الأحد، 22 مارس 2026

متى سيتوقف العرب عن تحميل أخطائهم للآخرين؟


لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل يتعرض العرب لمؤامرة كونية كبرى؟ فهذا سؤال تجاوزه الزمن، ويُفترض أن طرحه لم يعد وجيها، ومع ذلك فما زال يلجأ إليه بعض القادة العرب والنخب التي تدور في فلكها لتبرير فشلهم، وذلك باعتباره نتيجة حتمية للمؤامرة الكونية الكبرى التي تُحاك ضدهم.

من المعلوم بداهة أن القوى العظمى والقوى الإقليمية في المنطقة لن يتردد أيٌّ منها في البحث عن مصالحه الخاصة على حساب الدول الضعيفة والأراضي المستباحة، وإذا شئتم، وبلغة أقل دبلوماسية، فإن القوى العظمى والقوى الإقليمية في المنطقة لن يتوقف أيٌّ منها عن التآمر على الدول الضعيفة في المنطقة كلما توفرت الفرصة لذلك؛ فالعلاقات بين الدول لا تحكمها الأخلاق، ولا تُدار بالعواطف، وإنما يحكمها البحث عن المصالح، والمصالح فقط.

إن بقاء دولة ما، أو أمة كاملة، في حالة ضعف مستمر، سيؤدي حتما إلى المزيد من التآمر عليها، من طرف القوى العظمى الدولية أو الإقليمية التي تتنافس على النفوذ في المنطقة، ومن يُلام في ذلك ليست القوى التي تتآمر، وإنما الضحايا الذين ضعفوا فأغروا بضعفهم تلك القوى بأن تتآمر عليهم، ويزداد لوم الضحايا وجاهة إذا كانوا يمتلكون من المقدرات الاقتصادية والبشرية ما يمكنهم من أن يشكلوا قوة إقليمية في المنطقة لا يمكن التجرؤ على التآمر عليها. ومن المؤكد أن العرب يمتلكون ما يكفي من مقدرات لأن يُحصنوا بلدانهم من أي مؤامرات خارجية، ولكنهم بدلا من أن ينشغلوا ببناء بلدانهم وتحصينها ضد أي تدخل خارجي، اكتفوا بالتعويل على الآخرين لحمايتهم، فمنحت دول الخليج أراضيها للقواعد العسكرية الأمريكية، وهي القواعد التي ظهر اليوم أنها تجلب من الدمار أكثر مما توفر من الأمان.

إن السؤال الذي يجب علينا أن نطرحه اليوم هو السؤال القائل: لماذا أصبحت أمة العرب من أكثر الأمم في هذا الزمان التي تُستباح أراضيها، وتُدمَّر بلدانها، وتُحدَّد مصائر أنظمتها من طرف الآخرين؟

إن أخطر ما أُصيب به العرب في زماننا هذا ليس ما تعرضوا له من مؤامرات خارجية، مع الاعتراف بوجود تلك المؤامرات، وإنما إدمان الأنظمة وبعض النخب العربية على تبرير الفشل العربي بما يُحاك من مؤامرات خارجية، وكأن تلك المؤامرات ستعفي الأنظمة والنخب الدائرة في فلكها من المسؤولية ومن المحاسبة التاريخية، ولتجنب تلك المحاسبة فلا بد من محاسبة ذاتية، ومن مراجعة جادة للبحث عن الأسباب الحقيقية التي أوصلت عرب هذا الزمان إلى ما وصلوا إليه من ضعف واستكانة، جعلت أراضي بلدانهم مجرد ساحة لصراع النفوذ بين الأمم الأخرى.

إن أخطر ما يعاني منه عرب هذا الزمان هو تحويل خطاب المؤامرة إلى شماعة تُبرر بها الأنظمة العربية الحاكمة فشلها، ومخدِّرٍ إيديولوجي وفكري تتعاطاه النخب العربية لتبرير عجزها وعدم قدرتها على إجبار الأنظمة الحاكمة على التغيير من نهجها بما يخدم مصالح الشعوب العربية والأمن القومي المشترك.

