الأحد، 8 أبريل، 2012

يوميات شخص عادي جدا (8)



تعرفت في الصف الثالث إعدادي على أساتذة جدد، كان من بينهم أستاذ التاريخ والجغرافيا والذي أعتقد بأنه كان يدعى "محمد سالم" أو "أحمد سالم".
كان هذا الأستاذ شديد الإزعاج باختباراته الشفهية التي كان يفتتح بها حصص مادته التي كانت هي الأكثر إزعاجا لي من بين كل المواد المقررة. ولقد نجحت في التحايل على هذا الأستاذ مدة من الزمن، فكنت أصر على أن آخذ مكانا متقدما أثناء حصصه، وكان كلما طرح سؤالا رفعت يدي وقربتها منه حتى تكاد تلامس وجهه، ثم أبدأ أصرخ بأعلى صوتي : أستاذ أنا.. أستاذ أنا .. أستاذ أنا.
ونجحت تلك الحيلة، لفترة من الزمن، إلى أن فاجأني الأستاذ ذات مرة، وطلب مني أن أجيب على سؤال سخيف في الجغرافيا، بعد أن أزعجه صراخي المتواصل طلبا للسماح لي بالإجابة، وبعد أن كادت سبابتي أن تلامس خده.
ويومها اكتشف أستاذ التاريخ والجغرافيا بأني كنت أخدعه بجلوسي على الطاولة الأمامية، وبإلحاحي على طلب السماح بالإجابة، ولم يكن منه بعد أن اكتشف ذلك،  إلا أن قرر أن يحرجني مع بداية كل حصة من حصصه، وأن يطلب مني أن أجيب على السؤال الشفهي الذي كان يفتتح به الحصة.
ودرَّسنا في نفس العام أستاذ للغة العربية عُرف بتسامحه مع الطلاب. وقد وبخني يوما المراقب العام في الثانوية، وقال لي  بأني أنا هو أول طالب يشكو منه أستاذ اللغة العربية لمجلس التأديب خلال كل تاريخه في الثانوية، مما يعني أنني كنت الأكثر تشويشا من بين طلاب كل الدفعات التي درسها هذا الأستاذ، وأن شغبي أجبره على معاملتي بما لم يعامل به طالبا من قبلي.
ولقد كان أستاذنا للغة العربية "باب ولد أمبارك" رحمه الله تعالى، يحب التدريس كثيرا، وقد وقيل لي بأنه لما تقاعد قرر أن يتطوع بالتدريس في الثانوية لأنه لا يستطيع أن يتخيل حياة بلا تدريس.
ومن بين من درسنا في ذلك العام أستاذ عراقي، كان يدرس مادة العلوم الطبيعية، وكان اسمه الأول "مؤيد"، وكان لهذا الأستاذ دور كبير في انتشار الفكر البعثي في ثانوية لعيون.
ولأنه كان أستاذا، ولأنه كان بعثيا فقد حدثت بيني وبينه خلافات كبيرة، ولقد كنت أتعمد التشويش أثناء حصته، وكنت أبالغ في التشويش باعتبار أن ذلك يعتبر عملا نضاليا، ويعد خدمة للحركة الناصرية التي لم أخدمها إلا بالتشويش، أو بعدم تسجيل مادة اللغة الفرنسية في جدولي الزمني، أو بالخروج المبكر من الفصل كلما كانت هناك دعوة لإضراب.
ودرَّسنا أيضا في ذلك العام أستاذ سوري، وكان هو السوري الوحيد الذي درسني طوال حياتي الدراسية. وقد كان يدرسنا مادة الرياضيات، والتي كنت أحصل فيها على نتائج جيدة جدا، ولكن مع ذلك فقد كان أستاذنا السوري يصر ـ لكثرة شغبي ـ  على أنه لن يسمح بتوجيهي لشعبة الرياضيات .
وفي نهاية العام الدراسي، ومن قبل إعلان التوجيهات، تم استدعاء هذا الأستاذ الذي كان ضابطا احتياطيا في الجيش السوري إلى سوريا بمناسبة الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
حينئذ تم توجيهي إلى شعبة الرياضيات، وهناك تعرفت على أستاذ تونسي يدعى "ولي عبد الرؤوف"  كان يدرسنا مادة الرياضيات، وكانت اختباراته صعبة جدا. وكان هذا الأستاذ التونسي يغضب غضبا شديدا، ويتوعدني بنتيجة سيئة في الرياضيات كلما قابلني ليلا في قاعة السينما، وكان كثيرا ما يقابلني هناك.
ولقد كانت نتائج طلاب الفصل في الرياضيات سيئة بشكل عام، نظرا لصعوبة اختبارات وامتحانات أستاذنا التونسي، وكان يستوي في ذلك الطلاب الذين يقضون ليلهم وهم يراجعون الرياضيات، وأنا الذي كنت أذهب إلى السينما في ليالي الاختبارات،  أو أنشغل في الأوقات التي أخصصها للمطالعة بقراءة رواية، أو مجلة، أو كتاب في الفكر الناصري.
هذا الأستاذ درسنا أيضا في السنة الخامسة، وفي تلك السنة درسنا أيضا أستاذ للفرنسية استطاع أن يشدني إلى مادته التي كنت أبخل عليها ـ لأسباب إيديولوجية ـ بتسجيل أوقات حصصها في الجدول الزمني.
كان أستاذنا للفرنسية في ذلك العام يختلف عن كل أساتذتنا الآخرين، كان مرحا، و مبدعا، ومنفتحا على كل الطلاب.
كان أول شيء شدني لهذا الأستاذ هو طريقته الغريبة في رسم الحروف على السبورة، كان يرسمها كما ترسمها آلة طابعة، وكان يمد بعضها مدا طويلا خاصة منها حرف (L) عندما يكون في بداية  الكلمة.
لم يكن أستاذنا للفرنسية في ذلك العام يهتم بتلك الأنماط والطقوس التي كان يتبعها الأستاذة، وكانوا يهتمون بها أكثر من اهتمامهم بالدرس نفسه، وربما يكون ذلك هو ما شدني إليه أكثر.
كان أستاذنا للفرنسية في ذلك العام رائعا ومبدعا، ولكنه أيضا كان ثائرا على الأنماط التقليدية في تقديم الدروس، ولم يحدث أن اختبرنا هذا الأستاذ أو قدم لنا امتحانا في الفرنسية طيلة العام الدراسي. كان كل همه أن يشدنا لمادته التي كنا نرفض الحضور إليها، بل كنا نرفض حتى تسجيل أوقاتها في الجدول الزمني. كان يسعى لأن يعلمنا شيئا من مادته بطرق وبأساليب غير معهودة عندنا، وهو ما نجح فيه إلى حد كبير.
وفي نهاية ذلك العام اكتشفنا نحن طلاب القسم الخامس رياضي في ثانوية لعيون، بأن معدلاتنا في الفرنسية تتطابق تماما مع معدلاتنا في الرياضة البدنية التي كانت الخانة المخصصة لها في كشوف الدرجات تجاور تماما الخانة المخصصة لمادة الفرنسية. ولا نعرف حتى الآن إن كان الأستاذ هو الذي قام بتسجيل نتائج مطابقة لنتائج الرياضة البدنية، أم أن الإدارة هي التي فعلت ذلك لأنها لم تحصل على نتائج في الفرنسية لتسجيلها في كشوف درجات طلاب سنة خامسة رياضيات للعام الدراسي 1983ـ 1984.
الشيء المؤكد هو أن ما تعلمت من  الفرنسية في ذلك العام  يفوق كل ما تعلمت منها خلال كل سنوات دراستي في الثانوية، مع العلم بأن كل ما تعلمت من الفرنسية  لا يستحق أن يذكر. ومن الغريب حقا أنني كنت أنزعج في ذلك العام كلما تغيب أستاذنا للفرنسية عن حصة من حصص مادته، أنا الذي كنت ـ قبل ذلك العام الدراسي ـ  أبخل على مادة الفرنسية بأن أسجلها في جدولي الزمني. ولم يكن أستاذنا في الفرنسية في ذلك العام سوى الكاتب الكبير والصحفي الشهير "حبيب محفوظ" رحمه الله ("بداح" كما كنا ندعوه)، والذي كان من حسن حظنا أننا كنا هم أول من درسهم بعد تخرجه أستاذا لمادة الفرنسية.
ودرَّسنا أيضا في ذلك العام أستاذ مصري يدعى "سراج الدين طه سلامة". ولقد أحبني هذا الأستاذ كثيرا كما أحبني أستاذ التاريخ في سنتي الأولى في ثانوية لعيون.
ولقد فاجأت أستاذي المصري الذي كان يدرسنا مادة الفيزياء والكيمياء بما أحفظ من أغاني "أم كلثوم" و"عبد الحليم حافظ" و"نجاة الصغيرة" و"أسمهان"  وغيرهم من مطربي ذلك الزمن.
كان أستاذ الفيزياء يدعوني إلى منزله ليسمعني بعض الأغاني التي كان يعتقد بأنها من الأغاني النادرة جدا، فإذا به يفاجأ بأني أحفظ تلك الأغاني،  وأعرف من لحنها، ومن قال كلماتها، ومن غناها، ومتى تم تسجيلها.
ومن المؤكد بأني سأفاجئ  أستاذ الفيزياء مرة أخرى إذا ما قابلني اليوم، واكتشف بأني لم أعد أستمع إطلاقا  للغناء، ولم أعد أحفظ عشرين بيتا من الشعر حتى ولو جمعت كل ما أحفظ من الشعر سواء ما قيل قديما أو حديثا، وسواء ما كان منه شعرا فصيحا أو عاميا.
يبدو أني تغيرت كثيرا، فهل  حقا  أني تغيرت ؟
يصعب أن أجيبكم على هذا السؤال بنعم، ويصعب كذلك أن أجيبكم عليه بلا.
وعموما فإني لن أضيع وقتي لأجيبكم على هذا السؤال، لأن هناك سؤالا أكبر من هذا السؤال قد شغلني كثيرا أثناء سردي لهذه اليوميات.
فهل الشخص الذي أحدثكم عنه في هذه السيرة هو فعلا أنا؟ أم أنه شخص آخر؟
لقد اكتشفت خلال سردي لهذه اليوميات، بأني لا أعرف عن نفسي إلا الشيء القليل والقليل جدا، رغم أني أعرف الكثير عن الأشخاص الذين كانوا حولي خلال ما مضى من حياتي.
ولقد اكتشفت بأنه من السهل جدا أن أتحدث عن الآخرين، ولكنه من الصعب جدا أن أتحدث عن نفسي، وأن أقدمها وكما هي، لذلك فعليكم أن تنتظروا مني كل شيء، إلا أن أقدم لكم نفسي على حقيقتها في هذه الرواية. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال بأني سأحدثكم عن شخص آخر في هذه الرواية، فكل الأحداث التي سأروي لكم هنا، هي فعلا أحداث قد وقعت في حياتي، لكن ترتيبها وتتابعها في هذه اليوميات لن يعطيكم صورة دقيقة عن حقيقتي. فهناك أحداث أخرى حدثت في طفولتي وفي شبابي أثرت كثيرا في حياتي، لن أذكرها لكم في الجزء الأول من هذه الرواية، لن أذكرها إلا في الجزء الثاني، والذي سأعود فيه بشكل أكثر تفصيلا لوجه آخر من طفولتي، ولأحداث أخرى في حياتي، لم أحدثكم عنها، رغم أنها أثرت في مسار حياتي تأثيرا كبيرا، وهي أحداث لم أشعر بأهميتها إلا منذ وقت قريب جدا، وذلك عندما بدأت أحاول التعرف ـ وبجد ـ على "شخصي الكريم".
ويمكنني أن أقول لكم، وأنا مرتاح البال، بأني لا أدري إن كان الذي حدثتكم عنه فيما مضى من هذه اليوميات هو أنا؟ أو أن  الذي سأحدثكم عنه مستقبلا في الجزء الثاني، وفيما تبقى من الجزء الأول هو أيضا أنا؟ وإذا كان كلا الشخصين هو أنا  فكيف تغيرت كل هذا التغير دون أن أشعر بذلك؟ هذا لن يكون هو السؤال الوحيد الذي لن تجيبكم عليه هذه اليوميات.
وما أستطيع أن أقوله لكم الآن بأنه ستمر بكم لحظات أثناء قراءة هذه الرواية ستتخيلون خلالها بأنكم قد اقتربتم كثيرا من التعرف على بطل هذه اليوميات. ستحدثكم هذه الرواية عن أشخاص أنتم تعرفونهم جيدا، وعن أحداث عاشها بعضكم، وسيكون في مقدور بعضكم  في لحظة من اللحظات بأن يقول لقد تعرفت على هذا الشخص العادي جدا الذي تتحدث هذه الرواية عن يومياته، إنه فلان بن فلان.
ولكن ستمر أيضا بكم لحظات أخرى ستكتشفون فيها بأنكم قد تسرعتم كثيرا في إعلانكم بأنكم قد تعرفتم على بطل هذه الرواية.
وساعتها قد يندم الكثير منكم لأنه أضاع وقته في قراءة حلقات هذه اليوميات، وربما يُحَمِّل بعضكم مسؤولية ذلك الوقت الضائع لي ولكاتب هذه الرواية، لذلك فقد يكون من الضروري جدا أن نعيد عليكم الآن ما قلناه لكم سابقا، أنا وكاتب هذه الرواية، في أولى حلقاتها. لقد قلنا لكم بأن فكرة كتابتها إنما هي مؤامرة وخدعة كبرى، دبرتها أنا والكاتب بحثا عن شهرة شاردة تفلتت من أمامنا كثيرا. ولقد قلنا لكم أيضا، وفي نفس الحلقة  بأن الخيار في النهاية يعود إليكم، فإما أن تتوقفوا من الآن عن قراءة الرواية، ولن تخسروا شيئا، إذا ما توقفتم. وإما أن تواصلوا قراءتها، وقد لا تكسبون شيئا كثيرا، إذا ما واصلتم قراءتها، لذلك فعلى من صُدِم منكم بعد إكمال قراءة هذه الرواية، أن لا يلوم إلا نفسه.
وإذا ما اتخذتم القرار الخاطئ، وقررتم أن تواصلوا قراءة هذه اليوميات، وهذا ما أتمناه فعلا، وإن كنت لا أنصحكم به، فسيكون من اللازم أن أقول لكم بأني كنت في نهاية السبعينات وفي بداية الثمانينات، وعكسا لما تُظهره ملامح وجهي،  شابا مشاغبا ومشاكسا وطائشا في كثير من الأحيان، ولم يكن بإمكاني أن أكون غير ذلك.
لم يكن بإمكاني أن أكون غير الذي كنت، أنا الذي قدر لي أن أعيش في مدينة فاتنة ساحرة لم تكن بالتأكيد مدينة متصوفة في ذلك الوقت، ولم يكن هناك من كان بإمكانه أن يضبط أخلاقها، كما هو الحال بالنسبة لكل المدن الموريتانية في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات.
لم يكن بإمكاني أن أكون غير الذي كنت، أنا الذي وجدت نفسي بين عشرات الشباب، كان فيهم المشاكس، والتائه، والبائس،  والطائش، والمتعلم، والجاهل، والضائع، والسارق، والذكي، والغبي، والتافه،  والسفيه، والغسال، والخباز، والمناضل، والعابث، والمتشرد.
كنا نسهر معاً، وندخن معاً، ونشاكس معاً، ونسرق سرقاتنا "الصغيرة" معاً، ونزعج الآخرين معاً، ونرتكب الجنح  والمخالفات معاً، حتى وإن اختلف دور كل واحد منا عن الآخر فيما نرتكبه.
كنا نتناول الغداء في أغلب الأوقات معاً، وكنا نتعشى معاً، وكان ذلك يطرح مشكلة كبيرة للأسر التي كانت تستضيفنا من وقت لآخر.
كانت الأسرة المستضيفة تفاجأ بدقائق قبل العشاء أو الغداء بقدوم ضيوف ثقلاء، ليس فيهم من يعاني من ضعف في الشهية، مما يجعلها تضطر لأن تقدم جل غدائها أو عشائها لضيوفها الثقلاء، فتكون النتيجة أن يبيت أو يظل الكل جائعا: الضيوف الثقلاء، والأسرة سيئة الحظ التي قررت الشلة أن تتوجه إليها في ذلك اليوم، ودون صفارة  إنذار.
كان الغداء في تلك الفترة ثابتا، وكان عبارة عن وجبة من الأرز الأبيض تتناثر على سطحها قطع صغيرة من اللحم، وستتلون تلك الوجبة فيما بعد بلون أحمر فاتن، مع ظهور الطماطم المعلبة في سوق المدينة، وكان ظهورها حدثا عظيما. أما العشاء فكان في الأغلب وجبة من الكسكس مع قليل من اللحم، أو بدون لحم بالنسبة للأسر الفقيرة.
ويضاف للوجبات الثابتة ما كنا نلتهمه من خبز الدفعة الثانية، أو خبز الضحى، والذي كنا نلتهمه حافيا في أغلب الأوقات، ومع قليل من اللحم، وكثير من المرق في الأيام الاستثنائية. ولقد اشتهرت بعض المخابز  بدفعتها الثانية من الخبز، وكانت مخبزة "بَرْكَه" والتي لا زالت موجودة حتى الآن، هي الأكثر شهرة في حَيِّنا.
ومع ذلك فقد عرفت المدينة عاما غريبا، لا أستطيع أن أحدد لكم الآن إن كان في نهاية السبعينات، أو في بداية الثمانينات، تطور فيه النمط الغذائي للمدينة تطورا هائلا ولافتا.
أتذكر أن النمط الغذائي للمدينة ـ ولأسباب لا زلت عاجزا عن تحديدها ـ قد تغير تغيرا عجيبا، في ذلك العام الذي لم يسبقه عام مثله، ولم يعقبه كذلك عام مثله.
في ذلك العام خصص الكثير من الأسر في المدينة مساحات في منازلهم لزراعة  الخضروات ( الطماطم ـ الجزر ـ البصل ـ البطاطس ـ النعناع....).
وفي ذلك العام كان العديد من الأسر ـ بما في ذلك  أسر ذات دخل محدود جدا ـ  يقدم طبق سلاطة بعد كل وجبة عشاء!!!!! وشاع  استخدام القهوة مع الفطور في ذلك العام، وظهر مع خبز الصباح  عسل مستورد من بريطانيا، وانتشر استهلاك NESTELE) )، والتي أتمنى أن أحصل الآن على علبة منها، فطعمها اللذيذ جدا لا يزال عالقا بلساني، وكأني حديث عهد بتذوقه.
إنه عام غريب حقا،  شبعنا فيه كثيرا من الوجبات اللذيذة، ولكننا عدنا بعده إلى وجباتنا المعهودة ( أرز أبيض أو أحمر في الزوال، وكسكس بالليل، وقطعة من الخبز في الصباح قد لا تتكرر في الضحى).
وهناك عام آخر، جاء بعد عام الأكل اللذيذ، كان عام تدخين بامتياز. في ذلك العام كثرت سجائر "بغداد" في مدينة لعيون، وكانت سجائر "بغداد" تأتي كهدية من العراق إلى الشعب الموريتاني الشقيق، وكنا نحن في الشلة جزء لا يتجزأ من الشعب الموريتاني الشقيق.
لذلك فكان من السهل جدا، في ذلك العام، الحصول على علبة من سجائر "بغداد" مجانا، أو بسعر زهيد جدا، في أسوأ الأحوال.
لم تكن النقود متوفرة لدينا في ذلك الوقت، وكنا نصرف ما يقع في أيادينا من نقود قليلة على تذاكر السينما، أو على خبز الضحى، أو على السجائر الرخيصة، لذلك فقد كان لهدية العراق من سجائر "بغداد" قيمة كبيرة في حياتنا، وقد ساعدت تلك الهدية في انتشار التدخين، بشكل واسع،  بين شباب المدينة ومراهقيها.
كانت أعمدة  دخان سجائر "بغداد" تتصاعد من الأمكنة التي كنا نتواجد فيها، ولم يكن غريبا أن تشاهد غمامة من  الدخان تظللنا أينما حللنا.
كنا ندخن بشراهة، وكنا نتصارع في كثير من الأوقات على عقب سيجارة كلما قل مخزوننا من السجائر.
وفي تلك الفترة أدمنا على لعب الورق، خاصة لعبة (POKER)، ونظرا لقلة النقود في تلك الفترة فكانت عيدان الثقاب هي التي تتم المقامرة بها.
كنا نسهر على تلك اللعبة، حتى الصباح، وكنا نتنافس كثيرا على جمع عيدان الثقاب، رغم أن تلك العيدان لم تكن لها أي أهمية. كانت مشكلتنا في ذلك الزمن خصوصا عندما بدأت سجائر "بغداد" تختفي، هي توفير السجائر نفسها، لا توفير عيدان الثقاب لإشعال تلك السجائر. ومن المؤكد بأننا لم نكن  لنعدم ما نشعل به أي سيجارة نتمكن من الحصول عليها بطريقة أو بأخرى. ورغم ذلك فقد كان يخاصم بعضنا البعض على عود ثقاب واحد،  إذا ما حصل خلاف على ملكيته، وإذا ما ادعى أكثر من طرف ملكية عود الثقاب المتنازع عليه.
فهل كنت حقا، في النصف الأول من الثمانينات، بائسا للحد الذي يمكن لي فيه أن أدخل في معركة شرسة من أجل عود ثقاب؟ لا أستطيع الآن أن أقول لكم بأني كنت بائسا إلى ذلك الحد. وفي المقابل، فهل يمكنني أن أدعي بأني كنت ذلك الشاب "المثقف" الذي يندر أن تراه إلا وهو يحمل في يده مجلة، أو رواية، أو كتابا في الفكر الناصري، في الوقت الذي  يحمل في قلبه كل هموم الأمة العربية في ذلك العهد؟ أيضا لا يمكنني أن أدعي ذلك، ولا يمكنني أن أقول لكم الآن بأنني كنت أحمل هموم الأمة، لا في الثمانينات، ولا حتى في أيامنا هذه.
إني  لم أكن هذا، ولم أكن ذاك. لم أكن بائسا إلى الحد الذي أدخل فيها معارك شرسة من أجل تحرير عود ثقاب استولى عليه صديق بطرق غير شرعية. ولم أكن في المقابل صاحب همة عالية لأحمل هموم أمة بكاملها.
لقد كنت في الثمانينات شخصا آخر، لم أكتشف حقيقته إلا بعد العام 2000، وهو العام الذي أعتقد بأني بدأت الغوص فيه في أعماق نفسي للتعرف على حقيقتها، والتي لم يظهر  لي ـ حتى الآن ـ إلا اليسير منها. وعليكم أن تعلموا بأني لن أطلعكم على ذلك اليسير الذي تكشف لي،  إلا على صفحات الجزء الثاني من هذه اليوميات، والذي سأحاول من خلاله أن أميط اللثام، وبشكل جدي، عما تكشف لي  ـ حتى الآن ـ من حقيقة "شخصي الكريم"، وما أقل ما تكشف لي من حقيقة نفسي المليئة بالأسرار، والتي لا تختلف في ذلك عن أي نفس بشرية أخرى.

تنبيه من شخص عادي جدا: على القراء أن يعلموا بأن الكاتب وحده هو الذي يتحمل تأخر نشر أي حلقة من حلقات هذه اليوميات، وهذه الحلقة التي تأخرت كثيرا كنت قد سردت أحداثها على الكاتب مباشرة بعد نشره للحلقة السابعة التي تم نشرها في مطلع هذا العام، وهذا هو ما أفعل دائما بعد نشر أي حلقة.
تصبحون على الحلقة التاسعة من الرواية....

لمطالعة الحلقات السابقة:

الحلقة السابعة: http://elvadel.blogspot.com/2012/01/7.html
الحلقة السادسة : http://elvadel.blogspot.com/2011/12/6.html
الحلقة الخامسة : http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/5.html
الحلقة الرابعة:http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/4.html
الحلقة الثانية:http://www.elvadel.blogspot.com/2011/10/2.html
الحلقة الأولى:http://www.elvadel.blogspot.com/2011/09/1.html
تمهيد للرواية:http://www.elvadel.blogspot.com/2011/09/blog-post_19.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق