الأحد، 14 أبريل 2024

فتوى حول تبرعات القبائل لأهلنا في غزة


مرة أخرى أجدني مضطرا للاستعانة بقصة تروى عن الإمام أبي حنيفة وتلميذه المتميز أبي يوسف، ومرة أخرى أجدني ملزما أن أنبه في بداية هذا المقال إلى أن الفتوى التي سأقدمها هنا ليست فتوى دينية، فلذلك النوع من الفتاوى أهله ورجالاته، ونحن لدينا الكثير من العلماء الذين يحق لهم ـ دون غيرهم ـ أن يقدموا فتاوى شرعية في مثل هذه القضايا الشائكة.

إن الحديث هنا هو مجرد حديث إعلامي وسياسي، لا أكثر ولا أقل، ولا علاقة له إطلاقا بالجانب الشرعي، حتى وإن من مُهد لها بقصة من تراثنا الفقهي.

قصة من تراثنا الفقهي

تقول القصة إن أبا يوسف القاضي وهو من أذكى تلاميذ الإمام أبي حنيفة أصيب بمرض شديد ألزمه الفراش، فزاره أبو حنيفة رفقة بعض تلاميذه، وفي طريق العودة قال الإمام لتلاميذه إن أبا يوسف سيكون له شأن عظيم إن قدِّر له أن ينجو من المرض الخطير الذي ألم به، وقال لهم إني كنتُ أرجوه للناس من بعدي.

شُفي أبو يوسف من مرضه، وأخبره بعض أصدقائه بما قاله عنه الإمام، فما كان منه إلا أن قرر أن يفتتح حلقة خاصة به. فوجئ أبو حنيفة بالحلقة الجديدة في المسجد، ولما سأل تلاميذه عنها وعن شيخها، أخبروه أن أبا يوسف قد شفي من مرضه، وأنه قرر أن يفتتح حلقة خاصة به.

ولكي ينبه الإمام تلميذه الذكي على أنه قد استعجل الأمر، وأن وقت التدريس لم يحن بعد، أبرق إليه بسؤال لغز مع أحد التلاميذ جاء فيه أن رجلا أعطى قماشا لخياط ليخيط له ثوبا، ولكن الخياط أنكر وجود القماش، وبعد تفتيش وتهديد اعترف الخياط بوجود الثوب، وكان السؤال هو : هل يعطي صاحب القماش للخياط أجرة خياطة الثوب أم لا؟

ولقد أوصى الإمام تلميذه أن يقول لأبي يوسف أنه قد أخطأ مهما كانت إجابته، فإن قال إن الخياط يستحق أجرا قال له التلميذ الرسول: ومن أين أبحت لخياط سارق الأجرة؟ وإن قال إن الخياط لا يستحق أجرا، قال له التلميذ الرسول: ومن أعطاك الحق في أن تحرم خياطا من أجر معلوم، كان قد حُدد له سلفا إن هو أكمل خياطة الثوب؟

نفذ التلميذ وصية الإمام، وعلم أبو يوسف أن الإمام قد أراد أن ينبهه على أن وقت التدريس لم يحن بعد، فلم يكن منه إلا أن ترك حلقته، وذهب إلى الإمام وطلب منه ـ وهو جاثيا على ركبتيه ـ  أن يفتيه حول أجرة الخياط، وأن يجيبه على السؤال اللغز.

وما علاقة هذا بتبرع القبائل لأهلنا في غزة؟

لا بأس باستخدام نفس الأسلوب في القصة في مسألة تبرعات القبائل لأهلنا في غزة،  فإن قال لكم قائلٌ ـ وما أكثر من يقول بذلك ـ  إن تنافس القبائل في جمع التبرعات لأهلنا في غزة هو عمل لا يجوز وفق منطق وقوانين الدولة الحديثة، وأن هذا النوع من الأنشطة يجب أن يترك بشكل كامل للدولة ولهيئات المجتمع المدني، من أحزاب سياسية، ونقابات، ومنظمات مجتمع مدني.. ويتأكد الأمر بالنسبة لبلد مثل بلدنا ما تزال فيه القبائل تُنافس الدولة، وتنتزع منها الكثير من صلاحياتها. فإن قال لكم قائل بذلك  ـ وما أكثر من يقول به ـ  فقولوا له يا هذا : كيف تريدنا أن نبقى مكتوفي الأيادي دون فعل أي شيء، حتى ولو كان مجرد تبرع بقليل من المال، ونحن نشاهد لحظة بلحظة تفاصيل أبشع وأفظع وأشنع جريمة إبادة ترتكب في عصرنا الحديث ضد إخوة لنا في الدين والدم والإنسانية، ويحدث ذلك في ظل تخاذل عربي وإسلامي وعالمي غير مسبوق.

 يا هذا كيف تريدنا أن نواصل تفرجنا على أبشع جريمة إبادة ضد إخوة لنا، دون أن نتبرع بقليل من المال كتعبير عن أضعف أشكال التضامن والمواساة؟ ألم يكن أولى بكَ أن تتبرع لأخوتك بدلا من شن الهجوم علينا، فأنت بفعلك القبيح هذا، تكون ممن لا يعين الضحايا، ولا يترك الآخرين يعينوهم، إنك بالفعل ممن يمنعون الماعون؟

وإن قال لكم قائل ـ وما أكثر من يقول بذلك ـ إن ما نشاهده اليوم من تنافس بين القبائل في جمع التبرعات لأهلنا في غزة  هو تنافس شريف ونبيل، يستحق منا جميعا أن نشجعه وأن نثمنه حتى يتواصل، وحتى تجمع قبائلنا أكثر ما يمكن أن تجمع من مال، وهي مهما جمعت من مال، فإن ذلك سيبقى أقل مما كان يجب أن نتبرع به إلى أهلنا في غزة.

فإن قال لكم قائل بذلك ـ وما أكثر من يقول به ـ فقولوا له يا هذا كيف تشجع تنافسا قبليا في العام 2024، حتى وإن تلبس ذلك التنافس بلبوس شريف ونبيل؟ ألا يشكل هذا التنافس المحموم تحديا ـ إن لم أقل تهديدا ـ لكيان الدولة وهيبتها؟ ألن يزيد القبائل تغولا في المستقبل؟ ألم يُصْدر وزير الداخلية واللامركزية في يوم الاثنين الموافق 24 يناير 2020 تعميما إلى الولاة بمنع التراخيص لأي نشاط قبلي على أراضي الجمهورية الإسلامية الموريتانية؟ ألا تشكل الأنشطة القبلية التي نشاهدها اليوم، والتي يحضرها ويشارك فيها مسؤولون كبار في الدولة انتهاكا صريحا لذلك التعميم؟ ألا يزيد من خطورة ذلك الانتهاك أن التبرعات تسلم لجهة خارجية، حتى وإن كانت أكثر من شقيقة، مما يعطي لأنشطة القبيلة ـ ولأول مرة ـ  بعدا خارجيا، وذلك بعد أن كانت أنشطتها منحصرة على الداخل الموريتاني؟

عن تناقضات بعض المهتمين بالشأن العام

عودنا الكثيرون من المهتمين بالشأن العام في هذه البلاد أن يناقشوا ما يطفوا على السطح من ظواهر دون الغوص في عمقه، وعودونا كذلك أن يناقشوا تلك الظواهر ويتخذون منها مواقف بعيدة كل البعد من الموضوعية، وتتأثر بشكل كبير بأمزجتهم الشخصية، ولذا فليس من الغريب أن تُصادف أحدهم يجمع بين  نقد القبائل لجمعها للتبرعات لأهلنا في غزة، ودعوتها في نفس الوقت لجمع التبرعات لصالح بعض فئات مجتمعنا الهشة !!

إن ذلك يعني أن جمع القبيلة للتبرعات لغزة مرفوض ويهدد كيان الدولة، وجمعها للتبرعات للفئات الهشة في البلد مطلوب ويستحق التثمين، وفي هذا تناقض واضح، فإما أن نكون مع حضور القبيلة في المجال العام في كل الأحوال، أو ضده في كل الأحوال.

بل أكثر من ذلك، فإن بعض الذين ينتقدون جمع القبائل للتبرعات لأهلنا في غزة، كانوا من قبل انخراط القبائل في جمع التبرعات ينتقدون هيئات مدنية ( الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني والمنتدى الإسلامي الموريتاني) لقيامهما بذلك الدور، وكانوا ـ وما زالوا ـ يشككون في وصول تلك التبرعات إلى من جُمعت له، ومن بين هؤلاء من لا يكتفي فقط بالتهجم والتشكيك في تلك الهيئات، بل يعلن صراحة أنه أصلا ضد جمع التبرعات لأهلنا في غزة، وسواء جُمعت من طرف قبيلة أو هيئة مدنية، وحتى وإن سُلمت علنا لسفير فلسطين أو لممثل حماس في نواكشوط.

بالنسبة لبعض هؤلاء فإن المسألة لا تتعلق فقط بما تجمعه القبائل من تبرعات، بل تتعلق أصلا برفض جمع التبرعات لأهلنا في غزة، مهما كانت الأساليب والوسائل المتبعة في ذلك، ولأن بعض هؤلاء لا يتجرأ على انتقاد جمع التبرعات بشكل مباشر، فأصبح يتعلل في نقده بدخول القبائل على الخط، وكان قبل ذلك يبرر نقده بأن من يجمع تلك التبرعات هيئات محسوبة على تيار سياسي، قد تستخدم ذلك لتحقيق مآرب سياسية ضيقة،  ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا لا يدعو أولئك التيارات السياسية والأيدولوجيات الأخرى إلى تأسيس هيئات مدنية خاصة بها لجمع التبرعات لأهلنا في غزة؟

وفي المقابل، واتباعا لأسلوب ما جاء في قصة الإمام وتلميذه، فإنه يمكن القول أيضا إن بعض المؤيدين لتنافس القبائل في جمع التبرعات لأهلنا في غزة عهدناهم، وإلى وقت قريب، ينتقدون كل ظهور للقبيلة في أي نشاط مهما كانت طبيعته، فعلى هؤلاء نطرح السؤال : فبأي منطق كنتم تنتقدون  في الأمس القريب ـ وبشدة ـ تدخل القبائل في المجال العام، واليوم ها أنتم تشجعون تلك القبائل على تدخلاتها في مجالات عامة أخرى، وهي في هذه المرة قد تزيد خطورة لكونها ذات بعدٍ خارجي؟

إن غابت الدولة وهيئات المجتمع المدني فستظهر القبيلة

من المعلوم بداهة أنه كلما غابت الدولة وهيئات المجتمع المدني، فإن القبيلة ستظهر، وكلما زاد غياب الدولة وهيئات المجتمع المدني زاد حجم ظهور القبيلة...هذه حقيقة واضحة وبينة، ولذا فلا يمكن أن نحدَّ من ظهور القبيلة في المجال العام، إلا إذا عملنا على خلق هيئات حزبية ومدنية قوية، وهو ما لم يحدث حتى الآن، وذلك على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على ميلاد الدولة الموريتانية.

