الأربعاء، 27 مارس 2024

رسائل الشباب العربي والإفريقي


إن القارئ الفطن للواقع العربي والإفريقي خلال العقد الأخير لابد له وأن يقرأ رسائل صريحة جدا، وفصيحة جدا، ومختصرة جدا أبرقها الشباب العربي والإفريقي إلى أنظمته الحاكمة، أبرقها عبر البريد المضمون، وبثلاث صيغ مختلفة، وعبر ثلاثة أجهزة إرسال مختلفة.

الصيغة الأولى : تحريك الشارع وإشعال الثورات لإسقاط الأنظمة

ويبقى المثال الأبرز لهذه الصيغة من الرسائل هي تلك الرسائل التي جاءت من تونس ومصر وليبيا خلال موجة الربيع العربي، والتي أصابت عدواها العديد من الدول العربية.

لقد استطاع الشباب في تلك الدول، ومن خلال ثورات فاجأت العالم وبهرته أن يسقط عددا من الأنظمة العربية الدكتاتورية، والتي حكمت بلدانها لعقود.

نجح الشباب هناك في إسقاط أنظمة دكتاتورية كانت ظاهريا في منتهى القوة، ولكنه فشل فشلا ذريعا في تقديم البديل، بسبب نقص الخبرة والتجربة، ونظرا لغياب مشاريع ومؤسسات سياسية قوية في تلك البلدان، هذا فضلا عن ما شهدته المنطقة من ثورات مضادة، ومن مؤامرات خارجية، فكانت المحصلة النهائية خراب تلك الدول، ووصول حكام ليسوا بأفضل من الحكام الذين ثارت عليهم الشعوب، هذا إن لم يكونوا أسوأ منهم.

الصيغة الثانية : تحريك الدبابات وإسقاط الأنظمة بالانقلابات

ويبقى المثال الأبرز لهذه الصيغة بعض الانقلابات التي قادها عسكريون شباب، ويمكن هنا أن نقدم مثالين من انقلابي مالي وبوركينافاسو.

هذه الصيغة، وهذان المثالان بالذات، ليس بالإمكان أن نحكم عليهما الآن، فهما لم يحققا نجاحا بعد الانقلابين حتى نحكم بنجاحهما، وهما في المقابل لم يقعا في فشل ذريع أخطر مما كان عليه الحال في عهد النظامين المنقلب عليهما، حتى نحكم بفشلهما.

بكلمة واحدة لا يمكننا أن نحكم الآن على العسكريين الشباب الذين وصلوا إلى الحكم في مالي وبوركينافاسو بالنجاح أو بالفشل، وذلك لأنه لا مؤشرات إيجابية أو سلبية حتى الآن تمكننا من المجازفة بإطلاق أحكام نهائية.

الصيغة الثالثة : إسقاط الأنظمة عن طريق صناديق الاقتراع

وتبقى هذه الصيغة هي الصيغة الأكثر ديمقراطية، والأكثر شرعية، والأكثر أمانا، ويبقى السنغال هو المثال الأبرز على هذه الصيغة، والتي قد تصيب عدواها بلدانا أخرى إن هي نجحت.

في يوم 14 مارس 2024 كان بشيرو جوماي فاي يقبع في السجن، وبعد ذلك بعشرة أيام فقط، وتحديدا في يوم 24 مارس 2024  (يوما واحدا قبل ذكرى ميلاده 44) أوصلته صناديق الاقتراع إلى الرئاسة في سابقة من نوعها، وذلك بعد أن حسم الفوز في الشوط الأول من الانتخابات. هذه هي أول مرة يحسم فيها مرشح للمعارضة الفوز في الشوط الأول في السنغال، ويزداد الأمر إثارة عندما يكون هذا المرشح شابا، ومجرد مرشح احتياطي، لم يكن هو المرشح الأصلي لحزبه.

لا يمكن الحكم الآن على الرئيس السنغالي الجديد، فهو لم يستلم الحكم، ولم يُختبر ولو لفترة قصيرة، ومع ذلك فيمكن القول إن هذا الرئيس الشاب سيواجه عدة تحديات، ولن يكون بالإمكان الحكم عليه من قبل معرفة تعامله مع تلك التحديات، والتي يمكن أن نذكر منها :

التحدي الأول : يتعلق بطبيعة إدارته مستقبلا للعلاقة  مع عثمان سونغو الذي رشحه للرئاسة، فالقيادة لا تقبل برأسين، وعثمان سونغو كان هو قائد مشروع التغيير، وبشيرو أصبح اليوم هو القائد الفعلي لهذا التغيير بعد انتخابه رئيسا، وإدارة العلاقة بين قائدين ستكون صعبة جدا، ومهما كانت درجة الانسجام بينهما؛

التحدي الثاني: يتعلق بنقص في التجربة والخبرة، فالرئيس الجديد لا يمتلك من الخبرات والتجارب في إدارة شؤون البلاد إلا خبرة متواضعة في إدارة الضرائب؛

التحدي الثالث : يتعلق بحجم الآمال الكبيرة والوعود السخية التي عليه الوفاء بها للشباب السنغالي، والذي يرجع له الفضل في إيصاله إلى الرئاسة؛

التحدي الرابع :  يتعلق بما يمكن أن تقوم به الدولة العميقة من مؤامرات، وبما يمكن أن تحيكه فرنسا من مكائد، وفرنسا لاشك أنها مصدومة بوصول شاب ملتح، متعدد الزوجات، ذي خلفيته إسلامية، ويعد في برنامجه الانتخابي بالخروج من عباءة المستعمر، وبمراجعة بعض الاتفاقيات، وبصك عملة جديدة. لن تقبل فرنسا أن تخسر حليفها الأهم في إفريقيا بسهولة.

نأمل أن يتجاوز الرئيس السنغالي المنتخب هذه التحديات، ومع ذلك لا يمكننا أن نخفي في هذا المقام ما يساورنا من قلق له يبرره حول نجاح هذه التجربة، والتي إن نجحت فستكون ملهمة للشباب الإفريقي في العديد من الدول الافريقية.

وبالعودة إلى رسائل الشباب العربي والإفريقي خلال العقد الأخير، فيمكن القول ـ وبكل اطمئنان ـ إن هذا الشباب لم يعد يقبل باستمرار النهج السائد من الحكم في البلدان العربية والأفريقية، ورفضه لهذا النهج يمكن أن يأخذ عدة صيغ، فهو يمكن أن يأتي على شكل ثورات كما حدث في بعض البلدان العربية، ويمكن أن يأتي من خلال انقلابات يقودها عسكريون شباب، كما حدث في بعض البلدان الإفريقية، ويمكن أن يأتي من خلال صناديق الاقتراع كما حدث مؤخرا في السنغال.

وبالمجمل، يُمكنُ القول إن الشباب في هذه المنطقة من العالم أصبح أكثر قدرة على إسقاط الأنظمة الحاكمة، إما بالثورات أو الانقلابات أو الانتخابات، ولكنه ـ في المقابل ـ  لم يثبت حتى الآن أنه قادر على إدارة شؤون بلدانه بنجاح بعد إسقاط الأنظمة الحاكمة، بل على العكس من ذلك فالتجارب الشبابية المتاحة حتى الآن، هي أقرب للفشل منها إلى النجاح.

إننا أمام دول عربية وإفريقية شابة، يشكل الشباب أغلبية السكان فيها، ولذا فمن حق الشباب أن يحكم، وهنا تطرح الخبرة مشكلة، أو أن يحكم من لديه خبرة ويتبنى بشكل كامل مطالب وتطلعات الشباب، والخبرة تحتاج في كثير من الأحيان أن يتجاوز صاحبها مرحلة الشباب.

وبذلك فيكون النموذج الأفضل للحكم في هذه البلدان هو أن يتولى الحكم فيها من يمتلك الخبرة، أي من تجاوز مرحلة الشباب، ولكن مع شرط أساسي وضروري وهو أن يتبنى كل مطالب الشباب وتطلعاتهم المشروعة. 

وماذا عن موريتانيا؟

هذا سؤال قد يطرحه الكثيرون، وهو سؤال يمكن أن نجيب عليه من خلال ثلاث نقاط:

1 ـ ليس من المتوقع أن تشهد موريتانيا مفاجأة انتخابية في الرئاسيات القادمة، وسيكون الفوز في هذه الانتخابات للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وبنسبة مريحة جدا.  لم يظهر أي مرشح معارض قادر على أن يحدث مفاجأة في الانتخابات القادمة، والمعارضة قد خسرت تلقائيا انتخابات 2024 في العام 2019، ففي العام 2019 قدمنا في "منصة رئاسيات 2019" تصورا متكاملا للتحضير الجيد لانتخابات 2024، ولكنه لم يجد من يتبناه، وهذا التصور صالح للاستخدام الآن، وعموما فإن أقصى ما يمكن أن تفعله المعارضة في انتخابات 2024، هو أن تحضر بشكل جيد لانتخابات 2029 من أجل كسبها؛

2 ـ ليس من المتوقع أن تشهد البلاد انقلابا عسكريا، ويكفي أن نذكر بأن الرئيس الحالي قادم من رحم المؤسسة العسكرية، وهو قادر على تحصين البلاد من أي انقلاب عسكري في المستقبل المنظور؛

3 ـ ليس من المتوقع أن نشهد بلادنا في المستقبل المنظور ثورة شعبية، فحتى الآن لم تتهيأ الأرضية لثورة شعبية، ومع ذلك فلابد من التذكير بأن الثورات الشعبية لا يخطط لها، ولا يمكن التنبؤ بمواعيد تفجرها، وهي لا تأتي إلا بغتة نتيجة لشرارة ما.

لا خوف على البلاد من ثورة شعبية في المستقبل المنظور، ومع ذلك فإن هناك بعض نقاط الخلل التي يجب الانتباه إليها:

النقطة الأولى : ضعف المعارضة، وضعف الأحزاب الموجودة حاليا، وكلما ضعفت المعارضة وأحزابها، فإن ذلك سيعني أنه لم تعد هناك أي جهة سياسية قادرة على ترشيد غضب الشارع وتأمين تفجيره، وعندما تغيب أي جهة قادرة على ترشيد غضب الشارع وتأمينه، يصبح ذلك الغضب خارج السيطرة، وقابل للتفجر بشكل عنيف في أي وقت، وحتى من دون مقدمات وأسباب محددة.

النقطة الثانية : تنامي تأثير مواقع التواصل الاجتماعي عاما بعد عام، وتراجع حضور المدافعين عن النظام في هذه المواقع، مع تزايد حضور معارضيه، وذلك في وقت يلاحظ فيه غياب تام لأي خطة واضحة لدى النظام لمواجهة هذا الاختلال البين في الإعلام الجديد، والذي أصبح هو الأكثر تأثيرا في توجيه الرأي العام والتأثير عليه؛

النقطة الثالثة : وجود بلادنا في منطقة غير آمنة، ومفتوحة على كل التوقعات والاحتمالات.

إن غياب وجود هيئات سياسية معارضة ذات مصداقية قادرة على توجيه وترشيد غضب الشارع، وذلك في ظل تزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، كل ذلك من شأنه أن يحول أحداثا يمكن أن تقع في كل حين إلى أحداث عنيفة تهدد استقرار البلد وأمنه، وقد كانت هناك بالفعل محاولات في ذلك الاتجاه، ولعل أبرز مثال عليها ما شهدته بلادنا من مظاهرات واحتجاجات عنيفة بعد حاثة قتل الصوفي ولد الشين، وحادثة وفاة عمر جوب، وأحداث أركيز.

كيف نحصن بلادنا ونحميها من الاحتجاجات العنيفة في الفترة القادمة؟

في اعتقادي الشخصي أن ذلك يمكن أن يتم بتبني فخامة رئيس الجمهورية لمطالب الشباب الموريتاني في مأموريته الثانية، ويمكن لهذا التبني أن يتخذ عدة أشكال لعل من أبرزها :

1 ـ إعلان حرب شرسة لا رجعة فيها ضد الفساد والمفسدين؛

2 ـ البحث عن الكفاءات بشكل عام، وفي صفوف الشباب بشكل خاص، وتعيينها، وذلك على أساس أنه لا يمكن إحداث إصلاح دون مصلحين؛

3 ـ تجديد الواجهة السياسية والإدارية للنظام وضخ دماء جديدة فيها، وإبعاد كل من تآكلت مصداقيته عن واجهة النظام؛

4 ـ تخفيض أسعار المحروقات كلما أمكن ذلك، ومراقبة ملف الأسعار بشكل صارم؛

5 ـ العمل على عصرنة الإدارة وتقريب خدماتها من المواطن بشكل حقيقي ودائم، وأول شرط في تقريب خدمات الإدارة من المواطن يتمثل في مخاطبته بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفترض فيه أنه يفهمها.

6 ـ الاستمرار في الاهتمام بالفئات الهشة، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة في هذا الملف خلال المأمورية الأولى، إلا أن الاستمرار فيه خلال المأمورية الثانية يبقى من أولوية الأولويات.

لم أتحدث في هذه النقاط عن التعليم والصحة والتشغيل وقضايا أخرى معروفة، وذلك ليس تقليلا من شأنها، وإنما توخيا للاختصار، وذلك بعد أن تجاوز المقال المساحة المخصصة له.

حفظ الله موريتانيا..

محمد الأمين الفاضل

Elvadel@gmail.com

 

الثلاثاء، 19 مارس 2024

ما أصعب أن تُقاوم على جبهتين!


منذ فترة ليست بالقصيرة، وأنا تترسخ لدي يوما بعد يوم قناعة مفادها أن هناك ضرورة ملحة للخروج من نمط التفكير السياسي التقليدي الذي اتبعته الأغلبيات التقليدية والمعارضات التقليدية خلال العقود الماضية، وهذا النمط من التفكير قائم بالنسبة للأغلبيات التقليدية على التثمين المطلق الذي يحاول أن يُسوق للمواطن أن البلد يعيش نهضة غير مسبوقة، وأن النظام قد أنجز كل شيء،  وقائم عند المعارضة التقليدية على النقد المطلق، والذي يُحاول أن يُسوق للمواطن أن البلد يعيش أسوأ أيامه، وأن النظام قد أخفق في كل شيء.

لو كان الخطاب السياسي القائم على التثمين المطلق يمكن أن يؤدي إلى إصلاح حقيقي لكانت بلادنا تعيش اليوم في نعيم ورخاء، فالأغلبيات السياسية المتعاقبة أو المتحورة لم تقصر منذ بداية التسعينيات وحتى اليوم في التثمين المطلق لما أنجزته الأنظمة المتعاقبة، ولما لم تنجزه تلك الأنظمة.

ولو كان الخطاب السياسي القائم على النقد المطلق يمكن أن يؤدي إلى تغيير حقيقي لتغير الحال في بلادنا من حال إلى حال، فالمعارضات السياسية المتعاقبة أو المتوارثة لم تقصر منذ بداية التسعينيات وحتى اليوم في جلد الأنظمة ونقدها بأقسى العبارات.

إننا اليوم في أمس الحاجة إلى نمط جديد من التفكير السياسي خارج صندوقي الأغلبية التقليدية والمعارضة التقليدية، ونحن بحاجة كذلك إلى خطاب سياسي جديد لا يقتصر فقط على التثمين المطلق أو النقد المطلق. علينا أن نعلم أنه من الغباء أن نُعيد نفس الخطاب السياسي في تسعينيات القرن الماضي، سواء كنا موالين أو معارضين، أن نعيده دون أي تعديل بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، وأن نتوقع في الوقت نفسه نتائج مختلفة في زمن تغير كثيرا ولم يعد مثل تسعينيات القرن الماضي، ويكفيه من التغير أنه قد ظهرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أصبح روادها ينافسون وبقوة الأحزاب السياسية والإعلام التقليدي في صناعة الرأي العام، وفي التأثير على قناعات المواطنين.

في الفترة الأخيرة تابعنا محاولات ما زالت في بدايتها للخروج من عباءة المعارضة التقليدية والموالاة التقليدية، وكان ذلك من خلال ظهور تيارين سياسيين في وقت شبه متزامن، أحدهما يحسب على المعارضة وهو تيار "الأغلبية الصامتة"، والثاني يحسب على داعمي فخامة رئيس الجمهورية وهو تيار "من أجل الوطن". 

 في هذا المقال سأتوقف فقط مع "تيار من أجل الوطن"، وذلك بصفته هو التيار الأقرب لي، خاصة وأن من بين مؤسسيه أصدقاء جمعتني معهم مبادرات تبنت خطابا سياسيا داعما يجمع بين التثمين والنقد (حراك 3 ن)، ولولا الانشغال بالعمل الجمعوي ومحاولة التفرغ له في الفترة القادمة لكنتُ من بين مؤسسي هذا التيار، والذي أتوقع منه ـ وفي تشكيلته الحالية ـ أن يكون قادرا على تسويق المنجز، وشجاعا في كشف الخلل، وأهلا لتقديم المقترحات والمبادرات الإصلاحية، وأن يكون بالإضافة إلى كل ذلك قادرا على أن يُقاوم وببسالة على جبهتين اثنتين لفرض وجوده في المشهد السياسي خلال السنوات القادمة.

الجبهة الأولى : جبهة الأغلبية

من الطبيعي جدا أن تنزعج الأغلبية التقليدية من ظهور تيار سياسي جديد يرفع شعار دعم فخامة رئيس الجمهورية، ويستخدم أساليب جديدة في الدعم، فالأغلبية التقليدية ستعتبر هذا التيار منافسا لها، وربما تصنفه ـ وبشكل غير معلن ـ على أنه خصم سياسي يأتي من حيث مستوى الخطورة قبل المعارضة التقليدية.

على المستوى الشخصي، وبصفتي داعما لفخامة رئيس الجمهورية من خارج أغلبيته التقليدية، فقد تلقيتُ ضربات قوية من بعض أطراف هذه الأغلبية، ولكني لم أذكرها ولن أذكرها في الوقت الحالي لأني ضد كل ما من شأنه أن يتسبب في ظهور شقاق أو خلاف في الأغلبية الداعمة لفخامة الرئيس، ومن الراجح أن تيار من أجل الوطن تلقى وسيتلقى مستقبلا طعنات أقوى من الأغلبية التقليدية للرئيس، والتي ستعتبره منافسا حقيقيا لها.

إن تيار من أجل الوطن بحاجة إلى أن يبذل جهدا كبيرا لإقناع الأغلبية التقليدية أنه ليس خصما لها، وإنما هو مكمل لها، وأنه سيتحرك في مساحات لم تعد الأغلبية التقليدية قادرة على التحرك فيها بشكل جيد، وأن خطابه السياسي ليس خطابا ناقدا للأغلبية التقليدية، وإنما هو خطاب مكمل لخطابها، وموجه بالأساس إلى جمهور واسع من الداعمين الذين لم يعودوا يقبلون بالخطاب التقليدي للأغلبية التقليدية، القائم على التثمين فقط دون أي ذكر للاختلالات و النواقص، وهي اختلالات ونواقص موجودة، وستبقى موجودة مهما كان مستوى الأداء الحكومي.

إن السعي للإقناع بأهمية التكامل في لعب الأدوار داخل الأغلبية الداعمة لفخامة الرئيس بدلا من الصراع بينها، هو ما جعلني أختار للعنوان كلمة "تُقاوم" بدلا من كلمة "تُحارب" حتى وإن كانت هذه الأخيرة هي الأنسب إعلاميا لتكون في عنوان المقال.

إن المطلوب من تيار من أجل الوطن هو أن يُقاوم داخل الأغلبية لإثبات وجوده أولا، وثانيا لطمأنة الأغلبية التقليدية على أنه مكملا لها وليس خصما لها.

الجبهة الثانية : جبهة المعارضة 

تعرض وسيتعرض تيار من أجل الوطن لهجوم قوي من مدوني المعارضة، وربما يكون الهجوم عليه من المعارضة أقوى من الهجوم على حزب الإنصاف، وذلك لشعور بعض المعارضين أن هذا التيار وغيره من الداعمين غير التقليديين سينافس المعارضة في كسب ود المواطن، وذلك من خلال حديثه عن بعض المشاكل التي يعاني منها المواطن، والتي نادرا ما تتحدث عنها الأغلبية التقليدية.

ثم إن محاولة الوقوف في منطقة سياسية بين خصمين تقليديين ( الأغلبية التقليدية والمعارضة التقليدية)، وبغض النظر عن بعد التيار أو قربه من هذا الطرف أو ذاك، ستعرض التيار إلى مواجهة نارين، إحداهما تأتي من الأغلبية التقليدية، وذلك لشعورها بأن هناك داعما جديدا ينافسها على كسب ثقة رئيس الجمهورية، والثانية ستأتي من المعارضة لشعورها أن هناك من ينافسها في كسب ثقة المواطن، وذلك من خلال تبني مشاكله والدفاع عنه بأسلوب مختلف عن أسلوب المعارضة.

نعم سيواجه تيار من أجل الوطن نيرانا من الأغلبية التقليدية ومن المعارضة، وهو ما سيزيد من حجم تحديات وصعوبات الولادة والنمو، ولكننا نأمل أن يتمكن التيار من فرض نفسه في الساحة السياسية، وهو سيتمكن من ذلك بالفعل إن استطاع أن ينجح في كسب ثقة فخامة رئيس الجمهورية، وكذلك في كسب ثقة المواطن.

ولكسب ثقة رئيس الجمهورية، فعلى التيار أن يثبت وجوده خلال الحملة الانتخابية الرئاسية القادمة، وأن يثبت للرئيس أنه قادر على تسويق منجزاته في فضاءات إعلامية ولدى جمهور من الداعمين لم تتمكن الأغلبية التقليدية بأساليبها التقليدية وبخطابه التقليدي أن تصل إليه.

ولكسب ثقة المواطن، فعلى التيار أن يثبت للمواطن أن تبنيه لهموم ومشاكل المواطن يختلف عن تبني المعارضة التقليدية لتلك الهموم والمشاكل، فكثير من المعارضين التقليديين لا يبحث عن حلول لتلك المشاكل والهموم، وإنما يستخدمها فقط ضد النظام إعلاميا وسياسيا، وقد لا يرغب أصلا في حلها، على العكس من تبني الداعمين غير التقليديين لتلك المشاكل والهموم، فهم يسعون بجد لإيجاد حلول لها، وذلك لشعورهم أنهم يتضررون من تلك المشاكل و يتضرر منها أكثر فخامة رئيس الجمهورية الذي يدعمونه بصدق وجدية، وبأسلوب يختلف عن الدعم التقليدي للأغلبية التقليدية، والتي تعودت منذ تسعينيات القرن الماضي، وحتى اليوم، على تجاهل تلك المشاكل بشكل كامل، واعتبارها وكأنها غير موجودة أصلا.   

حفظ الله موريتانيا..


الخميس، 7 مارس 2024

الإعلان عن انطلاق برنامج خطوة لاكتشاف وتنمية المواهب الشبابية


∎ إيمانا منا بأن الثروات التي تسير فوق الأرض (المواهب)، ليست أقل قيمة من الثروات الموجودة في باطن الأرض (المعادن)، وأن الجهود التي تبذل والأموال التي تنفق للتنقيب عن الثروات في باطن الأرض يجب أن ينفق ما يماثلها للتنقيب عن الثروات التي تسير فوق الأرض؛

∎ قناعة منا بضرورة التحرك العاجل لمواجهة المخاطر التي يواجهها شبابنا، والتي تتمثل في البطالة، وتفشي الجريمة، والهجرة، وتنامي روح اليأس والإحباط؛

∎ تحملا منا للمسؤولية التي يجب أن يلعبها المجتمع المدني في مواجهة هذه التحديات والمخاطر؛

∎ سعيا منا للمشاركة ميدانيا في الجهود المبذولة من طرف الحكومة لمواجهة هذه التحديات والمخاطر، فإننا في جمعية خطوة للتنمية الذاتية لنعلن على بركة الله إطلاق أول برنامج تدريبي في موريتانيا لاكتشاف المواهب الشبابية وتنميتها ورعايتها، ونأمل أن يستفيد من برنامجنا التدريبي هذا 1000 شاب خلال العام 2024، ويتمثل هذا البرنامج التدريبي في: 

1 ـ تقديم دورة أساسية في مجال اكتشاف الموهبة واستغلالها، وسيستفيد من هذه الدورة كل المشاركين في البرنامج. سيتلقى المشاركون في دورة الموهبة اختبارا وعلى أساس نتائجه يتم فرز من سيواصل منهم في البرنامج التدريبي للاستفادة من الدورات الأخرى ذات الصلة؛

2 ـ تقديم دورات مكملة في مجال : التفكير الإبداعي ـ الاتصال الفعال ـ التخطيط الشخصي ـ إدارة الوقت ـ مهارات العمل الجماعي؛

3 ـ تقديم دورات في مجال التخصص، وذلك بعد أن يتم تقسيم المشاركين في البرنامج إلى مجموعات متجانسة حسب الاتجاهات والميول والمواهب المشتركة لدى كل مجموعة، لتتلقى بعد ذلك كل مجموعة، وعلى حدة، دورة متخصصة في المجال الذي يمتلك فيه أعضاء تلك المجموعة موهبة مشتركة؛

4 ـ تقديم دورات تأطير ودعم للموهوبين الذين تأهلوا للمشاركة في مسابقات وتصفيات إقليمية أو دولية؛

5 ـ تقديم الاستشارات مع المتابعة المستمرة للموهوبين المتميزين.

وتأمل جمعية خطوة للتنمية الذاتية أن تنظم نهاية هذا العام أول مؤتمر لها لصالح المواهب الشابة التي استفادت من برنامجها، وستُعلن خلال هذا المؤتمر عن جوائزها السنوية للموهوبين المتميزين.

نواكشوط بتاريخ : 26 شعبان 1445 الموافق 07 مارس 2024

جمعية خطوة للتنمية الذاتية