لقد أصبح العرب، حكاما ونخبا، يلجؤون إلى هذا الخطاب التبريري كلما أُصيبوا بهزيمة، أو ضيعوا فرصة، أو انهارت دولة من دولهم، أو تمدد نفوذ الدول الأخرى على أراضي بلدانهم.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بلسان عربي فصيح هي أن الدول لا تصبح ساحة مفتوحة للتآمر وللصراع الدولي والإقليمي إلا بعد أن تكون تلك الدول قد فقدت مناعتها الذاتية بسبب فشل حكامها ونخبها في أداء أدوارهم المطلوبة، ومن الواضح البيِّن أن كل الأنظمة العربية المتعاقبة فشلت فشلا ذريعا في تحصين المنطقة العربية من أن تصبح ساحة صراع نفوذ للقوى الدولية والإقليمية في المنطقة.

بل أكثر من ذلك، فإن العديد من تلك الأنظمة ساهم في جعل المنطقة العربية ساحة صراع حول النفوذ، من خلال ما أشعل من حروب وصراعات بينية بلا أول ولا آخر في المنطقة العربية.

من المؤكد أن إيران وتركيا وغيرهما من القوى الإقليمية تبحثان عن مصالحهما قبل أي شيء آخر، ومن المؤكد أكثر أن إسرائيل، ككيان مغتصب مزروع في المنطقة، ومدعوم من طرف الغرب عموما، ومن أمريكا خصوصا، يبحث هو أيضا ـ وبشكل أكثر استفزازا ووقاحة ـ عن مصالحه الضيقة القائمة على الاحتلال وإبادة الشعوب، ولن يقبل هذا الكيان، وتدعمه أمريكا في ذلك، أن تظهر في المنطقة أيَّة دولة عربية أو إسلامية قوية؛ فهذا الكيان يعتبر أن وجود أي دولة قوية في المنطقة يشكل تهديدا استراتيجيا له، حتى وإن حكمها نظام مطبع، فإيران مثلا كان يحكمها نظام الشاه المطبع، وهي تُعد اليوم أكبر تهديد لهذا الكيان، فالدول تبقى والأنظمة تزول، وهذا مما يدركه الكيان المغتصب جيدا.

في المجمل، إن كل القوى الإقليمية في المنطقة تبحث عن مصالحها أولا، لا خلاف على ذلك، فتلك حقيقة لا يمكن لأي كان إنكارها، ولكن هناك حقيقة أخرى لا يمكن إنكارها كذلك، وهي أن الدول العربية الكبرى، قبل الصغرى، تتصرف وكأنها لا تبحث عن مصالحها الاستراتيجية، ولا عن أمنها القومي المشترك، ولذا فلم يكن غريبا أن تصبح بعض الأنظمة العربية أداة تستخدمها هذه القوة الدولية أو تلك في تحقيق المزيد من مصالحها على حساب الأمن العربي المشترك، بل إن بعض تلك الأنظمة أصبح مجرد أداة تستخدمها إسرائيل لإضفاء المزيد من الشرعية عليها، وعلى حساب الحق الفلسطيني المقدس.

ورغم كل هذا، فما زال العديد من العرب، حكاما ونخبا، يحاولون أن يحمّلوا إيران مسؤولية فشلهم، ومع أنه لا يمكن تبرئة إيران بشكل كامل مما يجري في المنطقة، إلا أنها ـ وبكل تأكيد ـ ليست هي التي أوعزت لصدام حسين بأن يقع في الفخ القاتل، فيحتل دولة الكويت في ساعات محدودة بدلا من الرد على الكيان المغتصب الذي دمَّر المفاعل النووي العراقي (07 يونيو 1981)، ليفجر بذلك واحدة من أخطر الأزمات والكوارث التي حلت ببلاد العرب في هذا الزمان، فوجدت أمريكا وإسرائيل بسبب ذلك الخطأ القاتل فرصة لا تُقدَّر بثمن لتدمير قوة العراق العسكرية والاقتصادية بغطاء عربي ودولي. صحيح أن إيران تدخلت بعد ذلك بشكل فج، وعملت على أن تكون لها أذرعها في العراق، وهي بلغة المصالح، لا يمكن أن تُلام في ذلك بعد أن أصبح العراق أرضا مستباحة لأمريكا وإسرائيل.

وإيران التي يحاول البعض أن يحملها كل مشاكل العرب ليست هي من صنعت الخلاف الأبدي بين أقوى دولتين في المغرب العربي: الجزائر والمغرب، ولا هي التي أدخلت ليبيا في مستنقع من عدم الاستقرار، ولا هي التي تقف وراء الحرب الدائرة حاليًّا في السودان.

وإيران ليست هي التي أوعزت لدول الخليج بأن تحاصر، في واحدة من أزماتها التي لا تنتهي، دولة قطر، ولا هي التي كانت تقف وراء الخلاف الذي تفجر مؤخرًا بين السعودية والإمارات، والذي كاد أن يشكل أزمة عربية جديدة لولا اشتعال الحرب الحالية في المنطقة.

وإيران لم تكن وراء الصراع المصري السعودي في اليمن في ستينيات القرن الماضي، ولا هي المسؤولة عن اشتعال الحرب الأهلية في اليمن، وليست هي المسؤولة عن موت الجامعة العربية واختفائها بشكل كامل في مثل هذا الوقت الحساس عربيًّا، وليست هي المسؤولة عن شلل الاتحاد المغاربي، ولا عن ضعف مجلس التعاون الخليجي. كل هذه الأخطاء لا يمكن أن نحملها لغير العرب، ولا تُلام إيران ـ إذا ما تحدثنا بلغة المصالح ـ إن استثمرت كل هذه الأخطاء التي ارتكبها العرب لصالحها، من خلال خلق أذرع لها في دول أصبحت أراضيها مستباحة للجميع، ولعل ما يميز أذرع إيران في المنطقة أنها ترفع ـ على الأقل ـ شعار مقاومة العدو الصهيوني، بل إن أذرعها هي وحدها التي تحارب اليوم الكيان المغتصب.

في المقابل، ألم يفرض العرب على إيران حربا مدمرة بعد سنة واحدة من نجاح ثورة الخميني التي احتجزت أكثر من 52 دبلوماسيًّا أمريكيًّا لمدة 444 يوما، وأغلقت سفارة كيان العدو الصهيوني في طهران، وأبدلتها بسفارة لفلسطين؟

ألم يفرض العرب حربا مبكرة على إيران بعد سقوط الشاه الذي كان يطبع مع العدو، وذلك بحجة منع تصدير الثورة الإيرانية ووقف المد الشيعي في المنطقة؟ دعونا نسأل الآن: ماذا كانت نتيجة ذلك؟ فهل أوقفت تلك الحرب النفوذ الإيراني في المنطقة أم زادت منه؟

لقد أصبح النفوذ الإيراني في المنطقة العربية أقوى وأخطر بعد حرب أريد لها أن تمنع ذلك النفوذ، وفي ذلك مفارقة كبيرة تستحق التأمل، فإيران يمتد نفوذها اليوم إلى داخل العراق واليمن ولبنان، وكان لها نفوذها في سوريا الذي ضعف مع النظام القائم حاليًّا، الممثل للثورة السورية، والمهادن للعدو الصهيوني، رغم أن هذا العدو لم يتوقف عن قصف سوريا، ولا عن احتلال المزيد من أراضيها.

