الأربعاء، 27 أغسطس، 2014

من أجل معارضة قادرة على فرض التغيير السلمي(أفكار للنقاش)

لقد بات من الضروري، بل ومن الملح جدا، أن تفتح المعارضة الموريتانية نقاشا واسعا وجديا من أجل وضع إستراتيجية واضحة المعالم، وقابلة للتنفيذ، تهدف إلى فرض التغيير السلمي في بلدنا المتعطش إلى التغيير، ومن المهم جدا أن يبدأ وضع وتنفيذ هذه الإستراتيجية  مع  بداية المأمورية الثانية للرئيس محمد ولد عبد العزيز، والتي يبدو أنها ستكون مأمورية مفتوحة على كل الاحتمالات، بما فيها أسوأ الاحتمالات، خاصة إذا ما ظل الرئيس مصرا على تجاهل الأزمة السياسية المتفاقمة، وهو ما قد أظهره حتى الآن من خلال خطابه يوم التنصيب، ومن خلال تشكيله لحكومته الجديدة.

إن أي ضعف أو أي غياب للمعارضة في المرحلة القادمة سيزيد حتما من احتمالات حصول التغيير غير الآمن، وقد يأتي ذلك التغيير غير الآمن من خلال انقلاب ناجح أو فاشل، أو من خلال ثورة لا أحد يستطيع أن يتحكم في مسارها. أما إذا ما استطاعت القوى المعارضة أن تشكل جبهة قوية، لها رؤية إستراتيجية واضحة، ولها القدرة على إيقاظ واستقطاب كل "القوى النائمة" أو "المتفرجة" أو "المحبطة" في البلد، وما أكثرها،  فإن استطاعت القوى المعارضة ذلك، وإن استطاعت بالإضافة إليه أن تخلق أملا جديدا للموريتانيين بإمكانية حدوث  التغيير بالآليات الديمقراطية السلمية، فإنها بذلك ستحصن البلد ضد أي محاولة غير آمنة للتغيير. ومن هنا تبرز أهمية العمل على خلق معارضة قوية، لها إستراتيجية واضحة لفرض التغيير بالأساليب الديمقراطية السلمية، ومن هنا أيضا تظهر أهمية مشاركة الجميع  في مثل هذا الجهد، والذي علينا أن لا نعتبره  من الآن جهدا سياسيا خالصا يمكن أن يترك للسياسيين وحدهم، وإنما علينا أن نعتبره جهدا وطنيا يسعى لإنقاذ البلد من مخاطر عديدة محدقة به، ولذلك فعلى الجميع أن يساهم فيه، كل من موقعه، وحسب إمكانياته وقدراته.
إن المشاركة في مثل هذا الجهد الوطني هي من واجب الجميع، وهذه المشاركة لم تعد مجرد "فرض كفاية" يمكن أن نتركها لمن يتقدم لها،  وإنما أصبحت "فرض عين"، وعلى كل موريتاني يحب بلده ويخاف على مستقبل هذا البلد، أن يشارك في هذا الجهد بما هو متاح، وذلك حتى نضع بلادنا على سكة ديمقراطية صحيحة، وعندها فليعتزل السياسة من أراد أن يعتزلها، وليستمر فيها من أراد أن يستمر فيها، أما الآن فإن السياسة في بلدنا قد أصبحت كالحرب، فإذا كانت الحرب هي أخطر من أن تترك للعسكريين لوحدهم، فإن السياسة في بلدنا قد أصبحت أخطر من أن تترك للسياسيين لوحدهم.
إنه علينا أن نعلم بأننا نعيش اليوم ديمقراطية مشوهة وغير سوية، ولذلك فإن العمل المعارض، لم يعد عملا سياسيا خالصا، وإنما أصبح عملا وطنيا يجب أن يشارك فيها الجميع، وبالتأكيد فإن ذلك يتطلب من المعارضة، خاصة منها المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة أن تغير من أساليبها النضالية، وأن تبتدع أساليب نضالية جديدة قادرة على استقطاب الجميع، كما أن ذلك يتطلب في المقابل من "القوى المتفرجة" أو "المحبطة"  أو "النائمة" أن تتوقف عن تفرجها وعن إحباطها وأن تستيقظ من نومها الذي بات يشكل خطرا كبيرا على مستقبل البلد، لا يقل عن المخاطر العديدة الأخرى التي تحدق به، والتي تهدده حتى في كيانه.
إن على تلك القوى المتفرجة أن تنزل الآن إلى الميدان، وذلك من قبل فوات الأوان، وعليها بدلا من الانشغال بنقد وبانتقاد المعارضة أن تندمج في هذه المعارضة، وأن تحاول أن تصلحها من الداخل، وأن توجهها إلى أساليب نضالية فعالة وقادرة على فرض التغيير بالأساليب الديمقراطية الآمنة.
ومما لاشك فيه بأنه قد أصبح أمام هذه القوى المتفرجة فرصة كبيرة للمشاركة، وهي فرصة يتيحها لها المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة الذي بات مفتوحا أمام الجميع، أمام النقابات، وأمام منظمات المجتمع المدني، وحتى أمام الشخصيات المستقلة التي لا تريد أن تنخرط في أي حزب، ولا في أي نقابة، ولا في أي منظمة.
إنه على جميع المهتمين بالشأن العام ممن لهم مزاجا معارضا أن يلتحقوا الآن بالمنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة (البيت الكبير، حتى لا أقول البيت الوحيد للمعارضة الموريتانية)، وأن يعملوا على تصحيح كل الأخطاء التي ارتكبها هذا المنتدى منذ انطلاقته، وهي بالمناسبة كثيرة، وعليهم أن يحافظوا على بذرة الأمل التي زرعها هذا المنتدى، وأن ينموها، وأن يحموا كل  المكاسب التي حققها هذا المنتدى منذ تأسيسه، وهي أيضا، وبالمناسبة، ليست بالقليلة.
إنه على الجميع أن يشارك في وضع التصورات، وفي تقديم الحلول والمقترحات من أجل ابتداع أساليب نضالية جديدة، قادرة على إحداث التغيير، وعلى فرضه بالأساليب السلمية والمأمونة، وما هذا المقال إلا دعوة للجميع من أجل المشاركة في ذلك. أما المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة، والذي يعكف الآن على وضع إستراتيجية جديدة، فعليه أن يهتم بجملة من الأمور لعل من أهمها:

أولا : الإشراك الفعلي للشباب الموريتاني، وهنا يمكن التفكير في :
1 ـ  إجراء لقاءات عاجلة للتعارف وللنقاش  بين رئيس المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة ومعاونيه، مع القوى الشبابية الفاعلة، سواء كانت تلك القوى منخرطة في العمل السياسي الحزبي، أو كانت تنتمي لنقابات طلابية أو لمنظمات أو لحركات شبابية، أو كانت ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي.
2 ـ خلق إطار شبابي مستقل وموازي للمنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة، ويمكن أن يضم هذا الإطار الشبابي الجديد (كل المنظمات الشبابية للأحزاب المعارضة ـ النقابات الطلابية ـ الجمعيات والنوادي الشبابية التي ترغب في المشاركة ـ الحركات الشبابية ذات الطابع السياسي، كحركة 25 فبراير، وحركة كفانا، وحركة لا تلمس جنسيتي ـ النشطاء الشباب المستقلين  سواء كانوا فاعلين على مواقع التواصل الاجتماعي، أو فاعلين على الواقع الميداني..إلخ). يتم اختيار أو انتخاب رئيس لهذا الإطار الشبابي، لمدة محددة، على أن يتولى رئيس هذا الإطار الشبابي الجديد، وبشكل تلقائي، منصب النائب الأول لرئيس المنتدى الوطني للديمقراطية الوحدة.
3 ـ تنظيم ندوات ونقاشات وحوارات بإشراف هذا الإطار الشبابي الجديد، وبرعاية المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة، على أن تناقش تلك الندوات والحوارات القضايا التي تهم الشباب ( البطالة، إشراك الشباب في العمل السياسي...إلخ).

ثانيا: الاهتمام بالقضايا المطلبية وبأصحاب المظالم:
من الملاحظ بأن انشغال السياسيين بالعمل السياسي كثيرا ما ينسيهم المشاكل اليومية التي يعاني منها المواطنون، ولذلك فإنه قد أصبح من الملح جدا أن تقترب المعارضة أكثر من المواطن ومن همومه اليومية، ويمكن أن يتم ذلك من خلال:
تأسيس منسقية تابعة لرئاسة المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة تعنى فقط بأصحاب المظالم، وبرصد كل الاحتجاجات ذات المطالب المشروعة وتوفير الدعم اللازم  لها، ومن المستحسن أن يتولى رئاسة هذه المنسقية عضو من النقابات أو من منظمات المجتمع المدني المنخرطة بالمنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة.
وهذه المنسقية عليها أن تقوم بالتالي:
ـ رصد كل أصحاب المظالم، وكل من ينظم احتجاجا مشروعا، والعمل على خلق قنوات اتصال بأصحاب المظالم وبكل المحتجين.
ـ توفير الدعم السياسي والإعلامي، وكذلك الدعم الميداني لأصحاب المظالم، ويمكن للإطار الشبابي الذي سيتشكل أن يساهم بالمشاركة الميدانية في تلك الاحتجاجات، وكذلك بالقيام بحملات إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي لصالح أصحاب تلك المظالم، ولم يعد خافيا أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه تلك الحملات في نصرة المظلومين.
ـ من المهم جدا أن تبين المنسقية لكل صاحب مظلمة تناصره بأنها لا تريد استغلال مظلمته سياسيا، وإنما تريد أن توفر له الدعم المطلوب والضروري حتى يتم رفع الظلم عنه.

ثالثا : على مستوى إشراك الجاليات الموريتانية في الخارج:
لاشك في أن الجاليات الموريتانية في الخارج يمكن أن تلعب دورا مهما في إحداث التغيير، خاصة منها تلك التي تقيم في أوروبا وأمريكا، ويكفي أن نتذكر الدور النضالي المتميز الذي لعبته "من أجل موريتانيا" لمواجهة انقلاب السادس من أغسطس 2008، وذلك لنعرف ما الذي يمكن أن تساهم به تلك الجاليات في مجال الدفاع عن الديمقراطية في موريتانيا.
وفي هذا الإطار يمكن أن يعمل المنتدى وبالتعاون مع المعنيين بالأمر على بعث "من أجل موريتانيا" من مرقدها، إذا كان ذلك لا يزال ممكنا، وإلا فيمكن أن يتم العمل على خلق إطار جديد ينضم إليه كل من أراد أن ينضم إليه من الموريتانيين في الخارج، على أن يكون لذلك الإطار استقلالية كاملة عن المنتدى في كل ما يتعلق بأنشطته في الخارج، وعلى أن تمنح لمنسق هذا الإطار، وبشكل تلقائي، منصب النائب الثاني لرئيس المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة، ويمكن لهذا الإطار أن يعمل على :
1 ـ فتح قنوات اتصال بكل الهيئات والمنظمات الموجودة في أوروبا وأمريكا والمهتمة بتعزيز الديمقراطية، وكذلك بكل الأحزاب والشخصيات المهتمة بالأمر.
2 ـ أن يعمل ذلك الإطار بكل ما هو متاح ليبين للحكومات الغربية خطورة دعم أنظمة استبدادية، لا لشيء،إلا لأنها حققت نجاحات آنية على صعيد مكافحة الإرهاب والهجرة السرية، وهي نجاحات لا يمكنها أن تستمر في ظل غياب ديمقراطية حقيقة، فغياب الديمقراطية قد يؤدي إلى انهيار تلك الأنظمة الاستبدادية، وإلى حدوث فوضى في بلدانها، ستؤدي حتما إلى زيادة الإرهاب والهجرة السرية.
3 ـ يمكن لذلك الإطار أن يمارس كل أساليب الضغط المتاحة على الحكومات الغربية كلما عملت تلك الحكومات على تشويه الديمقراطية في بلدنا، وكلما حاولت تزكية أو الترويج للديمقراطية المشوهة القائمة في بلدنا.
4 ـ يمكن لهذا الإطار أن يعمل على تنظيم لقاءات وربط اتصالات بين المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة والمنظمات والهيئات الدولية  المعنية بالديمقراطية، وكذلك بالأحزاب وبالحكومات الغربية.

رابعا: على صعيد القضايا الوطنية الكبرى (مكافحة الرق ومخلفاته نموذجا)
إن قضية الرق ومخلفاته أصبحت تشكل أكبر خطر يهدد مستقبل بلدنا، ولذلك فإنه على المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة أن يمنح لهذه القضية الشائكة والمعقدة كل ما تستحق من اهتمام.
ويمكن أن يتم ذلك من خلال إنشاء منسقية خاصة تُعنى بهذه القضية لوحدها.لقد آن الأوان لأن يتحول النضال ضد الرق ومخلفاته، خاصة في شقه القانوني والحقوقي، إلى نضال وطني تشارك فيه كل الأعراق والشرائح، فمن المعيب جدا، أن يظل هذا النضال نضالا خاصا بأبناء الشريحة، فلم يحدث أن سمعنا باكتشاف حالة استرقاق، إلا من طرف تلك المنظمات الحقوقية التي يقودها بعض أبناء الشريحة.
إنه على المنتدى أن يمنح لمثل هذه المنسقية المعنية بمحاربة الرق ومخلفاته اهتماما خاصا، وذلك لأنها إذا نجحت في مهمتها، فسيكون بإمكان الشعب الموريتاني أن ينظر في بقية أعمال المنتدى، أما إذا فشلت، لا قدر الله ، فإن المنتدى سيعتبر فاشلا حتى ولو حقق نجاحات في المجالات الأخرى.
إن رئاسة هذه المنسقية يجب أن تمنح لشخصية وطنية من غير أبناء الشريحة، وذلك لإعطاء بعد وطني للنضال القانوني والحقوقي ضد الرق ومخلفاته، ويجب أن تمثل في هذه المنسقية الخاصة بمكافحة الرق، كل الأحزاب وكل النقابات ومنظمات المجتمع المدني المنخرطة في المنتدى، وأن يكون ذلك التمثيل بمستويات عالية.

خامسا: على مستوى الخطاب
إن من أخطر الضربات الموجعة التي تعرضت لها المعارضة في السنوات الأخيرة هو أنه كان قد تم الاستيلاء على أهم مفردات وعناوين خطابها من طرف السلطة القائمة ( محاربة الفساد، محاربة الفقر ، التغيير ..)، واليوم أصبحت المعارضة بحاجة ماسة إلى استعادة خطابها القديم، وإلى أن تضيف إلى هذا الخطاب مفردات جديدة أصبحت تثير اهتمام المواطن الموريتاني، والذي أصبح يخاف أن يستيقظ في يوم ما فيجد أن وطنه قد تفكك إلى قبائل وأعراق وشرائح وفئات، وذلك من كثرة سماعه لخطابات قبلية وجهوية وفئوية وعرقية لم يعد يسمع غيرها. لقد غاب الخطاب الوطني الجامع، أو على الأقل، لقد أصبح هذا الخطاب مخنوقا وضعيفا ولا يكاد يسمع.
إن على خطاب المعارضة في المرحلة القادمة أن يهتم بالأمور التالية:
1 ـ أن يقف ضد كل الخطابات القبلية أو الفئوية أو الشرائحية أو العرقية، أو الانفصالية، والتي لم نعد نسمع غيرها، خاصة منها تلك التي تحاول أن تجرم شريحة معينة، وأن تحملها مسؤولية كل أخطاء الأنظمة السابقة. كما أنه على المنتدى أن يقف بقوة ضد كل الخطابات التكفيرية، والتي أصبحت أكثر حدة في الآونة الأخيرة، وذلك لدرجة أننا أصبحنا نسمع عن فتاوى يصدرها البعض بإهدار دم مواطنين موريتانيين.
2 ـ لقد عرف خطاب المعارضة ارتباكا كبيرا في السنوات الأخيرة، وذلك لغياب الرؤية، ولعدم وضوح الأهداف، فمن خطاب يدعو إلى الرحيل، إلى خطاب يدعو للحوار، قد يتخلله في بعض الأحيان خطاب ينتقد الجيش في حين، ويستجديه في حين آخر لينقلب على السلطة القائمة.
إن الهدف في المرحلة القادمة يجب أن يكون واضحا ومحددا، ويجب أن يعبر عنه بلغة صريحة وفصيحة، وهو أن المعارضة في المرحلة القادمة ستسعى ـ وبكل الوسائل النضالية السلمية المتاحة ـ  إلى إجبار السلطة القائمة على فتح جوار جدي وشامل، يشارك فيه الجميع، ويفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية شفافة وتوافقية تتوفر على كل الضمانات اللازمة لمشاركة الجميع.
3 ـ من المهم جدا أن يكون خطاب المعارضة في المرحلة القادمة أكثر وضوحا، وأكثر جرأة، ولكن عليها أن تبتعد تماما عن لغة السب والشتم، حتى ولو تم استخدام تلك اللغة من الطرف الآخر.
4 ـ وعلى المعارضة أن تعمل من خلال خطابها، ومن خلال ممارستها الميدانية للعمل السياسي، على تصحيح تلك النظرة السلبية لدى البعض، والتي تعتبر بأن المعارضين في موريتانيا لا يعارضون إلا بحثا عن السلطة، أو بحثا عن مصالح شخصية عابرة.

حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق