الأحد، 9 نوفمبر، 2014

كفى تجاهلا لمعاناة الحراس القادمين من ازويرات

يمكنني أن أقول، وبكل اطمئنان، بأن معاناة الحراس القادمين من مدينة ازويرات لم تجد من الاهتمام ما كان ينبغي لها أن تجد، حتى وإن كان الأمر قد بدأ يتحسن شيئا قليلا في الأيام الأخيرة.
لم تجد هذه المعاناة ما تستحق من تعاطف، أقول ذلك بعد سلسلة من الزيارت الميدانية للحراس في مكان اعتصامهم، وأقوله بعد الاستماع لعدد منهم، وهم الذين لم يتم استقبالهم بشكل لائق، لا من طرف السلطة القائمة، ولا من طرف الأحزاب السياسية، ولا من طرف النقابات، ولا من طرف منظمات المجتمع المدني، ولا حتى من طرف النشطاء الشباب، وإن كان حال النشطاء الشباب أحسن كثيرا من حال بقية الطوائف الأخرى.

لقد قصرنا جميعا في حق هؤلاء الحراس البسطاء، ولم نقدم لهم الحد الأدنى من واجب الضيافة عندما جاؤونا سيرا على الأقدام، ومن مكان بعيد جدا.
لقد قصرت السلطة الحاكمة، وهي المقصرة دائما في حقوق المواطنين، ويمكن أن نلخص أوجه وأسباب تقصير السلطة الحاكمة في النقاط التالية:
السبب الأول:  هو أن هذه السلطة، وببساطة شديدة، سلطة غير موفقة اطلاقا، وإلا فما الذي يمنع الرئيس الذي مر بهؤلاء الحراس أكثر من مرة من أن يتوقف لدقائق ليسمع منهم، خاصة وأنهم  لا يطالبون إلا بمطالب مشروعة وبسيطة ويسهل تحقيقها؟ إن الذي منع الرئيس من أن يفعل ذلك، هو عدم التوفيق، لا أكثر ولا أقل.
السبب الثاني: قد يكون من بين الأسباب التي جعلت الرئيس لا يوفق حتى الآن في تلبية مطالب هؤلاء الحراس الفقراء هو أن هؤلاء الحراس هم ضحية لظلم جاء من أقرب أصدقائه، فقد جاء هذا الظلم من شركة مديرها العام هو عقيد وقائد أركان سابق، ومدير سابق لعدة مؤسسات عمومية، ورئيس مجلس إدارتها هو أيضا من العسكريين السابقين، ومن رجال الصيد البحري المتنفذين، هذا فضلا عن كونه هو العمدة الحالي لمدينة ازويرات. لقد تمكن مدير الشركة ورئيس مجلس إدارتها  من منع الحراس من دخول العاصمة، بل إنهم تمكنوا من منع الموظفين الحكوميين من أن يظهروا أي نوع من أنواع التعاطف مع هؤلاء الحراس الفقراء المظلومين.
السبب الثالث: ربما يكون له علاقة بمسيرة العائدين، والتي سبقت هذه المسيرة، فما دامت تلك المسيرة قد مُنع أصحابها من أن يتظاهروا أمام الرئاسة، فإنه من الضروري بالنسبة للسلطة أن تمنع مسيرة ازويرات حتى لا يتم وصف السلطة بأنها سلطة عنصرية. ولكن لابد من الإشارة هنا بأن مطالب العائدين قد تمت الاستجابة لها، على الأقل نظريا، حتى وإن كانوا قد منعوا من التظاهر أمام القصر الرئاسي، وذلك على العكس مما حصل مع الحراس القادمين من ازويرات.
السبب الرابع:وقد يكون أيضا من بين الأسباب التي جعلت السلطة لا تستجيب لمطالب الحراس هو خوفها من أن تتسبب الاستجابة لمطالب الحراس القادمين من ازويرات في تشجيع بعض المظلومين الآخرين على تنظيم مسيرات راجلة إلى العاصمة باعتبار أن هذا النوع من المسيرات قد أصبح هو الوسيلة الوحيدة للضغط على الحكومة ولإجبارها على تلبية مطالب المظلومين.
أما فيما يخص الأحزاب المعارضة فيمكن القول بأن السبب الرئيسي في عدم دعم تلك الأحزاب لمسيرة ازويرات هو أن هذه المسيرة ترفع صورة الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وأن المشاركين فيها كثيرا ما يرددون بأنهم يدعمون الرئيس عزيز، ولذلك فقد ابتعدت عنهم  المعارضة. ولكن ما على المعارضة أن تعلمه هو أنه من واجبها نصرة كل مواطن مظلوم، وبغض النظر عن موقفه السياسي.
لقد قصرت جميع الأحزاب السياسية في نصرة هؤلاء الحراس المظلومين، فأحزاب الأغلبية لا تريد مواطنا يحتج، ولا تريد مواطنا يدعي بأنه قد تعرض لظلم في هذا العهد "المبارك والميمون". أما أحزاب المعارضة فإنها لا تريد أن تنصر مواطنا يرفع صورة الرئيس محمد ولد عبد العزيز، ويمجد هذا الرئيس في كل حين، وكلما وجد فرصة لذلك.
إن مما يجب إيضاحه هنا هو أن هؤلاء الحراس البسطاء هم من أكثر الناس معرفة ودراية بأهل السياسة في موريتانيا، ولأنهم يعرفونهم حق المعرفة فقد كان لزاما عليهم أن يفعلوا ما فعلوا، أي أن يخلطوا بين الاحتجاج ورفع صور الرئيس. فهم يعرفون بأن كل من يحتج في هذا البلد سيصنف حتما بأنه من المعارضة، وأن كل من يرفع صورة الرئيس كرئيس سيصنف حتما بأنه من الموالاة، ولذلك فقد كان لزاما على الحراس المظلومين أن يرفعوا صورة الرئيس مع مطالبهم، وذلك لأن رفع المطالب، أي مطالب،  بدون رفع صورة الرئيس سيجعلهم يصنفون تلقائيا بأنهم من المعارضة، ورفع صورة الرئيس بدون رفع مطالب سيجعلهم يصنفون بأنهم من الموالاة، وهم لا يريدون أن يصنفوا، لا مع هؤلاء ولا  مع أولئك. هم يريدون أن يظلوا فقط مجموعة من العمال البسطاء جاءت من بعيد من أجل أن يرفع الظلم عنها.
وهناك  أيضا مسألة أخرى يجب إيضاحها، وهي أن العمال القادمين من ازويرات قد اتفقوا جميعا على أنهم لن يواجهوا السلطات، ولن يقوموا بأي شغب، وبأنهم لن يرفضوا للسلطات أمرا، ولذلك فإنهم قد توقفوا عندما لم ترخص لهم السلطات بمواصلة السير إلى القصر الرئاسي، ولكنهم وفي مقابل ذلك فقد أصروا بأنهم لن يعودوا أبدا إلى ازويرات إلا بعد أن تتم الاستجابة لمطالبهم التي جاؤوا من أجلها.
لن يعودوا أبدا إلى اوزويرات إلا بعد أن تتم الاستجابة لمطالبهم، لن يعودوا حتى ولو كلفهم ذلك أن يعيشوا لعدة أشهر في العراء..صدقوني إنهم لن يعودوا أبدا إلا بعد أن تتم الاستجابة لمطالبهم المشروعة، ولمن شك في ذلك فما عليه إلا أن يزورهم في مكان اعتصامهم، وهناك سيقابل العزيمة، وسيصافح الاصرار، وسيحدثه الصبر بعد أن تمثل في صورة حارس طاعن في السن جاء سيرا على الأقدام من مكان بعيد.
لا شك أن الحراس يعانون، ولا شك أن خصومهم الأقوياء يراهنون على الزمن، وأنهم يتوقعون أن يتسلل اليأس والاحباط إلى نفوس هؤلاء الحراس إذا ما استمر الجميع (السلطة، الأحزاب السياسية، النقابات، منظمات المجتمع المدني، الصحافة، الشباب..) في تجاهل معاناتهم.
ذلك ما يعتقده الظالمون، ولكن ذلك لن يحدث أبدا.
إن هؤلاء الحراس قد قرروا أن لا يعودوا إلى مدينة ازويرات إلا بعد أن تتحقق مطالبهم، وهم على استعداد لتحمل كل شيء في سبيل ذلك، تحمل الجوع، والعطش، والبرد ليلا، وحر الشمس نهارا، وخطر الأفاعي، إلى غير ذلك من أصناف المخاطر والتهديدات التي يواجهونها بشكل مستمر في مكان اعتصامهم الإجباري.
إنهم يواجهون كل التحديات والمخاطر بكبرياء وبعزة نفس قل نظيرها، ولذلك فلا تتوقعوا منهم أبدا أن يطلبوا منكم وجبة طعام يأكلونها، أو غطاء يلتفون به ليلا، أو خيمة يستظلون بها نهارا، أو ثمن دواء لشيخ مريض ..إنهم لن يطلبوا منكم شيئا من ذلك، رغم احتياجهم الشديد له، ولكنهم مع ذلك لن يردوا أي إعانة قدمها أي واحد منكم، فلا تبخلوا عليهم بمد يد العون.ألم يكن الموريتاني يُعرف بكرم الضيافة؟ فلماذا تأخرتم  يا أهل نواكشوط في ضيافة الحراس القادمين من ازويرات؟ لماذا؟ لماذا؟
حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق