراء مدينته. لا يختلف الأمر بالنسبة للأطر الذين تحدثنا عنهم في فقرة سابقة من هذا المقال. هناك مقترحات عديدة في مجال الخدمة العامة يمكن تفصيلها على مقاسات الأطر، ولكني سأكتفي في هذا المقال ـ والذي بدأ يتجاوز المساحة المخصصة له ـ  بمقترح واحد كنتُ قد تحدثت عنه في وقت سابق، فلماذا لا يطلق الأطر مبادرات لصالح المدارس والثانويات التي درسوا فيها خدمة للمدارس العمومية التي توجد اليوم في وضعية صعبة جدا؟.ولماذا لم نسمع عن مبادرات في هذا المجال يطلقها قدامى كل ثانوية، ويتأكد الأمر بالنسبة لقدامى الثانويات العريقة التي درس فيها عدد كبير من الأطر.

حفظ الله موريتانيا... 

السبت، 19 سبتمبر 2020

إلى تلاميذ ثانوية لعيون

 


يشرفني بمناسبة بدء امتحانات الباكالوريا أن أعلن لتلاميذ ثانويتي العريقة عن عدد من الجوائز المعتبرة التي ستقدم هذا العام على نفقة عدد من التلاميذ القدامى لصالح المتفوقين من تلاميذ الثانوية في هذا العام.

هذه الجوائز جاءت بعد الاتصال بعدد من التلاميذ القدامى في الثانوية، والذين أصبحوا يحتلون اليوم وظائف سامية في الدولة، وقد تعهدوا ـ مشكورين ـ بتحمل أعباء جوائز هذا العام، والتي ستقدم بأسمائهم، وستكون جوائز هذا العام موزعة على النحو التالي:

ـ جائزة لصالح التلميذ الحاصل على أعلى معدل في الباكلوريا (شعبة الآداب العصرية) مقدمة من طرف التلميذ السابق بالثانوية الدكتور محمد سالم ولد مرزوك وزير الداخلية واللامركزية؛

ـ جائزة لصالح التلميذ الحاصل على أعلى معدل في الباكالوريا (شعبة الرياضيات) مقدمة من طرف التلميذ السابق بالثانوية الشيخ الكبير ولد مولاي الطاهر محافظ البنك المركزي الموريتاني؛

ـ جائزة لصالح التلميذ الحاصل على أعلى معدل في الباكالوريا (شعبة العلوم الطبيعية) مقدمة من طرف التلميذة السابقة بالثانوية النائب فاطمة منت خطري

ـ جائزة لصالح التلميذ الحاصل على أعلى معدل في الباكالوريا (آداب أصلية) مقدمة من طرف التلميذ السابق بالثانوية النائب الدكتور عمار ولد أحمد سعيد؛

ـ جائزة لصالح التلميذة الحاصلة على أعلى معدل في الباكالوريا مقدمة من طرف التلميذة السابقة بالثانوية النائب الماتي منت حمادي؛

وستكون الجائزة الكبرى لهذا العام مخصصة للتلميذ الحاصل على أعلى معدل في الباكالوريا في الثانوية بغض النظر عن شعبته، وستقدم هذه الجائزة لذوي التلميذ المتفوق، وذلك تشجيعا لهم على الدور التربوي الذي قاموا به. الجائزة الكبرى لهذا العام مقدمة من طرف التلميذ السابق بالثانوية الفريق مسغارو ولد سيدي ولد أغويزي مدير الأمن الوطني.

أشير إلى أن منح هذه الجوائز سيستمر إن شاء الله مع كل عام، وستتاح الفرصة مستقبلا لمشاركة أكبر عدد ممكن من التلاميذ القدامى في الثانوية. كما أشير أيضا إلى أن منح هذه الجوائز يدخل في إطار سلسلة من الأنشطة التي يقوم بها "نادي قدامى ثانوية لعيون" لصالح ثانويتهم، ومن بين الأنشطة التي قام بها النادي خلال السنتين الماضيتين: التكفل بحصص تقوية لصالح أعداد معتبرة من تلاميذ الثانوية؛ توزيع كتب ومقررات مدرسية؛ توفير آلة تصوير أوراق؛ توفير ثلاجة؛ التعاقد مع حارس للثانوية.

ومواكبة لامتحانات الباكالوريا لهذا العام فقد قام النادي بتوزيع ألفي قلم من النوع الجيد على المشاركين في الامتحانات. كما سيوزع مائة كيس من الماء المعدني البارد بشكل يومي على التلاميذ خلال أيام الباكالوريا.

إلى التلاميذ القدامى في بقية ثانويات الوطن

إني أدعوكم إلى تعميم هذه الفكرة، وإلى الانخراط في أنشطة ذات نفع عام لصالح مدارسكم و ثانوياتكم التي درستم فيها، فذلك هو أقل ما يجب أن تقوموا به لصالح تلك المؤسسات التعليمية التي يرجع لها الفضل في تكوينكم وتأهيلكم العلمي، خاصة وأنها تعيش اليوم ظروفا صعبة لا يتسع المقام لتعدادها أو لبسطها.

وأختم هذه الدعوة بالسؤالين التاليين:

لماذا لا نسمع عن مبادرات الأطر إلا خلال مواسم التصفيق والتطبيل أو خلال الدعوات لانتهاك الدستور؟

لماذا لا نسمع عن مبادرات الأطر في مثل هذه القضايا ذات النفع العام؟

حفظ الله موريتانيا... 

الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

مجرمون وقتلة خارج السجن..إلى متى ستسمر هذه الظاهرة؟

 


حسب ما نشرته بعض المواقع الإخبارية نقلا عن مصادر أمنية فإن المتهمين بجريمة اغتصاب وقتل الفتاة "لميمة" ـ والتي كانت ضحية لواحدة من أبشع جرائم الاغتصاب والقتل على شارع المقاومة ـ هم من أصحاب السوابق. وحسب المصادر نفسها فإن العصابة المتهمة بهذه الجريمة البشعة كانت قد أوقفت وأحيلت من قبل سنتين إلى القضاء، وقد تم الحكم على أفرادها بالسجن لثمان سنوات.

فمن ذا الذي أطلق سراح هؤلاء المجرمين، وسمح لهم بالخروج من السجن ليرتكبوا هذه الجريمة البشعة التي أدت إلى اغتصاب وقتل فتاة في عقدها الثالث؟

لم تكن هذه هي الحالة الوحيدة التي يرتكب فيها أصحاب سوابق جريمة جديدة في وقت كان يُفترض بهم أن يكونوا في السجن لحظة ارتكاب تلك الجريمة.

وكأمثلة سريعة، ففي آخر شهر من العام 2014، وفي ضحى النهار تم اغتصاب الطفلة "زينب" في مقاطعة عرفات، وهي في طريقها إلى المحظرة، وتم حرقها من بعد ذلك من طرف أصحاب سوابق ينتمون إلى عصابة من المجرمين كانت معروفة لدى الكثير من الأهالي في مقاطعة عرفات.

وفي آخر شهر من العام 2015، وفي قلب العاصمة نواكشوط، وتحديدا في سوقها المركزي تم قتل السيدة "خدوج" وكان في سجل مرتكب تلك الجريمة البشعة الكثير من عمليات الإجرام، وكان في كل مرة يخرج من السجن، حتى أنه وفي مطلع الشهر الذي ارتكب فيه جريمته البشعة التي راجت ضحيتها المرحومة "خدوج"، حتى في مطلع ذلك الشهر، فسنجد بأن المعني كانت قد تمت إحالته من طرف مفوضية السبخة رقم 2 مع محضر يتضمن عددا من الأدلة التي تدينه بالسطو والحرابة وتعاطي المخدرات ومع ذلك فقد أفرج عنه القضاء دون أي متابعة، ليرتكب جريمته البشعة التي راحت ضحيتها المرحومة "خدوج" أمام دكانها في سوق العاصمة المركزي.

إن أي عملية بحث سريعة في الجرائم البشعة التي هزت العاصمة نواكشوط خلال السنوات الأخيرة ستكشف بأن نسبة هامة من تلك الجرائم كان وراءها أصحاب سوابق ومجرمون كان يُفترض بهم أن يكونوا في السجن لحظة ارتكاب تلك الجرائم البشعة.

كم أتمنى أن تقوم بعض المواقع أو الصحف أو القنوات التلفزيونية أو الإذاعية بإعداد تحقيق واسع عن الجرائم التي ارتكبها مجرمون كان يفترض بهم أن يكونوا في السجن لحظة ارتكاب تلك الجرائم.

فإلى متى سيستمر إطلاق سراح المجرمين؟

ولماذا يسمح لهم بارتكاب المزيد من الجرائم البشعة؟

حفظ الله موريتانيا... 

السبت، 12 سبتمبر 2020

من غرق باسكنو إلى عطش نواكشوط!

 


لقد عشنا خلال هذا الأسبوع ظاهرة فريدة من نوعها تستحق التأمل، وأقصد بهذه الظاهرة أننا أجبرنا على أن نوزع تعاطفنا وتضامننا ـ وربما بالتساوي ـ بين مدن وقرى في الداخل تكاد تغرق، وعاصمة كاد أن يهلكها العطش.

كان علينا في هذا الأسبوع أن نتضامن وبشكل متزامن مع الغرقى في الداخل والعطشى في العاصمة نواكشوط!

عطشٌ هنا وغرق هناك! أليس في هذا مفارقة عجيبة تستحق أن نتوقف معها ولو بعجالة؟

إن من يتأمل في هذه الظاهرة الفريدة من نوعها ستحاصره أسئلة ملحة من قبيل : لماذا لا نفكر مستقبلا في الاستفادة من فائض الماء في الخريف لنروي به عطش المواطنين في الصيف؟ ولماذا لا نستغل هذا الفائض من مياه الأمطار في زراعة ما يسد رمق الجوعى في بلادنا، وهم الذين يعدون بمئات الآلاف؟

لستُ مهندس مياه ولا مهندس زراعة، ولا علاقة لي أصلا بالهندسة والتي كان آخر عهدي بها في الثانوية، وبالتأكيد فأنا لا أعرف كيف يمكننا أن نخزن مياه الأمطار ونحولها إلى ماء يسقي العطشى في الصيف، ولا أعرف كيف يمكننا أن نستفيد من هذا الماء الفائض في تحسين وزيادة إنتاج الزراعة المطرية، لا أعرف شيئا عن ذلك، ولكني ـ في المقابل ـ على قناعة تامة بأن هناك طريقة ما للاستفادة من هذا الماء الفائض، وعلى الحكومة أن تبحث عن تلك الطريقة، وأن تبدأ العمل بها.

إن ما تكبدته بعض المدن والقرى من أضرار بسبب الأمطار يجب أن يدفع الحكومة إلى الخروج من دائرة ردود الأفعال والحلول المؤقتة، خاصة وأن مثل هذه الأضرار تتكرر تقريبا مع كل موسم خريف. كما أن العطش الشديد الذي عرفته العاصمة نواكشوط خلال الأيام الماضية بسبب انقطاع الماء يجب أن يلفتَ انتباه الحكومة إلى حجم المشاكل المعقدة والتحديات الصعبة التي تواجهها العاصمة نواكشوط، فهذه العاصمة وعلى الرغم من مرور ما يزيد على ستين سنة على إنشائها، ما تزال تعاني من مشاكل معقدة وتحديات صعبة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ مشكل العطش، فالماء يمكن أن ينقطع عن العاصمة نواكشوط نتيجة لخلل هنا أو هناك، وهذا ما ظهر جليا خلال الأيام الماضية

2 ـ مشكل الكهرباء، فعلى الرغم من أغنية تصدير الكهرباء فكثيرا ما تغرق عاصمتنا في ظلام دامس

3 ـ مشكل غياب صرف صحي، فعاصمتنا ربما تكون العاصمة الوحيدة في العالم التي لا يوجد بها صرف صحي

4 ـ مشكل القمامة، لم نتمكن حتى الآن من إيجاد حل جذري لمشكل القمامة في عاصمتنا الفتية أو العجوز، وكلا الصفتين يمكن استخدامها هنا، فهي فتية في عمرها، عجوز في مظهرها وشكلها.

5 ـ مشكل تهالك الطرق وفوضى حركة السير، ومن الطريف هنا أن ثلاث ملتقيات طرق هامة في العاصمة نواكشوط يتولى فيها تنظيم حركة السير أشخاص نصفهم ـ حقا أو زورا ـ  بالمجانين. إن من يتأمل حركة السير على طرقنا سيتساءل عن أيهما أشد جنونا: هل هم أولئك الذين يتولون تنظيم حركة السير ونصفهم بالجنون أم بعض أولئك الذين يقودون سيارات فاخرة أو متهالكة في العاصمة نواكشوط أو في غيرها من مدن الوطن؟  

إن مما يؤسف له حقا هو أن عاصمتنا ما تزال ـ وبعد دخولها في عقدها السابع ـ بلا صرف صحي، وتهددها القمامة والعطش وانقطاعات الكهرباء وفوضى حركة السير.

يُخَيَّل إليَّ في بعض الأحيان بأننا بحاجة ماسة إلى إنشاء وزارة خاصة بمشاكل العاصمة نواكشوط، فمشاكل هذه العاصمة أكبر من وزارة، وهي تحتاج إلى وزير يتفرغ لها، بل ربما تحتاج هذه المشاكل إلى لجنة وزارية خاصة بها.

في أحايين أخرى يُخَيَّل إليَّ بأننا في هذه البلاد بحاجة إلى التفكير و البحث الجدي عن عاصمة أخرى تكون بديلة للعاصمة نواكشوط.

من زيارة الرئيس للحوض الشرقي إلى تغريدته عن عطش نواكشوط

صحيحٌ أن مشاكل هذا الأسبوع كشفت عن حجم التحديات الصعبة التي ما تزال تعاني منها بلادنا بعد ستة عقود من استقلاها، ولكن الصحيح أيضا هو أننا لمسنا ـ كمتابعين للشأن العام ـ  تفاعلا مختلفا مع هذه المشاكل، ونأمل أن يشكل هذا التفاعل المختلف بداية حقيقية للتعامل المختلف مع تلك المشاكل.

لقد كانت زيارة رئيس الجمهورية لولاية الحوض الشرقي مختلفة عن زيارات بعض سلفه، وقد تميزت هذه الزيارة ب:

1 ـ أن سكان الولاية المزورة لم يحشروا ضحى تحت لهيب الشمس في انتظار قدوم الرئيس

2 ـ أن المهرجين الذين تعودنا على مشاهدتهم في الصفوف الأمامية خلال زيارات الرئيس السابق لم يظهروا خلال كل محطات هذه الزيارة

3 ـ أن الوجهاء والأطر قد غابوا عن المشهد، فلم نشاهد سكان تفرغ زينة يصطفون في طوابير طويلة ويصافحون الرئيس في النعمة أو في عدل بكرو أو في باسكنو..كلما شاهدناه هو مجموعات من سكان الولاية الحقيقيين تجمعوا هنا أو هناك لإسماع مطالبهم الملحة لرئيس الجمهورية، وإن ذلك لأمر مبشر.

لقد تفاعل رئيس الجمهورية بشكل إيجابي مع الأضرار التي تسببت فيها الأمطار، وذلك من خلال زيارته لإحدى الولايات المتضررة، كما تفاعل بشكل إيجابي مع عطش نواكشوط من خلال تغريدته التي عبر فيها عن أسفه لانقطاع الماء عن العاصمة، كما بشر من خلالها بالتغلب على الأعطاب. وقد سبقت تغريدة رئيس الجمهورية نقطة صحفية لوزير الطاقة خصصها لأزمة عطش نواكشوط، هذا فضلا عن إصدار بيانات ومناشير رسمية من طرف وزير المياه والصرف الصحي وشركتي الكهرباء والماء.

لقد لمسنا كمتابعين للشأن العام تفاعلا مختلفا مع هذا النوع من المشاكل المتجددة والمعقدة، ونرجو أن يتبع هذا التفاعل الإيجابي تعامل مختلف عما عهدناه في الفترات السابقة يؤدي في المحصلة النهائية إلى حل جذري ودائم لهذه المشاكل.

لقد تعايشنا مع هذه المشاكل لعدة عقود، بل وتآلفنا معها، ولكنه لم يعد بمقدورنا التعايش معها أكثر، ولن يكون بمقدورنا مستقبلا أن نتقبل العيش بعد سنتين أو ثلاث في عاصمة بلا صرف صحي ينقطع عنها الماء والكهرباء باستمرار وتهددها القمامة وفوضى حركة السير. إن هذه المشاكل يجب أن تحل بشكل نهائي وجذري خلال مأمورية الرئيس الحالية، ولن يكون ذلك ممكنا إلا إذا بدأ العمل الجدي من الآن لحل هذه المشاكل المعقدة، وأن يكون ذلك من خلال اختيار موظفين أكفاء مشهود لهم بالاستقامة وحسن التسيير، ويمتلكون إضافة إلى ذلك عقولا مبدعة قادرة على إعداد الخطط وابتكار الحلول الناجعة لمشاكلنا المزمنة.       

حفظ الله موريتانيا... 

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2020

هل ستنال حكومة المهندس محمد ولد بلال ثقة الشعب (1)؟

 


ذكرني الفيسبوك بمنشور قصير جدا كتبته في مثل هذا اليوم من العام الماضي، وكان التذكير في محله. المنشور كتبته بعد نيل حكومة المهندس اسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا لثقة البرلمان الموريتاني في مثل هذا اليوم من العام الماضي, وهذا نص المنشور : "خلاصة الكلام: من المهم أن تنال الحكومة ثقة ممثلي الشعب، ولكن الأهم من ذلك هو أن تنال ثقة الشعب بنفسه."

بالفعل نالت حكومة المهندس محمد ولد بلال ثقة البرلمان الموريتاني، كما نالتها من قبل ذلك حكومة المهندس إسماعيل ولد الشيخ سيديا، وقد صوت لحكومة ولد بلال 131 نائبا بنعم مقابل 128 نائبا صوتت لحكومة ولد الشيخ سيديا، أي بزيادة 3 أصوات، وصوت ضدها 16 نائبا مقابل 19 نائبا صوتت ضد حكومة ولد الشيخ سيديا، أي أن أصوات الرافضين نقصت ب3. في حين امتنع نائبان عن التصويت لحكومة ولد بلال، وصوت نائبان بالحياد لحكومة ولد الشيخ سيديا.

بالفعل نالت حكومة معالي الوزير الأول محمد ولد بلال ثقة البرلمان الموريتاني، وتمت إقامة مأدبة عشاء لصالح النواب، تماما مثل ما حدث مع حكومة ولد الشيخ سيديا، ولكن السؤال الأهم هو : هل ستنال تلك الحكومة ثقة الشعب الموريتاني الذي انتخب ذلك البرلمان؟

إذا ما أرادت حكومة معالي الوزير الأول محمد ولد بلال أن تنال ثقة الشعب الموريتاني، فإن ذلك يتطلب منها أن تشتغل بجدية على جبهتين اثنتين : أولهما وهي الأهم جبهة الإنجاز، والثانية جبهة تسويق ذلك الانجاز، وهي لا تقل أهمية عن الأولى.

لقد أصبح من المعلوم بداهة في عالم اليوم بأن الإنجازات إذا لم تسوق إعلاميا بشكل جيد فإنها تبقى ناقصة إن لم أقل معدومة. كما أصبح من المعلوم أيضا بأن الإنجازات العادية إذا ما وجدت تسويقا إعلاميا جيدا فإنها تتحول إلى إنجازات كبرى.

تلك حقيقة لم تدركها ـ أو لم تهتم بها ـ حكومة ولد الشيح سيديا، فهل سيكون الأمر مختلفا بالنسبة لحكومة ولد بلال؟

وكأمثلة على عجز الإعلام الحكومي في فترة ولد الشيخ سيديا، فإليكم هذه الأمثلة الثلاثة:

(1)

لستُ على اطلاع كامل بعمل مندوبية تآزر، وليس بمقدوري أن أقيم عملها خلال العام الماضي، ولكن، وبحكم عضويتي في لجنة متابعة صندوق كورونا، والتي تعاني هي بدورها من ضعف إعلامي كبير، فبحكم عضويتي في تلك اللجنة، وبحكم اطلاعي على كل التفاصيل المتعلقة بدعم الأسر الهشة، فإنه يمكنني أن أقول ـ وبكل اطمئنان ـ بأن مندوبية تآزر أدت عملا رائعا بخصوص تقديم المساعدات النقدية والعينية للأسر الهشة، والمؤسف أن هذا العمل الرائع لم يجد تسويقا إعلاميا يليق به، بل على العكس من ذلك فقد تعرض لحملة تشويه غير مسبوقة، مرت بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى / عند إبرام الصفقة : لقد راج حينها بأن المندوبية أجَّرت عشرات السيارات، وأنفقت مبالغ طائلة لإيصال مبالغ تافهة للمستفيدين. والحقيقة أن هذه الصفقة كانت صفقة غير مسبوقة من حيث الكلفة، ذلك أن كلفتها الإجمالية لم تصل إلى 50 مليون أوقية قديمة، ولم تصل نسبتها من المبلغ الكلي إلى 2% ، وقد كانت كلفة تحويل المبلغ إلى كل أسرة أقل بكثير من الكلفة التي تحسبها وكالات تحويل الأموال، مع أن الفارق بين عملية التحويل في الحالتين هو فارق كبير جدا.

المرحة الثانية /عند الانطلاقة الميدانية :  لقد راج مع الانطلاقة الميدانية بأن مندوبية تآزر تعمل على نشر العدوى بكوفيد 19 من خلال فرقها التي تقوم بعمليات توزيع المساعدات النقدية. والحقيقة أن هناك فحوصا أولية تم إجراؤها لبعض أعضاء الفرق في بعض الولايات تحدثت عن وجود إصابات، ولكن، وبعد العودة إلى العاصمة نواكشوط، وبعد إجراءات فحوص أخرى أكثر دقة تبين عدم إصابة المعنيين.

المرحلة الثالثة /عند توزيع المبالغ النقدية: وهنا راج  بأن عمليات توزيع المساهمات النقدية قد صاحبها الكثير من المحسوبية وعدم الشفافية، والحقيقة أن المندوبية قد سلمتنا في لجنة متابعة صندوق كورونا لائحة بمائتي ألف أسرة مستفيدة، تظهر فيها صور وأسماء وبصمات وأرقام هواتف كل المستفيدين من هذه العملية. هذه اللائحة تمكن أي منحدر من أي قرية موريتانية من معرفة المستفيدين في قريته بالأسماء والصور، ويمكنه بعد ذلك أن يعرف هل استفاد فقراء قريته أم لا؟ كما أنها تمكن من إجراء اتصال هاتفي بعينات عشوائية من عدة قرى وتوجيه الأسئلة إليهم بخصوص الظروف التي تسلموا فيها تلك المساعدات النقدية.

من المؤكد بأن العملية شابتها بعض النواقص التي يصعب أن يسلم منها أي عمل بهذا الحجم، ولكنها في المجمل كانت عملية غير مسبوقة، خاصة من حيث الكلفة ومن حيث الشفافية، تلك هي الخلاصة التي يمكن أن يخرج بها كل من اطلع على تفاصيل هذه العملية، وهي العملية التي تحولت ـ للأسف الشديد ـ في أذهان الكثيرين بسبب ضعف أداء الإعلام الحكومي إلى  صفقة مريبة، نقلت العدوى إلى المواطنين في قراهم، وشابها الكثير من عدم الشفافية عند التوزيع!!

(2)

لستُ راضيا ـ كمتابع للشأن العام ـ عن أداء وزير التنمية الريفية، ولكن عدم الرضا عن أداء الوزير لن يمنعني من القول بأن هذا الوزير قد تعرض لحملة انتقاد واسعة بسبب صورة غير موفقة.  في الأسبوع الثالث من شهر أغسطس الماضي نظم وزير التنمية الريفية عدة زيارات لعدة ولايات، وقام بتدشين وزيارة العديد من المشاريع المتنوعة التابعة لقطاعه. هذه الزيارة التي شملت العديد من المشاريع تم اختزالها في لقطة واحدة وثقتها صورة، وهي لقطة تتمثل في إشراف معالي الوزير رفقة الكثير من معاونيه، وعدد كبير من ممثلي السلطات الجهوية على عملية تسليم تسعة رؤوس من الماعز لمواطنة في إحدى قرى الوطن.

هذه الصورة التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي كانتشار النار في الهشيم هي التي بقت عالقة في أذهان المتابعين، وأصبح الكثير من المتابعين على قناعة تامة بأن الوزير لم يقم بأي عمل خلال زيارته تلك غير منح تسعة رؤوس من الماعز لإحدى المواطنات الفقيرات.

هذا الخطأ الفادح يتحمله في الأساس المستشار الإعلامي في الوزارة والذي يبدو أنه لا يقدر خطورة التقاط ونشر مثل هذه الصور، في مثل هذا الوقت الذي أصبحت فيه الصورة هي الأكثر تأثيرا في الإعلام بشقيه التقليدي والحديث.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإنه لن يفوتني هنا أن أشير إلى بعض الصور غير اللائقة التي يتعمد بعض الوزراء ومن ورائهم الإعلام الرسمي إلى نشرها وجعلها عناوين للأخبار الرئيسية في وسائط الإعلام الرسمي.

لا يليق بوزير أن يظهر في صورة تتصدر الأخبار الرئيسية في الإعلام الرسمي وهو يتسلم من سفير دولة أجنبية خمس سيارات، أو أن يظهر آخر وهو يتسلم من سفير آخر عددا من ماكنات الخياطة، أو يظهر ثالث وهو يتسلم من سفير دولة أجنبية 25 وحدة معلوماتية، كما حدث يوم الجمعة الماضي الموافق 04 سبتمبر مع معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتقنيات الإعلام والاتصال.. مثل هذه الهدايا المتواضعة جدا لا يليق بوزير أن يتسلمها من سفير دولة أجنبية، بل لا يليق بأمين عام لوزارة أن يتسلمها، وليس من المناسب أن يُجْعل منها خبرا رئيسيا يتصدر نشرات الإخبار في التلفزيون والإذاعة الرسميتين..هذا النوع من الهدايا المتواضعة يكفي أن يتسلمه مدير القطاع المعني في الوزارة.

(3)

في يوم 9 ديسمبر من العام 2019 أعطى الوزير الأول السابق إشارة انطلاق الأشغال لتأهيل المحور الطرقي (بوتلميت _ألاك). لم تنطلق الأشغال أو توقفت، وكثر الحديث عن ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي.

الوزير الأول الحالي، وخلال عرض برنامجه أمام الحكومة، قال بأن الأشغال ستستأنف يوم الاثنين الموافق 07 سبتمبر، وأنها ستنتهي قبل الموعد المحدد (25 فبراير 2022).

الوزير الأول بين أن تأخر استئناف الأشغال يعود إلى إغلاق الحدود بسبب كورونا، وأن الحكومة هي التي قررت وقف الأشغال إلى حين وصول مكتب الرقابة الذي تعاقدت معه.

تغييب مثل هذه المعلومة التي هي في صالح الحكومة فتحت المجال لانتقاد الحكومة بسبب طول توقف الأشغال في هذا المقطع الحيوي من طريق الأمل.

 تلكم كانت مجرد ثلاثة أمثلة سريعة من بين أمثلة عديدة أخرى كان يمكن تقديمها كأدلة على ضعف أداء الإعلام الحكومي، وسأكتفي في هذا المقام بتلك الأمثلة على أن أقدم في فرصة أخرى ـ إن شاء الله ـ بعض المقترحات التي من شأنها أن تَحُدَّ من ضعف أداء الإعلام الحكومي إن تم الأخذ بها.  

حفظ الله موريتانيا... 

السبت، 5 سبتمبر 2020

هناك ملفات لا تقبل غير الحلول النهائية

 


(1)

لقد قررت في صبيحة هذا اليوم، وبعد ليلة ممطرة أن أتخذ قرارا شجاعا وجريئا..

حقا إنه لقرار جريء وشجاع..

أتدرون ما هو هذا القرار الشجاع والجريء؟

لقد قررت بمحض إرادتي، ودون إكراه من أي جهة خارجية، أن أذهب إلى قلب العاصمة مع العلم بأن لا أملك زورقا، ولم أتدرب من قبل على السباحة.

أثناء اتخاذ هذا القرار الشجاع والجريء تمنيتُ لو أن الحكومة بدورها اتخذت مثلي قرارات شجاعة وجريئة ما دامت عاجزة عن إنشاء شبكة للصرف الصحي.

أتدرون ما هي القرارات الشجاعة والجريئة التي تمنيتُ لو أن الحكومة اتخذتها في مثل هذه الأيام؟

تمنيت لو أن الحكومة قررت أن تؤسس ـ وعلى وجه الاستعجال ـ معهدا لتدريب المواطنين القاطنين في العاصمة على السباحة وعلى عبور البرك والمستنقعات.

وتمنيتُ أيضا لو أن الحكومة استوردت عشرات الزوارق من جمهورية إيران الإسلامية، وأنها أسست بتلك الزوارق "الشركة العامة للنقل البحري بين أحياء العاصمة".

وتمنيت لو أن الحكومة أعلنت عن مرسوم في مجلس الوزراء القادم يقضي بإنشاء "وزارة للصيد في المياه العكرة"….

ولم تتوقف أمنياتي المشاكسة عند هذا الحد، بل إني تمنيت لو أن الرئيس اتخذ قرارا شجاعا وجريئا يقضي بتحويل مقر وزارة المياه والصرف الصحي إلى إحدى البرك بمقاطعة السبخة، وإلى تحويل سكن الوزير إلى حي سوكوجيم، في حين يتم تحويل أبنائه إلى أقدم مدرسة بالعاصمة، أي إلى المدرسة رقم 1 بلكصر وذلك لكي يواصلوا دراستهم هناك في فصول تحيط بها البرك والمستنقعات على مدار السنة.

ولو أن الرئيس اتخذ مثل هذا القرار، وألزم وزير الصرف الصحي بالعيش لمدة أسبوع بين مكتبه في السبخة وسكنه في سوكوجيم، لأبتدع هذا الوزير حلا ثوريا لمواجهة البرك والمستنقعات الآسنة.

تلكم كانت فقرة من مقال تحت عنوان "أمنيات مشاكسة!!" تم نشره قبل سبع سنوات في مثل هذا الشهر من العام 2013.

(2)

مع كل موسم خريف يتجدد الحديث عن غياب صرف صحي في العاصمة نواكشوط، وربما تكون العاصمة نواكشوط هي العاصمة الوحيدة في العالم التي لا يوجد بها صرف صحي..فإلى متى ستستمر هذه الكارثة؟ ألم يحن الوقت للتفكير في حل جذري ونهائي لمشكلة الصرف الصحي في العاصمة نواكشوط؟

لا أدري إلى أين وصل هذا الملف، ولا أدري لماذا تأخر رغم تكرر الحديث خلال السنوات الماضية عن البدء في تشييد صرف صحي في العاصمة نواكشوط وبكلفة كبيرة جدا. كل ما أستطيع قوله هنا هو أن ملف الصرف الصحي في العاصمة نواكشوط لم يعد قابلا للتأجيل، ولم يعد من المقبول أن يتم التعامل معه بحلول ترقيعية أو مؤقتة.

(3)

من الملفات التي تحتاج كذلك إلى حلول نهائية مشكلة العطش التي تتجدد مع صيف كل عام، والتي يصعب أن تسلم منها أي قرية أو أي مدينة على أراضي الجهورية الإسلامية الموريتانية. لقد آن الأوان لأن تبحث الحكومة عن حلول جدية ومستديمة لمشكل العطش في موريتانيا.

(4)

من المشاكل التي تتجدد مع صيف كل عام، يمكن أن نذكر مشكل العلف الحيواني التي تؤرق المنمين كل عام . فإلى متى سيستمر تجدد هذه الكارثة كل عام؟ ألم يحن الوقت لأن تفكر الحكومة في تشييد مصانع قادرة على توفير ما تحتاجه بلادنا من علف حيواني؟

(5)

من المشاكل التي تتجدد سنويا، والتي تظهر مع كل موسم خريف، يمكننا أن نذكر المشاكل الناتجة عن الفيضانات والسيول، والتي تتسبب مع كل موسم خريف جيد في الكثير من الخسائر المادية وربما البشرية.  ألم يحن الوقت للتفكير في إنشاء هيئة أو مؤسسة وطنية للطوارئ والوقاية من الكوارث، تعمل على جبهتين:  أولهما تتعلق بالوقاية من الكوارث، وذلك من خلال إعداد خريطة بالأماكن الهشة والمهددة والبحث عن وسائل لحمايتها من قبل  تهاطل الأمطار. أما الثانية فتتعلق بمجال التدخل السريع عند حصول الكارثة، وهذا يتطلب أن تنسق هذه الهيئة جهود كل القطاعات المعنية بالموضوع : وزارة الداخلية؛ الجيش؛ وزارة الصحة؛ الحماية المدنية؛ المجتمع المدني ...إلخ

وبكلمة واحدة:إن هناك ملفات معقدة تحتاج إلى حلول جادة ومستديمة، ولم تعد تنفع معها الحلول الترقيعية أو المؤقتة.

حفظ الله موريتانيا... 

الخميس، 27 أغسطس 2020

ماذا سيقول الرئيس السابق في مؤتمره الصحفي؟

 


لقد أوضحتُ في عدة مقالات سابقة، وبعضها تم نشره من قبل مغادرة الرئيس السابق للسلطة، بأن الرئيس السابق سيخرج من السلطة وهو لم يعد يمتلك أية ورقة ضغط، وبأن الورقة الوحيدة التي ستبقى لديه هي العلاقة القوية التي تربطه بصديقه الرئيس الجديد، ولذا فمن مصلحته الخاصة أن يعمل على تعزيز تلك العلاقة وعلى تقويتها، ولكن الذي حصل بعد ذلك كان أقرب إلى هدم الثقة وإضعاف تلك العلاقة بدلا من تعزيزها وتقويتها.

كما أوضحتُ أيضا في تلك المقالات بأن من مصلحة الرئيس السابق أن يبتعد تماما عن الأضواء والصحافة، أو على الأقل، خلال العام الأول من مغادرته للسلطة، فأي إطلالة أو أي ظهور إعلامي في هذه الفترة  لن يكون في صالحه، وسيجلب له من الأضرار الشيء الكثير. ولعلكم تذكرون حجم الأضرار السياسية التي تكبدها الرئيس السابق بسبب اجتماعه بلجنة تسيير الحزب الحاكم، وحجم الأضرار الإعلامية التي تكبدها بسبب مؤتمره الصحفي الذي عقده في منزله بعد اجتماعه بلجنة تسيير الحزب.

لقد ارتكب الرئيس السابق أخطاء كثيرة في حق نفسه، كما ارتكب مناصروه الذين يعدون بأصابع اليد أخطاء لا تقل خطورة، وذلك عندما دفعوا به إلى مواجهة غير متكافئة.

نعم إن من المناصرة ما قتل، فمن كان يقول للرئيس السابق بأنه هو مؤسس الحزب الحاكم، وأنه وهو مرجعيته، إنما كان يدفعه بذلك القول إلى معركة خاسرة. ومن كان يقول له بأن الرئيس الحالي هو ظله في الرئاسة، وأن عليه أن يتصرف على ذلك الأساس، إنما كان يريد أن يكشف عنه غطاء الحماية، وأن يجعله في مرمى نيران الأصدقاء من قبل الخصوم.

هذه حقيقة واضحة، ويبدو أن من يكتب البيانات التي توقع باسم بدر ولد عبد العزيز نجل الرئيس السابق أدرك هذه الحقيقة، فأغلب تلك البيانات طالبت بوقف التظاهر وبعدم الإساءة للرئيس الحالي، بل أكثر من ذلك فقد اعتبرت أن بعض المناصرين ما هم إلا مجموعة من المندسين تعمل لصالح أعداء الرئيس السابق، وتسعى إلى إلحاق الضرر به.

اليوم يكرر أنصار الرئيس السابق نفس الأخطاء، وذلك عندما حاولوا أن يقنعوا الرأي العام بأن النظام القائم يخاف من مؤتمر الرئيس السابق، ويخاف مما سيكشف في هذا المؤتمر، ولذلك فقد عمد النظام الحاكم على إلقاء القبض على الرئيس السابق كلما اقترب موعد المؤتمر.

فماذا سيقول هؤلاء عندما يسمح للرئيس السابق أن يعقد مؤتمره الصحفي؟

وماذا سيقول الرئيس السابق في مؤتمره الصحفي الذي تم الترويج له كثيرا من طرف أنصاره الذين يعدون بأصابع اليد؟ وهل ستكون هناك مفاجآت في هذا المؤتمر كما يقول أنصار الرئيس السابق؟

الراجح عندي أن المؤتمر سيأتي بنتائج عكسية، وسيتسبب في مزيد من الخسائر، فالرئيس السابق لن يكون بمقدوره أن يجيب إجابة مقنعة على السؤال الأهم الذي يطرحه الآن الموريتانيون، وهو السؤال الذي يقول : كيف استطاع الرئيس السابق أن يجمع ثروته الطائلة، وهو الذي كان لا يملك وحتى وقت قريب إلا حفارة واحدة تقوم ببعض الأعمال الخيرية؟ فكيف جمع هذه الثروة الهائلة في فترة كان يحرم عليه فيها مزاولة أي نشاط تجاري؟ فحتى راتبه الذي كان يتقاضاه في فترة رئاسته لم يسحب من البنك، وبالتالي فلم يستخدم في ممارسة أي نوع من أنواع تجارة.

لن يقدم الرئيس السابق في مؤتمره الصحفي جوابا متماسكا على هذا السؤال الملح، ولن يقدم مفاجآت تدين بشكل موثق خصومه، وسيكون تركيزه على كلام مكرر لا يقدم ولا يؤخر، وبذلك فإن المؤتمر الصحفي للرئيس السابق سيؤدي في المحصلة النهائية إلى خسارة سياسية وإعلامية جديدة تنضاف إلى الخسائر المتعددة التي تكبدها الرئيس السابق منذ خروجه من السلطة.

 

حفظ الله موريتانيا... 

الثلاثاء، 25 أغسطس 2020

هل من تسوية في الأفق؟

 

تعددت الآراء حول إطلاق سراح الرئيس السابق والسماح له بالعودة إلى منزله مع وضعه تحت المراقبة المباشرة، وذلك بعد انتهاء مدة الحراسة النظرية، والتي تصل إلى 48 ساعة قابلة للتمديد مرتين بالنسبة لجرائم الفساد ( المادة 27 من قانون مكافحة الفساد).

تعددت الآراء حول إطلاق سراح الرئيس السابق مع وضعه تحت المراقبة المباشرة، فهناك من رأى بأن عملية إطلاق سراحه تأتي كمقدمة ل "تسوية ما" ستنكشف تفاصيلها مستقبلا، وهناك من يرى بأن كل ما جري حتى الآن هو مجرد عمل مسرحي للإلهاء، وبأنه لا جدية في هذا الملف.

من الذين أغضبهم إطلاق سراح الرئيس السابق طائفة من الموريتانيين بعضها كان يبالغ في التطبيل للرئيس السابق، وبعضها الآخر كان يحسب على معارضته المتطرفة. أصحاب هذا الموقف لا يريدون تطبيق القانون ومحاربة الفساد بشكل جدي، وإنما يريدون نوعا من الانتقام والتشفي، ولذلك فقد أغضبهم إطلاق سراح الرئيس السابق بعد انتهاء مدة حراسته النظرية.

يريد هؤلاء من الرئيس الحالي أن يتصرف كما كان يتصرف الرئيس السابق مع خصومه، أي أن لا يلقي أهمية للإجراءات والآجال القانونية، وأن يبقي الرئيس السابق قيد الاعتقال خارج القانون، فذلك هو ما يرضيهم، وذلك هو ما يريدون.  

إن ممارسة الأساليب الانتقامية في هذا الملف قد ترضي طائفة من موالاة الرئيس السابق كانت تبالغ في مدحه، وأصبحت اليوم تبالغ في نقده، وقد ترضي طائفة أخرى من معارضيه، وهي طائفة طغى على معارضتها البعد الشخصي. نعم إن ممارسة الأساليب الانتقامية قد ترضي هؤلاء وأولئك، ولكنها لن ترضي من يريد حربا جدية على الفساد تقوم على احترام القانون والفصل بين السلطات.

إن من يريد حربا جدية على الفساد تقوم على احترام القانون يجب عليه أن يثمن كل خطوة يحترم فيها القانون في مسار هذا الملف المعقد والشائك، ومن الخطوات التي تم فيها احترم القانون إطلاق سراح الرئيس السابق خلال الدقائق الأولى التي أعقبت انتهاء مدة الحراسة النظرية.

هناك طائفة ثانية تعتبر بأن كل ما يجري في هذا الملف هو مجرد عمل سرحي، والطريف عند أصحاب نظرية "العمل المسرحي" أنهم في كل مرة يقولون لقد انكشفت اللعبة وانتهت المسرحية، ولكنهم مع كل إعلان عن نهاية المسرحية يعودون من جديد لمتابعتها، وذلك على الرغم من اعترافاتهم المسبق بانتهاء فصولها.

لقد قالوا بأن المسرحية انتهت يوم قال أحد أعضاء لجنة التحقيق البرلمانية بأن الرئيس السابق ليس مستهدفا..

وقالوا بأن المسرحية انتهت يوم رفض الرئيس السابق الاستجابة لدعوة لجنة التحقيق البرلمانية للمثول أمامها..

وقالوا بأن المسرحية انتهت عندما أجلت الجمعية الوطنية نقاش القانون النظامي لمحكمة العدل السامية..

وقالوا بأن المسرحية انتهت عندما تم إطلاق سراح الرئيس السابق بعد انتهاء مدة الحراسة النظرية.

الطريف في الأمر أن هؤلاء سيعودون غدا لمتابعة فصول مسرحية أقسموا أكثر من مرة بأنها قد انتهت! هم لم يتابعوا المشاهد القوية من هذه المسرحية (تشكيل لجنة تحقيق برلمانية؛ إقالة وزراء؛ التحقيق مع رئيس سابق ...إلخ)، كل هذه المشاهد القوية لم يتابعوها ولم يعلقوا إيجابا عليها، وإنما اكتفوا بانتظار تلك المشاهد التي يمكن تأويلها تأويلا مغلوطا، انتظروها وتلقفوها ليقدموها كدليل لا يقبل التشكيك على انتهاء مسرحية التحقيق مع الرئيس السابق وبعض وزرائه.

هناك طائفة ثالثة تختلف عن الطائفتين السابقتين ترى بأن في إطلاق سراح الرئيس السابق "بداية ما" لتسوية الملف. إن كل المؤشرات المتاحة حاليا تؤكد بأنه:

 - لم يعد بالإمكان عقد أي تسوية من أي نوع بين الرئيسين الحالي والسابق.

 - الفترة الزمنية التي كانت متاحة نظريا لعقد أي تسوية من أي نوع انتهت منذ أشهر، ومن قبل أن يتم تشكيل لجنة تحقيق برلمانية.

 - الرئيس السابق لم يعد يملك أي ورقة ضغط من أي نوع لفرض أي تسوية.

-  الرئيس الحالي يقدر - أكثر من غيره - حجم الكلفة التي سيدفعها نظامه إن هو أقبل على تسوية من أي نوع لغلق هذا الملف.

التسوية التي يمكن أن تحدث مستقبلا هي تلك التسوية التي تمكن من استعادة بعض الأموال المنهوبة، وغير ذلك من التسويات لا أراه متوقعا.

خلاصة القول :

-  من كان يتوقع في هذا الملف أسلوبا انتقاميا يتم فيه تجاوز القانون ، كما كان يحدث في الماضي فسيخيب أمله كثيرا.. يكفي لتأكيد ذلك أن الدولة انتدبت 60 محاميا للدفاع عن مصالحها، والتي تريد أن تستعيدها بالقانون، وبالقانون فقط.

-  من كان يتوقع بأننا أمام عمل مسرحي غير جاد فسيفاجأ كثيرا.

هناك محطات سيصاب فيه الناقمون على الرئيس السابق بخيبات أمل كثيرة، وهناك محطات أخرى سيفاجأ فيها من يقول بنظرية المسرحية بنوع من الجدية لم يكن يتوقعه أبدا.

ليست هناك أي تسوية في الأفق، والملف يسير بطريقة قد لا تعجب هؤلاء ولا أولئك، ولكنها بإذن الله ستعجب كل من يريد حربا جدية على الفساد تعتمد على احترام القانون وفصل السلطات.

حفظ الله موريتانيا...