الاثنين، 14 سبتمبر 2026

لماذا مبادرة "أشقاء في المحنة"؟


لم يكن من المقبول إطلاقا ـ ولأسباب لا أظنني بحاجة إلى ذكرها ـ أن تندلع حرائق الغابات في مناطق عديدة من الجزائر (البلد الأكثر من شقيق)، وتُخلف خسائر بشرية ومادية جسيمة، ولا تظهر مبادرة شعبية في موريتانيا قبل أن تخمد تلك النيران، للتعبير عن تضامن الشعب الموريتاني مع الشعب الجزائري الشقيق، وهو يواجه تلك الحرائق.

ومما لا شك فيه، أن الشعب الموريتاني يفرح لفرح الشعب الجزائري، ويتألم لألمه، سواءً أطلقت مبادرة شعبية للتعبير عن ذلك أو لم تطلق، ومع ذلك يبقى التعبير عن تلك المشاعر من خلال مبادرات وفعاليات شعبية ضروريا ومهما في كل الأوقات، في أوقات الرخاء وفي أوقات الشدة، ولكنه في أوقات الشدة يصبح أولى وأوجب، وأصدق وأنبل، ولتأدية هذا الواجب الأخوي أطلق المئات من الموريتانيين من مختلف الاهتمامات والاتجاهات والتخصصات والأجيال مبادرة " أشقاء في المحنة"، والتي تُعَبّر في حقيقة أمرها عن كل الشعب الموريتاني.

في اللقاء الذي جمع وفد هذه المبادرة بسعادة السفير الجزائري في بلادنا أمين صيد، يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026، لتسليم رسالة التضامن، تحدث السفير عن المنح التي توجد في طيات المحن، مؤكدا في حديثه أن محنة الحرائق كشفت عن جوانب مضيئة لدى الجزائريين، كانت موجودة أصلا، ولكنها تجلت أكثر في أيام المحنة، فعلى المستوى الشعبي تجلت في قيم التضامن والبذل، وعلى المستوى الحكومي تجلت في سرعة الإنجاز لتوفير الاحتياجات الأساسية في ظرف قياسي في المناطق المتضررة.

وإذا كانت حرائق الغابات قد أعطت فرصة لأخوتنا في الجزائر لإظهار صور مضيئة من التضامن والتلاحم الشعبي في مواجهتها ومواجهة آثارها، فإنها في موريتانيا أعطتنا كذلك فرصة ثمينة، وجب علينا استغلالها أحسن استغلال، للتعبير لأهلنا في الجزائر عن المشاعر الأخوية الصادقة التي نكنها لهم، في كل الأوقات والظروف، وبالأخص في أوقات المحن والأزمات، وهذا بالضبط هو ما نحاول في مبادرة "أشقاء في المحنة" أن نجسده عمليا من خلال أنشطتنا في المبادرة، والتي تمثلت حتى الآن في إطلاق يوم إعلامي تضامني مفتوح، وتوجيه رسالة تضامنية إلى الشعب الجزائري الشقيق، والبدء في التحضير لتسيير قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية، والتي نريدها أن تذهب إلى الجزائر محملة برسائل المحبة والتضامن من الشعب الموريتاني إلى الشعب الجزائري، وتعود من الجزائر محملة كذلك برسائل المحبة والتضامن من الشعب الجزائري إلى الشعب الموريتاني.

لقد قلتُ لسعادة السفير الجزائري في بلادنا خلال استقباله لوفد المبادرة، بأننا في موريتانيا ندرك ـ تمام الإدراك ـ أن كل آثار الحرائق تم تجاوزها أو هي في طريق التجاوز، وأن الدولة الجزائرية تمتلك من المقدرات والإمكانيات والإرادة ما يكفي لتجاوز تلك الآثار، وهي ولله الحمد، ليست في حاجة إلى أي مساعدة من أي نوع في هذا المجال.

 قلتُ لسعادة السفير إننا في موريتانيا ندرك ذلك، ومع ذلك فإننا نصرُُ على أن يكون لنا حضورٌ حتى ولو كان رمزيا، في مواجهة حرائق الغابات وآثارها، وأقل ما يمكن أن نقوم به في هذا المجال هو مواساة بعض أسر الضحايا في الأماكن المتضررة، بكلمة طيبة، نقول لهم فيها إن لكم في موريتانيا أخوة تألموا لألمكم عندما نشبت الحرائق، وهم يفرحون الآن لفرحكم بإخمادها وبما يُقام به من جهد كبير لتجاوز آثارها ومخلفاتها.

نعم، لابد من تضامن شعبي مع الجزائر، يُعَبَّر عنه بمختلف وسائل التعبير المتاحة، فالجزائر كانت حاضرة وبقوة في محطات صعبة من تاريخنا، فوقفت معنا حكومة وشعبا، وقفات تضامنية صادقة دون منٍّ وأذى، واليوم من الواجب علينا في موريتانيا أن نقف معها وقفة تضامنية صادقة، وهي تواجه حرائق الغابات وما خلفته من أضرار بشرية ومادية جسيمة.

إن قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية، ليست قافلة إغاثة، وما ينبغي لها أن تكون كذلك، وإنما هي قافلة وفاء، ورد جميل، وتذكير بمواقف مشرفة وعظيمة اتخذتها الجزائر في محطات صعبة من تاريخنا، قد لا تكون الأجيال الحالية على اطلاع عليها، ولا على تفاصيلها، ومن تلك المواقف نذكر تحديدا: 

الدور الجزائري في إصدار الأوقية الموريتانية

في الثامن عشر من شهر يونيو من العام 1973، اتخذت موريتانيا قرارا سياديا وتاريخيا، من خلال إصدار قانون يقضي بإنشاء عملة وطنية خاصة بها، وهو ما يعني خروجها من منظومة الفرنك الغرب إفريقي، فكانت الجزائر حاضرة ـ وبقوة ـ في كل مراحل تنفيذ هذا القرار التاريخي، بدءا بالنقاشات السرية الممهدة لاتخاذه، وانتهاءً بطباعة الأوراق النقدية الأولى في الجزائر، ومرورا بإرسال خمسة أطر شباب من موريتانيا سرا إلى الجزائر، لتلقي تكوين سريع في المجال النقدي والمصرفي، ثم إرسال خبراء جزائريين لتأطير عمال البنك المركزي الموريتاني بعد ذلك. لقد أحيط كل هذا المسار بتكتم شديد، بسبب الخوف من أن تطلع عليه المؤسسات المالية الفرنسية أو البنك المركزي لدول غرب إفريقيا، فيعرقلانه في إحدى محطاته، فتعود موريتانيا إلى الفرنك الغرب إفريقي.

إن أول أوراق الأوقية الموريتانية طُبعت في الجزائر، وأوائل أطر النظام النقدي الموريتاني تكونوا في الجزائر، وأول عملية تأطير لعمال البنك المركزي الموريتاني، كانت بإشراف خبراء جزائريين، وهذا ما جعل الرئيس الراحل المختار ولد داداه يقول في مذكراته، ما مفاده إن إصدار العملة الوطنية وتأسيس البنك المركزي الموريتاني ما كانا ليتحققا لولا المساعدة الثمينة للسلطات المصرفية الجزائرية.

إن الدور الجزائري الكبير في تأسيس البنك المركزي الموريتاني، وإصدار الأوقية، يستدعيان من البنك المركزي أن يكون حاضرا ـ ولو بشكل رمزي ـ في قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية.

 الدور الجزائري في تأميم شركة "ميفرما"

كانت هناك مخاطرة كبيرة في اتخاذ قرار بإصدار عملة وطنية في العام 1973، ولكن المخاطرة كانت أشد وأخطر عند الإعلان عن تأميم شركة "ميفرما" في العام التالي.

لم يكن الرئيس الراحل المختار ولد داداه يستبعد نهائيا التدخل الفرنسي عند إعلانه عن تأميم شركة "ميفرما" في يوم 28 نوفمبر 1974، وهو الإعلان الذي فاجأ به السلك الدبلوماسي في موريتانيا، بل وفاجأ به كبار المسؤولين الموريتانيين، ومع وجود ذلك التخوف، فقد كان الرئيس المختار يشعر ـ كما جاء في مذكراته ـ بأن ظهره محمي من طرف الرئيس بومدين والحكومة الجزائرية. 

كانت "ميفرما" قبل التأميم شركة متعددة الجنسيات موزعة بين شركات فرنسية وبريطانية وإيطالية وألمانية، ولا تمتلك منها الدولة الموريتانية إلا نسبة 5% مُنحت لها ابتداءً من العام 1963، وكانت صادرات هذه الشركة تصل إلى 10 مليون طن من الحديد العالي الجودة، وتمثل بذلك 80 % من مجمل عائدات صادرات البلد، فهذه الشركة كانت تعتبر "دولة داخل الدولة" ولذا فلم يكن من المتوقع أن تقبل فرنسا بتأميمها بكل بساطة.

كان هناك احتمالان متوقعان عند اتخاذ قرار التأميم، يمكن أن ترد بهما فرنسا، ومن المؤكد أنهما كانا يؤرقان الرئيس المختار ولد داداه.

الاحتمال الأول: ماذا لو سحبت فرنسا كل خبرائها وعمالها من الشركة عند الإعلان عن التأميم؟

كان الجواب الجزائري واضحا ومطمئنا: إن الجزائر على استعداد تام لإرسال أطرها وخبرائها ليحلوا محل الأطر الفرنسيين، وإذا استدعى الأمر الاستعانة بكفاءات من خارج الجزائر، فإنها مستعدة كذلك لجلبهم من دول صديقة لتعويض النقص.

الاحتمال الثاني: ماذا لو قررت فرنسا التدخل عسكريا لإحباط عملية التأميم؟

وهنا، جاء أيضا الرد الجزائري واضحا وقويا ومطمئنا، سيكون الجيش الجزائري في حالة تأهب، وستوضع وحدات منه قرب الحدود الموريتانية في حالة استنفار قصوى، وسيكون الرئيس الجزائري هواري بومدين في تندوف يوم التأميم، أي في يوم 28 نوفمبر 1974، في انتظار أي إشارة تأتي من موريتانيا، للتدخل عسكريا ومواجهة أي تدخل فرنسي محتمل. 

قبل الإعلان عن التأميم بثلاثة أشهر، وخلال زيارة للرئيس المختار للجزائر، تم إطلاع الرئيس هواري بومدين ـ وبسرية تامة ـ على قرار التأميم، فرد هواري بومدين مخاطبا المختار: "كل مقدرات الجزائر رهن إشارتك".

كانت الجزائر على استعداد لتوفير الخبراء لتأمين عملية التأميم فنيا، وكانت على استعداد كذلك للدخول في حرب مع فرنسا لتأمين عملية التأميم عسكريا، وبالإضافة إلى كل ذلك فإنها كانت من بين الدول العربية التي قدمت الدعم لتعويض مساهمي شركة "ميفرما" إلى جانب الكويت وليبيا والعراق والسعودية. 

إن الدور الجزائري الكبير في تأميم شركة "ميفرما"، يستدعي حضورا ـ ولو رمزيا ـ من الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (اسنيم) في قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية.

الدور الجزائري في أحداث 1989 المؤلمة

كانت الشقيقة الجزائر حاضرة وبقوة، في أخطر أزمة إنسانية تتعرض لها الدولة الموريتانية منذ تأسيسها وحتى اليوم، ففي أحداث موريتانيا والسنغال المؤلمة في العام 1989، فقدنا في موريتانيا العديد من الضحايا، وأبعد حوالي 160 ألف موريتاني من السنغال حسب بعض التقديرات، وخسرنا في تلك الأحداث عشرات المليارات من الفرنك الغرب إفريقي.

كانت الجزائر حاضرة في تلك الأحداث من خلال إقامة جسر جوي، للمساهمة في إجلاء الموريتانيين من السنغال، وكانت موريتانيا في تلك الفترة تعاني دبلوماسيا من شبه عزلة بسبب مواقف دول غربية معادية للنظام الموريتاني، بل إن عددا من الدول العربية اتخذت مواقف منحازة للسنغال في تلك الأزمة، رغم رفعها لشعار الحياد، وقد رفعت الجزائر مع تلك الدول شعار الحياد سعيا لإنجاح الوساطات الهادفة لحل الأزمة، ومع ذلك فقد ظل الموقف الجزائري منحازا لنا في موريتانيا. 

ألا يستدعي وقوف الجزائر معنا في أخطر أزمة إنسانية تواجهها الدولة الموريتانية منذ تأسيسها وحتى اليوم، ووقوفها معنا قبل ذلك عند اتخاذ قرارين سياديين كانت فيهما مخاطرة كبيرة (إصدار الأوقية وتأميم ميفرما)، ألا يستدعي كل ذلك أن نطلق اليوم في موريتانيا قافلة أخوية للتعبير عن تضامننا مع الشعب الجزائري، وهو يواجه آثار حرائق الغابات؟

ألا يعدُّ إطلاق مبادرة شعبية للتضامن مع أهلنا في الجزائر فرض كفاية إن قامت به مجموعة من الموريتانيين سقط عن الشعب الموريتاني، وإن لم تقم به، أصبح فرض عين على كل الشعب الموريتاني، ولتسمحوا لي فأنا هنا لا أتحدث بلغة فقهية خالصة، وإنما أردت توضيح الفكرة التي أسعى لإيصالها لكم.

وتبقى كلمة

لقد كنا نخطط عند إطلاقنا لهذه المبادرة، لأن تكون مبادرة مؤقتة مرتبطة بحدث مؤقت (حرائق الغابات)، ولكننا بعد إطلاقها، ونظرا لما لمسناه من تجاوب واسع في موريتانيا، وما تلقيناه من تقدير وتثمين من الأشقاء الجزائريين الذين اطلعوا عليها، كل ذلك جعلنا نفكر بجد في الانتقال بهذه المبادرة من إطارها المؤقت إلى إطار دائم، تعزيزا للعلاقات الأخوية بين الشعبين، وخدمة للمصالح المشتركة للبلدين الشقيقين.

دامت الأخوة الموريتانية الجزائرية..



هل هي دعاية للسياقة المتهورة؟


 ■ في مثل هذا اليوم من العام الماضي، ومن مدينة ألاك أصدرنا في حملة معا للحد من حوادث السير بيانا حول خطورة الترويج للقيادة المتهورة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وذلك بعد أن نشر أحد "المؤثرين" مقطعا للترويج للسياقة المتهورة، وكأن شبابنا بحاجة لمن يدعوهم إلى السياقة المتهورة.

للتذكير، في مثل هذا الأسبوع من العام الماضي فقدنا  17 شخصا   في حوادث سير سُجلت في أسبوع واحد.

■ اليوم شاهدنا نفس "المؤثر" يتنقل مع صحبه في طائرة خاصة لأحد رجال أعمالنا.

■ ومساء اليوم علمنا أيضا بحادثي سير  أليمين، كان ضحاياهما بعض شبابنا، أحدهما في بلدية الدفعة وتوفى فيه شاب وأصيب شباب آخرون بعضهم إصابتهم خطرة، والثاني تعرض له منقبون شباب في تيرس، وأدى إلى وفاة أحدهم وإصابة ثلاثة آخرين.

■ نذكر بأننا في الحملة كنا نفكر في إطلاق نسخة جديدة من  قافلة معا من أجل خريف آمن، للتوعبة حول خطورة حوادث السير، ولكننا لم نجد شريكا يدعم تلك القافلة، وذلك في وقت نتابع فيه بعض رجال أعمالنا وهم  ينفقون بكرم حاتمي على "مؤثرين" يروجون للسياقة المتهورة.

■ الحملة تعد منذ سنوات لوائح عن ضحايا حوادث السير من كل الفئات، ولدينا العديد من رجال الأعمال الذين توفوا في حوادث سير، وتفرض المسؤولية الاجتماعية أن ينذكرهم زملاءهم من خلال المساهمة في التوعية ضد حوادث السير. 

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

الأحد، 13 سبتمبر 2026

انطلاق أنشطة المبادرة الشعبية الموريتانية للتضامن مع الشعب الجزائري الشقيق


أعلنت المبادرة الشعبية الموريتانية للتضامن مع الشعب الجزائري الشقيق عن انطلاق أنشطتها التضامنية مع الجزائر، في ظل تعرضها لحرائق الغابات التي خلفت خسائر بشرية ومادية جسيمة.

​وجاء هذا الإعلان خلال فعاليات يوم تضامني إعلامي مفتوح أطلقته المبادرة، وتضمن الإعلان الرسمي عن انطلاق الأنشطة، وندوة عن العلاقات الموريتانية الجزائرية، فضلا عن إطلاق منبر لتوجيه رسائل التضامن مع الشعب الجزائري.

​وفي كلمته بالمناسبة، قال منسق المبادرة، الكاتب والناشط المدني محمد الأمين الفاضل، إن الشعب الموريتاني "يتألم لألم الشعب الجزائري ويفرح لفرحه"، مؤكدا أن الجزائر التي وقفت دائما مع موريتانيا لن تكون وحدها في هذه المحنة.

​وأوضح ولد الفاضل أن المبادرة تهدف إلى خلق فضاء يتيح - من خلال منبرها ومنصتها الرقمية - لكل موريتاني التعبير عن تضامنه مع الشعب الجزائري، مذكرا بأن الشعبين سيظلان شقيقين في الرخاء والمحن. مضيفا أن الإقبال على التوقيع على البيان التأسيسي للمبادرة منذ إطلاقه في 30 أغسطس كان كبيرا، ويعكس عمق تلك العلاقة؛ حيث وقّع عليه المئات من الأساتذة الجامعيين والأطباء والقانونيين والباحثين والإعلاميين والفاعلين المدنيين والسياسيين والنقابيين ورجال الأعمال والشباب والمواطنين العاديين.

​وشهد اليوم التضامني مداخلات متنوعة لشخصيات سياسية وبرلمانية وأكاديمية ومدنية ورجال أعمال.

​يُشار في الأخير إلى أن المبادرة ستسلم رسالة تضامنية لسفير الجزائر في موريتانيا، كما تخطط لإطلاق "قافلة الأخوة" إلى الجزائر.



رسالة تضامن إلى الشعب الجزائري الشقيق


استقبل سفير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية في نواكشوط، سعادة السيد أمين صيد، اليوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026، محاطا بطاقم السفارة، وفدا من المبادرة الشعبية الموريتانية للتضامن مع الشعب الجزائري "أشقاء في المحنة"، ضم 13 شخصية تمثل مختلف الهيئات والتشكيلات والشخصيات المؤسسة للمبادرة.

وفي كلمته الترحيبية، ثمَّن السفير الوقفة الأخوية للشعب الموريتاني وللمبادرة بشكل خاص، مؤكدا أن المحنة التي خلفتها الحرائق، رغم صعوبتها، كشفت عن مظاهر واسعة من التلاحم داخل الجزائر وخارجها، وفي مقدمتها هذه المبادرة التضامنية الشعبية التي تحظى بتقدير الجزائر قيادة وشعبا.

وطمأن السفير وفد المبادرة إلى أن مختلف التحديات التي خلفتها الحرائق بدأ تجاوزها، مبينا أن هذه المحنة كشفت عن قدرة الجزائريين على مواجهة الصعاب، وشكَّلت دافعا قويا لهم لإظهار المزيد من التلاحم والقدرة على الإنجاز.

كما أكد السفير، لدى تسلمه رسالة التضامن الموجهة إلى الشعب الجزائري، أنه سيوصلها إلى الجهات المعنية، معربا عن استعداد السفارة للتنسيق مع المبادرة بشأن "قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية" التي تحضر المبادرة لإطلاقها. وأشار في كلمته إلى أن الجزائر تعتزم تشييد مركز ثقافي، وأن هذا المشروع سيحتاج إلى إسهام الشخصيات الفكرية والعلمية والثقافية المنخرطة في المبادرة، بما يفتح آفاقا جديدة للتعاون والتواصل بين الشعبين.

وأضاف أن الأخوة الموريتانية الجزائرية ضاربة في التاريخ، لكنها تتجدد وتتقوى بمثل هذه المبادرات الأخوية الصادقة، مشيرا إلى أنه تابع أنشطة اليوم التضامني المفتوح الذي نظمته المبادرة يوم 7 سبتمبر، وما تضمنه من كلمات ومداخلات عميقة عكست متانة العلاقات بين البلدين. كما أشاد بالتضامن الشعبي الموريتاني، مثمّنا في الوقت ذاته قوة العلاقات الرسمية بين البلدين، ولا سيما في الفترة الحالية.

من جانبه، أكد منسق المبادرة محمد الأمين الفاضل أن «أشقاء في المحنة» تمثل مختلف مكونات المجتمع الموريتاني، وهو ما يعكسه تنوع وفدها. وأوضح أن الإقبال الكبير على المبادرة منذ إطلاقها جعل القائمين عليها يواجهون صعوبة في فرز وتحديث أسماء جميع الموقعين، مشيرا إلى أن المبادرة - التي انطلقت بصورة عفوية ومؤقتة - وجدت نفسها، بفعل التفاعل الواسع معها، أمام مسؤولية أخلاقية تلزمها بتحويلها إلى إطار دائم لتعزيز العلاقات الشعبية بين البلدين الشقيقين.

وأشار إلى أن المبادرة شهدت انخراط عدد من أبرز الهيئات الفاعلة في تعزيز العلاقات بين البلدين، من بينها الفريق البرلماني للصداقة الموريتانية الجزائرية، ومجلس الأعمال الموريتاني الجزائري، ورابطة الأخوة الموريتانية الجزائرية، والجالية الموريتانية بالجزائر، إلى جانب هيئات فاعلة أخرى.

وشهد اللقاء مداخلات لكل من النائب الأول لرئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين ورئيس مجلس الأعمال الموريتاني الجزائري محمد لفضل ولد بتاح، والأمين العام للمجلس سيدي عثمان الشيخ ماء العينين، والنائب العيد ولد محمدن أمبارك، ورئيسة رابطة الأخوة الموريتانية الجزائرية، أكدوا خلالها أهمية المبادرة وضرورة استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز العلاقات الثنائية.

وفي ختام اللقاء، سلَّم منسق المبادرة رسالة التضامن إلى السفير الجزائري، الذي جدد استعداده لإيصالها ومواصلة التنسيق مع المبادرة بشأن خطواتها المقبلة، ليُختتم اللقاء بالتقاط صور تذكارية تجمع وفد المبادرة بطاقم السفارة.

---

تشكيلة وفد المبادرة الذي التقى اليوم بسعادة السفير الجزائري في بلادنا، محاط بطاقم السفارة.

■ محمد الأمين الفاضل، كاتب وناشط في المجتمع المدني (المنسق العام للمبادرة)

■ محمد لفضل ولد بتاح النائب الأول لرئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، ورئيس مجلس الأعمال الموريتاني الجزائري

■ سيدي عثمان ولد الشبخ ماء العينين، رجل أعمال، أمين عام مجلس الأعمال الموريتاني الجزائري

■ العيد محمدن أمبارك، نائب، ومرشح رئاسي سابق

■ عيشة الداه سيدي أمبي، رئيسة رابطة الأخوة الموريتانية الجزائرية

■ محمد محمود بدكي ، رئيس الجالية الموريتانية في الجزائر 

■ د. عبد الصمد أمبارك مدير مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية

■ أبوبكر ديالو، المدير التنفيذي لبنك الاتحاد الجزائري

■ د. محمد عالي الهاشمي، رئيس مركز المرابطون للدراسات الاستراتيجية

■ د. سيد أحمد الإمام (العون الطبي الاستعجالي) 

■ أحمد سالم أحمد دكلة،مهندس، أستاذ تعليم فني

■ البكاي سي صمبا، ناشط حقوقي ورئيس منظمة غير حكومية 

■ فاطمة أبوه، طالبة جامعية.








السبت، 5 سبتمبر 2026

ينفقون على التفاهة، ويبخلون في الإنفاق لإنقاذ الأنفس!!!


تستمر حوادث السير في حصد الأرواح وخاصة في صفوف الشباب، ونحن على المستويين الرسمي والشعبي لا نعطي لهذا النزيف على الطرق ما يستحق من اهتمام.

كتبنا عن الحادث الذي وقع يوم أمس على الطريق الدائري في مقاطعة الرياض، وعن الإصابات الخمس الخطرة التي سجلت في هذا الحادث، بل إننا زرنا المكان الذي وقع فيه الحادث في مقاطعة الرياض..

اليوم علمنا بوفاة الشاب محمد سالم ولد المولود متأثرا بإصابته، ليلتحق بالشاب لمهابة ولد ميسرة الذي توفي يوم أمس متأثرا هو كذلك بإصابته.

نسأل الله تعالى أن يتغمد الشابين بواسع رحمته، وأن يبدل لهما شبابهما بالجنة. خالص التعازي لأسرتي الشابين الفقيدين.

نحن جميعا نتحمل جزءا من المسؤولية في نزيف الطرق، وفي هذا المنشور سأتوقف مع الإنفاق على الدعاية والتسويق، حيث تُمّوُّل بكرم حاتمي رحلات التفاهة من طرف القطاع العام والخاص، ويبخل بالقليل من المال عندما يتعلق الأمر برحلات توعوية لإنقاذ الأرواح!

هناك أمور في هذا البلد "المنكوب في ذائقته المجتمعية" يصعب فهمها، ومنها أن تتسابق المؤسسات والشركات والوزارات في إنفاق المال بسخاء لتمويل رحلات، وأنشطة ترفيهية عابرة، لا يبقى من أثرها الإيجابي أي شيء بعد انتهائها، أما أثرها السلبي فهو باق، وسيسأل عنه الجميع بعد حين. وفي المقابل،  عندما يتعلق الأمر بقافلة توعوية للسلامة الطرقية، يمكن أن تساهم في إنقاذ الأرواح، فإن العثور على شريك يصبح مهمة شبه مستحيلة!

لقد وعدنا في حملة معا للحد من حوادث السير بإطلاق نسخة جديدة من قافلة "معا من أجل خريف آمن"، بمناسبة الموسم التوعوي العاشر للحملة، وتقدمنا بطلبات الشراكة لمؤسسات عمومية وخصوصية، ولكننا فشلنا في الحصول على شريك. يقبل بتمويل هذه القافلة. 

حقا، لدينا مشكلة كبيرة في الذائقة المجتمعية، وفي الوعي، وفي ترتيب الأولويات.

أنا هنا لا أطالب المؤسسات  والشركات بأن توقف كل أنشطتها الترفيهية. ولا أقول إن كل رحلة أو احتفال أو نشاط ترفيهي تافه.

لكنني أطرح فقط سؤالا بسيطا: هل يعقل أن نجد المال لكل شيء، ثم نعجز عن تخصيص جزء قليل منه لحماية الأرواح؟

هل يعقل أن يدفع تطبيق بنكي أموالا طائلة لتظهر علامته التجارية في أنشطة تافهة، ثم لا يرى قيمة في ظهور علامته التجارية على قافلة توعوية تجوب مدن الوطن للتوعية ضد حوادث السير التي تحصد الأرواح بشكل يومي؟

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

الجمعة، 28 أغسطس 2026

عندما تختلط زغاريد الأعراس بصفارات سيارات الإسعاف…


يبقى الموتُ صدمةٌ قاسية في كل الأحوال، لكن أقسى صدماته تكون في الحالات التي يأتي فيها بلا موعد، فالموت بعد المرض لا تُقاس صدمته بالموت في حادث سير مفاجئ، مع أنه في كلا الحالتين يبقى صادما ومؤلما.

والموت في حوادث السير يكون مفاجئا وصادما في كل الحالات، إلا أن مستوى الصدمة يختلف من حادث سير إلى حادث سير آخر.

وفيات حوادث السير تبقى في كل الحالات هي الأكثر إيلامًا،

لأنها لا تُمهِّد، ولا تُنذر، وإنما تأتي فجأة،  لكن هذه الصدمة تتضاعف، وتصبح أشدَّ قسوة حين يقع الحادث في لحظات الفرح، وحين تستقبل بعض المنازل التعازي بدلا التهانئ والتبريكات. 

هناك حوادث سير مؤلمة، لكن أشدها وجعا وإيلاما تلك التي تقع في لحظات الأفراح، كتلك التي تحدث  في أيام الأعياد، حيث يُفترض أن يكون الفرح سيّد اللحظة، وكثيرا ما تسجل حوادث سير في  أيام الأعياد، خاصة في صفوف الشباب والأطفال الذين يؤجرون سيارات من الوكالات أو يأخذونها من ذويهم في أيام الأعياد.

ومثلها تلك الحوادث التي تقع في مواسم العطل والمهرجانات والانتخابات وكل هذه المواسم هي مواسم أفراح واستجمام.

وتبقى الحوادث  الأكثر صدمة في كل هذه الحوادث الصادمة، تلك التي تقع في مواكب الأعراس والمناسبات الاجتماعية…

هذه الحوادث هي الأكثر قسوة على الإطلاق، لأن الفرح فيها يتحول في غمضة عين إلى حزن ودموع وتعازي.

ضمن حوادث السير في الساعات الأخيرة، سجلنا الحادث الأليم الذي وقع في كنكوصة على هامش مناسبة اجتماعية، وأدى إلى وفاة شاب وإصابة آخر.

نسأل الله تعالى الشفاء العاجل للشاب المصاب في الحادث، ونسأله أن يتغمد بواسع رحمته الشاب الذي توفي في الحادث، لكل  من توفوا في حوادث سير مماثلة، ويبقى السؤال الموجع والمؤلم: إلى متى سنستمر في  تحويل أفراح المناسبات الاجتماعية إلى أحزان ودموع وأيام عزاء؟

فكم هو موجع أن يُطرق باب أسرة ليُقال لها: “ابنكم… ابنتكم… الذي خرج قبل قليل ليشارك في فرح، يوجد الآن في المستشفى ميتا بسبب حادث سير".

خففوا السرعة يرحمكم الله…

حصنوا أفراحكم ضد الأحزان والدموع، من خلال التقيد بإجراءات السلامة الطرقية.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

#معا_لخريف_آمن.

الاثنين، 24 أغسطس 2026


توفي الملازم أول محمد الأمين أعمر ديلول من القوات الخاصة في حادث سير أليم، وقع مساء الأحد 23 أغسطس، على طريق نواكشوط ـ نواذيبو، وأصيب في هذا الحادث ثلاثة أشخاص نسأل الله تعالى أن يرحم الفقيد، ويمُنَّ على المصابين بالشفاء.

قبل هذا الحادث، وفي أقل من شهرين، وتحديدا في يوم 28 يونيو، فقدت المؤسسة العسكرية، في حادث سير أليم على طريق الأمل (منطقة كندلك) ثلاثة جنود، وقد زرنا في الحملة موقع هذا الحادث.

في إطار برنامج الحملة التأبيني التوعوي، والذي يحمل شعار" لنخلد ذكراهم بالمزيد من التوعية"، وهو برنامج  يسعى لإعداد قاعدة بيانات عن ضحايا حوادث السير في كل قطاع،  مدنيا كان أو عسكريا، من أجل لفت الانتباه إلى الحصيلة الثقيلة التي نتكبدها بسبب حوادث السير، وكذلك من أجل حث مختلف القطاعات المدنية والعسكرية على المشاركة في التوعية وفاء لأرواح ضحاياها، فقد رصدنا في الحملة العديد من حوادث السير التي أدت إلى وفاة العديد من الضباط والجنود، ونتذكر في هذا المنشور القائد العسكري  وزير الداخلية الأسبق الرائد جدو ولد السالك رحمه الله، والذي توفي في حادث سير أليم وقع يوم الخميس فاتح نوفمبر من العام 1979 على طريق الأمل ( شكار). 

كما نتذكر قائد الأركان العقيد أحمد ولد منيه رحمه الله، والذي تولى عدة وزارات: وزارة الخارجية، ووزارة الداخلية، ووزارة الدفاع، والأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، وقد توفي في حادث سير اليم وقع يوم الجمعة 16 أكتوبر 1998 على طريق الأمل ( تفكين).

رحم الله القائدين جدو ولد السالك وأحمد منيه، وكل ضباطنا وجنودنا الذين فقدناهم في حوادث سير أليمة.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير 

#معا_من_أجل_خريف_آمن

تعليقا على اشتعال محطتي تحويل الكهرباء..


لن يستقيم حال الإدارة الموريتانية إلا بخمسة أمور:

1- اختيار الموظف وفق معايير واضحة ومحددة سلفا. وقد جاء في برنامج فخامة رئيس الجمهورية "طموحي للوطن" التعهد بـ :  "وضع مسطرة معايير للتعيين في الوظائف العليا بالدولة والمناصب الوظيفية في الإدارة، وذلك بهدف تحقيق قدر أكبر من الشفافية والعدل، والفعالية بشكل أخص".

2- المعاقبة الصارمة لكل موظف يرتكب أخطاء في التسيير، أو تثبت مسؤوليته في ملف فساد، أيا كان موقعه.

3- إبعاد من أدانه القضاء في قضايا فساد عن تولي أي وظيفة عمومية لمدة لا تقل عن خمس سنوات.

4- إشعار الموظف بأن واجبه الأول هو أداء وظيفته على أحسن وجه. فإذا أخفق في أداء المهام الموكلة إليه، فلن يحميه من الإقالة كثرة ظهوره في الأنشطة والمبادرات السياسية الداعمة للنظام.

5- مكافأة وترقية الموظفين الذين يؤدون مهامهم على أحسن وجه، حتى يشعر الموظف المجد بأن إتقانه لعمله هو الطريق الوحيد للتقدير والترقية.

وتبقى هناك نقطة مهمة ينبغي توضيحها لمديري الشركات والمؤسسات العمومية التي تقدم خدمات أساسية للمواطن، مثل شركة الكهرباء وشركة الماء والمستشفيات وغيرها.

إن أفضل دعم سياسي للنظام يمكن أن يقدمه مديرو تلك الشركات والمؤسسات هو توفير الخدمات الأساسية للمواطنين بجودة عالية. فإذا أخفقوا في ذلك، فإن حالة السخط التي ستتولد لدى المواطنين لن يتمكن الذراع السياسي للنظام من معالجتها، حتى ولو اجتمعت الأغلبية بكاملها في صعيد واحد، وأطلقت عشرات المبادرات السياسية الداعمة.

على الموظف، وخاصة الموظف السامي، أن يدرك أن المطلوب منه أولا هو أداء المهام الموكلة إليه على أحسن وجه، وأن استثمار وقته وجهده في المبادرات الداعمة للنظام لا ينبغي أن يأتي على حساب واجبه الوظيفي. فليؤد أولا واجبه الوظيفي، وإذا بقي لديه بعد ذلك وقت وجهد، فلا بأس حينها أن يستثمرهما في إطلاق المبادرات السياسية الداعمة للنظام.

فبأي منطق تشتعل محطتان لتحويل الكهرباء في وقت كان يوجد فيه مدير شركة الكهرباء في ولاية لعصابة لاستقبال بعثة حزب الإنصاف هناك؟

وبأي منطق يُسمح لمدير شركة الكهرباء بأخذ عطلة في فترة ترتفع فيها درجات الحرارة، ويزداد فيها استهلاك الكهرباء، وتتكرر فيها الانقطاعات؟

وإذا كان لابد من منحه عطلة، فلتكن في فترة الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء، وتقل كذلك الانقطاعات،.

إننا بحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات وتوضيحها، حتى يدرك الموظف العمومي أن إثبات ولائه للنظام، لا يكون بكثرة الأنشطة السياسية، وإنما يكون أولا بأداء  الوظيفة التي اؤتمن عليها على أحسن وجه، فذلك هو الدعم الحقيقي لفخامة الرئيس، وللمواطن، وللدولة عموما.

أما الموظف الذي يخفق في أدائه مهامه الإدارية، فهو معارض في حقيقة أمره للرئيس، حتى وإن أطلق عشرات المبادرات السياسية الداعمة.

بيان( الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد )


لقد تابعنا في الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد بقلق بالغ حادثتي اشتعال النيران في محطتين لتحويل الكهرباء في العاصمة نواكشوط، بشكل شبه متزامن، الشيء الذي أثار تساؤلات وجيهة ومشروعة لدى الرأي العام الوطني.

ونحن في الائتلاف، إذ نؤكد أن تحديد أسباب الحادثتين والمسؤوليات المترتبة عليهما شأن فني وقانوني ينبغي أن يترك للجهات المختصة، فإننا نرى أن طبيعة الحادثتين، وحساسية المنشآت المعنية، وأهمية الكهرباء بالنسبة لحياة المواطنين، وسير المرافق والخدمات العامة، تجعل من الضروري أن يحظى التحقيق فيهما بأقصى درجات الاستقلالية والشفافية والجدية.

إن ثقة المواطنين في نتائج أي تحقيق لا تتوقف على إعلان فتحه فحسب، وإنما تتطلب ضمانات واضحة لاستقلاله، وتمكينه من الوصول إلى جميع المعطيات والوثائق والأشخاص والأدلة ذات الصلة، ونشر نتائجه للرأي العام في حدود ما يسمح به القانون.

ومن هذا المنطلق، فإننا في الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد نطالب بما يلي:

1- فتح تحقيق مستقل وشامل في الحادثتين، يتناول الأسباب المباشرة وغير المباشرة لاشتعال النيران، وجميع الظروف والملابسات التي سبقت الحادثتين ورافقتهما، ومدى احترام معايير السلامة والوقاية، وأي أوجه تقصير أو إهمال محتملة.

2- ضمان استقلالية التحقيق، بحيث لا تقتصر لجنة التحقيق على الجهات التي قد تكون محل مساءلة مباشرة أو غير مباشرة، وأن تضم خبراء وشخصيات مشهود لها بالكفاءة والاستقلالية والنزاهة.

3 - التحقيق في جميع الفرضيات الممكنة، دون استبعاد أي فرضية مسبقا ودون تبني أي استنتاج قبل اكتمال التحقيقات الفنية والقانونية اللازمة، بما في ذلك فرضيات الخلل الفني، وسوء الصيانة أو التشغيل، والإهمال، وأي احتمال آخر قد تكشف عنه الأدلة.

4 - تحديد المسؤوليات بدقة، وعدم الاكتفاء بتحديد السبب الفني المباشر للحريق، بل البحث كذلك في المسؤوليات الإدارية والفنية، وفي مدى احترام المسؤولين والجهات المعنية لواجباتهم في الوقاية والصيانة والسلامة.

5 - نشر تقرير مفصل للرأي العام بعد انتهاء التحقيق، يتضمن أسبابه ونتائجه وتوصياته، مع احترام المقتضيات القانونية المتعلقة بسرية التحقيق وحماية المعطيات التي يتعين قانونا عدم نشرها.

6 - تنفيذ التوصيات الصادرة عن التحقيق، واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة في حق كل من تثبت مسؤوليته، أيا كان موقعه أو صفته، والعمل على معالجة أوجه الخلل التي قد يكشف عنها التحقيق لمنع تكرار مثل هذه الحوادث ذات الخطورة العالية.

نواكشوط: 23 أغسطس 2026

المكتب التنفيذي للائتلاف الوطني لمحاربة الفساد.

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

من هو الداعم حقا لفخامة الرئيس؟


إن الموظف الذي يؤدي مهامه على أحسن وجه هو من يدعم حقا رئيس الجمهورية، والموظف الذي لا يؤدي واجبه هو أشرس معارض لرئيس الجمهورية، معارض له بالممارسة وفي المحصلة النهائية لا بالموقف السياسي. ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن السياسي عموما، وعن المنتخَب خصوصا (بفتح الخاء)، نائبا كان أو عمدة، فالسياسي القريب من المواطن، المعبر عن همومه، الساعي إلى حل مشاكله، هو من يدعم حقا رئيس الجمهورية، والسياسي البعيد عن المواطن وهمومه، فهو في المحصلة والنتيجة معارض لرئيس الجمهورية، حتى وإن نادى من أعماق لبراكنة أو لعصابة أو إنشيري، أو من العاصمة نواكشوط، مطالبا بمأمورية ثالثة أو رابعة أو خامسة. 

إن أفضل دعم سياسي للنظام يمكن أن يقدمه مدير شركة الكهرباء مثلا، أو مدير شركة الماء، هو ان يعملا على ان لا تنقطع خدمتا الماء والكهرباء عن المواطن، وأن تصلا إليه على أحسن وجه، وبأفضل جودة ممكنة، وبأسعار مناسبة.

 إن تحسين خدمات الماء والكهرباء، وغيرها من الخدمات الأساسية، هو خير للرئيس ونظامه من كل ما يمكن أن يقوم به حزب الإنصاف، بل ومن كل ما يمكن ان تقدمه الأغلبية جمعاء من دعم سياسي للرئيس.

وفي المقابل، فإن تعثر خدمات الماء والكهرباء، وتكرار انقطاعهما، سيؤدي - حتما - إلى سخط المواطن، وسيكون تأثير ذلك السلبي على صورة النظام، أكثر خطورة مما يمكن أن تقوم به المعارضة، حتى وإن اجتمعت عن بكرة أبيها في صعيد واحد، واستمرت في نقد النظام والاحتجاج ضده طوال مأمورية كاملة.

فيا مدير شركة الكهرباء ( يوجد حاليا في لعصابة ونحن في العاصمة نواكشوط يتكرر عندنا انقطاع الكهرباء)، ويا مدير شركة الماء، ويا مديري المستشفيات وكل المؤسسات الحكومية التي تقدم خدمات أساسية للمواطن: أدوا مهامكم على أحسن وجه، وبذلك تكونون قد دعمتم فخامة الرئيس، بأفضل ما يمكن أن تدعموه به. 

ادعموا الرئيس بأداء واجبكم الوظيفي على أحسن وجه، فذلك هو الدعم الحقيقي. أما إذا قصرتم في أداء واجبكم الوظيفي فلتعلموا أنكم من أخطر معارضي الرئيس، حتى وإن أطلقتم عشرات المبادرات الداعمة له، وحتى إن دعوتم مطالبين له بمأمورية ثالثة أو رابعة.

لقد سبق لي أن كتبتُ مقالا بهذا المعنى، نُشر في يوم الجمعة 2 سبتمبر 2022 تحت عنوان: " هؤلاء هم الأكثر خطورة على الأنظمة الحاكمة!"، قد يكون من المهم إعادة نشره هنا، لأنه يشكل تكملة لما سبق، وما سبق مأخوذ هو كذلك من مقال سابق.

نص المقال السابق

من النادر جدا أن يتم الحديث عن المخاطر التي تتعرض لها الأنظمة الحاكمة من داخلها، وجرت العادة أن ينحصر الحديث عن تهديد المعارضة كلما كان هناك حديث عن المخاطر التي تهدد الأنظمة الحاكمة، وفي ذلك خطأ كبير لأن التجارب أثبتت في الماضي ـ وما تزال تثبت في الحاضر ـ أن من أشد المخاطر التي تهدد الأنظمة الحاكمة هي تلك المخاطر التي تأتي من داخلها.

وإذا ما تحدثنا بشكل مجمل وعام عن الأنظمة الحاكمة، فيمكن القول بأن من يهددون الأنظمة الحاكمة من داخلها يمكن تتبعهم وتحديدهم من خلال الصفات أو المواصفات التالية:

1 ـ كبار الموظفين الذين لا يؤدون المهام الموكلة إليهم، ويتهربون من واجبهم الوظيفي، ولكنهم ـ وللتغطية على فشلهم في أداء واجبهم ـ يبالغون كثيرا في إظهار الولاء الزائف للرئيس؛

2 ـ الموظفون الذين يضعون مصلحتهم الخاصة فوق مصلحة النظام والمصلحة العليا للبلد، ويمكن التعرف على هذا النوع من الموظفين من خلال ثلاثة مؤشرات، وهي: أن أغلب عمليات التعيين والاكتتاب التي يقومون بها في قطاعاتهم لا تخدم القطاع، وإنما تخدم مصالحهم الخاصة؛ وأن الصفقات في القطاعات التي يسيرونها تذهب إلى الأهل والأقارب والأحلاف الضيقة بعيدا عن الشفافية والإجراءات الطبيعية للصفقات؛ وأنهم ينفقون بسخاء على تلميع أنفسهم وقطاعاتهم دون الاهتمام بتلميع صورة النظام بكامله؛

3 ـ الموظفون الذين ينخرطون بقوة في الأحلاف أو اللوبيات المتصارعة داخل الأنظمة الحاكمة، والذين يجعلون في كثير من الأحيان خصوماتهم مع بعضهم البعض، فوق خصوماتهم مع معارضة تلك الأنظمة أو مع أي جهة أخرى يمكن أن تعادي تلك الأنظمة؛

4 ـ الموظفون الذين لا يملكون الكفاءة والأهلية لتأدية المهام الموكلة إليهم، هذا النوع من الموظفين يشكل خطرا مستديما على النظام الحاكم، حتى وإن كان صادق الولاء وشديد الإخلاص للنظام؛

5 ـ الموظفون الذين لا يستطيعون أن يضيفوا رصيدا من الإنجازات إلى رصيد الحكومة، أو السياسيون الذين لا يستطيعون أن يضيفوا رصيدا سياسيا للنظام، وإنما يقتاتون فقط من رصيد الرئيس ويسحبون منه باستمرار ودون أية إضافة؛

6 ـ الموظفون الذين يتغنون علنا بشعارات النظام (كتقريب خدمات الإدارة من المواطن مثلا)، ويقومون ببعض الأعمال المسرحية لتأكيد أنهم يقربون خدمات الإدارة من المواطنين، ولكنهم عند أي اختبار جدي يظهر زيف ادعائهم ذلك، وينكشف مدى احتقارهم للمواطنين.

7 ـ الأقارب الذين يستغلون النفوذ لظلم المواطنين أو للحصول على امتيازات خاصة لا يخولها لهم القانون؛

8 ـ الموظفون العاجزون تماما عن اتخاذ زمام المبادرة وإعداد التصورات والخطط، ويكتفون فقط بالتفرج في زمن الكوارث والأزمات؛

9 ـ الموظفون العاجزون عن متابعة أداء العاملين في قطاعاتهم، والعاجزون كذلك عن إيصال مشاكل المواطنين وتقديم النصح الصادق لمن هو أعلى منهم وظيفة ورتبة؛

10 ـ الموظفون العاجزون ـ لأي سبب كان ـ عن تقديم أداء ميداني ملموس في قطاعاتهم، فمثل هؤلاء يشكلون خطرا على النظام الحاكم، حتى ولو شُهِدَ لهم بصدق الولاء والابتعاد عن المال العام. في بعض الأحيان قد يكون الموظف المفسد الذي يمتلك قدرة كبيرة على الأداء، أفضل للنظام من الموظف الذي لا يعتدي على المال العام، ولكنه في الوقت نفسه مكبل الأيادي وعاجز ـ كل العجز ـ عن تسيير قطاعه. 

11 ـ الموظفون المفسدون الذين ينحصر اهتمامهم في البحث عن أسرع الطرق لنهب المال العام، هؤلاء وضعتهم في أسفل اللائحة، لا لقلة خطورتهم على الأنظمة الحاكمة، وإنما لأنني تعمدت أن أختم بهم، لأنهم هم الأشد خطرا على الأنظمة الحاكمة، ولن يقلل من خطورتهم إن هم وُضعوا في أسفل اللائحة.

خلاصة القول

إن كل موظف يحمل صفة أو مجموعة من الصفات المبينة أعلاه يشكل خطرا على النظام الحاكم، وكل ما زاد عدد من يحملون هذه الصفات في أي نظام كلما زادت المخاطر التي تهدد ذلك النظام، وكلما تناقص عدد هؤلاء في أي نظام، كلما كان ذلك مؤشرا قويا على قوة النظام، وعلى قدرته على الصمود في وجه الأزمات والكوارث التي باتت تهدد الكثير من بلدان العالم. 

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 17 أغسطس 2026

لا للمحاصصة القبلية أو الشرائحية أو العرقية...


لدي تاريخ طويل عريض مع البطالة، وقد اقتربت من سن التقاعد دون أن أحصل على وظيفة لائقة، ومع ذلك، فلم أحاول في أي يوم من الأيام أن أستفيد، على المستوى الشخصي، من تعيين موظف سامٍ من قبيلتي أو ولايتي، ولا أذكر أنني طرقت باب وزير من قبيلتي أو ولايتي، طالبا منه المساعدة في الحصول على وظيفة أو خدمة عامة خاصة بي.

ولذا، فسواء بالنسبة إليَّ أن تتشكل حكومة كاملة من قبيلتي أو ولايتي، أو ألا يكون فيها فرد واحد من قبيلتي أو ولايتي؛ فكلا الحكومتين سواء بالنسبة إليَّ.

فإذا كانت الحكومة حكومة كفاءات وتسيير جيد، فنفعها سيصل حتما إلى باب منزلي، حتى وإن لم يكن فيها وزير واحد من عشيرتي أو قبيلتي أو ولايتي. وإذا كانت هذه الحكومة حكومة فاسدة وفاشلة في التسيير، فإن ضررها سيصل حتما إلى باب منزلي، حتى وإن كان جميع وزرائها من قبيلتي أو من ولايتي.

لا أمانع في تشكيل حكومة من الجن، لا من الإنس، إذا كانت ستسير شؤون البلد بشكل جيد. وهذا يعني، بطبيعة الحال، أنني لا أمانع في تشكيل حكومة من عائلة موريتانية واحدة، ولتكن عائلة لا يجمعني بها إلا والدنا آدم عليه السلام، إذا كانت تلك الحكومة العائلية ستسير شؤون البلد بكفاءة وشفافية.

لا يعني هذا الكلام أنني لا أعتز بانتمائي القبلي أو الجهوي أو حتى الشرائحي، بل على العكس؛ فأنا أعتز بقبيلتي، أو بقبائلي على الأصح، ولكن ذلك الاعتزاز يبقى في دائرته الاجتماعية الضيقة، دون أي إقحام له في قضايا الشأن العام.

لم أستخدم في أي يوم من الأيام قبيلتي أو جهتي لتحقيق مصلحة شخصية، وإني من الذين يعتقدون بأن "مواطنيتي" يجب أن توفر لي حقوقي كاملة كمواطن، وهي تستوجب مني في الوقت نفسه تأدية واجبي كمواطن، وهذا الواجب يقتضي، أول ما يقتضي، ألا أقحم الانتماءات الضيقة في قضايا الشأن العام.

نحن في هذه البلاد تعودنا دائما على أن نطالب بحقوقنا كاملة غير منقوصة، دون أي تأدية للواجب.

مقرفٌ هو خطاب النخب الموريتانية التي عجزت عن ترسيخ قيم المواطنة، فاستنفرت القبيلة والفئة والشريحة والعرق لتحقيق مكاسب خاصة.

عجزت هذه النخب عن تأسيس منظمات مجتمع مدني فاعلة، ونقابات عمالية قوية، وأحزاب سياسية نشطة، تفرض من خلالها مطالبها وتعبّر من قنواتها عن رؤيتها المجتمعية؛ فما كان منها إلا أن أقحمت قبائلها وشرائحها ومناطقها ومكوناتها، لا لتحقيق مصالح عامة، وإنما لتحقيق مصالح ضيقة خاصة بها.

مقرفٌ خطاب النخب في أيام الناس هذه، وهي تجعل كل ساعٍ إلى بناء دولة المواطنة يفكر في أن يستقيل كمواطن من وطنه، ويهاجر إلى بلد آخر ترسخت فيه قيم المواطنة، لكي يستريح - ولو  قليلا -  من الخطابات القائمة على الهويات الضيقة، والتي تتناقض بشكل كامل مع الخطاب الوطني الجامع.

الأحد، 16 أغسطس 2026

الحاج محمود با: رائد تعليم اللغة العربية


هناك مسألة تستوقفني دائما، وهي أن يرفع بعض الإخوة شعارات إسلامية، ومع ذلك يشجعون إخوة لهم في الوطن والدين على عدم تعلم اللغة العربية.

فمن المعلوم بداهة أن اللغة العربية، بعد أن نزل بها القرآن الكريم، لم تعد لغة خاصة بقوم أو بقومية، وإنما أصبحت لغة دينٍ وعبادة، ولغة الأمة الإسلامية جمعاء.

لا يمكن للمسلم أن يحفظ القرآن الكريم و يتدبر معانيه، إلا إذا تعلَّم اللغة العربية.

ولا يمكنه أن يتفقه في دينه، ويتعلم شريعته على أحسن وجه، دون أن يتعلم اللغة العربية.

ولا يمكنه أن يؤدي شعائره الدينية على الوجه المطلوب، وأن يفهم ما يقرأ في صلاته وأذكاره وأدعيته، دون أن يتعلم اللغة العربية.

فبأي منطق، بعد هذا كله، يشجع من يرفع شعارات إسلامية أخاه في الوطن والدين على تعلم لغة أجنبية، كالفرنسية مثلا، وهي ليست لغته الأم، قبل أن يتعلم اللغة العربية، التي هي لغة دينه ولغة أمته الإسلامية، حتى وإن لم تكن لغته الأم؟

شخصيا، لو كانت اللغة العربية ليست لغتي الأم، لما منعني ذلك من أن أتعلمها قبل أي لغة أخرى، وأن أُقدِّمها على غيرها من اللغات، حتى على لغتي الأم، وذلك بعد أن أنعم الله عليَّ وهداني إلى الإسلام، ولا يعدٍّ هذا تقليلا من  مكانة اللغة الأم إذا كانت لغة أخرى غير العربية..

في الحقيقة، لم أفهم حتى الآن ما الذي يدفع بعض أبناء هذا البلد، ممن يرفعون شعارات إسلامية، إلى تشجيع إخوة لهم في الوطن والدين على تعلم لغة أخرى، بدلا من تشجيعهم على تعلم اللغة العربية، لغة القرآن الكريم ولغة دينهم وأمتهم الإسلامية.

هذه ليست دعوة إلى التقليل من شأن اللغة الأم إذا كانت لغة أخرى غير العربية، وليست دعوة إلى عدم تعلم اللغات الأجنبية، ولا إلى التقليل من أهميتها، فتعلم اللغات مطلوب دائما، وكلما تعلم الشخص لغات أكثر كان ذلك أفضل. 

إن السؤال المطروح هنا هو : أيُّ لغة ينبغي على المسلم  أن يتعلمها أولا؟

إن الجواب التلقائي بالنسبة لي هو اللغة العربية، سواء كانت بالنسبة للمسلم لغة أمٍّ،  أمْ لم تكن كذلك.

واختم بالسؤال الذي به بدأتُ: فبأي منطق يشجع من يرفع شعارات إسلامية إخوة له في الوطن والدين على تعلم لغة أخرى قبل تعلم اللغة العربية؟

الخميس، 13 أغسطس 2026

أنا طريق الأمل...وهذه رسالتي المفتوحة إلى السلطات!


أنا طريق الأمل، عمري نصف قرن، وطولي يزيد على ألف ومائة كلم، وأربط بين العديد من الولايات الموريتانية، واعتبر بحق شريان حياة في هذه البلاد. أكتب لكم اليوم لأكسر جدار الصمت المؤلم الذي استمر لعقود، والذي لم أعد قادرا على تحمل المزيد منه، وأنا أشاهد يوميا أرواحا تزهق على ظهري وعلى جنباتي، وقد كان بالإمكان أن تكتب لها الحياة لو توقفتُ عن صمتي القاتل للحظة، وخاطبتُ كل الذين قضوا على إسفلتي بما كان يجب عليَّ أن أخاطبهم به، لحظات قليلة قبل حدوث الفاجعة.

بدءا اسمحوا لي أن أقول لكم إن كثيرا من الحوادث المميتة التي تقع فوقي أو على جنباتي، ما كان لها أن تقع لو أنني نطقت بالتحذير المناسب، للشخص المناسب، في التوقيت المناسب. لقد كنتُ أرى الخطر القاتل ـ والذي لا يراه السائق ـ ماثلا أمام عيني، وكنتُ عاجزا عن إرشاد السائق أو تحذيره في اللحظة القصيرة الفاصلة بين الحادث والوقاية منه، فكم تمنيتُ أن أخاطب السائق قائلا: خفف السرعة، فأنت قريب جدا من حفرة قاتلة.. انتبه هناك ألسنة رملية.. تمهل فهذا قطيع من الماشية سيعبر الطريق...احذر من الشاحنة المتعطلة على بعد 500 متر.

 إن أكثر ما كان يؤلمني خلال نصف قرن مضى من عمري، هو أني كنتُ أرى الخطر، ولكني لم أكن قادرا على تنبيه السائق في اللحظة الحاسمة، لم أكن قادرا على ذلك، فانا كنتُ ضحية لعجزي عن النطق، ومع ذلك فلا يتردد بعضكم في تحميلي مسؤولية الحوادث، بل إن من بينكم من أصبح يطلق عليَّ طريق الألم بدلا من طريق الأمل.

إنكم تظلمونني بهذا اللقب الجائر، فأنا ضحية مثلكم، وكم كان بودي ألا أكون سببا في نزيف دمائكم على إسفلتي، ولكن تعطل لغة الحوار بيني وبينكم، منذ أن بدأت في الظهور في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وحتى اليوم، كان من أهم أسباب ذلك النزيف.

إن للطرق لغتها التي تخاطب بها سالكيها ومستخدميها، وتتمثل هذه اللغة في الإشارات التحذيرية والإرشادية التي توضع على الشواخص الطرقية، وتتمثل كذلك في الخطوط البيضاء غالبا، متصلة كانت أو متقطعة، التي ترسم على تلك الطرق.

يؤسفني حقا، أن أقول لكم إنه من النادر جدا أن أزود بهذه الشواخص التي تجعلني قادرا على مخاطبتكم كلما كانت هناك ضرورة لذلك، وكثيرا ما تكون هناك ضرورة لذلك، وهذه مشكلة حقيقية يجب أن تحلَّ، ولكن هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي أن السائق، لا يفهم أو لا ينتبه أصلا للإشارات التي توجد على الشواخص، في الحالات القليلة والنادرة جدا التي يُثَبَّت فيها بعض تلك الشواخص على جنباتي.

هناك بالفعل تحدٍّ كبير على مستوى السلامة الطرقية من وجهين، فمن جهة فلا أنا زُودت بالشواخص الطرقية لأنقل من خلالها رسائلي التحذيرية والإرشادية إلى السائقين، ومن جهة أخرى، فإن أغلب السائقين لا يفهمون لغة الشواخص، ومن يفهمها منهم قد لا ينتبه لها في الحالات النادرة جدا التي تُثبَّت فيها شواخص هنا أو هناك على الطريق.   

إن مما يؤلمني حقا، أن توفير معلومة بسيطة واحدة قد يقي من حادث سير مميت، لو وصلت تلك المعلومة إلى السائق ثوانٍ قليلة قبل حدوث الكارثة، ولكن، وللأسف، لا تجد هذه المعلومة من يحرص على توفيرها للسائق قبل فوات الأوان، وهذه هي إحدى أهم مشاكلي التي لا تجد من يتحدث عنها. إني بحاجة لمن يُسمع صوتي للسائق في الوقت المناسب، ولعل الخبر المفرح جدا في هذا المجال، والذي جعلني أوجه هذه الرسالة المفتوحة إلى السلطات المعنية، هو أني تابعتُ مؤخرا، مساء السبت 8 أغسطس، من أمام المجسم التوعوي الذي شيدته حملة معا للحد من حوادث السير عند الكلم 44، مهندسا في البرمجيات، وعضوا في الحملة، يتحدث عن "تطبيق سلامتي" الذي سيكون بإمكانه إذا فُعِّل، أن يسمع صوتي، ويقدم للسائق المعلومة الذهبية التي بإمكانها أن تنقذه من حادث وشيك.

ولعل الأجمل في حديث المهندس الشاب، هو أن "تطبيق سلامتي" يضع حلا جذريا لمشكلة غياب الشواخص على جنباتي، ولمشكلة أخرى أعمق، تتمثل في عدم فهم السائق للرسائل التحذيرية والإرشادية التي تبعث بها الشواخص إن وُجدت.

 إن "تطبيق سلامتي" يتجاوز كل تلك المشاكل، فيقول للسائق وبلغته التي يتحدث بها يوميا، ومن دون أن تكون هناك حاجة إلى الانترنت: انتبه أمامك خطر.

قديما قالت العرب: "الرفيق قبل الطريق"، وأنا طريق الأمل أقول لكم اليوم: "التطبيق قبل الطريق". إن الرفيق الذكي في السفر أصبح من أهم وسائل السلامة الطرقية في ظل ما يشاهده العالم من تطور في تكنولوجيا الرقمنة وأدوات الذكاء الاصطناعي، ولذا فإنني أدعو السلطات المعنية ـ من خلال هذه الرسالة المفتوحة ـ إلى المسارعة في التعاون مع حملة معا للحد من حوادث السير لإكمال وتفعيل تطبيق سلامتي البالغ الأهمية، وعندما يُفَعَّل هذا التطبيق، فإنه سيسهم بإذن الله في الحد من حوادث السير، وفي إنقاذ أرواح كان يمكن أن تزهق بسبب غياب توفير المعلومة الذهبية في اللحظة المناسبة.

رجاءً لا تؤجلوا تفعيل هذا التطبيق، فتأجيل تفعيله يعني إزهاق المزيد من الأرواح، وإتلاف المزيد من الممتلكات، ومن المؤكد أن سالكي الطرق ليسوا بحاجة إلى إزهاق المزيد من أرواحهم، ولا لإتلاف المزيد من ممتلكاتهم.

ولأني لا أكتب في كل يوم رسالة مفتوحة، فلتسمحوا لي في ختام هذه الرسالة الأولى من نوعها، أن أذكركم ببقية مطالبي:

1 ـ المسارعة في تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت)؛

2 ـ الصرامة في منع الحمولة الزائدة، فالحمولة الزائدة هي التي تعجل بتهالكي؛

3 ـ توفير صيانة دائمة ومستمرة، ولا أخفيكم أني سعيد جدا بأني قد عشتُ في الفترة الأخيرة ترميما شاملا، لم أعرف له مثيلا من قبل، وهذا الترميم الشامل يحتاج إلى صيانة دائمة ومستمرة، حتى لا تظهر من جديد مقاطع متهالكة، كما كان يحدث في الماضي.

4 ـ إكمال منظومة التدخل الطبي السريع، وهنا لابد أن أشيد أولا بالعدد المعتبر من سيارات الإسعاف التي نشرت في السنوات الأخيرة على المحاور الطرقية، مع العلم أنه لم تكن توجد سيارة إسعاف واحدة خاصة بضحايا حوادث السير قبل يوم 09 ديسمبر 2019، وفي ذلك اليوم نُشرت أول ثلاث سيارات إسعاف على طريق الأمل، وقد استدعيت الحملة لهذا الحدث المهم، وكانت الحملة قد سلمت قبل ذلك بأشهر عريضتها المطلبية لفخامة الرئيس، وكان المطلب الثاني في العريضة يتعلق بنشر سيارات إسعاف على المحاور الطرقية خاصة بضحايا حوادث السير.

لقد كان نصيبي من سيارات الإسعاف معتبرا، وحتى تكتمل منظومة التدخل السريع، فإني أطالب بإنشاء عدة وحدات تدخل مزودة بآليات ثقيلة، تتدخل عند سقوط شاحنة على الطريق فتغلقها لساعات طوال، أو عند سقوط شاحنة على سيارة صغيرة، فيكون من الصعب الوصول إلى الضحايا وإنقاذهم في الوقت المناسب. كما أطالب أيضا بتوفير مروحية للتدخل الطبي السريع، للتعامل مع الحوادث التي يكون عدد المصابين فيها كبيرا، والتي تقع في مقاطع من الطريق بعيدة من المستشفيات الكبيرة؛

5 ـ توحيد الهوية البصرية لنقاط التفتيش الموجودة على المحور الطرقي الخاص بي، وعلى بقية المحاور الطرقية، فتوحيد تلك الهوية سيمنح لنقاط التفتيش المزيد من الهيبة، وسيعطي لطرقنا منظرا لائقا، فلم يعد من المناسب أن يكون مقر نقطة تفتيش أمنية عريشا متهالكا، أو أن تضع نقطة تفتيش اخرى غصن شجرة يابس أو عجلات متهالكة أو بعض الحجارة لتنبيه السائقين على وجودها.

وفي الختام، فإني أنا طريق الأمل، أعلن من خلال هذه الرسالة المفتوحة، أني عينتُ حملة معا للحد من حوادث السير ناطقا رسميا باسمي، كما كلفتها بإيصال هذه المطالب الخمسة إلى السلطات المعنية، ومتابعتها، حتى يتم تنفيذها بشكل كامل.

نواكشوط: 14 أغسطس 2026

كتبه باسم طريق الأمل، أحد سالكي هذا الطريق منذ عقود، ومنسق حملة معا للحد من حوادث السير، الناطق الرسمي باسم طريق الأمل.

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

هل اللون أهم عند منظماتنا الحقوقية من الجنسية الموريتانية؟


إرسال وفد رسمي يضمُّ دبلوماسيين وأطباء لاستقبال مواطنينا المفرج عنهم، الذين كانوا قد اعتقلوا في مالي خلال عودتهم من ساحل العاج، وسيتم نقل المواطنين عبر طائرة خاصة إلى أرض الوطن. 

هذا خبر مهم، ولكن، وللتاريخ سجلوا هذه: لم تنطق المنظمات الحقوقية الموريتانية التي عرفناها تدافع عن المهاجرين غير الشرعيين في بلادنا بحماس، لم تنطق هذه المنظمات بكلمة واحدة عن اعتقال مواطنينا في مالي، فهل كان المطلوب من مواطنينا الذين اعتقلوا في مالي، أن ينتحلوا صفة مهاجرين أفارقة غير شرعيين، حتى ينالوا تعاطف منظماتنا الحقوقية؟

للتاريخ أيضا، ولأن الشيء بالشيء يذكر: تجاهلت منظماتنا الحقوقية المجزرة البشعة التي ارتكبتها فرقة من الجيش المالي  ضد جماعة من الدعاة الموريتانيين في  يوم 9 سبتمبر  2012، وتجاهلت تلك المنظمات بعد ذلك الكثير من المجازر التي ارتكبها الجيش المالي في حق مواطنينا في مالي.

اللافت في الأمر أن  منظمة "هيومن رايتس ووتش" الدولية دانت وبشدة المجزرة التي ارتكبت في حق الدعاة الموريتانيين ووصفتها بأنها "عمل فظيع"، وطالبت بتوقيف الجنود الماليين ومحاسبتهم ومحاسبة كل من شارك في تلك المجزرة البشعة.

لن يكون تجاهل اعتقال وإهانة مواطنينا العائدين من ساحل العاج في مالي هو آخر تجاهل لمنظماتنا الحقوقية لما قد يعانيه بعض مواطنينا من اعتداء في دولة مالي أو في غيرها من البلدان الأفريقية.

ويبقى السؤال: فهل اللون أهم عند منظماتنا الحقوقية من الجنسية الموريتانية؟

الاثنين، 10 أغسطس 2026

اتفاقية مكة: نحو قطب عربي إسلامي في عالم متعدد الأقطاب


منذ ثلاثة أشهر، وتحديدا  في يوم 7 مايو 2026، نشرتُ مقالا جديدا عن الحلف العربي الإسلامي الذي كنت ـ وما زلتُ ـ أحلم به، وكان المقال تحت عنوان: "شكرا للمملكة العربية السعودية"، وقد جاء في مقدمته: "منذ عام تقريبا، وأنا أنشر مقالات تدعو إلى تأسيس حلف عربي إسلامي، بدأتها بمقال نُشِر يوم الثلاثاء الموافق 17 يونيو 2025، ومع مرور الوقت ترسخت قناعتي بوجاهة تلك الدعوة، بل وتعاظمت أكثر مع الحرب الجارية حاليا، والتي تؤكد أننا مقبلون بالفعل على فترة أكثر اضطرابا، وأشد قسوة على الدول والمناطق غير المحصَّنة استراتيجيا.

 وقد تعززت قناعتي بأن القائد الأجدر في المنطقة بإطلاق وقيادة مبادرة عربية إسلامية كبرى من هذا النوع هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وسيبقى ثقل المملكة العربية السعودية في العالمين العربي والإسلامي خيرَ معين له في إنجاح مبادرة من هذا النوع." انتهى الاستشهاد.

واليوم، ترسخت قناعتي أكثر بالدور الذي يمكن أن تلعبه المملكة في تأسيس هذا الحلف، وذلك بعد أن تابعتُ توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" من طرف ثلاثة من قادة خمس دول توقعتُ قبل عام أن تشكل نواة صلبة للحلف العربي الإسلامي الذي نحلم به، ولعلَّ الجميل ـ والمبشر أيضا ـ في توقيع هذا الاتفاق، وربما يكون في ذلك توجيه رسائل مقصودة، أن التوقيع كان في يوم جمعة مبارك، وفي مكة المكرمة، وبعد أن أدى القادة الثلاثة صلاة الجمعة في المسجد الحرام.

يحاول البعض أن يقلل من أهمية هذا الاتفاق، ويحاول البعض الآخر أن ينحرف ببوصلته إلى وجهة أخرى لا أظنها وجهته التي يقصدها القادة الموقعون، وكل ذلك سعيا للتشويش على اتفاق يجد مباركة واسعة من الشعوب العربية والإسلامية، والتي تتمنى له أن يتوسع إلى أن يصبح حلفا وقطبا عربيا إسلاميا، يحمي مصالح العرب والمسلمين في  ظل نظام عالمي يمر بلحظة مخاض قلقة، ستنقله من نظام عالمي بقطب واحد، إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، ولا ينبغي في ظل هذا النظام المتعدد الأقطاب أن يبقى العرب والمسلمون مجرد ساحة للصراعات الدولية، بلا قطب اقتصادي وعسكري خاص بهم، يؤثرون من خلاله على مجريات الأحداث في العالم بما يحقق مصالحهم. .

 وردا على من يريد التشويش على هذا الاتفاق المبارك، فإليكم هذه الملاحظات السريعة.

الملاحظة الأولى: اتفاق مكة ليس ضد إيران

 إن هذا الاتفاق ليس موجها ضد إيران، فباكستان وتركيا علاقاتهما طيبة مع إيران، والمملكة العربية السعودية أثبتت في ظل حرب بالغة التعقيد، ورغم التحديات الكبيرة التي واجهتها، أنها لن تنخرط في حرب ضد إيران، سيكون المستفيد الأول منها هو العدو الصهيوني.

الملاحظة الثانية: إيران مطالبة ببعث رسائل طمأنة لدول المنطقة

 إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ببعث رسائل طمأنة للمملكة العربية السعودية ولدول المنطقة، وأذكر أني في أول مقال أكتبه عن الحلف العربي الإسلامي المنتظر، تحدثت عن تطمينات على الدول الخمس أن تبعث بها  لبناء الثقة فيما بينها، وكان المطلوب من إيران، وبنص ما جاء في المقال المذكور:  "أن تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية، وأن تلتزم التزاما صريحا وقويا  بالتخلي نهائيا عن أي وصاية على الشيعة خارج حدودها، وألا تعمل مستقبلا ـ تحت أي ظرف ـ على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لتحقيق المزيد من المصالح والنفوذ خارج حدودها".

إن المطلوب من إيران اليوم ـ وهو ما كان مطلوب منها في الأمس ـ أن تبعث برسائل طمأنة فصيحة وصريحة لدول المنطقة، وخاصة للمملكة العربية السعودية التي تسعى لبناء حلف من دول المنطقة قادر على الدفاع عن المنطقة دون الحاجة للاستعانة بالأجنبي، وهذا تجسيد عملي لشعار طالما رفعته إيران، والتي كانت تدعو دائما إلى عدم السماح بالتدخل الأجنبي، وترك خلافات دول المنطقة لأهلها، ولكن وللأسف الشديد، فإن إيران لم تقم حتى الآن بما يتناغم مع شعارها الذي ترفع، وما تزال بخيلة جدا في إبراق رسائل الطمأنة لدول المنطقة، ومن الراجح أنها إن استمرت في بخلها ذلك، فستجد نفسها في حالة عزلة أكبر في المنطقة، وربما  تجد نفسها في مواجهة  مع دول المنطقة.

الملاحظة الثالثة: غابت مصر، وما كان لها أن تغيب

إن غياب مصر عن هذه الاتفاقية لأمر مؤسف جدا، وما كان لها أن تغيب عنها، فأمن مصر القومي وأمن المنطقة بشكل عام، سيتعزز بتوقيع مصر لهذه الاتفاقية، ونرجو أن يتم ذلك في أسرع وقت ممكن.

ختاما

إن اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المشترك ليست موجهة ضد إيران، وإنما هي اتفاقية تسعى لبناء قوة عربية إسلامية قادرة على حماية أمن ومصالح دول المنطقة، وإذا كانت إيران حريصة بالفعل على إبعاد المنطقة عن التدخل الخارجي، وأن تصبح جزءا فاعلا في أمن واستقرار المنطقة، فعليها أن تسارع لبعث رسائل الطمأنة لجيرانها، وخاصة المملكة العربية السعودية، وربما يمهد ذلك لقبول انضمامها للاتفاقية، وبذلك ستتشكل النواة الصلبة لحلف عربي إسلامي قوي قادر على الدفاع عن مصالح العرب والمسلمين في عالم يمر بفترة مخاض قلقة.

حفظ الله بلاد العرب والمسلمين..

 

 

 



الأحد، 9 أغسطس 2026

هل هو تكريم أم رفض غير معلن للتمديد؟


بالأمس، خلال فعاليات النشاط المخلّد للذكرى العاشرة لتأسيس حملة معا للحد من حوادث السير ، والمؤذِن بانطلاق موسمها التوعوي العاشر، فاجأني شباب الحملة بفقرة لم تكن مبرمجة أصلا ضمن النشاط، تمثلت في تسليمي درعا تكريميا تقديرا للجهود المبذولة في الحملة خلال العقد الماضي.

لقد أشعرني الشباب، من خلال هذا التكريم، بأنني أكملت عشر سنوات في إدارة الحملة (يبدو أن سنوات إدارة الحملة مرت بسرعة رهيبة)، وهو ما يعني، بلغة دستورية فصيحة وصريحة، أن مأموريتين من خمس سنوات قد اكتملتا، وأنه قد آن الأوان لتناوب سلمي على السلطة، ولا داعي إذن للتفكير في مأمورية ثالثة مخالفة للدستور! 

في الحقيقة، إذا كان هناك من يستحق التكريم أصلا، فهم شباب الحملة الذين لم يتوقفوا عن العمل الميداني طوال السنوات العشر الماضية، رغم شح الوسائل، وصعوبة العمل، واستحالة الاستمرار فيه في ظل ظروف صعبة وبالغة التعقيد، لا يدرك تفاصيلَ صعوبتها وتعقيدها إلا من كان على اطلاع كامل بتلك التفاصيل.

إن شباب الحملة هم من يستحقون التكريم، لاستمرارهم في العمل الميداني عقدا كاملا، رغم غياب كل أشكال التقدير الرسمي والشعبي، ورغم أن هذا النوع من العمل التطوعي لا يمنح صاحبه في الغالب سوى متاعب إضافية، ومسؤوليات متزايدة، وكثير من التثبيط وسوء الظن من طرف أولئك الذين لا ينزلون إلى الميدان، ومع ذلك فهم يبالغون في نقد من ينزل إلى الميدان.

إن الحملة بكم تفتخر، يا شبابنا المميز، فشكرا لكم على هذا التكريم، وشكرا لكم على عشر سنوات من العطاء، وعلى أنكم جعلتم من هذه الحملة أكثر من مجرد مبادرة؛ جعلتموها مسيرةً مستمرة من أجل إنقاذ الأرواح.

وكل عقد من التوعية وأنتم بألف خير. 

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير 

#الذكرى_العاشرة.

حملة "معا للحد من حوادث السير" تعلن عن انطلاق موسمها التوعوي العاشر


خلدت حملة "معا للحد من حوادث السير"، مساء اليوم السبت 8 أغسطس، الذكرى العاشرة لتأسيسها، بنشاط توعوي نظمته في ساحة المجسم التوعوي الذي شيدته قبل عام عند الكلم 44 على طريق الأمل.

وشكل هذا  النشاط إيذانا بانطلاق الموسم التوعوي العاشر للحملة، تحت شعار: "عشر سنوات من التوعية.. عشرة مطالب لإنقاذ الأرواح"، وقد دأبت الحملة خلال العقد الماضي على إطلاق موسم توعوي جديد  مع بداية كل خريف، وذلك نظرا لتزايد حركة السير في موسم الخريف، وما يصاحب ذلك من مخاطر على الطرق.

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح المنسق العام للحملة، الكاتب محمد الأمين الفاضل، أن هذا  النشاط لا يقتصر على تخليد ذكرى تأسيس الحملة، وإنما يمثل أيضا مناسبة لتذكر ضحايا حوادث السير  بالمزيد من التوعية، هذا فضلا عن كونه يشكل إعلانا عن انطلاق الموسم التوعوي العاشر للحملة.

بعد ذلك، تناول الكلام النائب أحمد جدو ولد الزين، حيث ثمّن الدور الذي تضطلع به الحملة في مجال التوعية في مجال السلامة الطرقية، مشيدا بما تحقق من جهود وإنجازات حكومية في هذا المجال، ومطالبا في الوقت نفسه بالمزيد من الصرامة في تطبيق القوانين، حفاظا على الأرواح التي تزهق يوميا على الطرق.

كما قدم الدكتور أحمدو بلال، أخصائي أمراض الغدد والسكري في المستشفى الوطني، مداخلة استعرض فيها عددا من القضايا المرتبطة بالسلامة الطرقية، استخلصها  من تجربته التي استمرت لسنوات في مستشفى حمد ببوتلميت، حيث كان يأتيه يوميا ضحايا الحوادث على المقطع الأكثر خطورة من طريق الأمل.

واستعرض الدكتور أحمدو بلال عددا من المطالب التي سبق أن رفعتها حملة «معا للحد من حوادث السير»، والتي تحققت بعضها، خاصة ما يتعلق منها بتوفير سيارات الإسعاف وفرض سرعة محددة على حافلات النقل العام.

وأكد الدكتور  في مداخلته على أهمية الصرامة في تطبيق قوانين السلامة الطرقية، مقترحا إخضاع سائقي النقل العام لفحوص دورية، وسحب رخص السياقة من مرتكبي الحوادث المميتة لفترة زمنية محددة.

من جانبه، استعرض العضو المؤسس في الحملة الدكتور محمد المحجوب في مداخلته، مرحلة تأسيس الحملة، مطالبا بضرورة توسيع جهود التوعية لتشمل مخاطر قيادة المراهقين للمركبات، وما يمكن أن ينجم عنها من حوادث مميتة.

واختتمت الكلمات الرسمية بمداخلة لعضو الحملة المهندس محمد الحافظ الشيخ، المشرف على "تطبيق سلامتي"، حيث أوضح أن التطبيق، الذي أعدته الحملة في إطار توجهها نحو توظيف التكنولوجيا والرقمنة في مجال السلامة الطرقية، يمكن أن يسهم، إن تم تفعيله والعمل به، في الحد من حوادث السير، فضلا عن كونه سيساهم في  توسيع مجالات استخدام الحلول الرقمية، وهو ما ينسجم مع توجه الحكومة..

وفي ختام النشاط، قام شباب الحملة بتكريم منسقها العام محمد الأمين الفاضل، تقديرا للجهود التي بذلها على مدى العقد الماضي في مجال التوعية بمخاطر حوادث السير.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير 

#الذكرى_العاشرة.



الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

أيهما أولى بالتضامن أولا: الموريتاني في الخارج أم الأجنبي في موريتانيا؟


لنفترض جدلا أن هذه الصورة تتعلق بمهاجرين متسللين دخلوا البلاد بطرق غير شرعية، فاحتجزتهم إحدى مفوضيات الشرطة في نواكشوط أو نواذيبو، وتم تسريب صورة لهم وهم مقيدون في مكان الحجز بهذا الشكل المهين، فكيف ستكون ردود فعل بعض المنظمات الحقوقية والشخصيات السياسية والإعلامية التي تعودنا منها الدفاع بحماس عن المهاجرين غير الشرعيين؟

ستبدأ ردود الفعل بشكل قوي خلال الساعات الأولى إن لم أقل الدقائق الأولى: 

1 ـ بعد ساعة فقط من ظهور هذه الصور تصدر إحدى المنظمات الحقوقية الشهيرة بيانا قوي اللهجة تعبر فيه "عن استيائها الشديد مما تعرض له المهاجرون الأفارقة في موريتانيا"، وتدين فيه ـ وبأشد العبارات ـ عمليات: "الاعتقال الجماعي والتعسفي"، وظروف "الاحتجاز اللاإنسانية"، والتي تشكل "انتهاكا صارخا للكرامة الإنسانية، وللالتزامات الدولية والإقليمية"، وهو ما تؤكده من جديد ـ حسب بيان المنظمة ـ هذه "المأساة الإنسانية التي تكشفت في مراكز الشرطة"، حيث ظهر "المهاجرون وهم مكدسون في ظروف مهينة في مراكز الشرطة".

وسيطالب البيان الصادر عن هذه المنظمة الحقوقية بالوقف الفوري "للاعتقالات التعسفية" و"الترحيل القسري للمهاجرين"، وسيدعو المجتمع المدني وكل المدافعين عن حقوق الإنسان إلى التدخل العاجل ل"حماية كرامة المهاجرين" في موريتانيا.

تنبيه: كل الجمل والعبارات التي وُضعت بين مزدوجتين مأخوذة من بيان سابق متضامن مع المهاجرين، أصدرته منظمة حقوقية معروفة. 

2 ـ بعد صدور هذا البيان ستتوالى بيانات مشابهة من منظمات حقوقية أخرى؛

3 ـ رئيس منظمة حقوقية يعلن عن تنظيم مؤتمر صحفي للتعليق على هذه الجريمة النكراء، ورئيس منظمة حقوقية أخرى يظهر في بث مباشر وهو يندد بالجريمة التي ارتكبت في إحدى مفوضيات الشرطة؛

4 ـ نائب أو نائبة يعلن أنه سيبدأ في إجراءات سريعة لطرح سؤال على وزير الداخلية حول هذه الصور المهينة للكرامة الآدمية التي ظهرت في إحدى مفوضيات الشرطة؛

5 - شخصيات سياسية تدين ظهور مثل هذه الصور التي تؤكد من جديد عنصرية النظام الموريتاني؛

6 ـ إعلامي ينشر سلسلة من التدوينات القوية المنددة بهذه الجريمة النكراء التي ارتكبت ـ كما ارتكبت "أخواتها" سابقا ـ ضد الأفارقة السود في مفوضيات الشرطة الموريتانية.

وتبقى ملاحظتان وتنبيه:

الملاحظة الأولى: لا يشكل هذا المنشور تحريضا على المهاجرين غير الشرعيين، وإنما يحاول أن يظهر الازدواجية التي يتعامل معها البعض منا بخصوص ما قد يتعرض له موريتانيون في بعض بلدان الجوار، وما قد يتعرض له مهاجرون غير شرعيين من دول الجوار في موريتانيا؛

الملاحظة الثانية: أدعو للتعامل مع هذه الحادثة بحكمة وتعقل. ولكن بصرامة أيضا، فالصور التي ظهرت ليست  مجرد إهانة لأشخاص، وإنما هي إهانة لبلد بكامله. علينا أن نضغط بقوة حتى يفرج عن مواطنينا المعتقلين في مالي، مع التذكير دوما بأهمية تجنب الوقوع في الفخ الذي يحاول حكام مالي أن يوقعونا فيه من خلال جرنا إلى صراع معهم للتغطية على فشلهم وعجزهم عن وقف الاقتتال داخل بلدهم.

التنبيه: أدعو الموريتانيين أن يتجنبوا دخول الاراضي المالية في هذه الفترة، إذا لم يكن هناك سبب قاهر. وعلى القادمين من ساحل العاج أو أي بلد آخر  في المنطقة، أن يبحثوا عن طريق عودة للوطن لا تمر بالأراضي المالية.

وأخيرا إليكم هذا السؤال: لماذا لا يمكن أن توصف هذه الجريمة بأنها عنصرية، وهل العنصرية تقتصر فقط على معاملة موريتانيا للمهاجرين غير الشرعيين القادمين من دول الجوار؟

الحرية للموريتانيين المعتقلين في مالي..

حفظ الله موريتانيا...

الأحد، 2 أغسطس 2026

العلاقة بين اللغة العربية والوئام المجتمعي.


إن من يتأمل مقاصد الشريعة الإسلامية سيدرك ـ دون عناء فكري ـ أن الوئام المجتمعي ليس قيمة ثانوية، بل هو مقصد عظيم من مقاصد هذا الدين العظيم.

لقد دعا الإسلام إلى الأخوة، والوحدة، والتعاون على البر والتقوى، والإصلاح بين الناس. ونهى عن الفِرقة، والنزاع، والعصبية، والظلم، وجعل إصلاح ذات البين من أفضل القربات إلى الله تعالى.

وإذا كان الوئام المجتمعي بهذه المنزلة في الإسلام، فإن ذلك يقودنا تلقائيا إلى إدراك المكانة المحورية للغة العربية في تحقيق هذا الوئام، وذلك لكونها هي اللغة التي اختارها الله سبحانه وتعالى ـ لحكمة يعلمها ـ لتكون لغة القرآن الكريم آخر كتبه المنزلة، ووعاءً للشريعة الإسلامية، وبذلك أصبحت لغة الدين الإسلامي. ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ صدق الله العظيم.

إن اللغة العربية بالنسبة للمسلم ليست مجرد لغة من اللغات، وإنما هي لغة أسمى من كل اللغات بعد أن نزل بها القرآن، ولذلك فهي يجب أن تحتل لدى كل مسلم مكانة لا تنافِسها ـ أو هكذا يفترض أن تكون ـ أيُّ لغة أخرى، حتى ولو كانت لغته الأم، فاللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي تمكن المسلم من تدبر القرآن، وفهم السنة، واستيعاب القيم والمبادئ التي جاء الإسلام لترسيخها، ومن تلك القيم الأخوة والوئام المجتمعي.

ومن المعلوم بداهة أن اللغة العربية لم تعد لغة قوم بعد أن نزل بها القرآن، وإنما أصبحت لغة دين ولغة الأمة الإسلامية جمعاء، أو هكذا يجب أن تكون. ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نفهم جانبا مهما من الدور الذي يمكن أن تؤديه اللغة العربية في تعزيز الوئام المجتمعي في البلدان الإسلامية، وفي موريتانيا خصوصا، والتي هي محور هذه المداخلة.

لم يكن هناك أي إشكال في موريتانيا في الوئام المجتمعي ولا في التعايش بين المكونات الوطنية من أصول عربية أو افريقية، قبل مجيء الاستعمار. ولم يكن يوجد كذلك أي إشكال في الوئام اللغوي ـ إن جاز استخدام هذا المصطلح ـ بين اللغة العربية ولغاتنا الوطنية الأخرى، فقبل دخول الاستعمار، كان التعايش قائما بين مكوناتنا ولغاتنا الوطنية على الوجه الذي يجب أن يكون، فنسبة كبيرة من مفردات لغاتنا الوطنية التي كانت تكتب بالحرف العربي، هي من أصل عربي. وكانت اللغة العربية هي لغة المحاظر المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد بما في ذلك ولايات الضفة، وكانت هي لغة المعاملات والتوثيق الشرعي لجميع مكوناتنا الوطنية.

ولكن، ومع مجيء الاستعمار، بدأ العمل على خلق صراع بين المكونات الوطنية العربية والافريقية، فحاول المستعمر ـ وبذل في ذلك جهودا كبيرة ـ أن يقطع الصلة القائمة بين اللغة العربية واللغات الوطنية الأخرى، فأحرق المكتبات الإسلامية في بعض مناطق الوطن، وعندما بدأ يفتح مدارسه، خصص مدارس لمدن الضفة كانت اللغة الفرنسية فيها إلزامية، ولم تكن تدرس فيها اللغة العربية، وخصص مدارس أخرى للمكون العربي، وكانت اللغة الفرنسية فيها اختيارية في المرحلة الأولى، في حين كانت اللغة العربية إلزامية.

لقد أراد المستعمر بهذه الثنائية اللغوية في مدارسه ـ والتي ما تزال تفعل أفاعلها فينا حتى اليوم ـ أن يجعل اللغة العربية لغة هوية خاصة بإحدى المكونات الوطنية، وذلك بدلا من أن تظل ـ كما كانت قبل مجيئه ـ لغة لجميع الموريتانيين.

لقد جاءت اللغة العربية إلى إفريقيا مع الإسلام، والإسلام لم يحمل مشروعا استعماريا، وإنما جاء لنشر قيم الإخاء والتكافل والوئام المجتمعي بين الناس، ونبذ العصبيات القائمة على اللون أو العرق. قال جل من قائل ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى."

لقد جاءت اللغة العربية إلى إفريقيا مع دين الإسلام القائم على الأخوة ونبذ العصبية، بينما جاءت اللغة الفرنسية مع المستعمر الفرنسي الذي نهب الخيرات، وفرق بين الناس ضمن سياسة فرق تسد، كما هو حال أي مستعمر آخر، ومع ذلك فما زال من بيننا، وحتى اليوم، من يفضل لغة المستعمر على اللغة العربية، فيا للعجب!

إن الوئام المجتمعي لا يمكن أن يتحقق إلا في بلد آمن، قائم على العدل، وقادر على تحقيق تنمية اقتصادية يقطف كل أفراد الشعب ثمارَها، فأي دور يمكن أن تلعبه اللغة العربية في بناء دولة موريتانية قوية قادرة على تحقيق الوئام المجتمعي بين مختلف مكوناتها الوطنية؟

إن تحقيق الوئام المجتمعي في موريتانيا، يستلزم جملة من المرتكزات والأساسيات، لعل من أهمها:

أولا/ إصلاح الإدارة

إن الوئام الاجتماعي لن يتحقق في ظل وجود إدارة عمومية لا تقرب خدماتها من المواطن، ولا تكرس مبدأ المساواة في النفاذ إلى الخدمة العمومية، ولا تخاطب المواطن بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفترض فيه أنه يفهمها. إن الشرط الأساسي في إصلاح الإدارة، يتمثل في تقريب خدماتها من المواطن، ولا يمكن تقريب خدمات الإدارة من المواطن دون مخاطبته بلغته الرسمية. وعندما تُخاطب الإدارة المواطنين بلغة يفهمونها (اللغة العربية)، فإنها بذلك تعزز الشفافية، وتكرس المساواة، وتبني جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، والثقة المتبادلة هي أحد أهم الأسس التي يقوم عليها الوئام المجتمعي.

ثانيا/ محاربة الفساد

لا يمكن أن نتحدث عن وئام مجتمعي في بلد تفشى فيه الفساد، ولا يمكن أن نحارب الفساد دون رقابة شعبية على إنفاق المال العام، ولا يمكن أن نتحدث عن رقابة شعبية على إنفاق المال العام، وذلك في وقت تنفق فيه 60 % من ميزانية الدولة على الصفقات العمومية، وكل الوزارات والمؤسسات العمومية تشترط استخدام لغة أجنبية في كل مراحل إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية.

فمن أجل أن تكون هناك رقابة شعبية على الصفقات العمومية التي تستنزف فيها نسبة كبيرة من ميزانية الدولة، ألزمت المؤسسات الدولية بنشر كل ما يتعلق بالصفقات العمومية حتى يطلع عليه المواطن، وبالفعل فإن النشر يتم في بلادنا، ولكنه يتم بلغة أجنبية لا تفهمها أغلبية الشعب الموريتاني، مما يعني أن الهدف من النشر لم يتحقق أصلا، على الأقل بالنسبة لأكثر 90% من الشعب الموريتاني ممن لا يفهمون اللغة الفرنسية. إن اللغة الفرنسية من هذا المنظور أصبحت تشكل عائقا لتفعيل الرقابة الشعبية على المال العام، وبذلك فهي تحمي الفساد والمفسدين.

لا يمكن أن نحقق وئاما مجتمعيا بدون محاربة الفساد، ولا يمكن أن نحارب الفساد دون أن تكون هناك رقابة شعبية فعالة، ولا رقابة شعبية فعالة في ظل إدارة تتحدث بلسان أجنبي غير مبين لا يفهمه المواطن.

ثالثا/ الحد من الفوارق الاجتماعية


لا يمكن أن نحقق الوئام المجتمعي إلا من خلال القضاء على التفاوت الطبقي والحد من الفوارق الاجتماعية بين المواطنين. لقد أفرز واقعنا اللغوي المختل تمييزا بين المواطنين، خاصة في الولوج إلى الوظيفة، والترقية الإدارية، والاستفادة من فرص التكوين والعمل، حيث بات تعلم اللغة الفرنسية ونيل الشهادات بها شرطا غير معلن للتوظيف في الكثير من القطاعات وللترقي في قطاعات أخرى، وهذا الشرط لا أساس قانوني له، ولا تفرضه طبيعة الوظائف والمهام.

لقد انعكس ذلك سلبا على فئات واسعة من حملة الشهادات باللغة العربية، وعلى أبناء الأسر ذات الدخل المحدود، التي لا تتمكن من تعليم أبنائها في مدارس خاصة تُدرس باللغة الفرنسية، مما وسَّع من الفجوة الاجتماعية، وربط الإشكال اللغوي المفروض في بلادنا بالتمايز الطبقي داخل مكونات المجتمع.

فبعد التخرج، وكما يحدث دائما، تتناقص حظوظ أبناء الفئات الهشة في الحصول على وظائف، وذلك بسبب الوساطة أولا، وبسبب سيطرة اللغة الفرنسية على سوق العمل ثانيا.

إنه ليس من الممكن أن نتحدث عن وئام مجتمعي دون سياسة اجتماعية تمكن من نهوض الفئات الهشة، ولن نتمكن من النهوض بالفئات الهشة دون أن نعطي للغة العربية مكانتها التي تستحق في التعليم والتوظيف في القطاعين العام والخاص.

رابعا/ إصلاح التعليم

يعدُّ إصلاح التعليم شرطا اساسيا لإحداث أي نهضة في أي بلد، ولا يمكن لبلد متعثر تنمويا أن يحقق انسجاما اجتماعيا بين مكوناته، ويتفق خبراء التربية والمنظمات الدولية المختصة، على أن التعليم باللغة الأم يعدُّ شرطا أساسيا للنهوض بالتعليم، ولإنجاح أي إصلاح تعليمي.

إن التعليم باللغة العربية يعدُّ شرطا أساسيا لإصلاح التعليم، وإصلاح التعليم يعد شرطا أساسيا لتحقيق التنمية في بلادنا، وبدون تحقيق تنمية فلن يكون بإمكاننا أن نحقق الوئام المجتمعي بين مكونات شعبنا، وهنا تظهر أيضا الصلة القوية التي تربط اللغة العربية بالوئام الاجتماعي.

خامسا/ تعزيز الوحدة الوطنية

إن غياب سياسة لغوية واضحة ومُعلَنة، تُطبَّق على الجميع دون استثناء، سيفتح دائما المجال أمام التأويلات، ويُغذّي الشكوك المتبادلة، ويُستثمر أحيانًا لإثارة حساسيات لا تخدم الوئام المجتمعي.

فالوحدة الوطنية لا تُبنى على الغموض، بل على الوضوح، ولا تُحمى بتأجيل القضايا ذات الصلة بهوية البلد، وإنما بحسم تلك القضايا في إطار القانون والاحترام المتبادل.

إن تعليم أطفال موريتانيا ـ كل أطفال موريتانيا ـ بلغة واحدة مشتركة (اللغة العربية)، ستجعل كل طفل يشعر أنه جزء من مشروع مجتمعي واحد، في حين أن تعليمهم بلغات متعددة كما كان يحدث في الماضي، تنتج أجيالا يصنف بعضها البعض ب "الآخر".

لا وئام مجتمعي دون وحدة وطنية، ولا وحدة وطنية يمكن أن تتحقق في بلدنا إلا إذا كانت هناك لغة جامعة في التعليم والإدارة، أي لغة رسمية يتحدث بها الجميع في الفضاءات الرسمية.

سادسا/ دولة القانون

على من يسعى حقا لبناء دولة قانون ومؤسسات، قادرة على خلق وئام مجتمعي بين مكونات الشعب، أن يدرك أنه لا يمكن أن نبني دولة قانون ومؤسسات ونحن نعطل مادة من مواد الدستور الموريتاني.

لا يمكن أن نبني دولة قانون ومؤسسات ونحن نميز بين مواد الدستور الموريتاني، نتحرك بقوة عندما نشعر بمحاولة المساس بالمادة 28 من الدستور مثلا، والتي تقول: " يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة". وفي المقابل فإننا نبقى على الصامت، ونحن نتابع الانتهاك اليومي للمادة السادسة من الدستور نفسه، والتي تقول: " اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية . اللغة الرسمية هي العربية".

فبأي منطق ندافع بقوة عن المادة 28 من الدستور، ونتجاهل بشكل كامل الانتهاكات اليومية للمادة السادسة من الدستور نفسه؟ وهل يمكن بناء دولة قانون ومؤسسات في بلد تمارس نخبه تمييزا فاضحا بين مواد الدستور؟ وهل يمكن أن نحقق وئاما مجتمعيا خارج دولة القانون والمؤسسات؟

سابعا/ حقوق المستهلك

يُوَقِّع المستهلك الموريتاني على عقود عديدة مع شركة الماء والكهرباء والبنوك وشركات الاتصال، دون أن يفهم أي شيء مما وقع عليه، وتأتيه فواتير من شركة الكهرباء والماء بلغة لا يفهمها، وبذلك يضيع أحد أهم حقوقه كمستهلك، أي معرفة تفاصيل ما في الفواتير التي سيسدد، وما في العقود التي سيوقع.

إن مخاطبة المستهلك بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفترض أنه يفهمها، هي حق أساسي من حقوقه التي لا يجوز تعطيلها، وعندما يُحرَم أغلب المواطنين من معرفة ما يُوقّعون عليه من عقود، وما يدفعون ثمنه من فواتير، ستتولد لديهم مشاعر الظلم والإقصاء في بلدهم، وهي مشاعر تؤثر سلبا على التماسك والوئام المجتمعي.

ختاما

أختم هذه المداخلة التي أعِدت على عجل بالقول إنه لن يكون بإمكاننا في موريتانيا أن نحقق العدالة، ونضمن تكافؤ الفرص، ونعزز من الشفافية، ونرسخ دولة القانون والمؤسسات، ونبني الثقة بين المواطن والإدارة، إلا إذا جعلنا من اللغة العربية لغة رسمية جامعة في التعليم والإدارة. فاللغة العربية، بحكم مكانتها الدينية، ووضعها الدستوري، ودورها التاريخي في موريتانيا، تمثل لغة جامعة، في الوقت الذي تمثل فيه لغاتنا الوطنية الأخرى ثروة ثقافية وحضارية مشتركة، يجب أن نحافظ عليها جميعا ونعمل معا على تطويرها.

تنبيه: هذا المقال بعد تعديلات بسيطة هو نص لمداخلة رئيسية قدمتها في ندوة نظمها مجلس اللسان العربي في موريتانيا في مقره يوم السبت 1 أغسطس 2026، وكانت بعنوان:" اللسان والإنسان... العلاقة بين اللغة العربية والوئام المجتمعي".

حفظ الله موريتانيا..