الجمعة، 13 يناير، 2017

وامتلكت الفرنسية قلب النائب!

خلال متابعتي الليلة البارحة لجلسة برلمانية بثتها التلفزة الموريتانية، وكانت مخصصة لنقاش مشروع الصحة الإنجابية، فوجئت بالبروفسور والنائب سيد أحمد ولد مكي يبدأ مداخلة له بالقول " سأتحدث بالفرنسية لأن هذا المشكل يمسني في القلب".
هكذا، وبكل بساطة، أصبحت لغتنا الرسمية وكل لغاتنا الوطنية عاجزة ـ كل العجز ـ عن التعبير عن القضايا التي تمس القلب!

هكذا، وبكل بساطة، لم يعد بإمكان النائب في جمعيتنا الموقرة أن يعبر عن القضايا والهموم التي تمس قلبه باللغة الرسمية للبلاد ولا بأي لغة أخرى من لغاتنا الوطنية، وإنما أصبح يحتاج للغة أجنبية لم يأت ذكرها في الدستور الموريتاني لكي يعبر من خلالها عما يمس قلبه! إن هذه الجملة التي افتتح بها البروفسور النائب مداخلته لتوحي بأن هذا النائب قد أصبح يخصص اللغة الرسمية للبلاد للتعبير عن القضايا التافهة التي لا تمس قلبه، وأنه عندما يحين الجد، وعندما يأتي الوقت للحديث عن القضايا المهمة التي تمس القلب، فحينها يكون على النائب أن يستنجد باللغة الفرنسية لأنها هي التي تستطيع أن تعبر عما يمس قلبه من قضايا وهموم.
هكذا، وبكل بساطة، تتم الإساءة إلى لغتنا الرسمية وإلى كل لغاتنا الوطنية من داخل جمعيتنا الموقرة. فهل سمعتم في أي بلد من البلدان عن نائب يلجأ إلى استخدام لغة أجنبية عندما يريد أن يتحدث عن القضايا التي تمس قلبه؟ لا أعتقد بأنكم ستسمعون بمثل ذلك في غير هذه البلاد المنكوبة في نخبها، والمنكوبة أكثر في نوابها.
لم يحدث أن سمعنا  في كل تاريخ البرلمان الموريتاني عن نائب يطرح سؤالا شفهيا أو كتابيا عن تهميش اللغة الرسمية للبلاد ولا عن تهميش اللغات الوطنية، وذلك على الرغم من أن المادة السادسة من الدستور الموريتاني تقول :" اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية. اللغة الرسمية هي العربية". لم نسمع عن أي سؤال من ذلك القبيل، وذلك على الرغم من أن أسئلة النواب قد تعددت وتنوعت فشملت المواضيع المهمة وغير المهمة، ولم يغب عن أسئلتهم إلا تهميش لغتنا الرسمية ولغاتنا الوطنية، وقد كانت المرة الوحيدة التي طرح فيها سؤال عن تهميش اللغة العربية في الإدارة، كانت مع النائب الخليل ولد الطيب والذي لم يطرح ذلك السؤال  انتصارا للدستور الموريتاني، لأنه لو كان قد طرحه انتصارا للدستور الموريتاني لما أساء من بعد ذلك إلى نفس الدستور من خلال مطالبته المتكررة بمأمورية ثالثة.
ولم يحدث كذلك أن سمعنا عن تأسيس كتلة برلمانية للدفاع عن اللغة الرسمية للبلاد ولا عن لغاتنا الوطنية، وذلك على الرغم من تعدد الكتل وكثرتها حتى كاد أن يصبح لكل نائب في البرلمان الموريتاني كتلته الخاصة به.
نحن بحاجة إلى نواب يتحملون المسؤولية، ويدافعون عن لغتهم الرسمية وعن لغاتهم الوطنية، نحن بحاجة إلى نائب بشجاعة نائب بوكي السابق (سي صمبا) الذي تحدث ذات يوم برلماني مشهود بلغته الأم (البولارية)، ويومها طلب منه رئيس الجلسة النائب العربي ولد جدين بأن يترك الحديث بلغته الأم وأن يتحدث باللغة الفرنسية لأنه لا توجد ترجمة للغة  البولارية في الجمعية الوطنية..
هكذا، وبكل بساطة، يُطلب من نائب في الجمعية الوطنية أن يتوقف عن الحديث بلغته الأم، وهي لغة وطنية للبلاد وأن يتحدث بدلا من ذلك بلغة أجنبية لم يأت لها أي ذكر في الدستور الموريتاني.
إنه على البرلمان الموريتاني إن كان في قلبه مثقال ذرة من وطنية، وإن كان يحترم الدستور الموريتاني أن يوفر الترجمة لكل اللغات الوطنية داخل الجمعية الوطنية، وأن يمنع من بعد ذلك الحديث بأي لغة غير وطنية داخل مبنى جمعيته الموقرة.
أيها النواب تحدثوا بلغاتكم الوطنية داخل جمعيتكم الوطنية، أو تحدثوا بلغة الإشارة، وأوقفوا من فضلكم الحديث بلغة أجنبية داخل جمعية يقال بأنها وطنية.
إنه لا يليق بالبرلمان الموريتاني أن يبقى هو البرلمان الوحيد في هذا العالم الذي يتحدث في جلساته ونقاشاته بلغة غير دستورية.
حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق