الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2014

إدانة في نواذيبو و براءة في روصو!!

لقد قررت السلطة القائمة أن تجعل من العشر الأواخر من العام 2014 موعدا لمحاكمة كاتب المقال المسيء وزعيم إيرا، فاختارت يوم الثلاثاء الموافق 23 ـ 12 ـ 2014 لمحاكمة الأول ، واختارت يوم الأربعاء الموالي لمحاكمة الثاني، فلماذا هذا التزامن في موعد المحاكمتين؟

وما الذي جعل المحكمة الجنائية بنواذيبو تعقد دورة استثنائية مفاجئة لتحدد من خلالها موعدا مستعجلا لبدء محاكمة كاتب المقال المسيء؟ ولماذا جاءت هذه الدورة الاستثنائية بعد عام تقريبا من الجريمة النكراء، وبعد أن توقفت كل المظاهرات والاحتجاجات المطالبة بمحاكمة ولد أمخيطير، وبعد أن كاد الجميع ـ وهذا مما يؤسف له ـ ينسى تلك الجريمة النكراء؟
أليس في الأمر سرا ما؟
لقد وجدت السلطة نفسها في مأزق كبير، وذلك بعد أن اتضح للكثيرين بأن ما يجمع بين عزيز وبيرام من مصالح أكثر وأقوى من الذي يفرق بينهما من عداوات. ولقد أصبحت السلطة تخاف من أن ينكشف للناس أمرها، وأن يظهر لهم  بأن اعتقالها الأخير لبيرام لم يكن إلا في إطار سلسلة من تصرفاتها الرامية إلى الرفع من مكانة الرجل، وإلى استغلال تلك المكانة في اللحظات الحرجة لما فيه مصلحة الرجلين (عزيز وبيرام)، ولا تحدثونني من فضلكم عن مصلحة موريتانيا ولا عن مصلحة لحراطين، فلا مصلحة موريتانيا، ولا مصلحة لحراطين تتحكم في تصرف أي من الرجلين.
 دعونا نطرح السؤال التالي : لماذا لم تقم السلطة باعتقال السيد بيرام في تلك الأوقات التي كان يعتدي فيها لفظيا وحتى جسديا على الآخرين، ولماذا تركته حرا طليقا في كل تلك الأوقات، ولماذا قررت أن تلقي القبض عليه في وقت لم يرتكب فيه أي جريمة سوى أنه شارك في مسيرة أقصى ما يمكن أن يقال عنها بأنه لم تكن مرخصة؟
فلماذا تركته حرا طليقا يشتم من يشاء، ويسب من يشاء، ويهين من يشاء، ثم إذا ما قرر السيد بيرام أن يغير من أساليبه، على الأقل ظاهريا، فيبدأ بتنظيم لقاءات مع بعض مشايخ الصوفية، ثم يرسل أهله إلى القرى للتعلم في المحاظر، ثم يعقد مؤتمرا صحفيا يوما قبل إلقاء القبض عليه، ويقول في ذلك المؤتمر: بأن حركته قررت إنهاء حراك المساجد الذي بدأته قبل أسابيع. ولقد دعا بيرام في هذا المؤتمر إلى  حوار مع الجميع، مع السياسيين والمثقفين والعلماء من أجل التوصل إلى آليات للتعايش السلمي بين مكونات المجتمع، وأضاف بأن حركته قررت وقف مهاجمة من لا يهاجمها، وإعطاء مهلة من الآن وحتى نهاية شهر إبريل عام 2015، من أجل تهيئة الأجواء للقاءات والمبادرات للم الشمل، وإصلاح ذات البين.
فلماذا اختارت السلطة أن تعتقل بيرام في مثل هذا الوقت بالذات، والذي عبر فيه عن استعداده لتغيير أساليبه النضالية، وإلى جعلها أكثر سلمية وأكثر نعومة، خاصة وأن السلطة كانت تعلم بأن الحجة التي ستبرر بها اعتقال بيرام لن تكون مقنعة، وبأنها لا تكفي لأن تبرر النطق بحكم يدين الرجل؟ ألم تكن السلطة تعلم بأنها ستضطر في وقت قريب إلى إخلاء سبيل الرجل؟ فإذا كانت تعلم ذلك، وهي قطعا تعلم ذلك، فَلِماذا اعتقلته أصلا؟
فهل كان الهدف من اعتقاله هو إجباره على التخلي عن خطابه الوديع الذي تحدث به يوما قبل اعتقاله، وإجباره إلى العودة إلى لغة السب والشتم؟
لقد ندم بيرام واعتذر من سجنه بعد المحرقة عن حرقه للكتب الفقهية، ولقد اعتذر أيضا الكثير من نشطاء حركة إيرا عن تلك المحرقة، ولكن تصرفات السلطة مع بيرام وتزكيتها له من بعد ذلك، وسماحها له بالترشح لأعلى منصب، كل ذلك جعله يعود من جديد إلى التغني بتلك المحرقة، وإلى الافتخار بها، وإلى تسميتها بالمحرقة المجيدة.
ألا يبدو أن شيئا مثل هذا قد يتكرر في الأيام القادمة؟ شخصيا لن أفاجأ إذا عاد بيرام إلى سب وشتم العلماء وإلى الاعتداء عليهم لفظيا داخل المساجد بعد أن يطلق سراحه، وبعد أن يشعر بأن أسهمه وأسهم حركته قد ارتفعت كثيرا في "الأسواق الدولية" بعد سجنه الأخير.
لقد تمت برمجة محاكمة ولد أمخيطير في وقت متزامن مع محاكمة بيرام، وذلك من أجل إخراج السلطة من هذا المأزق الذي وضعت فيه نفسها، خاصة وأن بعض تصرفاتها المشبوهة قد بدأت تتكشف للكثير من الناس.
إن هناك شيئا من المكر والخداع في تزامن المحاكمتين، فلم يعد بإمكان السلطة أن تطلق سراح بيرام بعد كل هذه الضجة التي أحدثتها دون أن تشغل الناس بأمر آخر، ولذلك فكان لابد من أن تتم برمجة محاكمة ولد أمخيطير في مثل هذا الوقت, فمن سيغضبه الحكم  ببراءة  بيرام في محاكمة روصو سيتم امتصاص غضبه بحكم لن يكون مخففا يدين ولد امخيطير في محاكمة نواذيبو، ومن ستغضبه الإدانة في نواذيبو (وهنا أعني السفارات الغربية وقلة قليلة من الموريتانيين) سترضيه البراءة  أو الحكم المخفف في روصو، وبهذين الحكمين ستحاول الحكومة أن تخرج من الورطة التي وقعت فيها.

حفظ الله موريتانيا.. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق