الأربعاء، 30 أكتوبر، 2013

اغتيال شعار !!


يرى البعض بأنه علينا أن ننتظر حتى يتم تنظيم انتخابات 23 نوفمبر، و من ثم الإعلان عن نتائجها، لكي يكون بإمكاننا أن نحكم إيجابا أو سلبا على قرار حزب "تواصل" بالمشاركة في تلك  الانتخابات . فإن حقق "تواصل" نتائج إيجابية في تلك الانتخابات حكمنا له بصواب القرار، وإن حقق الحزب نتائج سلبية، جاز لنا حينها، أن نصنف قرار المشاركة بأنه من القرارات الخاطئة.

وبالتأكيد فهذا منطق سليم تماما، وبإمكاننا أن نتبعه في التحليل، ولكن بشرط واحد، وهو أن يقبل منا أصحاب هذا المنطق بأن نصنف حزب "تواصل" على أنه مجرد حزب انتهازي، كغيره من الأحزاب الانتهازية  التي لا تبحث إلا عن مصالحها الحزبية الضيقة، تلك المصالح المرتبطة أساسا بعدد المقاعد التي يمكن  للحزب أن يحصدها من المشاركة في أي استحقاقات انتخابية.
بهذا المنطق، وبهذا المنطق وحده، فإنه علينا أن ننتظر حتى يُعلن عن نتائج انتخابات 23 نوفمبر للحكم ـ  إيجابا أو سلبا ـ على قرار "تواصل" بمشاركته منفردا في انتخابات 23 نوفمبر. وحتى في هذه الحالة، فسيظل احتمال عدم صواب القرار قائما، وذلك لأنه ليس من المؤكد تماما بأن حزب "تواصل" سيحقق نتائج إيجابية في انتخابات 23 نوفمبر، والتي يبدو أنه أصبح من المحتمل جدا أن يتم تأجيلها. وسيبقى أقوى الأدلة المتاحة حاليا على تأجيل تلك الانتخابات عن موعد 23 نوفمبر، هو تصريح  الرئيس محمد ولد عبد العزيز في يوم 28 أكتوبر الذي أكد من خلاله بأن انتخابات 23 نوفمبر لن تؤجل إطلاقا عن موعدها.
وفي المقابل، فإذا ما صنفنا حزب "تواصل"، على أنه حزب تهمه المصلحة العليا للبلد أكثر من مصالحه الخاصة، فإننا في هذه الحالة لن نكون بحاجة إلى انتظار تنظيم انتخابات 23 نوفمبر، والإعلان عن نتائجها، للقول بأن  قرار  المشاركة الذي اتخذه حزب "تواصل" بشكل منفرد لم يكن بالقرار الصائب.
وقد يكون من الضروري جدا، أن أنبه هنا، إلى أن الانتهازية التي تطبع سلوك السياسيين في أغلب تصرفاتهم، والتي تتحكم أيضا في قرارات الأحزاب السياسية، هي التي جعلت الكثير من الموريتانيين، ومن خيرة أولئك الموريتانيين،  تقرر الابتعاد عن العمل السياسي.
وسيظل أولئك يهجرون العمل السياسي، وذلك في انتظار أن تظهر نخبة سياسية جديدة، تضفي بعدا أخلاقيا على العمل السياسي، فتُبعد ذلك العمل عن الانتهازية، وعن المصالح الضيقة الآنية، تلك المصالح الضيقة التي ظلت تتحكم في القرار وفي الفعل السياسي لتلك النخب.
ولو أن حزبا موريتانيا تمكن من أن يشذ عن القاعدة، وأن يُراكم مجموعة من القرارات التي لا يمكن تصنيفها بأنها من القرارات التي تسعى إلى مصالح ضيقة وآنية، لكفاه ذلك، لكي يتحول ـ وفي فترة وجيزة ـ إلى الحزب الأكثر استقطابا للموريتانيين، وبالتالي إلى أهم حزب سياسي في البلاد.
وكان يمكن لتواصل أن يكون ذلك الحزب، لو أنه ابتعد عن جملة من القرارات، والتي كان من بينها قراره الأخير بالمشاركة منفردا في انتخابات 23 نوفمبر.
فتواصل يمتاز عن غيره من الأحزاب بأنه حزب شبابي، وبأن مؤسسيه ومنتسبيه لم يتلطخ سجلهم الوظيفي بقضايا فساد. كما أنه يمتاز أيضا عن غيره من الأحزاب بأنه حزب له مرجعية إسلامية، وبالتأكيد فلا يمكن أن نفصل بين الإسلام والأخلاق، هذا فضلا عن كونه هو الحزب الوحيد الذي كان يرفع شعارا من قبيل : "إضفاء بعد أخلاقي على العمل السياسي".
ولكن المؤسف حقا هو أن هذا الحزب قد اتخذ منذ تأسيسه جملة من القرارات التي لا تتناغم إطلاقا مع ذلك الشعار ( المشاركة في حكومة مطبعة، الانسحاب منفردا من الجبهة، التحالف مع الحزب الحاكم من أجل مقعد انتخابي...)، وذلك من قبل اتخاذ الحزب لقراره الأخير بالمشاركة منفردا في انتخابات 23 نوفمبر، وهو القرار الذي اغتال بموجبه الشعار المذكور، وذلك لأن القرار قد جاء بعد توقيع ميثاق شرف، يلزم الأحزاب الموقعة عليه، على الأقل أخلاقيا، بضرورة الكف عن الانزلاق في أي مسار انفرادي، ورفض أي استحقاقات انتخابية لا تتوفر فيها شروط الشفافية والحياد وصيغة التوافق الوطني.
كان على قادة "تواصل" أن يبينوا لدعاة المشاركة في حزبهم، النتائج السلبية التي ستترتب على المشاركة المنفردة للحزب، وذلك لأنها ستصيب شعارهم المتميز في مقتل، وستسلب منهم ذلك الشعار الذي كانوا ينفردون به عن بقية الأحزاب السياسية في البلاد.
وبغض النظر عن النتائج التي سيحققها الحزب في الانتخابات القادمة، فإن الشيء المؤكد هو أن قادة الحزب ومناضليه لن يكون بإمكانهم بعد المشاركة المنفردة في انتخابات 23 نوفمبر أن يتحدثوا غدا عن بعد أخلاقي في عملهم السياسي.
وتلك لعمري خسارة ما بعدها خسارة، وهي خسارة لن يكون بإمكان الحزب أن يعوضها، حتى ولو حقق أغلبية كاسحة في الانتخابات القادمة، وهي أغلبية يستحيل عليه ـ ولأكثر من سبب ـ أن يحققها.

حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق