الخميس، 7 مايو 2026

شكرا للمملكة العربية السعودية


لقد اتخذت المملكة العربية السعودية مواقف استراتيجية عظيمة ـ رغم صعوبة اتخاد تلك المواقف ـ خلال الحرب الحالية، وذلك تكريسا للأمن القومي المشترك، ورفضا لتحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، وكان آخر تلك المواقف رفضها الحازم لاستخدام مجالها الجوي أو قواعدها العسكرية لضرب إيران، في إطار ما يسميه ترامب "مشروع الحرية" لتحرير السفن العالقة، وفتح مضيق هرمز بالقوة.

إن هذا الموقف النبيل الذي يليق بالمملكة العربية السعودية، كان حاسما في التعليق المفاجئ لمشروع الحرية، حسب بعض التقارير الصحفية، الشيء الذي يستوجب من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أن تُسارع في اتخاذ مواقف إيجابية مماثلة تجاه المملكة العربية السعودية ردا للجميل، وسعيا لبناء المزيد من الثقة بين البلدين، بما يعود بالنفع على المنطقة العربية والإسلامية بكاملها، في هذه الفاصلة الحرجة من تاريخها.

منذ عام تقريبا، وأنا أنشر مقالات تدعو إلى تأسيس حلف عربي إسلامي، بدأتها بمقال نُشِر يوم الثلاثاء الموافق 17 يونيو 2025، ومع مرور الوقت ترسخت قناعتي بوجاهة تلك الدعوة، بل وتعاظمت أكثر مع الحرب الجارية حاليا، والتي تؤكد أننا مقبلون بالفعل على فترة أكثر اضطرابا، وأشد قسوة على الدول والمناطق غير المحصَّنة استراتيجيا.

 وقد تعززت قناعتي بأن القائد الأجدر في المنطقة بإطلاق وقيادة مبادرة عربية إسلامية كبرى من هذا النوع هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وسيبقى ثقل المملكة العربية السعودية في العالمين العربي والإسلامي خيرَ معين له في إنجاح مبادرة من هذا النوع.

في أول مقال من سلسلة المقالات المطالبة بضرورة المسارعة في تأسيس حلف عربي إسلامي، تحدثت عن الظرفية الدولية البالغة الخطورة والتعقيد، التي يمر بها العالم اليوم، والتي يطبعها اللايقين، والتي تتسم كما جاء في المقال المذكور بشلل شبه كامل للأمم المتحدة، وبموت سريري للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وعجزهما البيِّن عن حل قضايا العرب والمسلمين العالقة، وعلى رأس تلك القضايا تحرير فلسطين والمسجد الأقصى من الاحتلال الغاصب.

لم تستفد الدول العربية والإسلامية من النظام العالمي القائم على قطبين قبل انهياره، ولم تستفد من نظام القطب الواحد الذي يُصارع حاليا من أجل البقاء، والذي كانت تقوده أمريكا، بل على العكس من ذلك، فقد تضرر العالم الإسلامي كثيرا من النظام العالمي القائم على قطبين، وتضرر أكثر في ظل النظام العالمي القائم على قطب واحد، وكل المؤشرات تقول بأن الضرر سيبلغ ذروته في ظل رئاسة ترامب لأمريكا.

لقد بات من الملح جدا التفكير في تأسيس حلف إسلامي عسكري واقتصادي قوي، يُشكل قطبا إسلاميا عالميا يحمي مصالح المسلمين في عالم يسير اليوم ـ وبخطى متسارعة ـ في اتجاه نظام متعدد الأقطاب، بعد فشل نظام القطب الواحد، ونظام القطبين قبل ذلك.

من المؤكد أن الدول الإسلامية تمتلك كل المقومات لتشكل قطبا عالميا قويا قادرا على الدفاع عن مصالح المسلمين في العالم، فمن الناحية العسكرية، هناك باكستان التي تمتلك سلاحا نوويا، وهناك إيران التي أثبتت مؤخرا أنها قادرة بمفردها على الصمود في وجه أمريكا وإسرائيل، ومن الناحية الاقتصادية هناك العديد من الدول الإسلامية التي تمتلك اقتصادات قوية، وموارد مالية هائلة، فهناك الطاقة، وهناك الممرات البحرية، كمضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، والتي ثبُتَ خلال الحرب الحالية، أنها شرايين التجارة العالمية، وأنها تشكل سلاحا قويا لا يمكن للعالم أن يواجهه، إذا ما تم استخدامه بذكاء واحترافية.

نعم لقد بات من الملح جدا التفكير في تأسيس حلف إسلامي قوي تنخرط فيه الدول الإسلامية، ويمكن أن تتشكل نواته الأولى من السعودية وباكستان وإيران وتركيا ومصر، لتشمل بعد ذلك بقية الدول الإسلامية، فبحلف كهذا يمكن أن نحرر فلسطين، وبحلف كهذا يمكن أن نحل المشاكل التي قد تحدث بين بعض الدول الإسلامية دون الحاجة لتدخل قوى عظمى، ولتشكيل هذا الحلف وبناء الثقة بين الأطراف المكونة لنواته الصلبة، فلا بد من توفر ثلاثة شروط، تحدثتُ عنها سابقا في المقال المذكور:

1ـ أن تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية، وأن تلتزم التزاما صريحا وقويا باحترام سيادة الدول العربية، وأن لا تعمل مستقبلا ـ تحت أي ظرف ـ على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لتحقيق المزيد من المصالح والنفوذ خارج حدودها؛

2ـ أن تُوقِف المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج الارتهان الاقتصادي والعسكري للسياسات الأمريكية المتذبذبة، مع وقف منح الأموال لترامب، فليس من الحكمة وضع كل البيض في سلة واحدة، وخاصة إذا كان صاحب تلك السلة هو ترامب المتقلب المزاج، على أن توجه تلك الأموال للتعزيز من مكانة الحلف الإسلامي المنتظر، أو توجه لدعم بعض الدول الإسلامية المحتاجة؛

3ـ أن تقطع مصر وتركيا ـ وبشكل فوري ـ علاقاتهما الدبلوماسية مع العدو الصهيوني.

وفي الختام، أجدد شكري مرة أخرى للملكة العربية السعودية، وسأبقى على قناعة، بأن القائد الأجدر في المنطقة، بإطلاق وقيادة مبادرة عربية إسلامية كبرى من هذا النوع، هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وجميع بلاد العرب والمسلمين.

الأربعاء، 6 مايو 2026

نحو مقاربة شاملة للحد من الجريمة في أوساط الشباب


إن أي بحث سريع في القواسم المشتركة بين مرتكبي الجرائم البشعة التي هزت الرأي العام الوطني خلال السنوات الأخيرة، سيُظهر أن نسبة كبيرة من تلك الجرائم ارتكبها شباب أو قُصَّر، تسربوا من المدرسة أو لم يدرسوا أصلا، يتعاطون المـخـدرات، ومن أصحاب السوابق، وكان يُفترض في بعضهم أن يكون خلف القضبان ساعة ارتكابه الجريمة.

فمن المسؤول عن عدم دراسة هؤلاء؟

ومن المسؤول عن تسربهم من المدرسة؟

ومن كان وراء تعاطيهم المخدرات، ومن وفرها لهم؟

ومن المسؤول عن إطلاق سراحهم قبل اكتمال فترة عقوبتهم، ليرتكبوا المزيد من الجرائم؟

كثيرون طالبوا بالبحث عن عصابة الأشرار التي ارتكبت أصنافا صادمة من الجرائم من خلال التعذيب وإهانة الكرامة البشرية، في حق شاب أو شباب آخرين، وهي جرائم وُثِّقت بالصوت والصورة، وتم تداولها بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.

إني أقف مع كل المطالبين بإنزال أقصى العقوبات الرادعة بمرتكبي تلك الجرائم الفظيعة والصادمة، فكل من شارك في تلك الجرائم البشعة، يجب أن يُعاقب بأقصى عقوبة لأنه مسؤول جنائيا عمَّا ارتكب من جرائم.

إني مع كل أولئك في مطلبهم، وعلينا جميعا ألا نتوقف عن رفع ذلك المطلب حتى ينال المجرمون ما يستحقون من عقاب، ولكن دعونا ـ بالإضافة إلى رفع ذلك المطلب ـ نطرح سؤالا جوهريا أصبح لابد من طرحه، بعد تزايد الجرائم الصادمة التي يقف خلفها قُصَّر أو شباب، فهل المسؤولية في ارتكاب تلك الجرائم يتحملها المجرمون الذين ارتكبوا تلك الجرائم وحدهم، أم أن هناك جهات أخرى تتحمل جزءا من المسؤولية؟

بطبيعة الحال، فإن تلك الأسئلة لا يمكن الإجابة عليها بإدانات فردية فقط، فإذا كانت المسؤولية الجنائية يتحملها مرتكبو تلك الجرائم وحدهم، فإن هناك آخرين يتحملون جزءا من المسؤولية، وذلك لأنهم شاركوا ـ من وراء حجاب ـ في ارتكاب تلك الجرائم، ويتحملون أخلاقيا ـ على الأقل ـ جزءا من المسؤولية، فهل تجب محاسبتهم هم أيضا إن كانوا شركاء حقا في الجريمة؟

هذا سؤال كبير وخطير لا أمتلك القدرة ولا الشجاعة للإجابة عليه، ومع ذلك أستطيع أن أقول، وبكل اطمئنان، بأن خلف كل قاصر أو شاب ارتكب جريمة، توجد أسرة فشلت في تربيته حتى تحول إلى مجرم، وهي تتحمل أخلاقيا جزءا من المسؤولية، ومدرسة فشلت في تعليمه، وهي تتحمل أخلاقيا جزءا من المسؤولية، ومجتمع بكامله، بعلمائه ومربيه ومنظماته المدنية وصحافته، يتحمل هو أيضا جزءا من المسؤولية، لأنه فشل في توجيه واحتضان وتحصين ذلك القاصر أو الشاب الذي كان في الأصل طفلا وديعا وبريئا، قبل أن يتحول إلى مجرم من عتاة المجرمين، يرتكب أبشع الجرائم، ويصورها ويتفاخر بها!

ويتحمل أيضا القضاء وإدارة السجون، وكل الجهات الحكومية المعنية، جزءا من المسؤولية، فالسجن قد يأتيه طفل صغير في سنة أولى ابتدائي من مدرسة الإجرام، فيمنحه في أقل من سنة أعلى الشهادات في عالم الإجرام، ولو كانت مدارسنا تُعَلّم وتُكَوّن وتُخرِّج بنفس سرعة تعليم وتخريج السجون للمجرمين، لحدثت في بلادنا ثورة في التعليم.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن القضاء وجهات التحقيق ومصالح السجون مسؤولة كذلك عن الكثير من الجرائم التي يرتكبها مجرمون، كان يفترض فيهم أن يكونوا في السجن لحظة ارتكابهم لجرائم جديدة. فحين يلقى القبض على مجرم متلبس بالجريمة، فيطلق سراحه في اليوم الموالي، أو الشهر الموالي، أو قبل أن ينهي فترة عقوبته، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح لم يعد يتعلق بطبيعة الجريمة الموالية، بل أصبح يتعلق بمن سمح بارتكابها.

قبل خمس سنوات تقريبا، في يوليو2021، وبعد سلسلة من الجرائم البشعة التي عرفتها العاصمة نواكشوط، نظمت جمعية خطوة للتنمية الذاتية جلسة نقاشية حول الجريمة وآليات محاربتها، شارك فيها خبراء ومختصون في القضاء والأمن وعلم الاجتماع، وخلص المشاركون بعد نقاشات معمقة إلى أن الحد من تفشي الجريمة في صفوف الشباب، يتطلب معالجة متعددة الأبعاد، لا تقتصر فقط على الحلول الأمنية، وأصدروا بعد نقاشاتهم توصيات عديدة تدعو في مجملها إلى معالجة جذور المشكلة من خلال التنشئة الصالحة، والتعليم الجيد،  ومكافحة التهميش، والحد من البطالة، ومحاربة الإدمان، بدلا من الاكتفاء بالجانب الأمني وحده.

ويمكن تلخيص تلك التوصيات في خمسة محاور:

1 ـ على المستوى الوقائي (التعليم والتنشئة)

  • فرض إلزامية التعليم، مع تكفل الدولة بالأطفال المنحدرين من أسر محدودة الدخل؛
  • دعم الأسرة ببرامج توجيه وتوعية لتعزيز دورها التربوي؛
  • إنشاء حاضنات ثقافية ورياضية لاستيعاب طاقات الشباب؛

2 ـ على المستوى الصحي والاجتماعي

  • إنشاء مراكز متخصصة لعلاج الإدمان وإعادة التأهيل؛
  • التصدي لمظاهر التهميش والغبن وتعزيز العدالة الاجتماعية؛
  • إطلاق حملات توعية وتحسيس مستمرة يشارك فيها مختلف الفاعلين؛

3 ـ على المستوى الأمني والقانوني

  • إشراك المواطنين في حفظ الأمن عبر آليات مجتمعية فعالة؛
  • إنشاء شرطة الجوار وتعزيز الحضور الأمني القريب من المواطنين؛
  • تحيين الترسانة القانونية وتطوير قدرات القضاة وأعوانهم؛
  •  تنفيذ الأحكام القضائية بصرامة وعدالة؛
  • تعزيز مراقبة الحدود ومراجعة سياسات الدخول؛

4 ـ على مستوى إعادة الإدماج

  • تفعيل المؤسسات الإصلاحية لإعادة إدماج أصحاب السوابق؛
  •  فرض الخدمة المدنية وإطلاق برامج تأهيل إلزامية للشباب المعرضين للانحراف؛

5 ـ على المستوى المؤسسي والاستشرافي

  • إنشاء مرصد وطني للجريمة لتحسين جمع البيانات وتحليلها؛
  • إشراك مراكز البحث في إعداد سياسات استباقية؛
  • إنشاء معهد وطني للطب الشرعي والأدلة الجنائية؛
  • تعزيز التخصص داخل الأجهزة الأمنية ورفع كفاءتها.

ختاما

إن تنامي الجريمة في صفوف القُصَّر والشباب يعود إلى أسباب عديدة ومتداخلة، منها ما يتعلق بالنشأة وغياب دور الأسرة، ومنها ما يرتبط بالتعليم وضعف أداء المدرسة، ومنها ما هو ناتج عن غياب الاحتضان المجتمعي، وارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب.

وعليه، فإن أي سياسة فعالة للحد من الجريمة يجب أن تعتمد على مقاربة شاملة، تعالج كل الأسباب، ولا تتجاوز أي مرحلة من المراحل، بدءا بالتنشئة، وانتهاءً بالتشغيل، مرورا بالتعليم وملء الفراغ بأنشطة ذات نفع عام من خلال حاضنات ثقافية ورياضية قادرة على استيعاب الطاقات الشبابية.

حفظ الله موريتانيا...


الثلاثاء، 5 مايو 2026

هل طالعنا مقالات حبيب محفوظ قبل أن تكتب؟


من المصادفات الجميلة تزامن الاحتفاء باليوم العالمي لحرية الصحافة مع دعوة كريمة من أحد زملاء الدراسة في سنة رابعة وخامسة رياضيات في ثانوية لعيون (1983ـ 1984).

اجتمعنا بعد فرقة دهر في منزل "سيداتي الولاتي" صاحب الدعوة الكريمة، وتذكرنا بطبيعة الحال بعض أساتذتنا في تلك المرحلة، وكان من بين من تذكرنا أستاذنا المتميز الصحفي المبدع حبيب محفوظ (بداح) رحمه الله، فقد كنا أول فصل يدرسه بعد تخرجه من المدرسة العليا للتعليم أستاذا للفرنسية.

كان الأستاذ حبيب يختلف في كل شيء عن الأساتذة الموريتانيين الذين كانوا يدرسوننا في تلك الفترة، وكان أغلب أساتذتنا من المصريين والتونسيين، يختلف عنهم في طريقته في التدريس، وفي أسلوب تعامله مع التلاميذ، وقد استطاع من خلال طريقته في التدريس أن يغريَ تلميذا مثلي بالحضور، تلميذا في شعبة الرياضيات، كان يعتقد آنذاك أن المواد الأدبية لا تستحق الحضور، وعلى رأسها اللغة الفرنسية، والتي لا تستحق أصلا أن تسجل في الجدول الزمني.

ومع ذلك استطاع الأستاذ حبيب أن يغريني بحضور حصصه، وكان أول ما شدني إلى حصصه طريقته "الغريبة" التي كان يكتب بها على السبورة، كان يمد حرف (L) مدا طويلا، وكان يرسم الحروف على السبورة كما ترسمها آلة الطباعة على الأوراق.

يمكنني الآن، أن أقول لكم ـ وبكل اطمئنان ـ إن الأستاذ حبيب محفوظ كان مبدعا، ودليلي على إبداعه في غاية البساطة، وهو أني كنتُ أحضر لحصصه، هذا هو دليلي على إبداعه، فلم يكن متوقعا مني في تلك الفترة، أنا التلميذ الكسول، الذي أدرس في شعبة الرياضيات، وأنظر بغير إعجاب إلى المواد الأدبية عموما، وأتغيب كثيرا عن حصصها،  وأخص اللغة الفرنسية بالمزيد من عدم الإعجاب والمزيد من التغيب، لأسباب لا داعي لذكرها في هذا المقام. لم يكن متوقعا مني في تلك الفترة أن أحضر حصصه، ومع ذلك واظبتُ على حضور حصصه، اختيارا لا إكراها، ولا أجد اليوم تفسيرا لذلك سوى أنه شدني إلى حصصه بأسلوبه المتميز في التدريس. 

بدأتُ في تلك السنة أحضر حصص الفرنسية بعد طول انقطاع، فوجدتُ أستاذا مختلفا في كل شيء. كانت أغلب حصصه تبدأ بقراءة صفحة أو صفحتين من رواية "La Civilisation, ma Mère "  للكاتب المغربي إدريس أشريبي، كان يدرسنا نصا ساخرا، ثم يبدأ بعد ذلك يسرد لنا قصصا موريتانية بأسلوب ساخر، قد يجد فيها من يتأمل ما وراءها، نقدا لاذعا للواقع، ولم يكن عمري في تلك الفترة، ولا قدراتي الفكرية، يسمحان لي بذلك التأمل.

لم أكن أدرك في ذلك الوقت، أني لا أحضر دروسا في اللغة الفرنسية، بل أحضر دروسا في السخرية من الواقع، وذلك باعتبار السخرية من أهم أساليب فهم ونقد الواقع، وربما تكون تلك القصص الساخرة التي كان يحيكها الأستاذ حبيب في حصصه، هي الوسيلة الوحيدة المتاحة له في ذلك الوقت لنقد الواقع بشكل لاذع . هذا هو ما يُخيَّل إليَّ الآن بعد مرور أربعة عقود على تلك الدروس.

أرجو من تلاميذه في تلك الفترة، ممن هم أكثر نضجا ووعيا، وممن هم كذلك أقوى ذاكرة مني، أن يستعيدوا دروسه في الفصل، وخاصة منها قصصه التي تطبعها السخرية، وأن يتأملوا فيما وراء سخريته، فالراجح عندي أنهم سيجدون نقدا لاذعا للواقع، لا يختلف عن النقد اللاذع للواقع الذي سيوجهه فيما بعد الصحفي حبيب عندما يبدأ في نشر مقالاته التي تمتاز دائما بأنها مقالات تغطي نقدها اللاذع للواقع بأسلوب ساخر وجذاب.   

هذه مجرد ذكريات وخواطر مشوشة، وما كان لها إلا أن تكون مشوشة، فقد اجتمع حولها: ضعف الذاكرة، وصغر السن، وطول العهد، وعدم النضج، ولكني استحضرتها اليوم بعد لقاء بزملاء الدراسة في ثانوية لعيون، تحدثنا فيه عن استاذنا حبيب محفوظ، والذي غاب الحديث عنه في اليوم العالمي لحرية الصحافة.

إنها بالفعل ذكريات مشوشة، ولكنها مع ذلك ذكريات تبرر طرح السؤال: هل أتيح لنا نحن الذين درسنا الأستاذ حبيب محفوظ في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، سماع مقالات موريتانيد منطوقة قبل أن تتحول فيما بعد إلى مادة مكتوبة تحظى بمطالعة واسعة؟ 

الراجح عندي أن "Mauritanides" لم تكن مجرد مقالات كُتِبت لاحقا ليطالعها القراء، بل كانت في الأصل دروسا غير منتظمة ألقيت مبكرا على التلاميذ.

السبت، 2 مايو 2026

ست سنوات من التعثر… متى سينطلق الحوار؟


شهدت السنوات الست الماضية عدة مبادرات لإطلاق حوار وطني شامل، تعددت الجهات المشرفة عليها وتنوعت صيغها، وآليات إخراجها، ومع ذلك فلم ينطلق الحوار، فأين الخلل؟

الغريب في الأمر أن الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة تبدي دائما رغبتها في الحوار، وتعبر عن استعدادها للمشاركة فيه، الشيء الذي يجعل المواطن في حيرة من أمره، فما دام كل المعنيين بالحوار يرحبون به ويدعون له، فلماذا لم يتحاوروا حتى الآن؟

ليس من السهل إطلاقا أن نفسر للرأي العام الوطني، أسباب عدم تنظيم حوار حتى الآن، فربما يكمن السبب في ضعف الثقة بين الأطراف السياسية، أو في غياب آليات واضحة لإدارة المسار التحضيري، أو في قدرة الأقلية غير الراغبة في الحوار من الطرفين (الأغلبية والمعارضة) في إفشال أي مسعى جدي لتنظيم حوار وطني شامل.

مسار طويل… وتعثر مستمر

صدرت أول دعوة موثقة للحوار في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في يوم 14 مايو 2020، وكانت عبارة عن بيان موقع باسم الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، والتي شكلت في تلك الفترة منسقية للتصدي لجائحة كورونا، تقول خاتمة البيان: " تأمل أحزاب الموالاة والمعارضة الممثلة في البرلمان أن تفضي خطوات التنسيق الحالي إلى الدخول في مرحلة جديدة، تمهد لنقاش القضايا الجوهرية للبلاد، ووضع تصور لمعالجاتها، وفق جدول زمني متفق عليه".

في يوم 24 فبراير 2021 أصدرت أحزاب الموالاة الممثلة في البرلمان وبعض أحزاب المعارضة (التكتل؛ اتحاد قوى التقدم؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ الصواب) خارطة طريق من أجل تشاور وطني شامل بين القوى السياسية، وحددت لتلك الخريطة سقفا زمنيا للتشاور: ثلاثة أو أربعة أسابيع للمرحلة التحضيرية، وخمسة أو ستة أسابيع لانطلاق التشاور. وشكلت هذه الأحزاب لجنة كلفتها بالاتصال بالحزبين اللذين انسحبا في وقت سابق من منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان (تواصل، وحركة التجديد)، كما كلفتها أيضا بالاتصال ببقية الأحزاب والقوى السياسية الأخرى لدعوتها للمشاركة في اللجنة التحضيرية التي ستتشكل مستقبلا للتحضير للتشاور.

في يوم 16 أغسطس 2021، أصدرت الأحزاب: تواصل؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ المستقبل؛ تحالف العيش المشترك بشطريه؛ مشروع حزب "الرك"، وفي إطار ما يسمى ب"أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية" بيانا مشتركا دعوا فيه إلى حوار جدي.

في يوم 18 أكتوبر 2021 أعلنت منسقية أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية من خلال بيان صحفي لم يوقعه مشروع حزب "الرك" الذي كان عضوا فيها، أنها قررت المشاركة في الحوار الذي كان يحضر له في تلك الفترة، وذلك "بعد تقويم مجمل الاتصالات السياسية مع السلطة القائمة والطبقة السياسية، واستجابة لتطلعات الرأي العام الوطني" حسب ما جاء في نص البيان.

في يوم 6 إبريل 2022 كلف رئيس الجمهورية الوزير الأمين العام للرئاسة يحيى ولد أحمد الوقف بالإشراف على عمل اللجنة التحضيرية للتشاور، وقد غاب حزب التحالف الشعبي التقدمي عن اللجنة التحضيرية لذلك التشاور بلغة الأغلبية أو الحوار بلغة المعارضة، وقد درات حينها حرب مصطلحات طاحنة، ربما تكون قد استنزفت كل جهود السياسيين قبل أن ينطلق الحوار أو التشاور، وفي يوم 16 مايو 2022 انسحب قطب التناوب الديمقراطي الذي يتشكل من حزب الصواب ومشروع حزب "الرك" من اللجنة التحضيرية، وفي يوم 1 يونيو 2022  أعلن الوزير الأمين العام للرئاسة عن تعليق التشاور أو الحوار، وذلك في انتظار: "خلق ظروف جديدة تمكن من تنظيم تشاور كامل".

في يوم 12 يوليو 2022، وتحضيرا لانتخابات 13 مايو 2023 أطلقت وزارة الداخلية تشاورا مع الأحزاب السياسية المعترف بها، تم توقيع نتائجه يوم الاثنين 26 سبتمبر 2022، وقد وقعته كل الأحزاب المعترف بها في موريتانيا باستثناء حزب واحد. وبموجب هذا الحوار تم الاتفاق على تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات بالتناصف بين الأغلبية والمعارضة.

 في يوم 21 سبتمبر 2023، تم التوقيع على "الميثاق الجمهوري" كمبادرة جديدة للحوار أطلقها حزبا تكتل القوى الديمقراطية واتحاد قوى التقدم من المعارضة، وحزب الإنصاف من الأغلبية، ولكن بعض أحزاب المعارضة رفضت الانخراط في هذه المبادرة الجديدة مما أدى إلى فشلها المبكر كسابقاتها.

في يوم 10 مارس 2025، وعلى هامش إفطار في الرئاسة، عيَّن رئيس الجمهورية منسقا للحوار الوطني، وهو السياسي المخضرم موسى فال. وبعد العديد من اللقاءات والمشاورات التي أجراها منسق الحوار الوطني مع الطيف السياسي، وبعد مرور أكثر من عام على تعيينه منسقا وطنيا للحوار، فإن الحوار لم ينطلق حتى الآن.

في ظل هذه الإخفاقات المتكررة، تظهر الحاجة إلى دخول المجتمع المدني كفاعل جديد، ليس كبديل عن الفاعلين السياسيين، بل كطرف مستقل، يمكنه أن يلعب دور "المسهل" الذي يقرّب المسافات، ويخفف من حدة التوتر، ويفتح قنوات اتصال قد لا تكون متاحة لغيره.

هل من مبادرة جديدة لإنعاش الحوار؟

في اعتقادي أن المجتمع المدني هو الأكثر تأهيلا في الوقت الحالي لإطلاق مبادرة من هذا النوع، وذلك نظرا لطبيعته، فهو لا يسعى إلى السلطة، وليس طرفا سياسيا منافسا، ولا يرتبط بحسابات انتخابية مباشرة، مما يمنحه ـ بالفعل ـ هامشًا أوسع للتحرك، وقدرة أكبر على بناء الثقة بين الأطراف السياسية في الأغلبية والمعارضة.

لقد آن الأوان لأن ينتقل المجتمع المدني من موقع المتفرج على تعثر الحوار، إلى موقع المساهم في إطلاقه وإنجاحه، ويمكن أن يتم ذلك من خلال إطلاق مبادرة تقوم على ثلاثة أدوار رئيسية:

أولا، دور الوسيط والمسهل، عبر العمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية، وفتح قنوات اتصال معها، وتقديم مقترحات عملية لتجاوز نقاط الخلاف القائمة.

ثانيا، دور المكاشفة والمسؤولية، بحيث لا يظل تعثر الحوار في منطقة ضبابية، بل يتم ـ عند الضرورة ـ كشف أسباب تعثره للرأي العام الوطني، وتحديد الجهات التي تتحمل مسؤولية تعطيله، بكل موضوعية وشفافية.

ثالثا، ضمان مشاركة فعالة للمجتمع المدني في الحوار في حال انطلاقه، من خلال تنظيم جمعياته الجادة والمؤهلة للمشاركة في الحوار، وتوحيد مواقفه قبل وأثناء وبعد الحوار، وتقديم مساهمات نوعية في جلسات الحوار، خاصة في ملفات الفساد وحقوق الإنسان وتمكين الشباب والنساء، ترفع من مستوى النقاش، وتدفع نحو توصيات عملية قابلة للتنفيذ.

ولتحقيق ذلك، يصبح من الضروري التفكير في إنشاء إطار منظم للجمعيات الفاعلة، يعمل على تسريع انطلاق الحوار، وضمان تمثيل يليق بالمجتمع المدني في الحوار.

وجود هذا الإطار لن يعزز فقط من حضور المجتمع المدني، بل سيساهم أيضًا في إعطاء الحوارـ إن انطلق ـ طابعًا أكثر شمولية، ومخرجات أكثر توازنا وقابلية للتطبيق.

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 27 أبريل 2026

توضيحات بخصوص مسار انتقاء أعضاء مجلس السلطة


لقد استغرب كثيرون عدم ردي على التدوينات والمقالات التي شككت في نزاهة وشفافية مسار عملية انتقاء أعضاء المجلس الوطني للسلطة، واعتقد بعض أولئك ـ مخطئين بطبيعة الحال ـ أن عدم الرد كان بسبب ضعف الحجة، وغاب عنهم أن الذي أجَّل الرد هو واجب التحفظ، أما وقد زال ذلك الواجب بعد إصدار المرسوم الرئاسي بتعيين أعضاء مجلس السلطة، فهاكم الرد، يا من طلبتم الرد، وانتظرتموه طويلا.

 حددت المادة الثامنة من القانون رقم 023/2025 المتعلق بالسلطة الوطنية لمكافحة الفساد، الشروط الواجب توفرها في عضو مجلس السلطة، حيث نصَّت على أن يكون العضو: شخصية وطنية مستقلة، من ذوي الخبرة والكفاءة والنزاهة، وله تجربة لا تقل عن خمس عشرة سنة، ومؤهل علمي في القانون أو المالية أو الاقتصاد أو في أي تخصص آخر مرتبط بمكافحة الفساد، وأن يكون قد تولَّى مسؤوليات تؤهله لشغل وظائف قيادية.

وطبقا لمعايير الشفافية، وسعيا لاختيار الأكفأ والأجدر ممن تتوفر فيهم تلك الشروط، لعضوية مجلس السلطة، عملت لجنة الانتقاء على تحويل هذه الشروط إلى شبكة تنقيط واضحة، وقابلة للقياس، وتمَّ إعداد شبكة تنقيط بتلك المواصفات قبل فتح الملفات والاطلاع عليها، تفاديا لأي تأثير محتمل لملفات المترشحين على المعايير، وقطعا للطريق أمام أي تأويل قد يدَّعي أصحابه أن المعايير قد فُصِّلت تفصيلا، على مقاس هذا المترشح أو ذاك.

لقد فُصّلت المعايير ـ وبشكل صارم ودقيق ـ على مقاس الشروط التي أوجب القانون توفرها في عضو مجلس السلطة، ولم يكن إعداد شبكة تنقيط وفق تلك المعايير صعبا بالنسبة لبعض الشروط المطلوبة، فإذا ما أخذنا مثلا المؤهل العلمي، فسنجد أن اللجنة قد وضعت شبكة تنقيط واضحة تتيح لكل مترشح أن يحسب نقاطه بنفسه وبسهولة، وستتطابق نتيجته التي سيحصل عليها مع النتيجة التي منحتها له اللجنة.

يبدأ تنقيط المؤهل العلمي بشهادة (باكالوريا + 4) في أحد التخصصات المطلوبة، ومن لا يمتلك تلك الشهادة يُقصى، ولا يتم تنقيطه أصلا، ومن قُبِلَ ملفه يُمنح ثماني نقاط على شهادة (باكالوريا + 4)، ثم يُزاد بنقطتين إن كانت لديه شهادة ماستر، وبثلاث نقاط أخرى إن كان يمتلك شهادة دكتوراه، وبنقطتين إضافيتين إن كان يمتلك شهادة إضافية في تخصص آخر، وبذلك يحصل المترشح الذي لديه شهادة دكتوراه في أحد التخصصات المطلوبة، وشهادة إضافية في تخصص آخر، على النقطة الكاملة في مجال المؤهل العلمي (15 نقطة).

ولم يكن كذلك، وضع شبكة تنقيط واضحة وقابلة للقياس صعبا، بخصوص التجربة العامة (10 نقاط)، أو الخبرة الخاصة (20 نقطة)، أو بخصوص شغل مناصب قيادية (10 نقاط)، ولكن الصعوبة ظهرت عند تحديد وحصر التخصصات المرتبطة بمكافحة الفساد التي يحقُّ لأصحابها الترشح، وفقا لما جاء في المادة المذكورة أعلاه.

وبعد نقاشات داخل اللجنة، واستشارة لخبراء متخصصين، تم تحديد التخصصات المرتبطة بمكافحة الفساد، ووُضِع لكل تخصص منها تعريف مرجعي، قبل استقبال الملفات، وبما يضمن تفادي وقوع أي اختلاف بين أعضاء اللجنة، عند فتح الملفات، وظهور ملفات لمترشحين قد تُثير الاختلاف بين أعضاء اللجنة حول مدى ارتباط تخصص أصحابها بمكافحة الفساد.

كان التحدي الأكبر الذي واجهته اللجنة عند إعداد شبكة تنقيط واضحة وقابلة للقياس، يتعلق بوضع معيار محدَّد يُمَكن من قياس مستويات النزاهة لدى المترشحين، وتعدُّ النزاهة من أهم الشروط التي نص القانون على إلزامية توفرها في عضو مجلس السلطة، مما يستوجب توفرها في المترشحين الذين سيتم انتقاؤهم. ونظرا لصعوبة إخضاع هذا المعيار لمقياس رقمي دقيق، اعتمدت اللجنة مقاربة مركبة، جمعت بين عدة مؤشرات موضوعية، فمنحت لكل المترشحين 6 نقاط على صحيفة السوابق العدلية (شهادة تبريز)، وحصل الجميع على تلك النقطة لإلزامية وجود صحيفة السوابق العدلية في الملف، ومُنِحت نقطة إضافية لكل مترشح ألْزِمَ بالقسم في وظيفته، ونقطة أخرى لمن يمتلك إفادة حسن تسيير أو براءة ذات مصداقية، ونقطتين لمن حصل على توشيح أو جائزة وطنية أو دولية، وخمس نقاط لمن لديه مساهمة مثبتة في مكافحة الفساد، وبذلك يكون مجموع النقاط المخصص للنزاهة 15 نقطة.

انتهت المرحلة الأولى من مسار عملية الانتقاء، بتأهل 30 مترشحا للمقابلة، حصل كل واحد منهم على المعدل المحدد سلفا ( 55 نقطة من 70)، وكانت أعلى نتيجة هي 57.5، مما يعني أن الفارق بين أدنى وأعلى نتيجة، لم يتجاوز 2.5 نقطة، وذلك مما يؤكد أن مؤهلات المتنافسين كانت عالية جدا، ومتقاربة جدا.

بعد نشر النتائج على منصة المسابقات الوطنية، وحرصا من اللجنة على الأخذ بأعلى درجات الشفافية وأكثرها صرامة، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المسابقات الوطنية، فُتِحت الفرصة أمام المواطنين، كل المواطنين، لأن يشاركوا في عملية تقييم المترشحين من خلال المنصة، فكان بإمكان كل مواطن أن يبدي رأيه في أي مترشح من المترشحين المؤهلين للمقابلة، ودون أن يُلزم بتقديم تفاصيل عن هويته أكثر من رقمه الوطني، ولا يطلب منه تقديم أدلة عن أي معلومات سلبية أو شكوك راجحة، يدلي بها عن شبهة فساد تتعلق بهذا المرشح أو ذاك، فالتحقق من تلك الشبهة يبقى من مهام اللجنة.

توصلت اللجنة إلى 927 رسالة، منها 800 رسالة كانت عبارة عن آراء إيجابية لتزكية بعض المترشحين، و80 تظلما قُبِل منها واحد. ولعل الغريب حقا بخصوص هذه الجزئية، أن كل الذين شككوا في النتائج المعلنة، لم يتكرم أي واحد منهم على اللجنة، بتقديم شهادة تشكك في أهلية أي مترشح، مع أن الفرصة لذلك ظلت مفتوحة لمدة 6 أيام كاملة، بعد نشر النتائج.

وخلاصة القول بخصوص المرحلة الأولى من عملية الانتقاء، أنها كانت مرحلة محكومة بالكامل بمعايير موضوعية قابلة للقياس، فلائحة الثلاثين مؤهلا أفرزتها شبكة التنقيط بشكل شبه آلي، ولم يكن لأعضاء لجنة الانتقاء أي تدخل فيها، ولو أن شبكة التنقيط أفرزت 30 مترشحا من قرية واحدة، أو حتى من أسرة واحدة، لأعلنت اللجنة عن أسمائهم دون أي تعديل، فذلك هو ما تقتضيه الشفافية، وأيُّ تدخل من طرف اللجنة في هذه المرحلة لتعديل اللائحة، بإضافة اسم أو حذف اسم آخر، ولأي سبب كان، حتى ولو كان وجيها عند البعض، فأيُّ تدخل من ذلك القبيل، سيصيب شفافية عملية الانتقاء في مقتل، واللجنة إن فعلته، تكون بذلك قد خانت الأمانة التي ألقيت على عواتق أعضائها.

أما في المرحلة الثانية، أي مرحلة المقابلات، فقد كان الأمر مختلفا جدا، فالحسم في هذه المرحلة كان بشريا لا آليا، فالصفات المطلوبة في هذه المرحلة، من قدرة على الإقناع، والعمل تحت الضغط، وسرعة البديهة...هي صفات لا يمكن أن تقاس آليا، ولذا فقد كانت انطباعات واجتهادات أعضاء اللجنة حاضرة وحاسمة في عملية الفرز، وذلك على الرغم من وضع شبكة تنقيط أخرى لهذه المرحلة، كان مجموع نقاطها 30 نقطة، ولكنها شبكة تُرِكت للاستئناس فقط، ودون أن تكون هناك إلزامية لأن يتقيد بها أعضاء لجنة الانتقاء.

توصلت اللجنة في هذه المرحلة من مسار عملية الانتقاء إلى قناعة مفادها أن كل اسم في لائحة الثلاثين المؤهلين للمقابلة، يستحق ـ وبجدارة ـ عضوية مجلس السلطة، ولو أن اللجنة اكتفت في هذه المرحلة بإجراء قرعة لفرز 12 اسما من لائحة الثلاثين، فإنها لن تكون بذلك الإجراء قد ضيَّعت الأمانة.

ولأن الكل في لائحة الثلاثين كان جديرا بعضوية مجلس السلطة، ولا ينفي ذلك وجود تمايز بين الأسماء في اللائحة، فقد أعطت اللجنة أهمية كبيرة في هذه المرحلة لمعيار التنوع، فأي مترشح في اللائحة سيضيف تنوعا في التخصص العلمي أو في الخبرة المهنية، أعطيت له ميزة، وذلك حتى لا يكون أعضاء اللجنة من تخصص علمي واحد، أو من أصحاب مهنة واحدة، فمكافحة الفساد تحتاج لتنوع في التخصص العلمي، وكذلك لتنوع في الخبرة الوظيفية. وأعطي كذلك لعمر المترشح ميزة ضمن ما تسمح به اللائحة، وهي لائحة كانت في الأصل صارمة بخصوص العمر، وذلك بعد أن اشترط القانون خبرة 15 سنة على الأقل لقبول الترشح. أما بخصوص التنوع في الجنس، فقد خصصت اللجنة ثلاث نقاط إضافية للنساء، ولم يتردد أي عضو في منح تلك النقاط للمترشحتيْن المتأهلتين للمقابلة.

 وسعيا لمزيد من الشفافية، وفي سابقة أخرى هي الأولى من نوعها في تاريخ المسابقات الوطنية، فقد استدعت اللجنة نوابا من الفريق البرلماني لمكافحة الفساد (يضم الموالاة والمعارضة)، وممثلين عن المجتمع المدني، ليراقبوا المقابلات التي أجريت مع المترشحين المؤهلين، وليتأكدوا من أن اللجنة كانت عادلة مع المترشحين في الوقت الممنوح، والأسئلة المطروحة، والتقدير في المعاملة. وقد أجريت كل المقابلات أمام النواب وممثلي المجتمع المدني، فوثق الجميع ملاحظاته، ولكل مراقب كامل الحرية في تقديم ملاحظاته بالطريقة التي يراها مناسبة، وفي التوقيت الذي يراه مناسبا.

لم تقتصر أهمية حضور المراقبين على مراقبة المقابلات فقط، بل إن اللجنة قدمت للمراقبين عرضا مفصلا عن المرحلة الأولى، قبل البدء في إجراء المقابلات، وأتاحت لهم المقابلات لأن يسمعوا من كل مترشح تأهل للمقابلة، ملخصا عن سيرته الذاتية، ورؤيته لمحاربة الفساد، وماذا يمكنه أن يضيف للسلطة إن أصبح عضوا في مجلسها، وقد علق أحد النواب بعد اختتام المقابلات بما مفاده أنه تأكد من شفافية المرحلة الأولى، وذلك بعد أن استمع لكل المتأهلين للمقابلة، فوجدهم كلهم يمتلكون مؤهلات عالية وخبرات متميزة، وهو ما يؤكد ـ لمن لم يكن حاضرا في المرحلة الأولى ـ أن عملية الفرز التي جاءت بهذه الكوكبة من الأطر المتميزين  كانت بالفعل عملية شفافة لا يمكن الطعن في شفافيتها.

هذا هو المسار الذي اتبعته اللجنة لانتقاء لائحة الاثني عشر عضوا، ولا أقول إن هذا المسار كان فوق الشبهات، وإنه سلِم في كل محطاته من الأخطاء. لا أقول ذلك، ولا يمكنني أن أقوله، لأنه ـ وببساطة شديدة ـ لا يوجد عمل بشري بلا أخطاء، ولكن ما أستطيع أن أقوله، في هذا المقام، بل وأجزم به، سألخصه في النقاط التالية:

1 ـ من المؤكد أن لجنة الانتقاء ليست معصومة من الأخطاء، ولكنها ـ وهذا ما أستطيع أن أقوله بكل اطمئنان ـ لم ترتكب خطأ واحدا عن عمد، بهدف إنجاح هذا المترشح أو إقصاء ذاك المترشح؛

2 ـ إن شبكة التنقيط التي وضعتها اللجنة ترجمت بدقة الشروط التي ألزمت المادة الثامنة من القانون رقم 023/2025 بتوفرها في أعضاء مجلس السلطة، ومن أراد انتقاد اللجنة في هذا المجال، فليتفضل مشكورا بتقديم شبكة تنقيط أكثر احترافية أو أكثر موضوعية من شبكة تنقيط اللجنة؛  

3 ـ على من أراد كذلك أن ينتقد اللجنة بموضوعية ومهنية، أن يأتي بمترشح واحد تأهل للمقابلة لا تتوفر فيه المعايير المطلوبة، وإن أتانا به، فسنعترف له علنا بأن اللجنة لم تكن شفافة في عملية الانتقاء؛

4 ـ صحيح أن كفاءات عالية لم توفق في أن تكون في لائحة المؤهلين للمقابلة، وصحيح كذلك أن كفاءات عالية لم تظهر في لائحة الإثني عشر بعد أن كانت في لائحة الثلاثين. كل ذلك صحيح، ولكن الصحيح أيضا أن كل الذين تأهلوا كانوا كفاءات عالية، وكان سبب تأهلهم في المرحلة الأولى، هو أنهم حصدوا نقاطا ثمينة منحتهم فارقا من نقطة أو نقطتين عن الآخرين، وكان تأهلهم في المرحلة الثانية هو أنهم ـ زيادة على كفاءاتهم ـ يضيفون على اللائحة تنوعا: في التخصص العلمي، أو في مجال الخبرة الوظيفية، أو على مستوى العمر إلى حد ما، أو في الجنس، وإلى غير ذلك من أوجه التنوع المطلوبة، والتي يمكن أن تخلق تكاملا بين أعضاء المجلس. وإن كان هناك من غياب في التنوع يمكن أن يذكر، فهو غياب المجتمع المدني، فالشروط التي وضعها القانون، والتي فُصِّلت على أساسها شبكة التنقيط، لم تمكن من فرز من يمثل المنظمات الفاعلة في مجال محاربة الفساد في مجلس السلطة، مع أنه قد ترشح ناشطون في المجتمع المدني، لديهم شهادات في التخصصات المطلوبة، ولهم جهود مشهودة في مكافحة الفساد، ولكن شبكة التنقيط لم تكن في صالحهم.  

5 ـ إن مما يؤسف له حقا، وفي ظل غياب أي دليل أو حجة متماسكة منطقيا لدى أولئك الذين شككوا في شفافية عملية الانتقاء، أن البعض من هؤلاء استحضر قبائل ومناطق أعضاء اللجنة، وحاول أن يربطها بقبائل وجهات المترشحين المؤهلين للمقابلة. لنفترض جدلا ـ لمجاراة هؤلاء ـ أن أعضاء اللجنة قرروا أن يكون معيار الانتقاء لديهم هو الانتماء القبلي أو الجهوي أو العرقي، وأنهم تقاسموا اللائحة بينهم حسب تلك الانتماءات، وأن كل واحد منهم أخذ نصيبه كاملا غير منقوص. لنفترض جدلا كل ذلك، ألم يكن هذا يستدعي من أعضاء اللجنة إذا كانوا يفكرون بهذا الأسلوب البدائي أن يخصصوا نصيبا معلوما من لائحة المؤهلين للمقابلة، لمترشحين ينحدرون من المناطق التي تنحدر منها الجهات العليا في البلد التي اختارتهم لعضوية اللجنة؟؛

6 ـ إننا نعيش في مجتمع لا يقبل الكثير من أفراده بالخسارة لا في المسابقات ولا في الانتخابات، مع وجود استثناءات قليلة أحيّي أصحابها. فهناك من المترشحين، ممن لم يحالفهم الحظ مع أنهم يمتلكون الأهلية الكاملة لعضوية مجلس السلطة، أشادوا بعمل اللجنة، وبمسار عملية الانتقاء، ولكن الغالبية حاولت أن تحمل المسؤولية في خسارتها للجنة. لا مشكلة عندي في ذلك، فليبرر من شاء خسارته بظلم اللجنة. إن المشكلة بالنسبة لي تكمن أساسا في ظلم المترشحين المؤهلين للمقابلة، والتشكيك في كفاءاتهم العالية وخبراتهم المشهودة، والقول إنهم تأهلوا للمقابلة بسبب الروابط التي تجمعهم قبليا أو جهويا بهذا العضو أو ذاك في لجنة الانتقاء. ألا ترون أن في هذا القول إساءة كبيرة لخبرات وطنية مشهود لها بالكفاءة في مجال تخصصها؟؛

بلى، إن في ذلك لإساءة كبيرة لكل من ظهر اسمه في لائحة الثلاثين، فاختزال المسار المهني الحافل للأسماء التي ظهرت في تلك اللائحة، في روابط قبلية أو جهوية لم تستحضرها لجنة الانتقاء في أي مرحلة من مسار الانتقاء، ولم يستحضرها المؤهلون، وإنما استحضرها بعض الذين لم يحالفهم الحظ في إحدى محطات مسار عملية الانتقاء، ودعمهم في ذلك التوجه قوم آخرون تعودوا على التشكيك في كل شيء دون تقديم دليل.

فلكل من ظهرت أسماؤهم في لائحة الثلاثين، أقول: لا منة ولا فضل لأي عضو في اللجنة في تأهل أي واحد منكم، إنما هي مؤهلاتكم وكفاءتكم التي أوصلتكم إلى ما وصلتم إليه.

ختاما

أتقدم بأصدق التهاني لأعضاء مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد الذين تم الإعلان عن تعيينهم من خلال مرسوم رئاسي صادر يوم الجمعة 24 إبريل 2026، وأسال الله تعالى أن يوفق هذا المجلس في تأدية المهام الجسيمة الموكلة إليه، فمحاربة الفساد لم تكن في الماضي، ولن تكون في الحاضر ولا في المستقبل، مهمة سهلة. كان الله في عونكم.

 محمد الأمين الفاضل

ممثل المجتمع المدني في لجنة انتقاء أعضاء مجلس السلطة.

السبت، 25 أبريل 2026

جلسة نقاشية عن الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته


تفاعلا مع ما شهدته مؤخرا بعض مناطق العاصمة نواكشوط من عمليات هدم للعديد من المباني، ومواكبة للنقاش الواسع الذي أثارته تلك العمليات، نظَّم الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد، مساء الجمعة 24 أبريل 2026، جلسة نقاشية بعنوان: "الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته". وقد ترأس الجلسة أمين التقصي والتقييم في الائتلاف، الأستاذ محمذن اللود السفاح، وشهدت الجلسة ثلاث مداخلات رئيسية، استُهلت بمداخلة لمدير وكالة الأخبار المستقلة، الصحفي الهيبة الشيخ سيداتي، الذي أكد أن الجميع يشارك بدرجات متفاوتة في فساد القطاع العقاري، محمِّلا المسؤولية الأكبر للحكومة، ومؤكدا على أن تفشي الفساد لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها وغياب الصرامة في إنفاذها.

وفي المداخلة الثانية، أرجع الرئيس السابق لهيئة الموثقين الموريتانيين، الأستاذ محمد دحان، جانبا كبيرا من اختلالات القطاع إلى انتشار التوثيق العرفي، وما يترتب عليه من نزاعات وإشكالات قانونية.

أما المداخلة الثالثة، فقدمها الوالي السابق صيدو حسن صال، حيث أبرز الأهمية البالغة للقطاع العقاري، داعيا إلى الإسراع في إصلاحه، ومشيرا إلى أن نحو 80% من مصادر الثراء ترتبط بالعقار، وأن ما يقارب 70% من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة به.

وقد شهدت الجلسة نقاشا ثريا، تخللته مداخلات متعددة، تناولت الموضوع من زواياه المختلفة، وقدم المشاركون في مداخلاتهم جملة من المقترحات العملية للحد من الفساد في هذا القطاع الحيوي.

وفي ختام الجلسة، أكد رئيس الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد، السيد محمد الأمين الفاضل، أن الائتلاف سيأخذ بعين الاعتبار جميع المقترحات المقدمة، وسيعمل على تضمينها في وثيقة خاصة بقطاع العقار، مذكِّرا في هذا الصدد، بأن الائتلاف سبق وأن أعد وثيقة شاملة حول الفساد وآليات محاربته، سيتم تسليمها لمنسق الحوار الوطني خلال الأسبوع القادم.



الخميس، 23 أبريل 2026

لا تناقض بين دعم الترشيح والدفاع عن العربية


علينا جميعا أن ندعم ترشح معالي الوزيرة السابقة الدكتورة كمبا با لمنصب الأمانة العامة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، وفيما يخصني، فإنني أعلن عن دعمي الكامل لها، واعتبر أن فوز أي موريتاني بأي منصب إقليمي أو دولي، هو فوز لكل موريتاني، وهو يعدُّ مكسبا ديبلوماسيا لموريتانيا، وسيعزز من مكانتها الإقليمية والدولية.

إن دعمي لهذا الترشح، لا يتعارض - بأي حال من الأحوال - مع دفاعي عن اللغة الرسمية للبلد، ولا عن لغاتنا الوطنية. ولا يعني كذلك أنني سأتوقف عن المطالبة بالحد من هيمنة اللغة الفرنسية في بلادنا، وذلك لقناعتي بأن اللغة الفرنسية عندما تتجاوز حدودها كلغة أجنبية، فإن ذلك سيكون إما على حساب تفعيل ترسيم اللغة العربية، و إما على حساب تطوير لغاتنا الوطنية.

نعم للغة الفرنسية بصفتها اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا، ونعم لإعطائها أوسع مساحة يمكن أن تمنح لأي لغة أجنبية، ولا وألف لا لإعطائها أي مساحة على حساب ترسيم اللغة العربية أو تطوير لغاتنا الوطنية.

يحاول البعض أن يربط بين ترشيح ودعم معالي الوزيرة السابقة د. كمبا با، وضرورة إعطاء اللغة الفرنسية مكانة لا تحق لها في موريتانيا، أو السكوت عن اغتصابها لمساحات في الإدارة أو التعليم لا يحق لها اغتصابها. 

إن فوز معالي الوزيرة السابقة د. كمبا با بالأمانة العامة لمنظمة لفرنكفونية لا يفرض تقديم رشوة لفرنسا من خلال إعطاء اللغة الفرنسية مكانة لا تحق لها، فهذا هو ما يؤكده ماضي وحاضر ومستقبل المنظمة، وإليكم الدليل:

1. في الماضي: فاز الدكتور بطرس غالي بمنصب أول أمين عام لمنظمة لفرنكفونية في العام 1997، رغم أن استخدام اللغة الفرنسية في مصر محدود جدا، ولا يتجاوز نسبة 1%؛

2. في الحاضر: الأمينة العامة الحالية للمنظمة، هي السيدة لويز موشيكيوابو من رواندا، وقد فازت بالمنصب بعد أن انقلبت بلادها على اللغة الفرنسية، فأبدلت اللغة الفرنسية التي كانت لغة التعليم في رواندا باللغة الإنجليزية. كما أنها انضمت لمنظمة "الكومنولث" (التي تجمع الدول الناطقة بالإنجليزية) منذ العام 2009.

3. في المستقبل: حتى الآن لا منافس لمرشحتنا إلا مرشح من رومانيا،  وحضور الفرنسية هناك محدود، وبالمناسبة فإن البرلمان الروماني يحظر استخدام الفرنسية داخل البرلمان، التزاما بالدستور الذي جعل الرومانية لغة التشريع الوحيدة.

بكلمة واحدة، إني أدعم ـ وبشكل قوي ـ مرشحتنا للأمانة العامة لمنظمة لفرنكفونية، وإني في الوقت نفسه أتمسك بالمطالبة بتحقيق السيادة اللغوية في بلدنا، فبدون هذه السيادة فسيبقى استقلالنا ناقصا.

ثغرة قانونية في النظام الداخلي للجمعية الوطنية


"يقول البعض إن البرلمان الموريتاني، يمنع الحديث بالفرنسية، بأي لغة إذن كانت مداخلات خالي جلو التي سمع الناس"؟

هذا سؤال طرحه أخي وصديقي محمد الأمين ولد الناجي في منشور له، ردا على منشور لأخي وصديقي Hacen Lebatt قال فيه إن : "البرلمان الموريتاني يمنع النواب منعا باتا من الحديث بالفرنسية".

فعلقت برد على سؤال محمد الأمين ولد الناجي، وارتأيت بعد ذلك، أن أجعل من التعليق منشورا مستقلا.

في شهر يوليو من العام 2019 أٍجْرِيَّ تعديل على المادة 61 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية، ليصبح نصها بعد التعديل: "تُوفر إدارة الجمعية الوطنية الترجمة الفورية لمداولات البرلمان باللغات الوطنية". بهذا التعديل أصبحت الجمعية الوطنية ملزمة فقط بالترجمة الفورية بين اللغات الوطنية، وليست ملزمة بالترجمة من وإلى اللغة الفرنسية.

يستطيع النائب في البرلمان الموريتاني أن يتحدث باللغة الفرنسية، بل إنه يستطيع قانونا أن يتحدث باللغة الصينية، أو الفارسية، أو الانجليزية، أو أي لغة أخرى  إن أراد ذلك، فلا يوجد ـ حسب علمي ـ  نص قانوني يمنعه من ذلك، وهذه ثغرة كبيرة في النظام الداخلي للجمعية الوطنية.

وهذا هو ما جعلنا في عريضة السيادة اللغوية التي وقعتها 67 هيئة وجمعية فاعلة، نطالب في النقطة الثانية من عريضتنا المطلبية ب: " تحريم الحديث باللغات الأجنبية داخل البرلمان الموريتاني، كما جرت بذلك الأعراف في كل برلمانات العالم".

لقد طالبنا بذلك حتى يكون برلماننا كبرلمانات العالم، حيث يُحَرَّم، بل ويُجَرَّم الحديث بأي لغة أجنبية داخله، ففي البرلمان الفرنسي مثلا يُحظر استخدام أي لغة غير الفرنسية، وفي تونس التي تصل فيها نسبة المتحدثين باللغة الفرنسية إلى أكثر من 50 % من الشعب التونسي، فإن المادة 104 من النظام الداخلي للبرلمان التونسي تحظر استخدام اللغة الفرنسية داخل البرلمان، وفي المغرب يحظر استخدام أي لغة غير العربية والأمازيغية داخل البرلمان المغربي، وفي الجزائر نفس الشيء، وهكذا في أغلب بلدان العالم.، إن لم أقل في كل دول العالم.

إن الحديث باللغة الفرنسية أو أي لغة أجنبية أخرى غير ممنوع قانونا في الجمعية الوطنية الموريتانية، ولكنها ـ أي الجمعية الوطنية ـ ليست ملزمة بالترجمة الفورية من وإلى الفرنسية، ولا من و إلى أي لغة أجنبية أخرى إن تحدث بها النائب.

لو قُدِّر لي أن أدخل البرلمان، لاجتهدت في حفظ مداخلة بلغة أجنبية لا صلة لنا بها، كاللغة الروسية أو الإيطالية مثلا، وألقيت مداخلتي بتلك اللغة، للفت الانتباه إلى الخلل الحاصل في النظام الداخلي للجمعية الوطنية، والذي لا يُحَرَّم ولا يُجَرَّم التحدث باللغات الأجنبية، كما هو الحال في النظم الداخلية لبرلمانات العالم.

وتبقى جزئية أخيرة، وهي خاصة بأخي الحسن لبات: إن أول  أمين عام لمنظمة لفراكفونية هو بطرس غالي من مصر  (1997 - 2002)، ومن المعروف أن استخدام الفرنسية في مصر ضعيف جدا. ونسبة المتحدثين بها هناك  في حدود 1% تزيد أو تنقص قليلا.