الاثنين، 30 يناير 2012

حكايات شعبية من "وادان"*

 تستعد مدينة "وادان" لأن تحتضن نسختها الثانية من مهرجان المدن القديمة، وقد تكون هذه هي أفضل مناسبة للتعريف بهذه المدينة التاريخية الرائعة وبآثارها المدهشة. وسأحاول في هذا المقال أن استعرض معكم لمحات سريعة من تاريخ هذه المدينة من خلال مجموعة من الحكايات القصيرة، والتي لا يمكن الجزم بدقة بعضها، حتى وإن كانت الأجيال "الوادانية" قد ظلت  تتناقل هذه القصص والحكايات جيلا بعد جيل. 

الخميس، 26 يناير 2012

أين ملعقة البن..؟


يحكى فيما يحكى، أن طباخا حكيما كانت له ابنة واجهت في حياتها العديد من المشاكل، وكانت ابنة الطباخ الحكيم كلما خرجت من مصيبة أو أزمة وقعت في مصيبة أو أزمة أشد عمقا وأكثر حدة. وذات يوم شكت ابنة الطباخ لوالدها الحكيم، من كثرة المصائب والمشاكل التي تواجهها في حياتها، فما كان من الوالد إلا أن أخذ ابنته إلى المطبخ، وهناك قدم لها درسا في غاية الروعة وفي منتهى الحكمة. وهو درس ارتأيت أن أقدمه للقراء في مثل هذه الأيام الحبلى بالأزمات والصراعات. وقصة ابنة الطباخ هي واحدة من قصص قليلة أحب دائما أن أحكيها، وقد جعلت منها مقدمة ثابتة لدورة "كيف تتعامل مع المشاكل والأزمات"، وهذه القصة تذكرني دائما بحال موريتانيا التي لا تأتيها الأزمات والمصائب فرادى، وإنما تأتيها مجتمعة، حتى أصبحت النصال تتكسر على النصال، ولم يعد هناك أي مجال، أو أي وجه من أوجه الحياة إلا وفيه من المصائب والمشاكل ما يكفي لأن يدمر بلدا بكامله. في المطبخ، أخذ الطباخ الحكيم جزرة وبيضة وملعقة من البن، ووضع كل ذلك في الماء ليغلى فوق نار هادئة، مع إضافة ملاعق من سكر، وأخذ يراقب البيضة والجزرة ومعلقة البن وهي تتفاعل مع الماء المغلي، ودون أن ينطق بكلمة. وبعد صمت طويل، التفت الطباخ الحكيم إلى ابنته، وطلب منها أن تتأمل ما حدث للجزرة والبيضة وملعقة البن بعد أن تعرضت لنفس درجات الحرارة العالية، ودعونا نعتبر أن حرارة الماء المغلي تمثل المخاطر والمصائب التي نواجهها في حياتنا. أخذت الفتاة تتأمل الجزرة والبيضة وملعقة البن، دون أن تلاحظ شيئا مذكورا، ولم تجد ما تعلق به، سوى القول بأنها لاحظت أن البيضة أصبحت صلبة من الداخل، ولم تستطع قشرتها أن تحمي أحها ومحها ( بياضها وصفارها) من تأثيرات الماء المغلي، وأن الجزرة التي كانت رخوة أصبحت أيضا صلبة، أما البن فقد اختلط بالماء وامتزج به، وغير من طعم الماء حتى أصبح طعمه رائعا. قال الطباخ الحكيم لابنته بأنه رغم تعرض الجزرة والبيضة وملعقة البن لنفس النار، أي لنفس التهديدات والمخاطر الخارجية، إلا أن ردود أفعالها كانت مختلفة ومتباينة. نحن أيضا نتعرض في هذا البلد لنفس الضغوط والتحديات ولكن ردود أفعالنا تأتي دائما مختلفة، فكثير من نخبنا يكون كالبيضة، وكثير من العامة يكون كالجزرة، ولكن لا يوجد من بيننا، لا من نخبنا ولا من العامة من يحاول أن يكون كحبات البن التي تتمكن من تغيير الماء المغلي وتغيير طعمه، أي تغيير المخاطر والمصائب المحيطة بنا. وكثرة المشاكل والأزمات التي تمر بها موريتانيا كان من المفترض أن تجعل فئة من أبناء هذا البلد تقرر بأن تتشبه بملعقة البن في طريقة تعاملها مع المخاطر التي تواجه البلاد، بدلا من التشبه بالجزرة أو بالبيضة. فلعب دور الجزرة والبيضة سيزيد حتما من انهيار موريتانيا الشقية بعقوق أبنائها، البائسة بأنانية نخبها، والتائهة بتيه عوامها. ولعل ما يفرق موريتانيا عن ابنة الطباخ الحكيم، هو أنه في موريتانيا لا يوجد "طباخ حكيم" يمكن أن يُلجأ إليه إذا ما تزاحمت المصائب، وكثرت الخطوب، وتعددت الأزمات وتنوعت، كما هو حال بلدنا في هذه الأيام، وكما كان حاله في الماضي القريب والبعيد على حد سواء. ونظرا لغياب "طباخ حكيم" في بلادنا، فقد يكون من الحكمة أن نستمع قليلا لما قاله الطباخ الحكيم لابنته، في قصة الجزرة والبيضة وملعقة البن، فربما نستخلص من القصة ما ينفعنا في مواجهة المخاطر والأزمات والتهديدات الكثيرة التي تواجهنا وتواجه بلادنا. وإذا كان لا يجوز لنا أن نلوم عوام الناس إذا ما تغلب عليهم الحقد والمرارة في الفترات التي تكثر فيها الأزمات والمصائب، نظرا لكونهم كالجزرة، يعانون من رخاوة طبيعية، ولا يمتلكون قشرة تحميهم من المخاطر. فإذا كان لا يجوز لنا أن نلوم عوام الناس، إلا أنه في المقابل يجوز لنا أن نلوم النخب التي لا تختلف عن البيضة في تعاملها مع المخاطر الخارجية. فالبيضة والتي قد تبدو لمن يراها من بعيد ذات قشرة قادرة على حمايتها من الداخل، سرعان ما تُظهر العكس عندما تواجه حرارة الماء المغلي، فيبدأ داخلها يتأثر، فيزداد قسوة ومرارة. فالنخب ـ وأنا هنا أقتصر على النخب المعارضة والتي كان يتوقع منها أن تلعب دورا ايجابيا في فرض التغيير والإصلاح ـ تشبه تماما البيضة، والتي قد تبدو للناظر وكأن لها قشرة تحميها، ولكن يظهر العكس كلما كانت هناك أزمات وتحديات ومخاطر. فكم من كاتب أو سياسي معارض كنا نعتقد بأن له "قشرة" تحميه إذا ما تعددت الأزمات وأحاط به الماء المغلي فإذا به يهبط بخطابه إلى مستوى بائس، فيصبح خطابه خطابا قبليا مخصصا في مجمله لشتم وسب قبيلة الرئيس، رغم أن النظام الحالي يمكن القول بأنه أكرم الأنظمة وأرحمها بالمعارضة، فقد منحها العديد من الفرص من خلال الأخطاء العديدة التي يرتكبها، والتي يمكن لمعارضيه أن ينتقدوه من خلالها بدلا من الهبوط إلى خطاب قبلي بائس، يبدو أن معارضتنا لا تحسن غيره. وكم من كاتب أو سياسي معارض كنا نعتقد بأن له "قشرة" تحميه فإذا به في انتقاده لما أصبح يسمى عند البعض بالحرب بالوكالة يتحول إلى "إرهابي بالوكالة" يدافع عن القاعدة في كل حين، ويصف رجالها بالشجاعة، في الوقت الذي يقلل فيه من شأن الجيش الموريتاني معتقدا بأن ذلك هو أفضل طريقة لانتقاد النظام . وكم من كاتب أو سياسي معارض وصف الجيش الموريتاني بعبارات غير لائقة، ولم يستطع أن يفرق بين بعض القادة العسكريين الغارقين في السياسة وبين مؤسسة الجيش التي يعاني أغلب من فيها مما يعاني منه الشعب الموريتاني، ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنه رغم تبخيس الجيش من طرف بعض المعارضين، إلا أن ذلك لم يجعلهم يتورعون عن الاستجداء به لإحداث التغيير الذي فشلوا هم في إحداثه. وكم من كاتب أو سياسي كنا نعتقد بأن له "قشرة" تحميه فإذا به يتعلق بشخصيات بلا رؤية ليجعل منها أبطالا وقادة مفترضين للتغيير رغم خواء خطاب أولئك "القادة"، ورغم تفاهته، ورغم إساءاتهم المتكررة للدولة الموريتانية ورموزها، وفي موريتانيا يزداد التصفيق لمن يسيء أكثر للدولة الموريتانية ( أتحدث عن الدولة لا عن النظام الحاكم). لقد كنا نتوقع من أولئك الكتاب والساسة أن يكونوا كحبات البن التي تتفاعل بشكل إيجابي مع الأزمات والمحن فتمنحها مذاقا حلوا وتحولها إلى منح. وكنا نتوقع منهم أن يقودوا حراكا من أجل التغيير يرتكز على خطاب سياسي ناضج بدلا من التقزم والجري وراء خطابات تافهة وتصريحات بائسة يطلقها أشخاص بلا رؤية، يسيئون للوطن في كل يوم، ويكبرون يوما بعد يوم ليس لميزات قيادية يتمتعون بها، وإنما نتيجة لفشل النخب المعارضة نظرا لميلها الفطري للعب دور البيضة بدلا من لعب دور حبات البن في قصة ابنة الطباخ الحكيم. لقد كنا نتوقع من نخبنا التائهة والضائعة شيئا آخر غير هذا الذي نشاهده اليوم. لقد كنا نتوقع منها خطابا قويا وراشدا يفرض التغيير والإصلاح، ويُخرج البلاد من مستنقع الأزمات الذي تتخبط فيه بدلا من التطبيل والتصفيق لخطابات بائسة لن تعمر طويلا، ولن تمكث في الأرض، لأنها ـ وببساطة شديدة ـ مجرد زبد قد يعلو كثيرا، لكنه سرعان ما يختفي بنفس السرعة التي ظهر بها. إننا نريد خطابا معارضا قويا وقادرا على البقاء، ولا نريد خطابا يختزل المعارضة في كلمات بائسة تسب قبيلة الرئيس، وتستهزئ بالوطن، وتسخر من الجيش، وتمجد كل طائش بائس. إننا نريد "ملعقة بن" تغير طعم الماء وتزيد من حلاوته كلما زاد غليانه، ولا نريد بيضا أو جزرا يزداد قسوة وحقدا كلما زاد غليان الماء. إننا نريد نخبا يزداد عطاؤها كلما زادت المخاطر والمصائب من حولها، ولا نريد نخبا وعواما يزداد حقدهم وقسوتهم على الوطن كلما زادت المصائب والمخاطر من حولهم. إننا نريد "ملعقة بن" ولا نريد بيضا أو جزرا.. فهل تستكثرون علينا "ملعقة بن"؟ تصبحون على "ملعقة بن" ....

الاثنين، 2 يناير 2012

يوميات شخص عادي جدا (7)


لقد كانت مدينة "لعيون"، في النصف الأول من الثمانينات، مدينة حزينة، ولكنها أيضا كانت مدينة رائعة بحق، وهذا لا يعني ـ بأي حال من الأحول ـ بأنها لم تكن رائعة في السبعينات، أو أنها لن تكون رائعة فيما بعد النصف الأول من الثمانينات.

كل ما في الأمر هو أن النصف الأول من الثمانينات، كان له طعمه المثير، وكانت له نكهته الخاصة، وهي نكهة امتزجت فيها الدموع بالفرح، واختلط فيها البكاء بالضحك، خاصة في العام الدراسي 1983 ـ 1984. وقد خُيِّل إليَّ في ذلك العام، أن جبال المدينة الشامخات تنازلت عن شيء من كبريائها، وأنها اضطرت لأن تنحنيَّ شيئا قليلا في وجه العاصفة. حتى المدينة نفسها فقد اضطرت، في ذلك العام، لأن تغطي شيئا من فتنتها بثوب شاحب حزين، وكلما أجبرت المدينة الفاتنة على ارتداء ثوبها الشاحب الحزين، كان ذلك بمثابة نذير شؤم على من يحكم البلاد. ولقد أجبرها الرئيس "ولد هيداله"، في النصف الأول من الثمانينات، على ارتداء ثوبها الشاحب، فكان انقلاب 12ـ 12ـ 1984.

وبعد ذلك بعقدين من الزمن، سيجبرها الرئيس "ولد الطايع"، على ارتدائه، وكان ذلك بعد فشل محاولة 8 يونيو 2003، تلك المحاولة الانقلابية، التي جعلها "ولد الطايع"، مبررا لإهانة قبيلة بكاملها، فارتدت المدينة ثوبها الشاحب الحزين، منذرة بأحداث جسام، فكان انقلاب 3أغسطس 2005.

ومن المفارقات اللافتة أن قائد المحاولة الانقلابية الفاشلة، التي ساهمت في إسقاط الرئيس الذي حكم البلاد أطول فترة رئاسية، كان هو وبعض صحبه من بين القادة الميدانيين لإضرابات النصف الأول من الثمانينات في ثانوية "لعيون"، والتي ساهمت ـ بشكل أو بآخر ـ في نهاية حكم الرئيس الأكثر دكتاتورية في تاريخ البلاد.

لم تكن مدينة "لعيون"، في النصف الأول من الثمانينات، مجرد مدينة فاتنة، كما هو حالها دائما في كل الأزمنة، وفي كل الفصول. ولم تكن المدينة هي فقط تلك المدينة المدللة التي تلتف بحنان، على شطري بطحائها الجميلة، ولا تلك المدينة التي تضطجع بدلال وبغنج في أحضان سلاسلها الجبلية التي تحيط بها من ثلاث جهات، وتضغط عليها بقسوة من الجهتين الشمالية والغربية، ربما خوفا عليها من الحساد، وربما غيرة عليها، وحُق لتلك الجبال أن تغار، فهي تحتضن مدينة فاتنة كَثُر عشاقها وتعدد المغرمون بها.

لقد كانت مدينة "لعيون" في تلك السنوات مدينة ساخنة وملتهبة، ليس فقط بسبب درجات الحرارة العالية التي تعود عليها أهلها مع كل فصل صيف، وإنما بسبب الإضرابات التي عرفتها ثانويتها في تلك السنوات.

ورغم مرور ما يزيد على ربع قرن، فلا زالت تلك السنوات، تحتفظ بطعمها المثير، وبنكهتها الخاصة، كلما عادت بي الذاكرة إليها، وكثيرا ما تعود بي إليها، ومن دون استئذان.

ولقد كنت من الذين شاركوا في تلك الإضرابات والمظاهرات، حتى وإن كانت مشاركتي قد اقتصرت على التواجد في الصفوف الخلفية، والفرار مع أول من يقرر الفرار، بعد أول عملية إطلاق لمسيلات الدموع.

ولا زلت أذكر أول مظاهرة أشارك فيها، وكانت تلك هي المظاهرة الوحيدة، خلال كل تاريخي "النضالي"، التي أتمكن فيها من الظهور في الصفوف الأمامية، المواجهة لقوات الأمن.

لقد تقدمت في ذلك اليوم، بعد أن علمت بأن هناك مفاوضات تدور بين الطلاب والسلطات الأمنية، ولذلك فكنت اعتقد بأن مسيلات الدموع لن يتم استخدامها من طرف قوات الأمن، إلا بعد أن يتم الإعلان عن فشل المفاوضات.

ولكن رجال الأمن، لم يهتموا ـ كعادتهم ـ بتوقعاتي، فأمطرونا بوابل من مسيلات الدموع، مما جعلني أطلق ساقي للريح، ولا أتوقف إلا بعد الوصول إلى وسط المدينة، في وقت قياسي، يصلح فيما أعتقد لأن يسجل في كتاب "جينيس" للأرقام القياسية.

حدث ذلك في الفصل الأول، من عامي الأول في الثانوية، وبعد تلك الحادثة، لم أعد أعتمد على التوقعات، وأصبحت أتجنب دائما الصفوف الأمامية، دون أن يعني ذلك بأني قد تخلفت ـ ولو لمرة واحدة ـ عن أي إضراب ينظمه الناصريون، خلال كل سنواتي الست في ثانوية "لعيون".

وكان الناصريون يشكلون الأغلبية في الثانوية في ذلك العهد. ويليهم الشيوعيون كما كنا نسميهم، ثم يأتي بعد ذلك البعثيون، وكانت غالبية البعثيين في تلك الفترة من الطالبات. أما الإخوان فلم يكن لهم حضور يذكر في الثانوية في تلك السنوات، ولا أدري إن كان ذلك يعود لقلة عددهم، أو نتيجة لتحالفهم مع نظام "ولد هيداله" مما جعلهم لا يبرزون على الساحة الاحتجاجية في ذلك العهد.

لم أستطع أن أبرز في مظاهرات النصف الأول من الثمانينات، لأني لم أكن شجاعا، عندما يتعلق الأمر بالمواجهة مع العسكر، وهو ما همس لكم به كاتب هذه الرواية، في إحدى حلقاتها السابقة، رغم أني لم أكن أتوقع أن الكاتب يمتلك الجرأة الكافية لأن يحدثكم عن ذلك.

فالكاتب، والذي بدأت أتعرف عليه في تلك السنوات، في ثانوية "لعيون"، لم يكن معروفا في الثانوية بشجاعته، حتى ينتقد الآخرين على جبنهم، وإنما كان يُعرف، إن عُرِف بشيء، بأنه "الناصري" الأكثر فشلا في الثانوية، إن لم يكن "الناصري" الأكثر فشلا في تاريخ التنظيم الناصري كله.

لقد انتسب الكاتب للتنظيم الناصري، وهو لا يزال في صفه السادس ابتدائي، وكان الفضل في انتسابه المبكر، يعود إلى صلاته ببعض مؤسسي هذا التنظيم في المدينة، كما يعود كذلك إلى أنه كان طفلا هادئا وخجولا ومؤتمنا لدى الكبار، لذلك كانوا يستخدمونه للحراسة، وكانوا يطلبون منه أن يظل يراقب الشارع، وما يحدث فيه، أثناء اجتماعاتهم السرية.

وفي كل عام، كان هذا الناصري الفاشل، ينتسب لخلية جديدة، مع منتسبين جدد، ليتلقى شروحا وافية عن الحرية والاشتراكية والوحدة، ولِيُذكَّر بأهمية الانضباط والسرية والالتزام للمنتسبين لهذا التنظيم.

وكان زملاؤه في الخلية يترقون في سلم التنظيم الناصري، ويصعدون درجة في كل عام، بينما يظل هو قابعا في القاع، في انتظار منتسبين جدد للتنظيم، ليبدأ معهم من جديد، تعلم مبادئ الحرية والاشتراكية والوحدة، وليوصى من جديد بأهمية الانضباط والسرية والالتزام.

ست سنوات قضاها الكاتب، في ثانوية "لعيون" لم يستطع خلالها أن يصعد درجة واحدة في سلم التنظيم، ولا أن يتجاوز عضو خلية. وهو في فشله ذلك، يذكرني بصديق لي في الطفولة، قضى عدة سنوات من عمره، وهو في السنة الأولى ابتدائية. وكان صديقي ذلك كلما فشل في تجاوز السنة الأولى من الابتدائية، عاد إلى معلم اللوح ليقضي معه سنة، ثم يعود مرة أخرى، إلى السنة أولى ابتدائية، ليجرب حظه من جديد، وليفشل من جديد في امتحان التجاوز.

وكان صديق طفولتي ذاك، بعد كل عملية توزيع للنتائج النهائية، يذهب إلى والدته، ليبشرها بأنه سيأتي اليوم الذي سيصبح فيه ضابطا كبيرا، رغم رسوبه المتكرر في سنة أولى.

كان الكاتب كصديق طفولتي الفاشل دراسيا، فلم يكن هو أيضا يتأثر من فشله المتكرر في سنة أولى من التنظيم الناصري، رغم أنه كان يُعرف في جيلنا، بأنه كان من أكثر المنتسبين للتنظيم قراءة لكتب وأدبيات الفكر الناصري.

لم يستطع الكاتب أن يكون ناصريا شجاعا، كما هو حالي طبعا، كما أنه لم يستطع إضافة لذلك، أن يكون من منظري التنظيم في الثانوية، فهو لم يتجاوز خلال كل فترة انتسابه للتنظيم، عضو خلية. وهو أيضا لم يكن خطيبا، ولم يصعد يوما على المنابر. وكانت تلك هي المجالات الثلاثة التي يمكن الصعود من خلالها في سلم التنظيم، ولقد فشل الكاتب فيها جميعا، مما أهله لأن يكون أكبر فاشل في هذا التنظيم . والغريب حقا، أن الكاتب أصبح في أيامنا هذه، يكتب في الشأن السياسي، ويدعي الاستقلالية، فيما يتخذ من رأي، حول بعض القضايا الوطنية المستجدة، وذلك مما يستفزني به كثيرا، أنا الذي عرفته جيدا، في ثانوية "لعيون"، في النصف الأول من الثمانينات.

وإن مما يغيظني أكثر، أني لا أستطيع الآن أن أتحدث عن ذلك الماضي، ولكم تمنيت أن أكشف للقراء الماضي السياسي البائس لكاتب هذه الرواية، وأن أتحدث عنه بشكل أكثر تفصيلا، ولكن المشكلة أن ذلك يعد من الخطوط الحمراء التي لا يجوز لي، وفقا لبنود الاتفاق المبرم بيني وبينه، أن أتحدث عنها، من قبل أن يكتمل الجزء الأول والثاني من رواية "يوميات شخص عادي جدا"، كما أسميها أنا، أو من رواية "واحد من الناس" كما يسميها الكاتب، أو من رواية "أعقاب سجائر رخيصة" كما كنا نسميها معا في مسودتها القديمة، والتي انتهينا من كتابتها في النصف الأول من التسعينات.

في العام الدراسي 1983ـ 1984 كان أنين السجناء يسمع ليلا في كل المنازل المجاورة لأماكن التعذيب. ولقد مورست ضد السجناء من الطلاب والمعلمين والأساتذة المعتقلين أصنافا وحشية من التعذيب، ليس أقلها وحشية، أن يُذهب بالسجين ليلا إلى مطار المدينة، ليسحب هناك على بطنه فوق أرضية المطار الصلبة. وكانوا في بعض الأحيان، عندما يذهبون بسجين إلى المطار، يرسلون قبله فرقة لحفر قبر، يَدَّعون بأنه قبر لسجين آخر، مات بفعل التعذيب. وكانوا يفعلون ذلك لكي يخيفوا الضيف الجديد للمطار، حتى ينهار، ويدلي لهم ببعض الاعترافات التي كانوا يبحثون عنها. ورغم تلك القسوة التي كانوا يستخدمونها ضد المعتقلين، إلا أنهم لم يحصلوا على اعترافات، إلا في حالات معدودة.

وكثُر في ذلك العام الجواسيس ومخبرو النظام، حتى أصبح الأخ يخاف أخاه، والابن لا يثق في والده، والصديق يتردد كثيرا قبل أن يهمس في أذن صديقه.

ومن غرائب ذلك العام، أن الضابط الذي كان يقود فرقة الحرس التي كانت تتجول وسط الثانوية، لإفشال المظاهرات، كان من أبرز قادة التنظيم الناصري في الثانوية،عام دخولي لها، وكان من الذين يقودون الإضرابات، ولقد كنت منبهرا بشجاعته في تلك الفترة، وسيصبح هذا الضابط فيما بعد من أرفع العسكريين رتبة.

ولعل الحدث الأبرز، في ذلك العام الساخن، هو ما حدث في ضحى يوم مثير، عندما تمكنت مجموعة من الطلاب، في حدود خمسين طالبا، من قطع الاتصالات عن الثانوية، والاستيلاء على الوثائق والملفات وتمزيق بعضها، وضرب مدير الثانوية، وبعض رجال الشرطة، وعلى رأسهم القائد، ضربا مبرحا.

وبالتأكيد، لم أكن أنا ولا الكاتب، من بين الخمسين طالبا التي نفذت تلك العملية النوعية، والتي قادها طالب شجاع، سيصبح فيما بعد ضابطا. وأعتقد أن ذلك الطالب الجريء الذي قاد تلك العملية، هو الذي سلم نفسه فيما بعد، للسلطات الأمنية، بعدما فشلت في العثور عليه، وذلك لكي تتوقف السلطات عن الانتقام من بعض إخوته.

ومن الغريب حقا، أن المدير الذي ضربه الطلاب الناصريون في ذلك العام، ضربا مبرحا، سيتم تسريحه من وظيفته بعد ذلك، بعقد من الزمن باعتباره ناصريا!!!

وفي الأيام التي سبقت عملية ضرب المدير، تمت الدعوة لإضراب لم تتم الاستجابة له بشكل واسع، و كنت من بين قلة استجابت لتلك الدعوة، لذلك فقد تم طردي، وطلب مني المدير أن لا أحضر للثانوية إلا برفقة وكيلي، هو ما قمت به في اليوم الذي سيتم فيه الاعتداء على المدير، وعلى بعض رجال الشرطة.

في صبيحة ذلك اليوم، رافقت وكيلي الذي أخبرته بأن مدير الثانوية طلب حضوره، وكان وكيلي في ذلك العام، قريب لي، وكان يعمل مديرا لمدرسة ابتدائية، وكان من أشد المعارضين للإضرابات.

وفي الطريق إلى الثانوية، ظل وكيلي يحدثني عن خطورة المشاركة في التظاهرات، وقال لي بأن النظام قد اكتشف بأن هناك دولة ثانية داخل الدولة، وهو يقصد بذلك التنظيم الناصري. وقال لي، بأن النظام لن يقبل بوجود دولتين في دولة واحدة، وكان وكيلي يتحدث كما يتحدث أي منتسب لهياكل تهذيب الجماهير.

وطلب مني وكيلي، أن أنسحب من الإضرابات، وأن أتفرغ لدراستي، فالمظاهرات ـ حسب وكيلي ـ ليست إلا محاولة من طرف بعض الطلاب للتغطية على فشلهم الدراسي.

هكذا كان يحدثني وكيلي، قبل ساعة من ضرب المدير ورجال الشرطة، في ذلك اليوم المثير.

ولم يكن وكيلي يتوقع أنه سيتم إلقاء القبض عليه، بعد تنفيذ عملية ضرب المدير. ولم يكن يتوقع إطلاقا، بأنه سيأتي اليوم الذي سيتهم فيه بأنه ناصري، فيسجن مع الناصريين، ويتعرض لأصناف شتى من التعذيب، ولا يطلق سراحه إلا في إطار العفو عن المساجين، والذي تم بعد انقلاب 12ـ 12 ـ 1984.

لقد كان نظام "ولد هيداله" نظاما ظالما وباطشا ومتعجرفا، والدليل على ذلك، هو ما تعرض له وكيلي، والذي لم يشفع له بأنه كان يدافع ـ وبشكل مستميت ـ عن نظام "ولد هيداله"، وظل يدافع عن ذلك النظام الظالم، حتى ألقي عليه القبض، وأدخل في سجن لم يخرج منه إلا بعد دخول "ولد هيداله" نفسه للسجن.

والحقيقة أني لم أكن راضيا عما كان يقوم به الناصريون في تلك الفترة، رغم أني كنت ناصريا منضبطا، ولم أكن مقتنعا بكل المطالب التي كانوا يطالبون بها، ولا بكل الشعارات التي كانوا يرفعونها، ولا بالمبررات التي كانوا يبررون بها تحركاتهم واحتجاجاتهم في تلك السنوات، والتي كان من بينها أنهم كانوا يريدون أن يختبروا قدرتهم على تحريك الساحة، وأن يختبروا كذلك مدى قناعة والتزام المنتسبين للتنظيم، وهي القناعة التي لا يمكن اختبارها، بشكل دقيق، إلا في ظل المواجهة الشرسة مع النظام الحاكم.

لم أكن راضيا عن كل ذلك، ولكن المزاج العام للمدينة في تلك الفترة، كان يفرض عليَّ أن أكون ناصريا، وأنا كنت ابن المدينة، وكان مزاجي من مزاجها.

ومع أني لا أستطيع أن أنكر اليوم بأني كنت في تلك الفترة من أشد المنبهرين بفكر "جمال عبد الناصر"، لكني مع ذلك، كنت أحس بأن في فكر الرجل، وفي أسلوبه للحكم بعض المآخذ التي لم أكن في تلك الفترة قادرا على تحديدها، أو أن أعبر عنها، رغم إحساسي وشعوري بوجودها.

واليوم أستطيع أن أقول بأن "جمال عبد الناصر" كان رئيسا دكتاتوريا ومستبدا، لذلك فقد كان من المستحيل أن تخلو فترة حكمه من أخطاء فادحة، لأنه لا يوجد مستبد عادل.

إن الاستبداد والعدل صفتان متناقضتان لا يمكن أن تجتمعا في شخص واحد، واجتماعهما مجرد خدعة كبيرة. فالمستبد العادل لا وجود له إلا في مخيلة النخب والعوام، وهو كالشيطان الرشيد، فإذا كان بالإمكان أن نتوقع الرشد من الشيطان، فسيكون حينها بإمكاننا أن ننتظر العدل من المستبد.

ومع ذلك فلا يمكنني أن أنكر بأن المستبدين يختلفون كثيرا، ويتمايزون كثيرا. ولقد كان "جمال عبد الناصر"، ولا زال، بالنسبة لي هو أعلاهم درجة، وأفضلهم مكانة، وأقربهم إلى نفسي.

ولأني لم أكن مقتنعا في قرارة نفسي بكل ما يقوم به الناصريون في تلك الفترة، فلم أكن قادرا على أن أحمل نظام "ولد هيداله" كل الأخطاء التي كانت تحدث في تلك الفترة، أثناء مواجهته مع الناصريين.

ولكن بعد أن تم سجن وكيلي، ظلما وعدوانا، لم أعد أبحث لنظام "ولد هيداله" عن أعذار، بل أصبحت أصنفه، بأنه نظام ظالم ومتوحش، خاصة أنه لم تكن هناك وسيلة واحدة، يمكن أن نلجأ إليها لرفع الظلم عن وكيلي، فهيداله كان يمنح فرصا كثيرة لممارسة الظلم، ولتصفية الحسابات، ودون أن يفتح قناة واحدة يمكن للمظلومين أن يلجؤوا إليها.

وقبل رئاسة "ولد هيداله"، لم أكن إطلاقا أهتم بمن يحكم البلاد، وأتذكر أنه عندما أخبرتنا الخادمة التي كانت تشتغل عندنا في المنزل، يوم العاشر من يوليو78، بأنها سمعت في سوق المدينة بأن "المختار القديم" أخذ منه الرئاسة "مختار جديد"، لم أهتم بذلك، رغم الحيرة التي بدت على الكبار، عند سماعهم لذلك الخبر العظيم الذي التقطته خادمتنا من سوق المدينة، وبثته في الحي، وهو لا يزال طازجا. وكانت خادمتنا في المنزل، من أهم مصادر الأخبار في الحي، وكانت تصر في كل يوم، وبعد عودتها من سوق المدينة، على تقديم نشرة إخبارية موجزة في بعض الأحيان، ومفصلة في أحيان أخرى.

لم يكن يهمني من يحكم البلاد، إلى أن اتسع بطش ولد "هيداله"، وامتد، حتى وصل إلى وكيلي الذي لم يعارض أي نظام، لا من قبل حكم "ولد هيداله" ولا من بعده.

ومنذ إلقاء القبض على وكيلي، بدأت أكره نظام "ولد هيداله" كرها شديدا، وقد زاد من كرهي لذلك النظام، أن المزاج العام للمدينة كان أيضا يكره "ولد هيداله" كرها شديدا.

ومن مفارقات المدينة الفاتنة، أنها وبعد ذلك بعقدين من الزمن، وتحديدا أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية 2003، سيتغير مزاجها، تغيرا كبيرا، وسيصبح "ولد هيداله" بالنسبة للكثيرين من أبنائها، يشكل أملا، وربما مخلصا من نظام "ولد الطايع"، والذي أصبح المزاج العام للمدينة يبغضه، بغضا شديدا، بعد أن أحبه حبا شديدا، ذات يوم من أيام دجمبر من العام 1984.

وفي انتخابات العام 2003 كان مزاجي متأثرا ـ كعادته ـ بمزاج المدينة العام، ولقد كان "ولد هيداله" بالنسبة لي، في تلك الانتخابات، هو المرشح الوحيد القادر على أن يخلص البلاد من نظام "ولد الطايع" الغارق ـ وحتى التراقي ـ في الفساد.

ولقد تم اختياري من طرف إدارة الحملة الرئاسية في ولاية الحوض الغربي، أثناء زيارة "ولد هيداله" لمدينة "لعيون"، لأن أرابط في دار الضيافة المعدة لاستقبال مرشحنا، خلال كل فترة تواجده بالمدينة.

ولقد بقيت وحيدا في دار الضيافة، رفقة عدد قليل من الشباب، في انتظار قدوم "ولد هيداله"، بينما توجه مدير الحملة، وكل طاقم حملته، لاستقبال "ولد هيداله"، لحظة قدومه إلى المدينة.

وبعد طول انتظار، تم إشعاري بأن ولد "هيداله" وصل إلى باب دار الضيافة، ففتحت الباب، ووجدتني لأول مرة وجها لوجه مع "ولد هيداله".

لم يكن اللقاء عاديا، ولم يكن مثل تلك اللقاءات العابرة، التي تحدث يوميا، دون أن تترك أي انطباع، ولا أن تثير أية مشاعر.

كان الرجل الذي يقف أمامي، هو الرئيس السابق "محمد خونا ولد هيداله" الذي كرهته كرها شديدا يوم ألقى القبض على وكيلي، منذ عقدين من الزمن.

وكان الرجل أيضا هو المرشح "محمد خونا ولد هيداله"، الذي كان يشكل، بالنسبة لي، في تلك اللحظات المرشح الوحيد القادر على إصلاح أوضاع البلاد، والتي انهارت كثيرا.

مددت يدي اليمنى لأصافح الرئيس، بينما وضعت يدي اليسرى على منكبه، وأخذت أقوده إلى المكان المعد لاستقباله، وكان الرئيس في تلك اللحظات طيعا، لينا، بسيطا، متواضعا، أي أنه كان بعيدا كل البعد عن صورته المحفورة في مخيلتي، منذ عقدين من الزمن.

وبينما كنت أرافق الرئيس إلى الصالة المعدة له، أعادتني الذاكرة إلى النصف الأول من الثمانينات، وتساءلت في نفسي، ماذا لو كان هذا اللقاء قد تم في النصف الأول من الثمانينات، وماذا لو فتحت نفس الباب في يوم من أيام العام 1983، فإذا بالذي يقف وراء الباب هو الرئيس "محمد خونا ولد هيداله".

أعتقد أني ساعتها كنت سأطلق ساقي للريح، وقد لا أتوقف إلا عندما أصطدم بأحد الجبال المحيطة بالمدينة، وربما أغرز أظافري في وجهه، أو ربما أرميه بحجر على الرأس، من قبل أن أطلق ساقي للريح.

والحقيقة أني لا أدري بالضبط ما ذا كنت سأفعل حينها، وإن كان من المؤكد بأني لو قابلته في العام 1983، فلم أكن لأصافحه بيمناي، ولم أكن لأضع يسراي على منكبه، ولم أكن لأقوده قطعا إلى صالة الاستقبال، كما أفعل الآن.

ولقد أحسست بأن "ولد هيداله" الذي يسير بجنبي في تلك اللحظات، يختلف كثيرا عن "ولد هيداله" الذي كان يقود البلاد في النصف الأول من الثمانينات. كما أحسست أيضا بأني أنا في تلك اللحظات، أختلف كثيرا، عما كنت عليه في النصف الأول من الثمانينات، حتى المدينة نفسها، قد تغيرت، وتبدل الكثير من أهلها، ولم تعد تلك المدينة التي عرفتها في النصف الأول من الثمانيات، حتى وإن كانت لا تزال تحتفظ بروعتها الأخاذة، وبفتنتها المتجددة، وبمزاجها المشاكس.

تصبحون على الحلقة الثامنة من الرواية...

الحلقة السادسة:

http://elvadel.blogspot.com/2011/12/6.html

الحلقة الخامسة من اليوميات: http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/5.html

الحلقة الرابعة:

http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/4.html

الحلقة الثالثة:

http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/3.html

الحلقة الثانية:

http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/2.html

الحلقة الأولى:

http://www.elvadel.blogspot.com/2011/09/1.html

تمهيد للرواية:

http://www.elvadel.blogspot.com/2011/09/blog-post_19.html