الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

ثلاثة ورابعهم الخراب!!

لستُ متشائما، ولكني كلما أطلتُ التأمل في حال البلاد وحال أهلها توصلتُ إلى استنتاج مفزع وهو أن بلادنا تسير بخطى سريعة إلى كارثة وإلى خراب كبير.
المقلق في الأمر هو أن هذا الاستنتاج ليس هو فقط ما يخيفني، فهناك استنتاج آخر يخيفني أكثر، وهو استنتاج يمكن لأي واحد منكم أن يتوصل إليه إذا ما تأمل في تصرفات السلطة الحاكمة وفي أفعالها، ويتمثل هذا الاستنتاج في أن السلطة الحالية تعمل على تنفيذ خطة محكمة من أجل تفكيك البلاد، والتعجيل بخرابها.

وهناك أكثر من دليل يؤكد ذلك، ولكن يبقى السؤال المحير فعلا هو : هل أن السلطة الحاكمة تنفذ هذه الخطة عن وعي، أو بدون وعي، وإذا كانت تنفذها بوعي، فما الذي ستربحه  السلطة الحاكمة إن حدث خراب كبير بهذا البلد؟
ذلك سؤال لا أملك له إجابة، ولن أتعب نفسي في البحث عن إجابة له، ولكن دعونا نبحث عن إجابة لأسئلة أخرى من قبيل: ماهي الزعامات والقيادات التي أفرزها العهد الحالي؟ وما هي الخطابات السياسية والحقوقية والدينية التي طغت في هذا العهد؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة لابد وأن تقودنا إلى  ثلاثة نماذج  من القيادات ومن الخطابات التي لم نعد نسمع غيرها منذ وصول السلطة الحالية إلى الحكم، وهذه النماذج  تتمثل في:
ـ السيد بيرام ولد الداه ولد أعبيدي وخطابه "الشتائمي" والاستفزازي
ـ السيد يحظيه ولد داهي وخطابه التكفيري
ـ السيد وان بيران وخطابه العنصري
ولكن ما علاقة هذه الشخصيات  بالسلطة الحالية؟ وما الذي قامت به السلطة الحالية من أجل بروز هذه الشخصيات، ومن أجل أن يطغى خطابها على أي خطاب آخر؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تفرض علينا أن نتوقف أولا عند القواسم المشتركة بين هذه "الزعامات" التي ظهرت وبرزت على المشهد الوطني في ظل السلطة الحالية.
وإن من بين القواسم المشتركة التي تجمع بين هذه "الزعامات" يمكننا أن نذكر.
أولا :  لكل واحد من هؤلاء الثلاثة علاقة وطيدة بالمخابرات الموريتانية حسب الشائع عند الناس.
ثانيا:  كل واحد من هؤلاء الثلاثة يحمل لواء قضية في غاية الأهمية وفي غاية النبل : ولد داهي يرفع لواء الدفاع عن المقدسات، بيرام يرفع لواء محاربة العبودية ومخلفاتها، وان بيران يرفع لواء الدفاع عن الزنوج وعن مخلفات الإرث الإنساني.
ثالثا: كل واحد من هؤلاء الثلاثة يقود منظمة أو حركة أو جماعة غير مرخص لها: فبرام يرأس إيرا وهي منظمة غير مرخص لها، وولد داهي يقود "أحباب ولد داهي"، وهي جماعة غير مرخص لها، ووان بيران يتزعم حركة لا تلمس جنسيتي وهي حركة غير يرخص لها.
رابعا: إن هذه "الزعامات" التي تقود منظمات وحركات غير مرخصة، والتي تتحدث بخطاب شتائمي أو تكفيري أو عنصري مبين تم استقبالها أكثر من مرة في القصر الرئاسي.
تلكم كانت بعض القواسم المشتركة التي تجمع بين "الزعماء" الثلاثة، والآن دعونا نذكر بعض الخدمات والتسهيلات التي قدمتها السلطة الحالية لهؤلاء الزعماء الثلاثة ولمنظماتهم وحركاتهم وجماعاتهم التي تعمل خارج القانون.
إن من بين الخدمات والتسهيلات التي قدمتها السلطة الحالية لهذه "الزعامات" المتطرفة يمكننا أن نذكر:
1ـ لقد قامت السلطة الحالية بإقصاء وتهميش كل الأصوات المعتدلة التي كان يمكن لها أن تنافس  هذه الحركات والجماعات المتطرفة، فعلى سبيل المثال تم تهميش وإضعاف بعض الزعامات في حركة الحر، وتم تجاهل أكبر حراك نظمه لحراطين، وتم تجاهل قادة هذا الحراك، ولم يتم استقبالهم في القصر الرئاسي، وذلك في الوقت الذي يتم فيه استقبال السيد بيرام في هذا القصر. نفس الشيء يمكن أن نقوله عن ولد داهي الذي تم استقباله في القصر، والذي فتحت له القنوات التلفزيونية الحرة القريبة من السلطة لتمرير خطابه، وذلك في وقت تم فيه حل جمعية المستقبل، ويتم فيه حرمان عالم كبير كمحمد الحسن ولد الددو من الظهور في قناة المحظرة، وفي القنوات الرسمية، وكذلك في القنوات التلفزيونية الحرة القريبة من السلطة الحاكمة.
2 ـ لقد تعاملت السلطة الحاكمة مع هذه الزعامات المتطرفة وكأنها هي الممثل الوحيد للقضايا التي تدعي الدفاع عنها. فأصبح ولد الداهي هو من يمثل ويدافع عن المقدسات في هذا البلد، وأصبح بيرام هو من يمثل لحراطين ويدافع عن حقوقهم في هذا البلد، وأصبح وان بيران هو من يمثل الزنوج وقضاياهم في هذا البلد.
3 ـ لقد تم تهميش وإضعاف كل الأحزاب السياسية، وكل المنظمات المرخصة، مما ساهم في بروز هذه الحركات والمنظمات والجماعات الغير مرخصة. لقد تم إضعاف الأحزاب السياسية في هذا العهد، وتم تهميشها، وأنا هنا لا أتحدث عن الأحزاب المعارضة فقط، وإنما أتحدث عن الأحزاب الموالية التي تم العمل على إضعافها وعلى تفكيكها، ولعلكم تذكرون كيف أعطيت الأوامر لبعض الشباب بضرورة الانسحاب من الحزب الحاكم وتأسيس أحزاب خاصة بهم، وهي الأحزاب التي سيتم تهميشها بعد تأسيسها. ولعلكم تذكرون أيضا كيف غيبت الأحزاب الموالية في الانتخابات الرئاسية، وكيف تم إبدالها بالمبادرات القبلية. لقد تم خنق الأحزاب السياسية، والمنظمات الحقوقية المرخص لها، وكذلك المنظمات الدعوية التي تعمل بشكل قانوني، وذلك من أجل خلق بيئة مناسبة لظهور خطاب ديني وحقوقي وسياسي متطرف، وكذلك لظهور وتصدر منظمات وحركات غير مرخص لها للمشهد الوطني، ويكل أبعاده : السياسية والحقوقية والدعوية.
4 ـ  كلما مر أحد هؤلاء "الزعماء" الثلاثة بلحظة ضعف تدخلت السلطة بشكل عاجل لنفخ الروح فيه، ومن الأمثلة على ذلك ما حدث لبيرام بعد حرق الكتب الفقهية، وبعد أن كتب رسالة اعتذار من سجنه للشعب الموريتاني وللمسلمين عامة، والتي قال فيها :" وعليه، فإنني أأسف لسوء الفهم الذي قوبلت به هذه الخطوة وأقدم اعتذاري للشعب الموريتاني وللشعوب الاسلامية و أجدد لهم صدقي في أن نيتي لم تتجه أبدا نحو المساس بالمقدسات ولا بمشاعر المسلمين" . لقد أبدى السيد بيرام شيئا من الندم في تلك الرسالة، ولكن الذي سيحدث بعد ذلك هو أن السيد بيرام سيتم إطلاق سراحه، وسيسمح له بالترشح لأعلى منصب في البلاد، وستتم تزكيته من طرف بعض منتخبي الحزب الحاكم، ومن طرف أعلى مؤسسة دستورية في البلاد، وسيسمح له بأن يمرر خطابه الشتائمي عبر قنوات الإعلام الرسمي، وذلك في وقت تم فيه إقصاء كل الطيف المعارض من تلك الانتخابات، وكانت النتيجة هي أن حدة خطاب بيرام زادت، وأن شعبيته زادت، وأن شرعيته وشرعية منظمته الغير مرخصة لم تعد محل نقاش. نفس الشيء يمكن أن نقوله عن ولد داهي، والذي بعثت فيه السلطة الحاكمة الحياة بعد أن تفككت جماعته، وبعد أن كاد الجميع أن ينساه، فإذا بالسلطة الحاكمة تمنحه ساعة كاملة في واحدة من القنوات التلفزيزنية التابعة لها ليمرر خطابه التكفيري، وليظهر على أنه هو "الفارس" الوحيد الذي بإمكانه أن يواجه بيرام الذي صَعَّد في الفترة الأخيرة من حدة خطابه ومن تحديه لمشاعر المسلمين، إلى أن بلغ به الأمر لأن يسيء إلى إمام المسجد الجامع أثناء صلاة الجمعة، وإلى أن تبلغ به الجرأة لأن ينتقد هذا الإمام على أساس أنه معاد للسامية وحانق على المسيحية!!
إن مثل هذا الخطاب الغريب على ديننا هو الذي يعطي لولد داهي ولأمثاله شرعية، وإن خطاب ولد داهي التكفيري الغريب أيضا على ديننا هو الذي يمنح لبيرام شرعية، إن كلاهما يمنح للثاني شرعيته، حتى وإن أظهر كل واحد منهما بغضا وعداوة  للآخر.
ونفس ما حصل مع "الزعيمين" بيرام ويحظيه سيحصل فيما بعد مع وان بيران، والذي قال يوما  في  مقابلة له مع "جون أفريك":  "في الوقت الذي نحن فيه على يقين بأننا نشكل الأغلبية بالمقارنة مع العرب البربر، لا يزال الزنوج الموريتانيون يتعرضون للتمييز في جميع القطاعات، وبما أننا مقتنعون بأن هناك تغييرا سياسيا حتميا في موريتانيا، لا نريد، عندما يأتي ذلك اليوم، أن يتفرق الزنوج، في أحزاب بقيادة العرب البرابرة أو الحراطين، ولهذا السبب لن ندخر جهدا لكي تكون جميع القوى الزنجية الموريتانية ممثلة بقطب واحد، قوي وموحد".
قائل هذه الكلمات ستغيثه السلطة الحاكمة، وستبعث الروح في حركته لما تراجع أداؤها، ولما أصبحت نشاطاتها قليلة وباهتة. لقد استدعى  الرئيس صاحب هذه الكلمات إلى القصر، ووعده، وقد التزم بذلك، بأنه سيحول كل رؤساء مراكز الحالة المدنية الذين لا يرضى عنهم السيد وان بيران من مراكزهم التي يعملون بها، ولا شك أن في  ذلك رسالة سريعة إلى الزنوج الموريتانيين المتضررين من الإحصاء مفادها بأن وان بيرام ورغم أنه يقود حركة غير مرخص لها، إلا أن بإمكانه أن يحول موظفين حكوميين من أماكن عملهم، وأن على الزنوج الموريتانيين أن يلتفوا خلفه إذا ما ارادوا لمطالبهم أن تصل إلى القصر الرئاسي.
5 ـ  لم تبذل السلطة الحاكمة أي جهد في حل القضايا التي يرفع "الزعماء" الثلاثة لواءها، وهو ما سيمنح المزيد من الشرعية لهؤلاء "الزعماء". لقد أوقفت السلطة الحاكمة التحقيق في حادثة تمزيق المصحف الشريف، ولم تحاكم ولد أمخيطير، ولم تدافع عن المقدسات وهو الشيء الذي يعطي لولد داهي المزيد من الشرعية، وسيمنحه ذلك المزيد من الأنصار. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن محاربة العبودية ومخلفاتها، والتي ترفض السلطة الحاكمة أن تحاربها بشكل جدي وهو ما أعطى لبيرام ولخطابه الحاد شرعيته. ونفس الشيء ينطبق على تعامل السلطة مع مخلفات الإرث الإنساني.
وإن مما يزيدنا قلقا على مستقبل هذه البلاد، هو أن كل الدلائل تشير بأن الأمور إذا ما ظلت تسير على هذا  النهج  فإن بيرام ويحظيه ووان بيران سيزدادون قوة و تجذرا في المجتمع، وستجذب خطاباتهم المتطرفة المزيد من الموريتانيين، وذلك في وقت يزداد فيه تهميش العقلاء، وإقصاء كل أصحاب الخطابات المعتدلة، وهو ما يعني، وبكلمة واحدة، بأن البلاد مقبلة على أيام عصيبة.
حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق