الأربعاء، 29 يوليو، 2015

عن تبرع الأحزاب السياسية!! (تدوينة)

ومن القضايا التي أثارت أيضا جدلا كبيرا يمكن أن نتحدث عن تبرع الأحزاب السياسية، وعن انخراطها بعضها كتواصل وكالحزب الحاكم في العمل الخيري، وعن رفع تلك الأحزاب لشعارات حزبية خلال تقديمها للعمل الخيري.

بدءا لابد من التذكير بأني هنا لا أتحدث من منظار شرعي أو فقهي، وعلى علمائنا الأجلاء أن يتحدثوا في مثل هذه المواضيع الشائكة ..أنا هنا أتحدث من منظار سياسي، ومن منظار أن هذه القضية قد أصبحت من قضايا الرأي العام التي يحق للجميع أن يتحدث عنها.
فمن المعروف بأنه يجوز لنا من الناحية الشرعية أن نسر بصدقاتنا. كما يجوز لنا أيضا أن نعلن عنها، فمتى يكون من الأنسب أن نسر بالصدقة، ومتى يكون من الأنسب أن نعلن عنها؟ أتمنى أن يجيب فقهاؤنا على ذلك السؤال.
فمن منظار أن هذه القضية قد أصبحت من قضايا الرأي العام، وإذا ما تحدثنا عنها من هذه الزاوية فإنه يمكن القول بأن الصدقة التي يقدمها الأفراد قد يكون من الأحسن أن تكون سرية، أما تلك التي تتقدم بها المنظمات أو الأحزاب السياسية فمن الأفضل أن تكون علنية، وذلك لعدة أسباب منها:
1
ـ الصدقة أو التبرع هنا لا تتعلق بالأفراد، وبالتالي فإن قضية الرياء تكون هنا نسبية، فالخوف على الأحزاب و المنظمات من الرياء قد لا يكون بمستوى الخوف على الأفراد من الرياء..فرياء الأحزاب والمنظمات قد لا يكون حاضرا في الأذهان في أغلب الحالات.
2
ـ إن إعلان المنظمات والأحزاب لتبرعاتها ولصدقاتها قد يخلق تنافسا إيجابيا بينها، ولذلك فإن رفع الشعارات الحزبية عند تقديم العمل الخيري قد يكون مطلوبا في كثير من الأحيان. كما أن إعلان المنظمة أو الحزب لعملها الخيري قد يطمئن أولئك الذين تبرعوا للمنظمات وللأحزاب، ويؤكد لهم بأن ما تبرعوا به من مال أو من جهد قد تم توجيهه إلى الوجهة الصحيحة.
3
ـ رياء الأحزاب يتمثل في أن يتقدم الحزب بالعمل الخيري، وهولا يريد به وجه لله، وإنما يريد به مكاسب سياسية فقط ..علينا أن نترك الحكم على ذلك لله الذي لا تخفى عليه خافية، وهو سيجازي من أراد وجهه بالتصدق ، سواء كان المتصدق فردا أو منظمة أو حزبا، ولن يقبل قطعا ممن تصدق رياءً، سواء كان المتصدق فردا أو حزبا.
4
ـ حتى ولو تأكدنا من أن الحزب لا يقوم بالفعل الخيري لوجه الله، وإنما يقوم به لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية، حتى ولو تأكدنا من ذلك، فإنه سيبقى علينا كمتابعين للشأن العام أن نشيد سياسيا بذلك الفعل، وذلك لسببين اثنين :
أولهما : أن الحزب الذي ينفق موارده التي خصصها للدعاية وللحملات الانتخابية في غير المواسم الانتخابية هو أفضل من ذلك الحزب الذي لا ينفق مالا إلا خلال أيام الحملات الانتخابية. وإن الحزب الذي ينفق جزءا من موارده التي خصصها للدعاية والحملات الانتخابية في تنظيف شارع، أو في توفير مياه لفقراء، أو في قافلة طبية لهو خير ألف مرة من ذلك الحزب الذي لا ينفق تلك المخصصات إلا في الصور المكبرة لمرشحيه، أو في حفلات موسيقية يقيمها خلال ليالي الحملة الانتخابية. فنحن وإذا كنا نعلم بأن تلك النفقات لن يحصل أصحابها على أجر أخروي، وذلك لأنهم لم يقصدوا بها وجه الله، وإنما قصدوا بها تحقيق مكاسب سياسية..إلا أننا مع ذلك سنظل نفرق بين مال أنفق أو جهد بذل في تنظيف شارع أو توفير ماء أو خدمة صحية لفقراء، وبين مال أنفق في صور مكبرة لمرشح أو في حفلة موسيقية للدعاية له..فالإنفاق الأول سيستفيد منه الفقراء، وسيعود إيجابيا على الوطن. أما الإنفاق الثاني فلن يحقق نفعا للوطن، ولن يفيد المستضعفين.
ثانيهما : أن الحزب الذي ينظف شارعا مليئا بالقمامة، أو يحمل ماء لحي فقير هو أيضا يمارس عملا سياسيا مهما، وذلك لأنه يكشف من خلال ذلك، وبلغة فصيحة وصريحة عن تقصير الحكومة، التي تركت ذلك الشارع للقمامة، أو تركت ذلك الحي للعطش. , وإن ذلك ليدخل في صميم عمل الأحزاب، وخاصة المعارضة منها.
5
ـ يرى البعض بأن الأحزاب السياسية يجب عليها أن تبتعد عن العمل الخيري، وأن تترك ذلك العمل لمنظمات المجتمع المدني، وأن تتفرغ هي للعمل السياسي فقط. إن بلدا يعاني نصف سكانه من الأمية، ويعاني أكثر من ثلثيه من الفقر، وقد عرفت حكوماته المتعاقبة بالتقصير وسوء الأداء، إن بلدا كهذا، سيكون العمل التطوعي والخيري فيه أكبر من منظمات المجتمع المدني، بل إنه قد يتحول إلى فرض عين على الجميع أن يساهم فيه، وبما في ذلك الأحزاب السياسية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق