السبت، 26 سبتمبر، 2015

ملاحظات سريعة عن التدافع بمنى

(1)
يحق لكل فرد مسلم في هذا العالم أن يعلق على الفاجعة التي حصلت بسبب التدافع في منى، ويحق لكل فرد مسلم ـ وحسب ما توصل إليه من قناعات ـ أن يحمل المسؤولية لحكومة السعودية فيما حدث أو أن يبرئها..المهم أنه علينا أن نتفق أولا على أن لكل فرد مسلم الحق، كل الحق، في أن يتحدث عن هذه الفاجعة، وذلك لأنه معنيٌّ بشكل مباشر بها ما دام يعتبر بأن الحج فريضة عليه، وبأن عليه أن يؤدي تلك الفريضة إن استطاع إليها سبيلا.

(2)
يحق لكل واحد منا، ووفقا لقناعاته، أن يكون من المؤيدين لحكومة المملكة العربية السعودية ولموقفها مما يجري في المنطقة، ولكن ذلك يجب أن لا يمنعه من أن يحمل للنظام السعودي المسؤولية فيما حدث، إن ظهر له أنه يتحمل تلك المسؤولية. وفي المقابل فإنه يحق لكل واحد منا أن يكون خصما للنظام السعودي ومعارضا لسياسته في المنطقة، ولكن ذلك يجب أن لا يمنعه من تبرئة النظام السعودي إن ظهرت له براءة هذا النظام.
هذه الفاجعة يجب أن ننظر إليها نظرة مستقلة لا تتأثر بموقفنا المسبق من النظام السعودي سواء كان ذلك الموقف إيجابيا أو سلبيا..هكذا يجب علينا أن نكون، فبهذا وحده سيكون بإمكاننا أن نخرج بموقف أقرب للحقيقة من هذه الفاجعة، ولكن وللأسف فإن هذا لم يحصل. فمن كان يخاصم النظام السعودي فقد سارع إلى تحميل النظام السعودي كامل المسؤولية فيما حدث، ومن كان يناصر هذا النظام فقد برأه وبشكل تلقائي من كل مسؤولية فيما حدث.
(3)
لا خلاف على أن إيران وكل خصوم السعودية في المنطقة سيستغلون هذه الفاجعة أبشع استغلال، وسيحاولون من خلالها أن يحققوا مكاسب إعلامية وسياسية ضد النظام السعودي، ولا خلاف أيضا أن النظام السعودي وحلفاءه في المنطقة لن يتورعوا غدا عن استغلال أي فاجعة قد تحل بإيران، لا خلاف على كل ذلك، ولكن ذلك يجب أن لا يمنعنا من تحميل النظام السعودي المسؤولية، إن اعتقدنا فعلا بأنه يتحمل المسؤولية، حتى وإن كنا من أنصاره، وحتى وإن كنا ندرك بأن النظام  الإيراني وحلفاءه في المنطقة سيستغلون موقفنا ذلك أبشع استغلال.
(4)
إن مما يعقد الأمور ومما يصعب الخروج بموقف سليم من هذه الفاجعة الأليمة هو أن الحج يعد عبادة فريدة من نوعها، ولذلك فإن ما يواجهه النظام السعودي من تحديات في أيام الحج لا يواجهه أي نظام في العالم، ولو كان هناك أي نظام في العالم يواجه تحديات مشابهة لما يواجهه النظام السعودي في أيام الحج لكان بإمكاننا أن نسارع في تحميل النظام السعودي أو في تبرئته مما حدث، ويكفي لذلك أن نقارن بين ردة فعل النظام السعودي مع ردة فعل نظام آخر واجه مشكلة مماثلة، ولكن المشكلة هي أنه لا حكومة في هذا العالم تواجه تحديات مماثلة لما يواجهه النظام السعودي أثناء الحج حتى نقارن تصرفات النظام السعودي بتصرفاتها.
(5)
لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نستحضر المؤامرة في هذه الفاجعة، ولا يمكننا أن نحمل هذه الفاجعة لأعداء الإسلام الذين يتربصون بالمسلمين، والذين يتآمرون على بلداننا بالغدو والآصال. إنه يمكننا أن نحصر المسؤول عن هذه الفاجعة في جهتين فقط، وهما النظام السعودي والحجاج، لا جهة ثالثة يمكننا أن نحملها جزءا من المسؤولية عن الفاجعة، حتى ولو كان جزءا يسيرا.
(6)
فإذا كانت الحكومة السعودية هي التي تتحمل المسؤولية المباشرة  نتيجة لارتكابها لخطئ أو لتقصير ما فإنها تتحمل المسؤولية. وإذا كانت المسؤولية المباشرة يتحملها الحجاج أنفسهم نتيجة لبعض المسلكيات الخاطئة فإنه وحتى في هذه الحالة فإنه سيكون بإمكاننا أن نحمل النظام السعودي جزءا كبيرا من المسؤولية، وذلك لأنه كان قد قصر في توعية الحجاج، وفي تنبيههم، بل وفي إلزامهم بضرورة تغيير مسلكياتهم، وفي إعداد الخطط اللازمة لمواجهة ما قد يحصل إن هم لم يغيروا مسلكياتهم الخاطئة، خاصة وأن الفواجع المرتبطة بالتدافع في منى كانت قد تكررت في مواسم حج سابقة.
(7)
إن كانت تهمنا الموضوعية حقا، وبالنظر إلى كل الملاحظات السابقة، فإنه لن يكون بإمكاننا أن نخرج الآن بموقف نهائي، وذلك من قبل أن تظهر نتائج التحقيقات التي وعد بها النظام السعودي، والتي أكد بأنها ستكون سريعة وشفافة.
(8)
دعونا ننتظر بمواقفنا النهائية ظهور نتائج التحقيقات، فإن جاءت تلك التحقيقات بنتائج قوية وواضحة ومقنعة، وإن أعقبت تلك التحقيقات قرارات قوية وإجراءات جريئة تتناسب مع حجم الفاجعة الأليمة، فحينها سننصف النظام السعودي. وإن جاءت النتائج هزيلة، وإن اكتفى النظام السعودي بقرارات بسيطة لا تتناسب مع حجم الفاجعة، فحينها سيكون من حقنا أن نرفع الصوت عاليا بتقصير النظام السعودي، وبتحميله كامل المسؤولية في موت المئات من الحجاج بموسم الحج لهذا العام.
(9)
ومن أجل أن يكون التحقيق مقنعا للجميع، فإنه على النظام السعودي أن يشرك معه في هذه التحقيقات بعض الدول الإسلامية الأخرى خاصة منها تلك التي كانت أكثر تضررا من الفاجعة.
قد لا يكون من المنصف أن نطلب من النظام السعودي أن يشرك دولا إسلامية أخرى في إدارة الحج وفي الإشراف عليه، ولكن من المنصف أن نطلب من هذا النظام أن يشرك دولا إسلامية أخرى في التحقيق في هذه الفاجعة، خاصة تلك الدول التي كانت أكثر تضررا من هذه الفاجعة.

حفظ الله موريتانيا وكل بلاد المسلمين..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق