من يتابع تدوينات نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في يوم الناس هذا، سيجد أن تقييم أداء الحكومة المقالة، ووزيرها الأول المعاد تكليفه، ينحصر في خانتين لا ثالثة لهما: إما أداء جيد جدا عند البعض، أو أداء سيئ جدا عند البعض الآخر، وبلغة الألوان إما أداء أبيض ناصع البياض، أو أسود حالك السواد!
لا وجود للون الرمادي في هذه التقييمات، ولا وجود لوزير أول في هذه التحليلات كان أداؤه جيدا في بعض الملفات، وغير جيد في ملفات أخرى. فالوزير الأول أو أي وزير في الحكومة إما أن يكون عند نشطاء مواقع التواصل ناجحا نجاحا باهرا، أو فاشلا فشلا ذريعا. لا منطقة وسطى بين النجاح الباهر والفشل الذريع.
وكأن الوزراء ليسوا بشرا، وكأن الأداء الحكومي لا يحتمل إلا حكمين: النجاح الكامل أو الفشل الكامل، وكأن من المحرمات في مجال التعبير عن الرأي الاعتراف بإيجابية واحدة لدى وزير ننتقده، أو الاعتراف بإخفاق واحد لدى وزير نؤيده!
ولو كان لي من الأمر شيء، لألزمت كل المهتمين بالشأن العام في بلادنا، ممن ينشرون آراءهم في الفضاء العام، بالمشاركة في دورة تدريبية تمتد لعدة أيام، وتُعقد في قاعة مطلية باللون الرمادي، لا توجد فيها بقعة واحدة بيضاء ناصعة البياض، ولا أخرى سوداء حالكة السواد! (أعرف أخا وصديقا يصلح لتقديم هذه الدورة).
من المهم أن يتدرب المشاركون في هذه الدورة على التقييمات المعتدلة والمنصفة، والنظر إلى الناس باعتبارهم بشرا يصيبون ويخطئون، فلا هم ملائكة معصومون ولا هم شياطين لا خير فيهم، والفرق بينهم من حيث تقييم الأداء، أن منهم من يصيب أكثر مما يخطئ، ومنهم من يخطئ أكثر مما يصيب.
من المهم جدا أن يتدرب نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، على أن الاعتراف بإنجاز مسؤول لا يعني تبرئته من إخفاقات في مجالات أخرى، كما أن انتقاد إخفاقاته لا يقتضي إنكار إنجازاته في مجالات أخرى.
إننا بحاجة إلى أن نتعلم كيف ننتقد دون أن نسيء، وكيف نُثمن ونشيد دون أن نُطبّل.
ولعل أول درس في دورة القاعة الرمادية، يمكن تلخيصه في أن اللون الرمادي ليس غيابا للموقف، بل قد يكون هو الموقف الأسلم، وقد يكون دليلا على القدرة على رؤية الصورة كاملة، بكل ألوانها بدل الاكتفاء بالنظر إلى لون واحد من ألوانها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق