الأربعاء، 31 أكتوبر، 2012

وتبخرت الأغلبية ..!!



يعيش الشعب الموريتاني ـ وبكل مكوناته و أطيافه ـ أياما صعبة تطبعها الحيرة والقلق، ويتساوى في تلك الحيرة النخب والعامة، المدنيون والعساكر، المعارضون والموالون، الفقراء و الأغنياء.
ومع أنه لم يسلم أي طرف من هذه الحيرة، إلا أن نصيب "الأغلبية الداعمة" من هذه الحيرة، كان هو النصيب الأكبر، وفي ذلك ما يستحق أن نتوقف عنده، وأن نأخذ منه العبرة، وليت كل رئيس يحكم هذه البلاد يأخذ أيضا منه العبرة.
فمشكلة الأغلبية الداعمة هي أنها لم تمر ـ في كل تاريخها ـ بحالة كهذه، فلا الرئيس عاد من رحلة العلاج لتبسط له السجاد الأحمر، ولتملأ له سماء الوطن وأرضه باللافتات وبالتصفيق، وبالزغاريد، وبمبادرات التهنئة والمساندة.
وفي المقابل فلا عساكر قادوا انقلابا عليه، فَيُخرج بذلك الأغلبية الداعمة من حيرتها، فتنقلب ـ هي بدورها ـ على الرئيس، وتنحل بذلك عُقد ألسنتها، فتبدأ بسب وشتم "النظام البائد"، وتُسارع  ـ من بعد ذلك ـ في إطلاق مبادرات التأييد والمساندة للحاكم الجديد.
إن الأغلبية حائرة ومرتبكة الآن لأن الوقت ليس وقت تصفيق، ولا وقت زغاريد، والأغلبية الداعمة لا تعرف ولا تتقن شيئا غير التصفيق والزغاريد.
لقد أصيبت الأغلبية في مقتل، يوم أصيب الرئيس، فمرضت بمرضه، واختفت باختفائه، وسيظل ذلك هو حالها حتى يشفى الرئيس، أو يُنقلب عليه، فتُخرج ـ عندئذ ـ زينتها، كل زينتها، وتُطلق مبادراتها، وتعود للتصفيق بأياديها وبأرجلها، للرئيس العائد من رحلة العلاج، أو للرئيس الجديد. وبالتأكيد فلا يهم الأغلبية أي الرئيسين صفقت له وزغردت، فالمهم بالنسبة لها هو أن تجد فقط رئيسا تصفق له، حتى تخرج من هذه الحيرة الشديدة التي تتخبط فيها.
إن مناضلي الأغلبية لم يُخلقوا إطلاقا لمواساة الرؤساء في لحظات ضعفهم، وإنما خُلقوا  لشيء واحد: وهو دعم الرؤساء في فترات قوتهم. هكذا تقول كل سير "مناضلي الأغلبيات" بدءا بأول أغلبية، وليس انتهاءً بأغلبية الرئيس المصاب.
هم هكذا خُلِقوا..هم هكذا وُلِدوا ..هم هكذا عاشوا..وهم هكذا سيموتون، إذا لم يتعظوا، أو إذا لم يتعظ الرؤساء الذين يظهرون دائما رغبة واستعدادا لأن تلتف حولهم مثل هذه الأغلبيات البائسة التي تغيب دائما عند الشدائد والمحن.
إن ما تعيشه الأغلبية اليوم جعلنا نتساءل : هل كانت الأغلبية موجودة أصلا؟ أم هل هي مجرد إشاعة كاذبة صدقها الرئيس الحاكم، وصدقها الناس برهة من الزمن، كما يصدقون مؤقتا الإشاعات الأخرى، والتي تكاثرت و تناسلت في الأيام الأخيرة، بشكل غير مألوف وغير مسبوق؟
فهل كان حزب "الاتحاد من أجل الجمهورية" مجرد إشاعة صدقها الرئيس المصاب، وصدقها معه بعض السذج، وذلك من قبل أن يكتشفوا ـ في لحظة حرجة وعصيبة ـ بأن أغلبيتهم الداعمة كانت مجرد إشاعة كاذبة، كإشاعة " الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي"، والذي كان أطول الإشاعات السياسية عمرا، بعد أن عُمِّرَ طويلا حتى كاد أن يبلغ عامه الخامس عشر، أو كإشاعة "عادل" الذي مات من قبل الفطام.
كان يُقال لنا بأن هناك ستمائة ألف "مناضل" ينتسبون للاتحاد من أجل الجمهورية، فأين اختفت الستمائة ألف مناضل؟ فهل ابتلعتهم الأرض فجأة، أم تبخروا في السماء؟ وأين هم عشرات الوزراء والوزراء السابقين؟ وأين هم مئات الدكاترة وآلاف الموظفين السامين؟ وأين هم العلماء والفقهاء؟ وأين هم النساء؟ وأين هي عشرات المقرات الفخمة؟ وأين هي الاتحادات الجهوية في المدن وفي القرى وفي الأرياف؟ وأين اتحادية "انبيكت لحواش"؟ وأين اتحادية "الشامي"؟  وأين هم الشباب الذين استقبلهم الرئيس في القصر أكثر من مرة؟ وأين الغد؟ وأين العصر؟ وأين الحراك الشبابي؟  وأين هم عجائز الأعماق؟ وأين هم  مئات المخنثين؟
فهل ابتلعت الأرض فجأة كل هذه الخلائق؟ وكيف عجز كل هذا الخلق الكثير في تنظيم وقفة مواساة واحدة، أو تنظيم مسيرة تعاطف واحدة مع الرئيس المريض؟
ولماذا لجأ "اتحاد الموتى الأحياء" إلى سرقة صور مسيرة نظمها أفراد قلة غير حزبيين أمام قصر المؤتمرات في ليلة سبت الإشاعات؟ ولماذا أرسل تلك الصور للمواقع المحلية بعد أن أرفقها ببيانات بائسة ويائسة، وكأنها أنشطة حزبية من إبداعاته ؟
أعتقد بأن مشكلة الاتحاد من أجل الجمهورية، هي الحيرة التي يتخبط فيها الآن، حيث أنه لم يتبين له ـ حتى الآن ـ  الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والذي لن يتبين له إلا إذا عاد الرئيس من رحلة علاجه، أو حل رئيس جديد محله.
ختاما، يمكننا القول بأن أشد الرؤساء معاناة هو ذلك الرئيس  الذي يجد نفسه في لحظة ضعف إنساني، وليس له من نصير ولا داعم إلا حكومة كرتونية، أو إعلام رسمي، أو أغلبية تبخرت في الجو، أو ابتلعتها الأرض في اللحظة نفسها التي شعر هو فيها بالضعف.
شفى الله الرئيس، وحفظ الله موريتانيا من كل سوء، ومن كل انقلاب عسكري جديد، وأرشد نخبها السياسية إلى حلول دستورية وتوافقية تؤسس لديمقراطية حقيقية لا دخل للعسكر فيها.
تصبحون وقد دفنتم الاتحاد من أجل الجمهورية في المقبرة.. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق