الخميس، 31 ديسمبر، 2015

عام مضى ... وماذا بعد؟

في مطلع هذا العام الذي سنودعه بعد ساعات معدودة، وتحديدا في يوم الأربعاء الموافق 14 يناير فاجأ الوزير الأول الرأي العام الموريتاني بوثيقته الداعية للحوار، وهي الوثيقة التي حاولت أن تلخص كل مطالب المعارضة في البنود أو في النقاط الثمانية عشر التي تضمنتها تلك الوثيقة.

تفاءل الموريتانيون بالإعلان عن تلك الوثيقة، وأيقنوا بأن الحوار سينطلق في وقت قريب، ولكن الحوار لم ينطلق، ولما طال بهم الانتظار تحول تفاؤلهم إلى تشاؤم، ونسوا من بعد ذلك أمر الحوار، وأيقنوا بأنه لا حوار يلوح في الأفق بين السلطة والمعارضة. ولما أيقن الموريتانيون بأنه لا حوار، فإذا بهم يفاجؤوا في الأشهر الأخيرة من العام، وتحديدا في يوم الثلاثاء الموافق 27 أكتوبر باتصال هاتفي يجريه الوزير الأمين العام للرئاسة مع رئيس المنتدى، ولقد دعا الوزير الأمين العام للرئاسة في مكالمته تلك إلى ضرورة استئناف الحوار بين الحكومة والمعارضة. أعادت تلك المكالمة شيئا من التفاؤل للموريتانيين بقرب انطلاق الحوار، ولكن ذلك التفاؤل سرعان ما تبخر هو أيضا، وذلك بعد أن مر شهر كامل على اللقاء بين وفد الحكومة ووفد الأغلبية والذي لم يعقبه أي رد من الحكومة على مطلب المنتدى المتمثل في ضرورة تقديم رد كتابي على وثيقة الممهدات. لم ترد الحكومة لا إيجابا ولا سلبا، وإنما عملت على تجاهل الموضوع برمته، وتناست بأنه يوجد في صندوق بريدها ـ ومنذ شهر ـ رسالة للمنتدى لا تزال تنتظر ردا.
هكذا ظل مؤشر الحماس بقرب انطلاق الحوار يعلو وينخفض خلال العام 2015، وهكذا ظل الشعب الموريتاني ينتقل من أعلى درجات التفاؤل بقرب انطلاق الحوار إلى أحط درجات التشاؤم باستحالة إطلاقه، وهكذا ظل المواطن الموريتاني حائرا خلال كل العام 2015، فهو لا يعرف لماذا تتكرر مثل هذه الدعوات المطالبة بالحوار، ولا لماذا تتبخر تلك الدعوات من بعد إطلاقها، ولا يعرف أيضا ماذا ستجني السلطة من هذه البلبلة التي خلقتها خلال العام 2015 بدعواتها المتكررة للحوار، وبسحب تلك الدعوات كلما لاح في الأفق بأن المعارضة قد تقبل بتلبيتها. إن العام 2015 يستحق أن نطلق عليه عام الحيرة، أو عام فشل الحوار، ولكن ما دمنا قد فشلنا في أن نطلق حوارا بين السلطة والمعارضة في العام 2015، فماذا يجب علينا أن نفعل في العام 2016؟
لا شيء، سوى أنه علينا أن نطالب من جديد بالحوار بين السلطة والمعارضة!!
إن الحوار الجاد والشامل بين السلطة والمعارضة يجب أن يبقى هو مطلبنا الأول، ولكن أساليب المطالبة بهذا الحوار يجب أن تتغير حتى لا يتكرر فشل 2015 في العام 2016. إن تكرار نفس الأساليب يؤدي دائما إلى نفس النتائج، ونحن لا نريد للعام 2016 أن يكون كالعام 2015، ولذلك فإنه من اللازم علينا في مطلع العام 2016 أن نغير من أساليبنا الداعية للحوار، ولكن كيف يمكننا أن نغير من تلك الأساليب؟
قبل الإجابة على هذا السؤال دعونا نتفق أولا  على أن الحوار الجدي والشامل والذي يفضي إلى إصلاحات حقيقية سيبقى هو المخرج الوحيد والآمن من الأزمات التي تتخبط فيها بلادنا.إن البديل للحوار وللإصلاحات المتفق عليها من كل الأطراف لن يكون سوى الانقلاب أو الثورة، ولا أعتقد بأن ما في تاريخنا من انقلابات يغري بالمطالبة بانقلاب جديد، ولا أعتقد أيضا بأن واقع بلدان الربيع العربي يغري بالمطالبة بثورة في بلدنا كبلدنا تم تفخيخ وحدته الوطنية، وذلك بعد أن ملئت بالألغام التي لا تنتظر للانفجار إلا أن يتم إطلاق الشرارة الأولى للثورة.
إن الحوار الجدي والشامل سيبقى هو المخرج الوحيد والآمن من هذه الأزمات التي تتخبط فيها بلادنا، ولكن ذلك لا يعني أن لا نغير من رؤيتنا لهذا الحوار، ولا أن لا نبدل من أساليبنا المطالبة به.
إن الحوار الذي علينا أن نسعى إليه ليس ذلك الحوار الذي يستوجب خسارة طرف وربح آخر، وإنما هو ذلك الحوار الذي يحقق ربحا واضحا وبينا لكل الأطراف، فالحوارات والمفاوضات الناجحة هي تلك التي تضمن الربح للجميع.
إن أي حوار سيضمن لبلادنا أن تعيش تناوبا سلميا وديمقراطيا على السلطة في منتصف العام 2019 لابد وأنه سيحقق أرباحا للطرفين (السلطة والمعارضة).
 فأي ربح يمكن أن يحققه الرئيس "محمد ولد عبد العزيز"  أهم  وأغلى من أن يدير ما تبقى من مأموريته الثانية في ظل توافق سياسي، وأن يترك السلطة في منتصف العام 2019 وهو مرفوع الرأس، وأن يعيش من بعد ذلك في بلده آمنا مطمئنا. فأن يقبل الرئيس "محمد ولد عبد العزيز"  بالخروج من السلطة في منتصف العام 2019، وأن يقبل بالإشراف على انتخابات رئاسية شفافة من قبل رحيله، فإن ذلك سيعد انجازا كبيرا يختم به سنواته في الحكم، ويكفر به عن انقلابين قادهما وعن الكثير من الأخطاء التي كان قد ارتكبها في فترة حكمه. لقد أصبح ترك السلطة طواعية يعتبر انجازا عظيما في منطقتنا، وخاصة بعد أن تعرفنا على رؤساء من أمثال "بشار" و"على عبد الله صالح" و"القذافي" لم يترددوا في تدمير بلدانهم من أجل البقاء في الكرسي.
يمكن للرئيس "محمد ولد عبد العزيز" أن يقلل الآن من قيمة وأهمية ذلك الربح المنتظر تحقيقه من الخروج طواعية من السلطة، ويمكن له أن يصر على البقاء في السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر فيما بعد نهاية مأموريته الثانية. يمكن للرئيس أن يبقى في السلطة لفترة قد تطول أو تقصر، ولكن ما على الرئيس أن يعلمه الآن هو أنه سيترك غدا السلطة طوعا أو كرها، سيتركها بالموت أو بالانقلاب أو بالثورة، فإن تركها بالموت وهو لا يزال متمسكا بها فعليه أن يعلم بأن الكثير من الموريتانيين لن يذكره بخير من بعد رحيله، وإن تركها بانقلاب أو بثورة فعليه أن يعلم بأنه سيعيش ما تبقى من عمره سجينا أو هاربا أو مطاردا، وسيأتيه وقتٌ سيتمنى فيه أن يكون قد ترك السلطة طواعية، وإن أراد أن يتأكد من تلك الحقيقة فما عليه إلا أن يسأل الآن "ولد الطايع" أو "بن علي" فعندهما الخبر اليقين.
هذا بالنسبة لأرباح السلطة وخسائرها التي يمكن أن تحققها من الحوار أو تتكبدها من غيابه، أما الأرباح التي يمكن أن تحققها المعارضة والشعب الموريتاني والديمقراطية من الحوار فهي لا تحتاج إلى تبيان. كما أن الخسائر التي ستتكبدها المعارضة والشعب الموريتاني والديمقراطية من عدم تنظيم حوار جدي وشامل بين السلطة والمعارضة فإنها أيضا لا تحتاج إلى تبيان.

 أما فيما يخص الأساليب التي يجب تغييرها من أجل إجبار السلطة والمعارضة على الجلوس على طاولة حوار جدي وشامل فإني سأتركها إلى مقال أو مقام آخر، وذلك بسبب أن حجم هذا المقال كان قد تجاوز المساحة المعهودة لمثله من المقالات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق