الاثنين، 25 أغسطس، 2014

لماذا لا نعلنها عاصمة عالمية للبرك والمستنقعات؟

لعلكم لا زلتم تتذكرون أن المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم كانت قد أعلنت منذ سنوات عن اختيار نواكشوط عاصمة للثقافة الإسلامية للعام 2011، وقد تم تأكيد ذلك الاختيار مع بداية المأمورية الأولى للرئيس محمد ولد عبد العزيز، ولكن بعد عام من ذلك الاختيار أعلنت الحكومة الموريتانية عن تأجيل إطلاق فعاليات نواكشوط عاصمة للثقافة الإسلامية، وقررت  في مجلس للوزراء إلغاء مرسوم التظاهرة، وتأجيلها للتشاور مع المنظمة الإسلامية للثقافة والعلوم حول الإجراءات المزمع اتخاذها من أجل تحضير جيد لهذه التظاهرة في المستقبل القريب.

مرت أربع سنوات على إلغاء الاحتفالية، ويبدو أن "المستقبل القريب" لم يأت بعد، ونسى الجميع هذه الاحتفالية ولم يعد يذكرها ذاكر.
واليوم ومع بداية المأمورية الثانية للرئيس محمد ولد عبد العزيز فإني أقترح أن نعلن مدينة نواكشوط عاصمة عالمية للبرك وللمستنقعات، وذلك بعد أن فشلنا في بداية المأمورية الأولى أن نجعل منها عاصمة للثقافة، وبالتأكيد فإن العاصمة نواكشوط تمتلك كل المقومات والشروط اللازمة للحصول على هذا اللقب، بل وللاحتفاظ به لسنوات قادمة، ودون أن تواجه أية منافسة، ولن تحتاج دبلوماسيتنا الكسولة إلى بذل جهد كبير لإقناع العالم بأن نواكشوط تستحق فعلا أن تمنح لقب عاصمة عالمية للمستنقعات، فيكفي أن تبعث وزارة خارجيتنا صورة مقرها وهو تحاصره المياه الراكدة لسفرائنا في دول العالم ليقدموه هدية لرؤساء الدول التي يقيمون بها.   
إن هذه الوضعية المأساوية التي تعيشها العاصمة نواكشوط ستستمر لسنوات قادمة، وستتجدد مع كل موسم أمطار، ولعلكم تتذكرون موسم الخريف الماضي وما صاحبه من تجمع للمستنقعات والبرك في شوارع العاصمة، ولعلكم تتذكرون أيضا أن الرئيس كان قد  تجاهل بشكل كامل ما عانته العاصمة نواكشوط في تلك الفترة، وأنه ترك العاصمة ذات يوم وهي غارقة وذهب لغرس الأشجار، ولما سئل على هامش غرس الأشجار عن الصرف الصحي أجاب: "يتساءل البعض عن عدم وجود صرف صحي خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة، وكأن الصرف الصحي كان موجودا خلال العقود الماضية أو مجرد التفكير فيه، فما الذي حال دون وجود هذا الصرف خلال تلك الفترة؟"
وأذكر أن الرئيس تحدث يومها عن التراكمات، وكأننا مازلنا نعيش في العام 2009،  أوَ لا يعلم الرئيس بأنه مرت على حكمه ست سنوات، وبأنه لم يعد يجوز له أن يتحدث عن التراكمات، وذلك بعد أن أصبح هو ونظامه يشكل جزءا لا يتجزأ من تلك التراكمات؟
الغريب في الأمر هو أن الرئيس الذي ظل ينتقد دائما مشاريع الدراسات التي كانت تهدر من خلالها الأنظمة السابقة الوقت والمال هو نفسه الرئيس الذي اعترف على هامش حفل غرس الأشجار بأن السلطات كانت قد تعاقدت منذ ثلاث سنوات مع شركة صينية لإنشاء صرف صحي، وتبين بعد ذلك أن تكلفة هذا العقد باهظة مما اضطر السلطات العليا إلى توقيف العقد وإحالة الموضوع من جديد إلى الدراسة.
إن الرئيس الذي ظل بعد انقلابه ينتقد الدراسات هو نفسه الرئيس الذي سيلغي عقدا مع شركة صينية، وسينشغل بعد ذلك هو وحكومته في إعداد دراسات جديدة عن الصرف الصحي، أوَ لا يعلم الرئيس بأن "التكاليف الباهظة" التي قال بأنه كان قد ألغى العقد مع الشركة الصينية بسببها سيدفع هذا الشعب المسكين أضعافها مضاعفة كخسائر بسبب تأخر الصرف الصحي لسنوات أخرى؟ أوَ لا يعلم الرئيس "المحارب للفساد" بأن من الفساد البين أن تُنفق أموال هذا الشعب المغلوب على أمره على شق طريق جديد في العاصمة أو على  تشييد مبنى جديد  بها من قبل البدء الفعلي في إنشاء صرف صحي؟
علينا أن نمتلك قليلا من الشجاعة، وعلينا أن نعترف بحظنا العاثر وبواقعنا بالبائس، وبأن عاصمتنا هي عاصمة عالمية للبرك والمستنقعات والنفايات والأوساخ، ولا يمكن أن تكون إطلاقا عاصمة لغير ذلك.
وعلينا أن نعترف أيضا بأننا كشعب لا نستحق غير عاصمة بائسة كهذه، مليئة بالبرك والمستنقعات والأوساخ، فنحن لا يخجلنا، ولا يستفزنا، ولا يغيظنا، أن عاصمتنا ما تزال في العام 2014 بلا صرف صحي.
إننا لم نشاهد أي مواطن واحد يخرج متظاهرا ضد هذه البرك والمستنقعات؟ ولم نسمع بأي حزب ولا بأي حركة شبابية نظمت وقفة للمطالبة بالبدء الفوري بإنشاء شبكة للصرف الصحي من قبل البدء بأي مشاريع أخرى؟
أذكر أني دعوتُ في موسم الخريف الماضي إلى وقفة احتجاجية أمام الرئاسة للمطالبة بإنشاء صرف صحي بالعاصمة، وقد استجاب لتلك الدعوة شابان فقط من  كل سكان العاصمة، وأذكر بأني كتبتُ خلال نفس الموسم سلسلة من المقالات عن الصرف الصحي ختمتها بمقال تحت عنوان "وداعا الصرف الصحي"، وقلت في ذلك المقال بأن الجميع (حكومة وشعبا) سينسى نهائيا غياب الصرف الصحي عن العاصمة، ولن يتذكره أي أحد منا، إلى أن يأتي خريف العام 2014،لتتكرر المأساة من جديد، وهذا هو ما حدث بالفعل.
نفس الشيء سيتكرر مرة أخرى، فالمؤكد أن الجميع سينسى مشكلة الصرف الصحي بعد انتهاء موسم الأمطار لهذا العام، ولن يتذكره أي أحد منا إلى أن يأتي خريف العام 2015 فنعيش الكارثة من جديد.
إن شعبا كشعبنا لا يستحق عاصمة غير هذه، أي عاصمة بلا صرف صحي، عاصمة مليئة بالأوساخ وبالبرك وبالمستنقعات، وذلك رغم أنه يقال لنا صباحا ومساءً، وبعضنا يصفق بيديه ورجليه عندما يسمع ذلك، بأن خزائن بنكنا المركزي تكاد تتشقق لما تكدس فيها من  أكوام العملات الصعبة.

حفظ الله موريتانيا..

هناك تعليقان (2):