لم تتأسس حتى الآن، هيئات مدنية ذات مصداقية كبيرة، قادرة على أن تجمع عُشر ما تجمعه كل قبيلة من تبرعات لصالح أهلنا في غزة، وما تزال النقابات والجمعيات عاجزة عن القيام بدور القبيلة في هذا المجال، فعلى مستوى الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين مثلا، وهو الاتحاد الذي كان يجب أن يجمع تحت اسمه أكبر تبرع لصالح أهلنا في غزة، فسنجد أن منتسبيه أكثر تحمسا للتبرع باسم قبائلهم، بدلا من التبرع باسم اتحادهم، بل أكثر من ذلك، فإن بعض كبار رجال أعمالنا قد سارع للتبرع لضحايا فيضان أو إعصار كاترينا، ولم يتبرع حتى الآن لضحايا الإبادة التي يرتكبها العدو ضد أهلنا في فلسطين، وذلك مع العلم أن عدد ضحايا الإعصار لم يصل إلى 2000 قتيل، في حين أن ضحايا الإبادة تجاوزوا حاجز المائة ألف ما بين شهيد ومصاب، خلال الأشهر الستة الماضية.

إن المجتمع المدني في بلادنا ما زال هشا، ولذا فستبقى القبيلة حاضرة وبقوة، ويمكنني أن أجزم، وبصفتي ناشطا في المجتمع المدني، أني لو قررتُ اليوم أن أطلق حملة لجمع التبرعات لأهلنا في غزة باسم  منظمة مجتمع مدني، ولتكن حملة "معا للحد من حوادث السير"، والتي تنشط منذ سنوات في مجال السلامة الطرقية، فإني لن أتمكن من جمع مائة ألف أوقية قديمة، وبالمناسبة فإن هذه الحملة التي تنشط منذ سنوات في مجال التوعية ضد حوادث السير ما تزال عاجزة حتى اليوم عن امتلاك مقر متواضع في حي شعبي. وفي المقابل، فإني عندما استنفر القبيلة وأقرر أن أجمع التبرعات باسمها، فإن الحصيلة ستكون كبيرة جدا.

ويبقى السؤال : ما الحل؟

لا يمكن أن نحدَّ من حضور القبيلة في المجال العام إلا إذا تضافرت جهود الجميع، وأن يكون ذلك من خلال:

1 ـ تفعيل التعميم الصادر بمنع التراخيص للتجمعات القلبية، واتخاذ الحكومة قرارات صارمة تمنع مشاركة الموظفين في الاجتماعات القبلية ذات الصبغة السياسية، وتعاقب كل من يحضر من الموظفين لتلك الاجتماعات؛

2 ـ اتخاذ قرارات صارمة من طرف حزب الإنصاف وبقية الأحزاب السياسية بمقاطعة المبادرات القبلية، ومنع قيادات الأحزاب من الظهور في أي مبادرة قبلية ذات صبغة سياسية؛

3 ـ توقف النخب عن إقحام القبيلة في المجال العام لأغراض نفعية خاصة، فأنت قد تجد السياسي المعارض يستنفر قبيلته في الحملات الانتخابية، أما السياسي الموالي فحدث ولا حرج.

على المستوى الشخصي، فقد طلبتُ من المترشحين للنيابيات في دائرة نواكشوط الشمالية في الانتخابات الماضية أن نوقع ميثاقا شرفيا من خمسة بنود يتضمن من بين أمور أخرى، مقاطعة الاجتماعات والمهرجانات التي يكون فيها الحضور على أساس قبلي، والتركيز في الحملة على البرامج، والأفكار، والحوارات، والمناظرات التي من شأنها أن تثقف الناخب، وترسخ الممارسة الديمقراطية في البلد. لم أجد من المنافسين من يقبل بتوقيع هذا الميثاق، ولم أجد لهم برامج انتخابية مكتوبة، وقد التزمتُ على المستوى الشخصي بتنفيذ بنود هذا الميثاق، حتى ولو لم يوقعه معي أي منافس، والنتيجة كانت معروفة، فقد خرجتُ من المنافسة مبكرا، متسببا ـ حسب البعض ـ في فضيحة كبيرة للقبيلة، والتي كان عليَّ حسب أولئك أن استنفرها قبل الانتخابات حتى تجلب من الأموال والأصوات ما يجنبها الفضيحة التي أوقعتها فيها!!

4 ـ أن تعمل الدولة على دعم الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الجادة، والتي يمكنها أن تشكل بديلا للقبيلة، فبدون مجتمع مدني قوي ـ وكما قلتُ سابقا ـ فإن حضور القبيلة سيظل في تنامٍ واتساع، وبما يهدد كيان الدولة.

والآن، فلنعد إلى سؤال أبي حنيفة

إن الجواب الصحيح على السؤال اللغز هو أن صاحب الثوب يعطي الأجرة للخياط، إن كان الخياط قد فصَّل الثوب على مقاس صاحب الثوب، مما يعني أنه لم يفكر في سرقة الثوب إلا بعد أن أكمل خياطته. أما إذا كان الثوب قد فُصَل على مقاس الخياط فلا أجرة للخياط الذي كان قد نوى سرقة الثوب من قبل البدء في خياطته.

إنه لا يمكننا أن نقف ضد جمع القبائل للتبرعات لأهلنا في غزة، وذلك في ظل غياب أي جهة أخرى قادرة على جمع تلك التبرعات، وبنفس المبالغ. وفي المقابل، فإنه لا يمكننا إلا أن نشعر بالمزيد من القلق، ونحن نشاهد تنامي حضور القبائل، وتوسع مجالات تدخلها في ملفات كان يجب أن تبقى حكرا للدولة وللمجتمع المدني.  

حفظ الله موريتانيا..


الأربعاء، 27 مارس 2024

رسائل الشباب العربي والإفريقي


إن القارئ الفطن للواقع العربي والإفريقي خلال العقد الأخير لابد له وأن يقرأ رسائل صريحة جدا، وفصيحة جدا، ومختصرة جدا أبرقها الشباب العربي والإفريقي إلى أنظمته الحاكمة، أبرقها عبر البريد المضمون، وبثلاث صيغ مختلفة، وعبر ثلاثة أجهزة إرسال مختلفة.

الصيغة الأولى : تحريك الشارع وإشعال الثورات لإسقاط الأنظمة

ويبقى المثال الأبرز لهذه الصيغة من الرسائل هي تلك الرسائل التي جاءت من تونس ومصر وليبيا خلال موجة الربيع العربي، والتي أصابت عدواها العديد من الدول العربية.

لقد استطاع الشباب في تلك الدول، ومن خلال ثورات فاجأت العالم وبهرته أن يسقط عددا من الأنظمة العربية الدكتاتورية، والتي حكمت بلدانها لعقود.

نجح الشباب هناك في إسقاط أنظمة دكتاتورية كانت ظاهريا في منتهى القوة، ولكنه فشل فشلا ذريعا في تقديم البديل، بسبب نقص الخبرة والتجربة، ونظرا لغياب مشاريع ومؤسسات سياسية قوية في تلك البلدان، هذا فضلا عن ما شهدته المنطقة من ثورات مضادة، ومن مؤامرات خارجية، فكانت المحصلة النهائية خراب تلك الدول، ووصول حكام ليسوا بأفضل من الحكام الذين ثارت عليهم الشعوب، هذا إن لم يكونوا أسوأ منهم.

الصيغة الثانية : تحريك الدبابات وإسقاط الأنظمة بالانقلابات

ويبقى المثال الأبرز لهذه الصيغة بعض الانقلابات التي قادها عسكريون شباب، ويمكن هنا أن نقدم مثالين من انقلابي مالي وبوركينافاسو.

هذه الصيغة، وهذان المثالان بالذات، ليس بالإمكان أن نحكم عليهما الآن، فهما لم يحققا نجاحا بعد الانقلابين حتى نحكم بنجاحهما، وهما في المقابل لم يقعا في فشل ذريع أخطر مما كان عليه الحال في عهد النظامين المنقلب عليهما، حتى نحكم بفشلهما.

بكلمة واحدة لا يمكننا أن نحكم الآن على العسكريين الشباب الذين وصلوا إلى الحكم في مالي وبوركينافاسو بالنجاح أو بالفشل، وذلك لأنه لا مؤشرات إيجابية أو سلبية حتى الآن تمكننا من المجازفة بإطلاق أحكام نهائية.

الصيغة الثالثة : إسقاط الأنظمة عن طريق صناديق الاقتراع

وتبقى هذه الصيغة هي الصيغة الأكثر ديمقراطية، والأكثر شرعية، والأكثر أمانا، ويبقى السنغال هو المثال الأبرز على هذه الصيغة، والتي قد تصيب عدواها بلدانا أخرى إن هي نجحت.

في يوم 14 مارس 2024 كان بشيرو جوماي فاي يقبع في السجن، وبعد ذلك بعشرة أيام فقط، وتحديدا في يوم 24 مارس 2024  (يوما واحدا قبل ذكرى ميلاده 44) أوصلته صناديق الاقتراع إلى الرئاسة في سابقة من نوعها، وذلك بعد أن حسم الفوز في الشوط الأول من الانتخابات. هذه هي أول مرة يحسم فيها مرشح للمعارضة الفوز في الشوط الأول في السنغال، ويزداد الأمر إثارة عندما يكون هذا المرشح شابا، ومجرد مرشح احتياطي، لم يكن هو المرشح الأصلي لحزبه.

لا يمكن الحكم الآن على الرئيس السنغالي الجديد، فهو لم يستلم الحكم، ولم يُختبر ولو لفترة قصيرة، ومع ذلك فيمكن القول إن هذا الرئيس الشاب سيواجه عدة تحديات، ولن يكون بالإمكان الحكم عليه من قبل معرفة تعامله مع تلك التحديات، والتي يمكن أن نذكر منها :

التحدي الأول : يتعلق بطبيعة إدارته مستقبلا للعلاقة  مع عثمان سونغو الذي رشحه للرئاسة، فالقيادة لا تقبل برأسين، وعثمان سونغو كان هو قائد مشروع التغيير، وبشيرو أصبح اليوم هو القائد الفعلي لهذا التغيير بعد انتخابه رئيسا، وإدارة العلاقة بين قائدين ستكون صعبة جدا، ومهما كانت درجة الانسجام بينهما؛

التحدي الثاني: يتعلق بنقص في التجربة والخبرة، فالرئيس الجديد لا يمتلك من الخبرات والتجارب في إدارة شؤون البلاد إلا خبرة متواضعة في إدارة الضرائب؛

التحدي الثالث : يتعلق بحجم الآمال الكبيرة والوعود السخية التي عليه الوفاء بها للشباب السنغالي، والذي يرجع له الفضل في إيصاله إلى الرئاسة؛

التحدي الرابع :  يتعلق بما يمكن أن تقوم به الدولة العميقة من مؤامرات، وبما يمكن أن تحيكه فرنسا من مكائد، وفرنسا لاشك أنها مصدومة بوصول شاب ملتح، متعدد الزوجات، ذي خلفيته إسلامية، ويعد في برنامجه الانتخابي بالخروج من عباءة المستعمر، وبمراجعة بعض الاتفاقيات، وبصك عملة جديدة. لن تقبل فرنسا أن تخسر حليفها الأهم في إفريقيا بسهولة.

نأمل أن يتجاوز الرئيس السنغالي المنتخب هذه التحديات، ومع ذلك لا يمكننا أن نخفي في هذا المقام ما يساورنا من قلق له يبرره حول نجاح هذه التجربة، والتي إن نجحت فستكون ملهمة للشباب الإفريقي في العديد من الدول الافريقية.

وبالعودة إلى رسائل الشباب العربي والإفريقي خلال العقد الأخير، فيمكن القول ـ وبكل اطمئنان ـ إن هذا الشباب لم يعد يقبل باستمرار النهج السائد من الحكم في البلدان العربية والأفريقية، ورفضه لهذا النهج يمكن أن يأخذ عدة صيغ، فهو يمكن أن يأتي على شكل ثورات كما حدث في بعض البلدان العربية، ويمكن أن يأتي من خلال انقلابات يقودها عسكريون شباب، كما حدث في بعض البلدان الإفريقية، ويمكن أن يأتي من خلال صناديق الاقتراع كما حدث مؤخرا في السنغال.

وبالمجمل، يُمكنُ القول إن الشباب في هذه المنطقة من العالم أصبح أكثر قدرة على إسقاط الأنظمة الحاكمة، إما بالثورات أو الانقلابات أو الانتخابات، ولكنه ـ في المقابل ـ  لم يثبت حتى الآن أنه قادر على إدارة شؤون بلدانه بنجاح بعد إسقاط الأنظمة الحاكمة، بل على العكس من ذلك فالتجارب الشبابية المتاحة حتى الآن، هي أقرب للفشل منها إلى النجاح.

إننا أمام دول عربية وإفريقية شابة، يشكل الشباب أغلبية السكان فيها، ولذا فمن حق الشباب أن يحكم، وهنا تطرح الخبرة مشكلة، أو أن يحكم من لديه خبرة ويتبنى بشكل كامل مطالب وتطلعات الشباب، والخبرة تحتاج في كثير من الأحيان أن يتجاوز صاحبها مرحلة الشباب.

وبذلك فيكون النموذج الأفضل للحكم في هذه البلدان هو أن يتولى الحكم فيها من يمتلك الخبرة، أي من تجاوز مرحلة الشباب، ولكن مع شرط أساسي وضروري وهو أن يتبنى كل مطالب الشباب وتطلعاتهم المشروعة. 

وماذا عن موريتانيا؟

هذا سؤال قد يطرحه الكثيرون، وهو سؤال يمكن أن نجيب عليه من خلال ثلاث نقاط:

1 ـ ليس من المتوقع أن تشهد موريتانيا مفاجأة انتخابية في الرئاسيات القادمة، وسيكون الفوز في هذه الانتخابات للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وبنسبة مريحة جدا.  لم يظهر أي مرشح معارض قادر على أن يحدث مفاجأة في الانتخابات القادمة، والمعارضة قد خسرت تلقائيا انتخابات 2024 في العام 2019، ففي العام 2019 قدمنا في "منصة رئاسيات 2019" تصورا متكاملا للتحضير الجيد لانتخابات 2024، ولكنه لم يجد من يتبناه، وهذا التصور صالح للاستخدام الآن، وعموما فإن أقصى ما يمكن أن تفعله المعارضة في انتخابات 2024، هو أن تحضر بشكل جيد لانتخابات 2029 من أجل كسبها؛

2 ـ ليس من المتوقع أن تشهد البلاد انقلابا عسكريا، ويكفي أن نذكر بأن الرئيس الحالي قادم من رحم المؤسسة العسكرية، وهو قادر على تحصين البلاد من أي انقلاب عسكري في المستقبل المنظور؛

3 ـ ليس من المتوقع أن نشهد بلادنا في المستقبل المنظور ثورة شعبية، فحتى الآن لم تتهيأ الأرضية لثورة شعبية، ومع ذلك فلابد من التذكير بأن الثورات الشعبية لا يخطط لها، ولا يمكن التنبؤ بمواعيد تفجرها، وهي لا تأتي إلا بغتة نتيجة لشرارة ما.

لا خوف على البلاد من ثورة شعبية في المستقبل المنظور، ومع ذلك فإن هناك بعض نقاط الخلل التي يجب الانتباه إليها:

النقطة الأولى : ضعف المعارضة، وضعف الأحزاب الموجودة حاليا، وكلما ضعفت المعارضة وأحزابها، فإن ذلك سيعني أنه لم تعد هناك أي جهة سياسية قادرة على ترشيد غضب الشارع وتأمين تفجيره، وعندما تغيب أي جهة قادرة على ترشيد غضب الشارع وتأمينه، يصبح ذلك الغضب خارج السيطرة، وقابل للتفجر بشكل عنيف في أي وقت، وحتى من دون مقدمات وأسباب محددة.

النقطة الثانية : تنامي تأثير مواقع التواصل الاجتماعي عاما بعد عام، وتراجع حضور المدافعين عن النظام في هذه المواقع، مع تزايد حضور معارضيه، وذلك في وقت يلاحظ فيه غياب تام لأي خطة واضحة لدى النظام لمواجهة هذا الاختلال البين في الإعلام الجديد، والذي أصبح هو الأكثر تأثيرا في توجيه الرأي العام والتأثير عليه؛

النقطة الثالثة : وجود بلادنا في منطقة غير آمنة، ومفتوحة على كل التوقعات والاحتمالات.

إن غياب وجود هيئات سياسية معارضة ذات مصداقية قادرة على توجيه وترشيد غضب الشارع، وذلك في ظل تزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، كل ذلك من شأنه أن يحول أحداثا يمكن أن تقع في كل حين إلى أحداث عنيفة تهدد استقرار البلد وأمنه، وقد كانت هناك بالفعل محاولات في ذلك الاتجاه، ولعل أبرز مثال عليها ما شهدته بلادنا من مظاهرات واحتجاجات عنيفة بعد حاثة قتل الصوفي ولد الشين، وحادثة وفاة عمر جوب، وأحداث أركيز.

كيف نحصن بلادنا ونحميها من الاحتجاجات العنيفة في الفترة القادمة؟

في اعتقادي الشخصي أن ذلك يمكن أن يتم بتبني فخامة رئيس الجمهورية لمطالب الشباب الموريتاني في مأموريته الثانية، ويمكن لهذا التبني أن يتخذ عدة أشكال لعل من أبرزها :

1 ـ إعلان حرب شرسة لا رجعة فيها ضد الفساد والمفسدين؛

2 ـ البحث عن الكفاءات بشكل عام، وفي صفوف الشباب بشكل خاص، وتعيينها، وذلك على أساس أنه لا يمكن إحداث إصلاح دون مصلحين؛

3 ـ تجديد الواجهة السياسية والإدارية للنظام وضخ دماء جديدة فيها، وإبعاد كل من تآكلت مصداقيته عن واجهة النظام؛

4 ـ تخفيض أسعار المحروقات كلما أمكن ذلك، ومراقبة ملف الأسعار بشكل صارم؛

5 ـ العمل على عصرنة الإدارة وتقريب خدماتها من المواطن بشكل حقيقي ودائم، وأول شرط في تقريب خدمات الإدارة من المواطن يتمثل في مخاطبته بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفترض فيه أنه يفهمها.

6 ـ الاستمرار في الاهتمام بالفئات الهشة، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة في هذا الملف خلال المأمورية الأولى، إلا أن الاستمرار فيه خلال المأمورية الثانية يبقى من أولوية الأولويات.

لم أتحدث في هذه النقاط عن التعليم والصحة والتشغيل وقضايا أخرى معروفة، وذلك ليس تقليلا من شأنها، وإنما توخيا للاختصار، وذلك بعد أن تجاوز المقال المساحة المخصصة له.

حفظ الله موريتانيا..

محمد الأمين الفاضل

Elvadel@gmail.com

 

الثلاثاء، 19 مارس 2024

ما أصعب أن تُقاوم على جبهتين!


منذ فترة ليست بالقصيرة، وأنا تترسخ لدي يوما بعد يوم قناعة مفادها أن هناك ضرورة ملحة للخروج من نمط التفكير السياسي التقليدي الذي اتبعته الأغلبيات التقليدية والمعارضات التقليدية خلال العقود الماضية، وهذا النمط من التفكير قائم بالنسبة للأغلبيات التقليدية على التثمين المطلق الذي يحاول أن يُسوق للمواطن أن البلد يعيش نهضة غير مسبوقة، وأن النظام قد أنجز كل شيء،  وقائم عند المعارضة التقليدية على النقد المطلق، والذي يُحاول أن يُسوق للمواطن أن البلد يعيش أسوأ أيامه، وأن النظام قد أخفق في كل شيء.

لو كان الخطاب السياسي القائم على التثمين المطلق يمكن أن يؤدي إلى إصلاح حقيقي لكانت بلادنا تعيش اليوم في نعيم ورخاء، فالأغلبيات السياسية المتعاقبة أو المتحورة لم تقصر منذ بداية التسعينيات وحتى اليوم في التثمين المطلق لما أنجزته الأنظمة المتعاقبة، ولما لم تنجزه تلك الأنظمة.

ولو كان الخطاب السياسي القائم على النقد المطلق يمكن أن يؤدي إلى تغيير حقيقي لتغير الحال في بلادنا من حال إلى حال، فالمعارضات السياسية المتعاقبة أو المتوارثة لم تقصر منذ بداية التسعينيات وحتى اليوم في جلد الأنظمة ونقدها بأقسى العبارات.

إننا اليوم في أمس الحاجة إلى نمط جديد من التفكير السياسي خارج صندوقي الأغلبية التقليدية والمعارضة التقليدية، ونحن بحاجة كذلك إلى خطاب سياسي جديد لا يقتصر فقط على التثمين المطلق أو النقد المطلق. علينا أن نعلم أنه من الغباء أن نُعيد نفس الخطاب السياسي في تسعينيات القرن الماضي، سواء كنا موالين أو معارضين، أن نعيده دون أي تعديل بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، وأن نتوقع في الوقت نفسه نتائج مختلفة في زمن تغير كثيرا ولم يعد مثل تسعينيات القرن الماضي، ويكفيه من التغير أنه قد ظهرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أصبح روادها ينافسون وبقوة الأحزاب السياسية والإعلام التقليدي في صناعة الرأي العام، وفي التأثير على قناعات المواطنين.

في الفترة الأخيرة تابعنا محاولات ما زالت في بدايتها للخروج من عباءة المعارضة التقليدية والموالاة التقليدية، وكان ذلك من خلال ظهور تيارين سياسيين في وقت شبه متزامن، أحدهما يحسب على المعارضة وهو تيار "الأغلبية الصامتة"، والثاني يحسب على داعمي فخامة رئيس الجمهورية وهو تيار "من أجل الوطن". 

 في هذا المقال سأتوقف فقط مع "تيار من أجل الوطن"، وذلك بصفته هو التيار الأقرب لي، خاصة وأن من بين مؤسسيه أصدقاء جمعتني معهم مبادرات تبنت خطابا سياسيا داعما يجمع بين التثمين والنقد (حراك 3 ن)، ولولا الانشغال بالعمل الجمعوي ومحاولة التفرغ له في الفترة القادمة لكنتُ من بين مؤسسي هذا التيار، والذي أتوقع منه ـ وفي تشكيلته الحالية ـ أن يكون قادرا على تسويق المنجز، وشجاعا في كشف الخلل، وأهلا لتقديم المقترحات والمبادرات الإصلاحية، وأن يكون بالإضافة إلى كل ذلك قادرا على أن يُقاوم وببسالة على جبهتين اثنتين لفرض وجوده في المشهد السياسي خلال السنوات القادمة.

الجبهة الأولى : جبهة الأغلبية

من الطبيعي جدا أن تنزعج الأغلبية التقليدية من ظهور تيار سياسي جديد يرفع شعار دعم فخامة رئيس الجمهورية، ويستخدم أساليب جديدة في الدعم، فالأغلبية التقليدية ستعتبر هذا التيار منافسا لها، وربما تصنفه ـ وبشكل غير معلن ـ على أنه خصم سياسي يأتي من حيث مستوى الخطورة قبل المعارضة التقليدية.

على المستوى الشخصي، وبصفتي داعما لفخامة رئيس الجمهورية من خارج أغلبيته التقليدية، فقد تلقيتُ ضربات قوية من بعض أطراف هذه الأغلبية، ولكني لم أذكرها ولن أذكرها في الوقت الحالي لأني ضد كل ما من شأنه أن يتسبب في ظهور شقاق أو خلاف في الأغلبية الداعمة لفخامة الرئيس، ومن الراجح أن تيار من أجل الوطن تلقى وسيتلقى مستقبلا طعنات أقوى من الأغلبية التقليدية للرئيس، والتي ستعتبره منافسا حقيقيا لها.

إن تيار من أجل الوطن بحاجة إلى أن يبذل جهدا كبيرا لإقناع الأغلبية التقليدية أنه ليس خصما لها، وإنما هو مكمل لها، وأنه سيتحرك في مساحات لم تعد الأغلبية التقليدية قادرة على التحرك فيها بشكل جيد، وأن خطابه السياسي ليس خطابا ناقدا للأغلبية التقليدية، وإنما هو خطاب مكمل لخطابها، وموجه بالأساس إلى جمهور واسع من الداعمين الذين لم يعودوا يقبلون بالخطاب التقليدي للأغلبية التقليدية، القائم على التثمين فقط دون أي ذكر للاختلالات و النواقص، وهي اختلالات ونواقص موجودة، وستبقى موجودة مهما كان مستوى الأداء الحكومي.

إن السعي للإقناع بأهمية التكامل في لعب الأدوار داخل الأغلبية الداعمة لفخامة الرئيس بدلا من الصراع بينها، هو ما جعلني أختار للعنوان كلمة "تُقاوم" بدلا من كلمة "تُحارب" حتى وإن كانت هذه الأخيرة هي الأنسب إعلاميا لتكون في عنوان المقال.

إن المطلوب من تيار من أجل الوطن هو أن يُقاوم داخل الأغلبية لإثبات وجوده أولا، وثانيا لطمأنة الأغلبية التقليدية على أنه مكملا لها وليس خصما لها.

الجبهة الثانية : جبهة المعارضة 

تعرض وسيتعرض تيار من أجل الوطن لهجوم قوي من مدوني المعارضة، وربما يكون الهجوم عليه من المعارضة أقوى من الهجوم على حزب الإنصاف، وذلك لشعور بعض المعارضين أن هذا التيار وغيره من الداعمين غير التقليديين سينافس المعارضة في كسب ود المواطن، وذلك من خلال حديثه عن بعض المشاكل التي يعاني منها المواطن، والتي نادرا ما تتحدث عنها الأغلبية التقليدية.

ثم إن محاولة الوقوف في منطقة سياسية بين خصمين تقليديين ( الأغلبية التقليدية والمعارضة التقليدية)، وبغض النظر عن بعد التيار أو قربه من هذا الطرف أو ذاك، ستعرض التيار إلى مواجهة نارين، إحداهما تأتي من الأغلبية التقليدية، وذلك لشعورها بأن هناك داعما جديدا ينافسها على كسب ثقة رئيس الجمهورية، والثانية ستأتي من المعارضة لشعورها أن هناك من ينافسها في كسب ثقة المواطن، وذلك من خلال تبني مشاكله والدفاع عنه بأسلوب مختلف عن أسلوب المعارضة.

نعم سيواجه تيار من أجل الوطن نيرانا من الأغلبية التقليدية ومن المعارضة، وهو ما سيزيد من حجم تحديات وصعوبات الولادة والنمو، ولكننا نأمل أن يتمكن التيار من فرض نفسه في الساحة السياسية، وهو سيتمكن من ذلك بالفعل إن استطاع أن ينجح في كسب ثقة فخامة رئيس الجمهورية، وكذلك في كسب ثقة المواطن.

ولكسب ثقة رئيس الجمهورية، فعلى التيار أن يثبت وجوده خلال الحملة الانتخابية الرئاسية القادمة، وأن يثبت للرئيس أنه قادر على تسويق منجزاته في فضاءات إعلامية ولدى جمهور من الداعمين لم تتمكن الأغلبية التقليدية بأساليبها التقليدية وبخطابه التقليدي أن تصل إليه.

ولكسب ثقة المواطن، فعلى التيار أن يثبت للمواطن أن تبنيه لهموم ومشاكل المواطن يختلف عن تبني المعارضة التقليدية لتلك الهموم والمشاكل، فكثير من المعارضين التقليديين لا يبحث عن حلول لتلك المشاكل والهموم، وإنما يستخدمها فقط ضد النظام إعلاميا وسياسيا، وقد لا يرغب أصلا في حلها، على العكس من تبني الداعمين غير التقليديين لتلك المشاكل والهموم، فهم يسعون بجد لإيجاد حلول لها، وذلك لشعورهم أنهم يتضررون من تلك المشاكل و يتضرر منها أكثر فخامة رئيس الجمهورية الذي يدعمونه بصدق وجدية، وبأسلوب يختلف عن الدعم التقليدي للأغلبية التقليدية، والتي تعودت منذ تسعينيات القرن الماضي، وحتى اليوم، على تجاهل تلك المشاكل بشكل كامل، واعتبارها وكأنها غير موجودة أصلا.   

حفظ الله موريتانيا..


الخميس، 7 مارس 2024

الإعلان عن انطلاق برنامج خطوة لاكتشاف وتنمية المواهب الشبابية


∎ إيمانا منا بأن الثروات التي تسير فوق الأرض (المواهب)، ليست أقل قيمة من الثروات الموجودة في باطن الأرض (المعادن)، وأن الجهود التي تبذل والأموال التي تنفق للتنقيب عن الثروات في باطن الأرض يجب أن ينفق ما يماثلها للتنقيب عن الثروات التي تسير فوق الأرض؛

∎ قناعة منا بضرورة التحرك العاجل لمواجهة المخاطر التي يواجهها شبابنا، والتي تتمثل في البطالة، وتفشي الجريمة، والهجرة، وتنامي روح اليأس والإحباط؛

∎ تحملا منا للمسؤولية التي يجب أن يلعبها المجتمع المدني في مواجهة هذه التحديات والمخاطر؛

∎ سعيا منا للمشاركة ميدانيا في الجهود المبذولة من طرف الحكومة لمواجهة هذه التحديات والمخاطر، فإننا في جمعية خطوة للتنمية الذاتية لنعلن على بركة الله إطلاق أول برنامج تدريبي في موريتانيا لاكتشاف المواهب الشبابية وتنميتها ورعايتها، ونأمل أن يستفيد من برنامجنا التدريبي هذا 1000 شاب خلال العام 2024، ويتمثل هذا البرنامج التدريبي في: 

1 ـ تقديم دورة أساسية في مجال اكتشاف الموهبة واستغلالها، وسيستفيد من هذه الدورة كل المشاركين في البرنامج. سيتلقى المشاركون في دورة الموهبة اختبارا وعلى أساس نتائجه يتم فرز من سيواصل منهم في البرنامج التدريبي للاستفادة من الدورات الأخرى ذات الصلة؛

2 ـ تقديم دورات مكملة في مجال : التفكير الإبداعي ـ الاتصال الفعال ـ التخطيط الشخصي ـ إدارة الوقت ـ مهارات العمل الجماعي؛

3 ـ تقديم دورات في مجال التخصص، وذلك بعد أن يتم تقسيم المشاركين في البرنامج إلى مجموعات متجانسة حسب الاتجاهات والميول والمواهب المشتركة لدى كل مجموعة، لتتلقى بعد ذلك كل مجموعة، وعلى حدة، دورة متخصصة في المجال الذي يمتلك فيه أعضاء تلك المجموعة موهبة مشتركة؛

4 ـ تقديم دورات تأطير ودعم للموهوبين الذين تأهلوا للمشاركة في مسابقات وتصفيات إقليمية أو دولية؛

5 ـ تقديم الاستشارات مع المتابعة المستمرة للموهوبين المتميزين.

وتأمل جمعية خطوة للتنمية الذاتية أن تنظم نهاية هذا العام أول مؤتمر لها لصالح المواهب الشابة التي استفادت من برنامجها، وستُعلن خلال هذا المؤتمر عن جوائزها السنوية للموهوبين المتميزين.

نواكشوط بتاريخ : 26 شعبان 1445 الموافق 07 مارس 2024

جمعية خطوة للتنمية الذاتية


الثلاثاء، 27 فبراير 2024

الرئيس مسعود ومبادرة لفت الانتباه!


ارتكب الرئيس مسعود خطأ كبيرا في مبادرته هذه، فالمطالبة بزيادة سنة على المأمورية يشكل دعوة صريحة للاعتداء على مادة محصنة من الدستور الموريتاني. ثم إن مطالبة الرئيس مسعود وهو معارض لرئيس الجمهورية بعدم الترشح لمأمورية ثانية يمنحها له القانون يعتبر مجرد كلام للإثارة أو للفت الانتباه أو لإشعار الرأي العام بأن التحالف مازال موجودا، وأن رئيسه مازال قادرا على إطلاق المبادرات ..لا أقل ولا أكثر.

سبقت بعض أطراف المعارضة الرئيس مسعود لهذا الطلب، أي المطالبة بعدم ترشح الرئيس، وذلك بحجة أنه لم ينجز شيئا خلال مأموريته الأولى.

إذا كان الرئيس لم ينجز شيئا أليس من مصلحة المعارضة أن يترشح مرة ثانية حتى يصوت الشعب ضده؟

مرة أخرى تكرر المعارضة أخطاءها القديمة الجديدة، فبدلا من الانشغال بالتحضير الجيد للانتخابات الرئاسية القادمة، وبدلا من محاولة البحث عن أنجع السبل للتخفيف من تشرذمها وتمزقها، أو  البحث عن مرشح موحد أو برنامج انتخابي موحد،  ها هي المعارضة تنشغل بمطالبة الرئيس بعدم الترشح، وكأنها إن طالبته بذلك سيستجيب لها.

 هذه هي أول مرة ومنذ عقود  لا تستطيع المعارضة أن تشكل منسقية أو جبهة أو منتدى يجمعها ولو صوريا. أخطأت المعارضة كذلك برفضها للحوار الذي دعا إليه الميثاق الجمهوري، وذلك بحجة أن من يقف خلف هذا الميثاق ( التكتل وقوى التقدم ) لا يمثل المعارضة.

وجه الخطأ هنا سأبينه من خلال ثلاث نقاط:

1- لم يعد حزبا التكتل وقوى التقدم بعد نتائج الانتخابات الماضية يشكلان منافسة لبقية أحزاب المعارضة، ولذا فقبول مبادرتهما لن يؤثر سلبا على بقية أحزاب المعارضة. يمكن أن نتفهم أن يرفض حزب معارض مبادرة تقدم بها حزب معارض آخر قد ينافسه مستقبلا، ولكن في هذه الحالة لا يمكن تفهم رفض أحزاب المعارضة لمبادرة التكتل وقوى التقدم خاصة وأن أحزاب الأغلبية رفضتها هي أيضا، وأن حزب الإنصاف قبلها على مضض؛

2- في بعض الأحيان قد لا يكون المهم طبيعة من يقف وراء المبادرة، بل المهم هو محتوى تلك المبادرة، ومن قرأ بنود الميثاق الجمهوري سيدرك أنه كان في مصلحة المعارضة الموريتانية من قبل أن يكون في مصلحة الأغلبية أو النظام الحاكم؛

3- برفض الميثاق الجمهوري ستضطر المعارضة لدخول الانتخابات الرئاسية القادمة دون أي حوار ودون أي تعديل في لجنة الانتخابات ودون أي تحسين في العملية الانتخابية، وهي العملية الانتخابية التي كانت المعارضة قد انتقدتها بشدة خلال الانتخابات التشريعية الماضية؛

4 - تمر المعارضة اليوم بأصعب أوقاتها وأضعف حالتها منذ بداية تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، ولهذا الضعف العديد من الأسباب التي لا يتسع المقام لبسطها؛

5- أهدي للمعارضة المقال الأول من سلسلة من المقالات كنتُ قد كتبتها عاما قبل الانتخابات الرئاسية الماضية، وتجدون رابط هذا المقال في أول تعليق.

الجمعة، 23 فبراير 2024

ومرَّ اليوم العالمي للغة الأم دون احتفاء!


في مثل هذا اليوم من العام الماضي افتتح فخامة رئيس الجمهورية النسخة السابعة من المهرجان السنونكي الدولي، وتحدث في خطاب الافتتاح بكلمات ترحيبية باللغة السنونكية، وهو ترحيب لاقى إعجابا كبيرا من المشاركين في المؤتمر، وقد جاء في خطاب الرئيس: " إن الثقافة السنونكية هنا في موريتانيا على أرضها وموطنها، فهنا تألقت وانتشر إشعاعها".

وفي نفس المؤتمر ظهرت حرم رئيس الجمهورية في حفل الاختتام، وهي ترتدي الزي التقليدي السنونكي، ولقي أيضا ذلك التصرف إعجابا كبيرا من المشاركين في المؤتمر.

 الجميل في كل هذا أن ترحيب فخامة الرئيس باللغة السنونكية، وارتداء حرم رئيس الجمهورية للزي التقليدي السنونكي تزامنا مع اليوم العالمي للغة الأم، فمنذ العام 2000 والعالم يحتفي كل عام في يوم 21 من فبراير باللغة الأم.

إن الاحتفاء بهذا اليوم قد يكون مناسبة لأن نتذكر نائب بوكى الراحل سي صمبا، والذي كان أول نائب موريتاني يقدم مداخلة بالبولارية في الجمعية الوطنية، وكان ذلك يوم ثلاثاء صادف الخامس من يونيو من العام 2012.

في تلك الفترة لم تكن هناك ترجمة للمداخلات باللغات الوطنية، وهو الشيء الذي كان يحتج به بعض النواب للتحدث باللغة الفرنسية بدلا من لغاتهم الأم. 

أصر النائب الراحل سي صمبا على أن يقدم مداخلته في ذلك اليوم بالبولارية، وهو ما أحدث ضجة كبيرة داخل البرلمان، والغريب أن رئيس الجلسة طلب من النائب أن يتحدث بلغة أجنبية (الفرنسية) بدلا من لغة جعلها الدستور الموريتاني لغة وطنية في مادته السادسة!!!

في عهد الرئيس السابق للبرلمان الشيخ ولد بايه، وفي محاولة لتصحيح هذا الخلل، أجْرِيَّ تعديل على المادة 61 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية، وهي المادة المتعلقة بالترجمة الفورية، ومكن هذا التعديل من ترجمة مداخلات كل النواب، وبأي لغة وطنية تحدثوا بها إلى كل اللغات الوطنية، على أن تبث قناة البرلمانية كل المداخلات بكل لغاتنا الوطنية التي يعترف بها الدستور، وهو الشيء الذي أتاح لجميع الموريتانيين أن يسمعوا ما يجري في البرلمان من نقاشات بلغاتهم الأم. في المقابل تم وقف الترجمة الفورية من وإلى اللغة الفرنسية، وهو ما يعني أن أي نائب يقدم مداخلة باللغة الفرنسية في البرلمان الموريتاني من بعد تعديل المادة 61 لن يفهم مداخلته إلا النسبة القليلة جدا من الموريتانيين التي تفهم اللغة الفرنسية.

شكلت هذه الخطوة محاولة جادة لجعل برلماننا يشبه برلمانات العالم حيث يُمنع الحديث باللغات الأجنبية في برلمانات العالم، ففي البرلمان التونسي والمغربي والجزائري يمنع الحديث باللغة الفرنسية، وذلك على الرغم من أن نسبة المتحدثين باللغة الفرنسية في هذه البلدان أعلى كثيرا من نسبة المتحدثين بها في بلدنا.

وعلى الرغم من تعديل المادة 61، وعلى الرغم من توفير الترجمة بين لغاتنا الوطنية ووقف الترجمة الفورية من وإلى اللغة الفرنسية، رغم كل ذلك فما زال بعض النواب يصرون على أن يقدموا مداخلاتهم بلغة أجنبية داخل البرلمان، وفي  ذلك مخالفة للدستور الموريتاني، وخروج على التقاليد والأعراف البرلمانية، واستهزاء بالناخبين الذين صوتوا لذلك النائب، والذين لن يفهم أغلبهم تلك المداخلة، خاصة وأنها لن تترجم، ولو كانت بإحدى لغاتنا الوطنية لترجمت إلى بقية لغاتنا الوطنية، ولفهمها كل الموريتانيين.

إن إصرار بعض النواب على تقديم مداخلاتهم بلغة أجنبية بدلا من لغاتهم الأم، وذلك بعد توفير الترجمة بين كل لغاتنا الوطنية يطرح أكثر من سؤال :

 فلماذا يستمر بعض النواب في تقديم مداخلاتهم بلغة أجنبية لا تفهمها إلا نسبة قليلة جدا من الموريتانيين، وذلك بدلا من تقديمها بإحدى اللغات الوطنية مع ضمان ترجمتها لكل اللغات الوطنية الأخرى ليفهمها كل الموريتانيين؟

هل صحيح ما نشرته بعض وسائل الإعلام الوطنية بعد الضجة التي أحدثها تعديل المادة 61، عن لقاء جرى بين السفير الفرنسي في نواكشوط وبعض النواب أوصاهم خلاله على أن يتمسكوا باللغة الفرنسية وأن يتحدثوا بها في مداخلاتهم بدلا من لغاتهم الأم؟

لماذا لا يتذكر بعض النواب لغاتهم الأم إلا عند الحديث عن تفعيل ترسيم اللغة العربية، وهل هم يعتبرون اللغات الوطنية مجرد ورقة لا تستخدم إلا ضد تفعيل ترسيم اللغة العربية؟

ألا يعني إعطاء اللغة الفرنسية مساحة لا تستحقها في الإدارة والتعليم، محاولة للوقوف ضد تفعيل ترسيم اللغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية، فكل مساحة تسطو عليها اللغة الفرنسية ستكون ـ وبكل تأكيد ـ على حساب ترسيم اللغة العربية أو على حساب تطوير لغاتنا الوطنية؟

لماذا لا يتم استخدام إحدى لغاتنا الوطنية في الخطابات الرسمية مع توفير الترجمة، وذلك عندما يتعذر على الموظف العمومي أن يتحدث باللغة العربية، وذلك بدلا من اللجوء إلى لغة أجنبية؟

كيف سنطور لغاتنا الوطنية وبعض الذين تعتبر هذه اللغات لغتهم الأم يرفضون التحدث بها في أي مناسبة تتاح لذلك، ويفضلون التحدث بدلا منها بلغة أجنبية؟

لنقلها بلسان فصيح وصريح : لا تعارض ولا صراع ولا تنافس بين لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية، وإنما هناك صراع بين لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية من جهة واللغة الفرنسية من جهة أخرى، ذلك أن اللغة الفرنسية تحاول أن تسطو على مكانة لا تحق لها في التعليم وفي الإدارة، وذلك على حساب تفعيل ترسيم لغتنا الرسمية، وكذلك على حساب تطوير لغاتنا الوطنية، ولن يكون بإمكاننا أن نُفَعل ترسيم اللغة العربية بشكل كامل، وأن نطور لغاتنا الوطنية بشكل حقيقي إلا إذا عملنا على أن لا نسمح للغة الفرنسية أن تأخذ مساحة في التعليم أو في الإدارة لا تستحقها.

فلتأخذ اللغة الفرنسية المساحة التي تستحق أن تأخذها كأي لغة أجنبية أولى في أي بلد من بلدان العالم، وذلك على الرغم من أن مصلحتنا العليا تقتضي أن نجعلها لغة أجنبية ثانية، وأن نجعل اللغة الإنجليزية هي اللغة الأجنبية الأولى. لا بأس، فلتأخذ اللغة الفرنسية المكانة التي تستحق بصفتها لغة أجنبية أولى، ولتتوقف عند ذلك الحد، وهي عندما تتجاوز هذا الحد، فإن ذلك سيكون حتما على حساب ترسيم اللغة العربية وعلى حساب تطوير لغاتنا الوطنية.  

رحم الله نائب بوكى الأسبق سي صمبا، وليت بعض نوابنا يتعلمون منه الاعتزاز بلغاتهم الأم بدلا من الاعتزاز بلغة أجنبية بدأ الأفارقة من حولنا يبحثون عن لغة بديلة لها.

حفظ الله موريتانيا..


الاثنين، 19 فبراير 2024

عن مشروع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة


تابعتُ كغيري من المهتمين بالشأن العام النقاش الدائر حاليا حول مشروع الإعلان عن شراكة متوقعة بين بلادنا والاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة، وفي إطار هذا المشروع فمن المنتظر أن تُنظم مفوضة الشؤون الداخلية للاتحاد زيارة إلى بلادنا يوم 7 مارس 2024 رفقة وزير الداخلية الإسباني ووزيرة الدولة البلجيكية لشؤون اللجوء والهجرة، ومن الراجح أن يتم خلال هذه الزيارة ـ حسب خارطة الطريق ـ  التوقيع على اتفاقية شراكة في مجال الهجرة.  

إن الحديث عن شراكة مع الاتحاد الأوروبي في مجال الهجرة يثير الكثير من المخاوف لدى الرأي العام الوطني، وتحتاج هذه المخاوف لجهد كبير من الحكومة لتبديدها، وسنستعرض في هذا المقال أبرز النقاط التي تثير تلك المخاوف.

1 ـ  أن ملف الهجرة يعدُّ من الملفات الشائكة جدا والمعقدة جدا، ولذا فنقاش هذا النوع من الملفات يحتاج إلى مفاوضين محترفين يضعون المصلحة العليا للبلد فوق أي اعتبار، ومن خلال تجارب سابقة، فيمكن القول إن المفاوض الموريتاني قد يضع المصالح الخاصة والآنية فوق المصلحة العليا للبلد، ولنا في الاتفاقية مع "وود سايد" في عهد ولد الطايع، والاتفاقية مع "بولي هوندوغ" في عهد الرئيس السابق، خير مثالين على الخسائر التي قد تتكبدها بلادنا بسبب اتفاقيات من هذا النوع يبرمها مفاوضون غير محترفين يضعون المصلحة العليا للبلد في الرتبة الثانية؛

2 ـ أن الدول المعنية بملف الهجرة خارج الاتحاد الأوروبي تنقسم إلى قسمين : قسم يرفض توقيع اتفاقية من هذا النوع، وقسم وقع اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، ولكنه يتحدث في كثير من الأحيان عن عدم التزام الاتحاد ببنود الاتفاقية؛

3 ـ تركيز الاتحاد الأوروبي على حقوق الإنسان في أي اتفاقية من هذا النوع، والاتحاد الأوروبي عندما يتحدث عن "حقوق الإنسان" بمفهومه هو يكون من حقنا أن نقلق، ولعلكم تتذكرون مستوى الضغط الذي مارسته هيئات محسوبة على الاتحاد الأوروبي من أجل إطلاق سراح "كاتب المقال المسيء"، والذي يعتبر وفق القيم والمعايير الأوروبية مجرد مدون عبر عن رأيه، وله الحق ـ كل الحق ـ في ذلك. ولعلكم تدركون كذلك أن قيامة هذا الاتحاد تقوم عندما يمس من "حقوق" الشواذ وممارسي الفاحشة وكل أشكال الرذائل.

إن المهاجرين يأتوننا من بلاد شتى، فمنهم من يدين بغير دين الإسلام، ومنهم الملحد، ومنهم الشاذ، فأن يُمنح كل هؤلاء "حقوقهم الإنسانية" كما يراها الغرب، بموجب اتفاقية للهجرة، فإن ذلك سيعني ترويج الشذوذ والفحشاء والمنكر في بلادنا؛

4 ـ تأتي هذه الاتفاقية المتوقعة في وقت تشهد فيه بلادنا هجرة غير مسبوقة للشباب الموريتاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فإذا ما استمرت هجرة الشباب الموريتاني مع تدفق مهاجري الدول الأخرى إلى داخل البلاد وتوطينهم ولو مؤقتا، وذلك في ظل عدد سكان قليل أصلا، فإن مثل ذلك سيؤدي في المحصلة النهائية إلى إخلال كبير بالتركيبة الديموغرافية للبلد؛

5 ـ من المعروف أن الموريتانيين الذين يهاجرون إلى بلدان أخرى نادرا ما يتدخلون في الشؤون الداخلية للبلدان التي يقيمون فيها، وذلك على العكس من بعض المهاجرين الذين يأتون إلى موريتانيا من دول الجوار، وكثيرا ما أصدرت وزارة الداخلية الموريتانية بيانات تؤكد فيها مشاركة أجانب في أعمال شغب داخل موريتانيا تحت غطاء سياسي، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك بيان لوزارة الداخلية  أصدرته عقب احتجاجات 2011 ضد الإحصاء وأكدت من خلاله اعتقال أجانب شاركوا في المظاهرات وأعمال الشغب، وكذلك بيانها بعد الانتخابات الرئاسة 2019، والتي أعتقل فيها 100 أجنبي حسب وزارة الداخلية، وأخيرا بيانها المتعلق بالاحتجاجات التي أعقبت وفاة "عمر جوب".

إن توطين الأجانب ولو بشكل مؤقت، مع توفير الحماية القانونية لهم من طرف الاتحاد الأوروبي قد يتسبب مستقبلا في مشاركة المزيد من الأجانب في المزيد من الاحتجاجات التي قد تشهدها بلادنا من حين لآخر، وارتكابهم بالتالي للمزيد من أعمال الشغب، وربما يصل الأمر في نهاية المطاف إلى أن يحتج الأجانب أنفسهم طلبا للمزيد من الحقوق التي تكفلها لهم المواثيق والاتفاقيات الدولية؛

6 ـ  تعاني المدن الكبرى في بلادنا من انتشار الجرائم وتنوعها، وقد وصل الأمر إلى مستويات مثيرة للقلق، ومن المؤكد أن استقبال المهاجرين وتوطينهم ـ ولو بشكل مؤقت ـ سيزيد من تفشي الجريمة وتطورها، وربما وصولها إلى مستويات تهدد كيان البلد واستقراره؛

7 ـ  من المعروف كذلك أن الشباب الموريتاني يتقاعس عن الكثير من الأعمال ويتركها للأجانب، وهو ما قد يزيد من حضور اليد العاملة الأجنبية، وربما تصل نسبة حضورها إلى أرقام مقلقة بعد إبرام اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي حول الهجرة.

فعلى سبيل المثال فقد أصدرت إدارة الأمن الوطني يوم الجمعة الموافق 11 يناير 2022  "تعليمات صارمة" بخصوص تطبيق النصوص التنظيمية المتعلقة بحظر ممارسة النقل العمومي للأشخاص والبضائع على الأجانب، ولم تطبق هذه التعليمات الصارمة ولو ليوم واحد، وفي يوم الجمعة 19 يناير 2024 أصدرت إدارة الأمن الوطني قرارا ثانيا بحظر ممارسة النقل على الأجانب لتتراجع عنه بعد يومين من خلال إيجاز صحفي أكدت فيه السماح للأجانب بممارسة النقل، مثلهم في ذلك مثل المواطنين، إن كانوا يملكون رخصة سياقة خضراء.

إننا نجد الآن صعوبة كبيرة في منع الأجانب من ممارسة بعض الأعمال التي يفترض فيها أن تبقى حكرا للمواطنين، كما هو الحال في دول أخرى، فكيف سيكون حالنا مستقبلا بعد أن يتم تقييدنا باتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي حول حقوق الأجانب والمقيمين؟؛

8 ـ في ظل الحديث عن قرب تصدير الغاز وظهور ثروات أخرى في البلد، وفي ظل تدهور الأوضاع في بعض البلدان المجاورة، فإن بلادنا ستستقطب المزيد من المهاجرين، وهو ما سيجعل الأمور تزداد تعقيدا في ظل وجود اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي بإيوائهم؛ 

9 ـ إن المهاجرين إلى أوروبا يعتقدون أنهم ذاهبون إلى جنة الدنيا، وهم عندما يحرمون من الوصول إلى الجنة التي يحلمون بها من طرف جهة ثالثة سيزداد سخطهم على تلك الجهة الثالثة التي حرمتهم من الوصول إلى جنتهم، ولذا فهم سيطمحون إلى مقابل كبير يتناسب مع حجم الخسارة التي تكبدوها بعد حرمانهم من الجنة التي كانوا يحلمون بها، وعندما لا يجدون ذلك المقابل سيعبرون عن سخطهم بكل الأساليب، وربما يمارسون الشغب للتعبير عن ذلك السخط. ثم إنه علينا أن لا ننسى أنه توجد جاليات موريتانية في العديد من البلدان التي يهاجر بعض مواطنيها إلى بلادنا، وسخط هؤلاء قد يؤدي إلى ردود أفعال عنيفة ضد جالياتنا هناك؛ 

10 ـ ظهرت في الفترة الأخيرة في منصات التواصل الاجتماعي بعض الدعوات المتطرفة التي أطلقها بعض النشطاء الأفارقة، والتي يدَّعِي أصحابها أن سكان شمال إفريقيا هم مجرد وافدين، وأن عليهم العودة إلى الأماكن التي قدموا منها. صحيح أن هذه الدعوات متطرفة وقليل من يتبناها الآن، ولكنها قد تتنامى مستقبلا، وقد تتجه الأنظار إلى موريتانيا بعد تناميها، وذلك لأسباب عديدة لا أجد ضرورة لذكرها هنا، ولذا فإن استقبال وإيواء المزيد من المهاجرين ـ ولو بشكل مؤقت ـ قد يغذي مثل ذلك الطرح المتطرف؛

11 ـ صحيح أن الأوروبيين قد يعدون بأموال كبيرة مقابل توقيع اتفاقية حول الهجرة، ولكن السؤال المطروح : أليست هناك وسائل أخرى أقل مخاطر للحصول على أموال ضخمة بكلفة أقل؟ ألا يكفي مثلا أن نحارب الفساد بجدية للحصول على أموال ضخمة قد لا تقل في حجمها عن الأموال التي يعد بها الاتحاد الأوروبي مقابل توقيع اتفاقيات معه حول الهجرة؛

12 ـ ومما يزيد الأمور تعقيدا هو أن المجتمع المدني "الحقوقي" في موريتانيا، والذي يُفترض فيه أن يقف ضد أي اتفاقية من هذا النوع، هو مجتمع مدني يتحرك تبعا للمزاج الأوروبي، ولذا فقد تحرك بقوة دفاعا عن "كاتب المقال المسيء"، وتحرك كذلك في قضايا مشابهة، ولكنه يغيب اليوم ـ وبشكل شبه كامل ـ عن نصرة غزة، وذلك لكون هذا الملف ليس من الملفات التي يهتم بها الغرب.

إننا لا نتوقع أي تحرك للمجتمع المدني الموريتاني للمطالبة بتقديم توضيحات من طرف الحكومة بخصوص مشروع هذه الاتفاقية، والتي تثير المخاوف لدى الكثير من الموريتانيين.

ختاما

هذه هي أبرز النقاط التي تثير القلق لدى الكثير من الموريتانيين، وعلى الحكومة أن تقدم توضيحات حولها لطمأنة المواطنين، وذلك من قبل المجازفة بتوقيع أي اتفاقية من هذا النوع.

حفظ الله موريتانيا..


بيان من عدة هيئات


شهدت الجلسة الافتتاحية للدورة العادية السابعة والثلاثين لمؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي المنعقدة في أديس أبابا يوم السبت 17 فبراير 2024، حفل تنصيب فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني رئيسا للاتحاد الأفريقي للعام 2024، وقد جرى حفل التنصيب في ظل إجماع إفريقي كبير، كان نتيجة لعمل دبلوماسي هادئ وعميق، عرفته بلادنا خلال السنوات الأربع الماضية. 

إننا في منسقية الهيئات العاملة من أجل التمكين للغة العربية، وبمناسبة هذا النجاح الدبلوماسي الكبير لبلادنا لنؤكد على ما يلي:

1 ـ تهنئتنا لفخامة رئيس الجمهورية وللشعب الموريتاني، بمناسبة هذا التنصيب، سائلين المولى عز وجل أن يوفق فخامة الرئيس في هذه المهمة الجسيمة التي أوكلت إليه في ظرف حساس، وأن يبارك في جهوده المشهودة التي يبذلها لصالح القارة الإفريقية؛

2 ـ إيماننا بقوة حضور القضية الفلسطينية لدى فخامة رئيس الجمهورية، وأنه لن يدخر جهدا خلال فترة رئاسته للاتحاد الأفريقي للضغط من أجل وقف حرب الإبادة التي تتعرض لها فلسطين، وأنه سيعمل على استعادة الدور الذي لعبته موريتانيا في الحشد والتضامن الإفريقي مع فلسطين في عهد تولي الرئيس الراحل المختار ولد داداه لرئاسة منظمة الوحدة الإفريقية؛

3 ـ تثميننا لإلقاء فخامة رئيس الجمهورية لخطابه في افتتاح الدورة السابعة والثلاثين باللغة العربية، اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، والتي تعدُّ بالمناسبة لغة إفريقيا الأولى مقارنة باللغات الأخرى المستخدمة في القارة، هذا بالإضافة إلى كونها من بين اللغات الأربع الأكثر انتشارا في العالم؛ 

3 ـ دعوتنا لفخامة رئيس الجمهورية أن يجعل من فترة رئاسته للاتحاد الافريقي فترة لتعزيز مكانة اللغة العربية في إفريقيا وفي هيئات الاتحاد وكل الهيئات الدولية ذات الصلة؛

4 ـ تذكيرنا بالنداء الذي وجهناه إلى القادة العرب بمناسبة الدورة العادية الثانية والثلاثين لاجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة، المنعقدة في المملكة العربية السعودية يوم الجمعة الموافق 19 مايو 2023، وهو النداء الذي طالبنا فيه بتأسيس منظمة دولية تُعنى باللغة العربية، تنخرط فيها كل الدول الناطقة كليا أو جزئيا باللغة العربية، على غرار منظمة لفرانكفونية.

إننا نأمل من فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، والذي يَحظى بمكانة دبلوماسية كبيرة على المستويين العربي والإفريقي، أن يتبنى هذا النداء، خاصة وأن بلادنا ستكون هي المستفيد الأول من تأسيس منظمة دولية من هذا القبيل، وذلك نظرا لموقعها الجغرافي، ولدورها التاريخي في نشر اللغة العربية، والعلوم الإسلامية في إفريقيا. 

نواكشوط بتاريخ : 8 شعبان 1445 الموافق 18 فبراير 2024

الهيئات الموقعة على البيان:

1 ـ الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية 

2 ـ مجلس اللسان العربي

3 ـ اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين

4 ـ المرصد الموريتاني للغة العربية

5 ـ المركز الموريتاني للغة العربية

6 ـ هيئة جيرنو أحمد مختار ساقو

7 ـ اتحاد الأكاديميين والمثقفين الموريتانيين

8 ـ شبكة الصحفيات الموريتانيات

9 ـ جمعية الركب الشنقيطية للثقافة والتنمية

10 - المنتدى الموريتاني للأدب واللغة والثقافة

11- بيت الشعر.

الأحد، 11 فبراير 2024

قاطع لتربح في الدنيا والآخرة!


لم تتأخر موريتانيا الرسمية والشعبية في الوقوف مع فلسطين وتقديم الدعم السياسي والإعلامي منذ بدء معركة طوفان الأقصى وحتى اليوم، ولم تتأخر كذلك في جمع التبرعات لأهلنا في غزة، ولكن نقطة الضعف الوحيدة المسجلة كانت في مجال المقاطعة الاقتصادية والتجارية، ففي هذا المجال لم يظهر أي عمل منظم في بلادنا، ومن هنا تبرز أهمية الملتقى الأول الذي نظمه الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني تحت شعار : "المقاطعة مقاومة". وبمناسبة هذا الملتقى، فهذه بعض الأفكار التي قد تكون مفيدة لنجاح المقاطعة.

(1)

إن المقاطعة تعد واحدة من أهم أساليب المقاومة ومن أكثرها إيلاما للعدو إن هي اتسعت واستمرت، وهي تتميز عن كل أساليب المقاومة الأخرى في كون ممارستها لا تكلف المقاطع بذل جهد أو إنفاق مال، بل على العكس من ذلك فإن من يستخدم سلاح المقاطعة سيربح على المستوى الشخصي فضلا عما يقدم للمقاومة من دعم في غاية الأهمية.

- إن من يستخدم سلاح المقاطعة سيربح مالا كان سينفقه للحصول على سلع وخدمات غير ضرورية، وهذا يعني أن من يقاطع سيرشد استهلاكه، وسيربح بالتالي مالا..

- إن من يستخدم سلاح المقاطعة لن يكسب مالا فقط، بل سيكسب حسنات كثيرة إن هو استحضر النية..

- إن من يستخدم سلاح المقاطعة سيستفيد صحيا، فالكثير من السلع القادمة من العدو وحلفائه، والتي ننفق عليها أموالا طائلة، هي في الغالب سلع استهلاكية تؤثر سلبا على الصحة إذا ما أفرطنا في استهلاكها..

- إن من يستخدم سلاح المقاطعة يدرب نفسه على الاستقلالية والخروج من عبودية الاستهلاك، فكثير منا أصبح اليوم عبدا لبعض السلع الاستهلاكية، وهو بحاجة ماسة لأن يتحرر من تلك العبودية.

من هنا يظهر أن من يستخدم سلاح المقاومة سيربح في الدنيا والآخرة.

(2)

من الناحية العملية فإني أرى أن المقاطعة يجب أن تمر بثلاث مراحل أساسية، وذلك لضمان نجاحها:

المرحلة الأولى : العمل على رصد السلع والخدمات المستهلكة في موريتانيا، والتي ينتجها العدو أو إحدى الدول الداعمة له، وإعداد لائحة بتلك السلع والخدمات؛

المرحلة الثانية : تشكيل لجنة اتصال يقودها علماء كبار تلتقي برجال الأعمال الذين يستوردون سلعا ينتجها العدو أو إحدى الدول الداعمة له، ومطالبتهم بالبحث عن بدائل لها، مع إعطائهم مهلة ثلاثة أشهر للبحث عن بدائل؛

المرحلة الثالثة : بعد انتهاء المهلة يبدأ إطلاق حملات المقاطعة الشعبية للسلع والخدمات التي تم رصدها، وبذلك نخرج من الإشكال الذي أثير في الجلسة الأولى حول جواز مقاطعة السلع التي تم استيرادها فعلا، والتي لا يمكن إرجاعها للمصدر، وذلك بعد أن استوردها تجار مسلمون لم يُشعروا مسبقا بمقاطعة تلك السلع.

(3)

إن المقاطعة لا تتعلق فقط بالسلع والخدمات بل إنها يجب أن تمتد لتشمل مقاطعة "القيم الغربية" التي أسقطها طوفان الأقصى، أو على الأقل كشف ازدواجية تلك القيم.

إنه علينا كمجتمع مدني أن نقاطع أيضا "المواعظ الحقوقية" التي تقدمها بعض الهيئات الدولية العاملة في بلادنا، أو تقدمها بعض المنظمات التابعة لبعض الدول الغربية، وخاصة منها تلك كانت تجاهر بمواقفها الداعمة للإبادة التي يرتكبها العدو ضد الشعب الفلسطيني.

إن الغرب (حكومات ومنظمات دولية) لم يعد يحق له اليوم أن يتحدث بصفته ممثلا للضمير العالمي، ولا بصفته وصيا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وذلك بعد أن فضحه طوفان الأقصى.

لقد كشف طوفان الأقصى بأن العالم بلا ضمير، وإن كان له ضمير فيجب أن تمثله جنوب إفريقيا ومن يقف معها من دول وشعوب العالم في معركتها القانونية النبيلة ضد الكيان الأكثر إجراما في تاريخ البشرية الحديث.

(4)

إن المقاطعة، وسواء كانت مقاطعة سلع أو خدمات أو كانت مقاطعة "قيم إنسانية مغشوشة"، لا تعني فقط رفض تلك السلع والخدمات والقيم، بل إنها تعني أيضا خلق بدائل لها. 

وفي هذا الإطار، وفي مجال مقاطعة القيم الغربية الزائفة، فإنه من اللازم العمل على كشف الازدواجية الغربية، ويمكن أن يبدأ ذلك بالإعلان عن يوم عالمي لكشف ازدواجية الغرب يتم تخليده كل عام من طرف كل من يرفض هذه الازدواجية في العالم، ويمكن للمنظمات الفاعلة في جنوب إفريقيا أن تقود حراكا من هذا القبيل.

(5)

يبقى علينا أن نستحضر دائما أن المقاطعة لن تأتي بنتائج مهمة إلا إذا اتسعت واستمرت، ولذا فهي تحتاج إلى نفس طويل، وإلى تضافر جهود الجميع.

هذه بعض الأفكار السريعة التي سجلتها بعد الجلسة الأولى من ملتقى "المقاطعة مقاومة"، وذلك في انتظار ما سنسمع من المحاضرين في الجلسة الثانية.

حفظ الله فلسطين..

الجمعة، 9 فبراير 2024

كيف نتفاعل مع الملفات المعقدة؟ (3/1)


أثار ملف الفساد الذي نشرت عنه منظمة الشفافية الشاملة ردود فعل متباينة صاحبها جدلا كبيرا، ومما زاد من حدة الجدل هو أن هذا الملف يتعلق بشركة تتبع لزين العابدين رئيس اتحاد أرباب العمل الموريتانيين، والذي هو في منافسة قوية مع رجل الأعمال محمد بوعماتو، والذي يُقال عنه أن له صلة ما بمنظمة الشفافية الشاملة، وأن المنظمة فتحت هذا الملف للإضرار برجل الأعمال زين العابدين.

هذا الإنحراف في النقاش كثيرا ما يحدث، وكثيرا ما يضر بمحاربة الفساد، ومن هنا تبرز أهمية وضع آليات للتعامل مع هذا النوع من الملفات المعقدة، والذي كثيرا ما ينحرف النقاش حوله إلى مواضيع أخرى تخدم الفساد وتحميه، وتفشل بالتالي كل محاولة يمكن أن تقوم بها أي جهة لكشف عملية فساد.

إنه من الضروري أن تكون لدينا معايير واضحة ومحددة نعتمد عليها للتعامل مع هذا النوع من الملفات، ومن تلك المعايير :

1- إن أول سؤال يجب علينا أن نجيب عليه هو : هل ما تم كشفه يتعلق بفساد حقيقي أم لا؟

هذا السؤال المفتاح علينا أن نجيب عليه من قبل أن نتخذ أي موقف، وبغض النظر عن حسن نية من كشف الملف أو سوء نيته ..لنبعد الهدف والقصد من كشف هذا الملف مؤقتا، ولنركز على محتوى الملف، فهل هناك فساد أم لا، فإن كان هناك فساد وقفنا بقوة مع من كشفه، وبغض النظر عن حسن نيته أو سوئها، فذلك هو ما تقتضيه المصلحة العليا للبلد، وإن كان ما في الملف مجرد تلفيق دون أدلة وقفنا مع الضحية، حتى وإن كنا ندرك أن لديه ملفات فساد أخرى.

تلخيصا لهذه الفقرة فإن ما يهمنا هو جوهر الملف وبغض النظر عن أي شيء آخر، فإن كان الملف يتعلق بفساد واضح طالبنا بمعاقبة المفسد مهما كان، وإن كان الملف يتعلق بتلفيق وتصفية حسابات غير مدعومة بأدلة طالبنا برد الاعتبار للضحية ومعاقبة الملفق ( نقطة نهاية).

2- لنفترض أن هذا الملف يتعلق بفساد حقيقي، ولكن من فتحه لم يفتحه لمصلحة وطنية، وإنما فتحه لتصفية حسابات مع خصم سياسي أو مع منافس في مجال الأعمال، أو لأي سبب آخر...حتى وإن تأكدنا من وجود استهداف للضحية فلا مشكلة ما دام الفساد تم إثباته بالأدلة..بل بالعكس علينا نحن ضحايا الفساد أن نشجع هذا النوع من تصفية الحسابات بين رجال الأعمال ما دام سيكشف لنا ملفات فساد جديدة لم تكن لدينا القدرة ولا الإمكانيات ولا الوسائل لكشفها.

3- إن تأكد للضحية أن كشف هذا الملف في هذا التوقيت بالذات يدخل في إطار تصفية حسابات مع رجل أعمال منافس، فالحل بسيط جدا، فعلى الضحية أن ينفق بعض أمواله ويستخدم بعض أتباعه لكشف بعض فساد خصمه ومنافسه، وهو إن كشف ملف فساد يتعلق بإحدى شركات خصمه، فإننا سنقف معه دون تردد حتى ولو أيقنا أنه لم يقم بذلك بحثا عن مصلحة عامة، وإنما قام به في إطار تصفية الحسابات مع منافس.

أن يكشف بعض رجال الأعمال فساد بعضهم الآخر فهذا أمر جيد وعلى ضحايا الفساد أن يرحبوا به ويشجعوه، خاصة وأن كشف الفساد وبالأدلة الدامغة يحتاج إلى جهد ووسائل قد لا تتوفر إلا لدى رجال الأعمال. 

يتواصل .....

عندما تكتمل هذه الحلقات سيكون هناك بث مباشر بمضمونها إن شاء الله.

الأحد، 4 فبراير 2024

نوابٌ بلا أثر ولا تأثير!


من الملاحظ أن هناك ضعفا كبيرا في أداء البرلمان الموريتاني، ناتج عن تدني تأثير النواب داخل البرلمان وخارجه، ويتساوى في ذلك نواب الأغلبية والمعارضة، ولذلك الضعف أسبابه العديدة سنتوقف مع بعضها بشكل سريع من خلال فقرتين في هذا المقال، واحدة منهما خاصة بنواب المعارضة، والثانية خاصة بنواب الأغلبية
.

أولا / نواب المعارضة 

يقع خلط كبير لدى الكثير من نواب المعارضة بين الهدف المراد تحقيقه من داخل البرلمان، والوسيلة التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك الهدف.

فمن المعلوم أن من بين مهام النائب، معارضا كان أو مواليا، مراقبة العمل الحكومي، وهذه الرقابة هي من أجل منع وقوع تقصير في الأداء الحكومي، وتصحيح ذلك التقصير إن هو وقع، ودائما ما يقع.

لتحقيق هذا الهدف فإن النائب المعارض يركز على إظهار الخلل في الأداء الحكومي، ويفترض أن غرضه من ذلك تصحيح ذلك الخلل. بعض نواب المعارضة لم يعد يهمه أن يُصحح الخلل، بقدر ما يهمه أن ينتقد أداء الحكومة، وأن يظهر أمام الناخب بأنه لم يقصر في نقدها، بل وفي جلدها، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى استخدام كلام هابط ومنحط، كما حدث مؤخرا خلال الدورة البرلمانية الأخيرة.

أصبح النقد لدى بعض نواب المعارضة هدفا في حد ذاته وليس وسيلة من أجل تحقيق هدف.

طبعا قد يرتاح المواطن لنقد الحكومة وجلدها من طرف نواب المعارضة، ولكن في النهاية فإن الأخطاء لم تُصحح، وأداء الحكومة لم يتحسن، وبالتالي فإن المواطن لم يستفد شيئا من ذلك النقد القاسي.

إن دور نواب المعارضة يجب أن لا يقتصر على نقد الحكومة وجلدها، وإن اقتصر دورهم على ذلك، فإن مدوني المعارضة يمكن أن يؤدوا ذلك الدور على أحسن وجه، بل وأحسن مما يقوم به نواب المعارضة، ولذا فكل القضايا التي تمت إثارتها خلال السنوات الأخيرة كان الفضل في إثارتها يرجع لمدوني المعارضة لا إلى نوابها.

ثانيا/ نواب الأغلبية

وعلى العكس من ذلك فإن النائب الموالي يتحول في أغلب الأحيان إلى مدافع عن تقصير الحكومة، ومنتقد لنواب المعارضة إن هم انتقدوا أداءها.. كثير من نواب الأغلبية نسي أن الشعب هو من انتخبه لرقابة العمل الحكومي، وأصبح يتصرف وكأن الحكومة هي من انتخبته للتغطية على أخطائها وتقصيرها حتى لا يعلم الشعب بتقصيرها، وكأنه قادر على إخفاء ذلك التقصير عن المواطن.

ليس بالإمكان إخفاء التقصير في العمل الحكومي عن المواطن، وحتى إن تجاهله نواب الأغلبية فسيتحدث عنه نواب المعارضة وبحدة، وسيصل ذلك الحديث إلى كل مواطن في بيته عبر قناة البرلمانية، فيكسب النائب المعارض مزيدا من المصداقية، ويفقد النائب في الأغلبية مصداقيته لدى المواطن، الشيء الذي يجعله غير قادر على تسويق المنجز، بل إن حديث النائب الموالي عن الإنجازات قد يسيئ إليها، نظرا لتراجع مصداقيته لدى المواطن بسبب عدم تحدثه خلال مأموريته ـ ولو لمرة واحدة ـ عن النواقص في الأداء الحكومي، وهي بلا شك نواقص موجودة. 

ثم إن النائب الموالي عندما يلتقي بالوزراء أو كبار الموظفين في مكاتبهم، فإنه غالبا ما يتجاهل هموم ناخبيه، وهموم المواطن بشكل عام، ويستغل تلك اللقاءات في تحقيق المزيد من المكاسب الخاصة به، وذلك من خلال توظيف الأقارب أو الحصول على صفقات عمومية، ولذا فقد كثر الحديث عن حصول نواب في الأغلبية على صفقات عمومية بطرق غير شفافة. 

في اعتقادي الشخصي أنه لو كان كلام النواب نقدا أو تثمينا يكفي لحل مشاكل البلاد لحلت مشاكل موريتانيا منذ زمن طويل، فمن المعروف أنه منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، لم تقصر المعارضة في نقد الأنظمة المتعاقبة وجلدها، ولم تقصر الأغلبية كذلك في تثمين ما أنجز وما لم ينجز، وفي التطبيل لتلك الأنظمة المتعاقبة.

إننا في هذه البلاد نمتلك فائضا من الكلام، ولم نعد بحاجة إلى المزيد من الكلام، تثمينا كان أو نقدا. إننا في هذه البلاد بحاجة إلى نخبة سياسية قادرة على إنتاج الأفكار، وتقديم المقترحات، وإطلاق المبادرات الإصلاحية ذات النفع العام، وبدون نخبة من هذا النوع في فسطاطي الموالاة والمعارضة فسيبقى حالنا على حاله مهما أنتجنا من كلام ناقد للنظام أو مثمن لإنجازاته.

يبقى أن أقول ختاما إن هناك نوابا في المعارضة والأغلبية لا ينطبق عليهم ما جاء في هذا المقال، ولكنهم يبقون استثناء، وهو إستثناء يؤكد صحة القاعدة. 

حفظ الله موريتانيا..