لستُ، بطبيعة الحال، مدافعا ولا داعما لإيران في تدخلها ـ أو احتلالها، إذا شئتم ـ لأجزاء من أراضي بعض الدول العربية، ولا أنكر أن إيران قامت بجرائم فظيعة ضد السنة في سوريا، ولكن إيران لم تتدخل في تلك الدول إلا بعد أن أصبحت أراضي تلك الدول مستباحة بسبب أخطاء حكامها أو أخطاء اشقائها العرب، فإيران تغلغلت في العراق بعد تدميره من طرف أمريكا وحلفائها من العرب ردا على احتلاله للكويت، وأصبحت حاضرة بقوة في لبنان واليمن بعد حروب أهلية عرفتها الدولتان، وبطشت في سوريا في ظل حاكم عربي مستبد قررت أن تدعمه من أجل أن تضمن نفوذا أكبر لها في سوريا، ومن أجل أن تخلق ساحة أخرى تُصارع فيها العدو الصهيوني خارج أراضيها.

نعم، تدخلت إيران في بعض الدول العربية سعيا لتحقيق مصالح ضيقة على حساب استقرار تلك البلدان، ولكن يُحسب لإيران أن كل أجنحتها وأذرعها في المنطقة ظلت ترفع دائما شعار مواجهة العدو الصهيوني، بل إنها واجهته بالفعل في أكثر من مناسبة: حزب الله في لبنان، الحوثي في اليمن، نظام بشار المستبد، وفصائلها في الحشد الشعبي في العراق.

لقد انشغل الإيرانيون في العقود الأخيرة، ورغم الحصار الشديد والعقوبات المستمرة، ببناء دولة قوية قادرة على الدفاع عن نفسها أمام بطش أمريكا والعدو الصهيوني، وانشغل الأتراك ببناء دولة قوية اقتصاديًّا وعسكريًّا. أما العرب، فبدلًا من أن ينشغلوا ببناء بلدانهم، انشغل الكثير من قادتهم في صراعات بينية عبثية، وارتهن بعضهم للحماية الأجنبية من خلال إقامة قواعد عسكرية أمريكية، ظهر اليوم أنها تجلب من الدمار أكثر مما تمنح من أمان واستقرار. وبعد هذا كله يبرئون أنفسهم، ويوجهون اللوم لغيرهم، ويحمّلون فشلهم للآخرين.

ولعل من أبرز تجليات أخطاء عرب هذا الزمان أن العرب، وهم أصحاب لغة من بين اللغات العالمية الأكثر انتشارا، ما يزال الكثير منهم ـ حكاما ونخبا ـ يستبدلون لغتهم بلغات أجنبية في الإدارة والتعليم والبحث العلمي، وكأن النهضة لا يمكن أن تتحقق في بلدانهم إلا بإحلال لغة أجنبية محل اللغة العربية.

في المقابل، تمسكت إيران بلغتها الفارسية رغم أنها ليست لغة أم لنصف الشعب الإيراني، وليست لغة عالمية واسعة الانتشار، ولا تُستخدم خارج إيران إلا قليلا وفي مناطق محدودة جدًّا، ومع ذلك تمسكت إيران بها في التعليم والإدارة والبحث العلمي، ولم تستبدلها بلغة أجنبية أخرى، وكذلك فعل الأتراك مع لغتهم التركية.

وحدهم العرب تنازلوا عن سيادتهم اللغوية، وكأن لغتهم، لغة القرآن، عبء عليهم، وهذا التنازل وحده يكفي للقول بأن العرب هم السبب الأول في كل ما يتخبطون فيه اليوم من فشل ذريع.

على العرب عموما، وعلى دول الخليج خصوصا، أن يطرحوا السؤال التالي: ما الفائدة من صداقة أمريكا إذا كانت قواعدها لا تحمي، بل تجلب الدمار، وإذا كانت صداقتها لا يمكن أن تمنعها من إشعال حرب يكون المتضرر الأول منها هم أصدقاؤها العرب في الخليج؟

لن يخرج العرب من المأزق الذي وضعوا فيه أنفسهم ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ بترديد أغنية المؤامرة، ولا بالاستمرار في جلد الآخرين، والتهرب من تحمل مسؤولية الفشل ومحاسبة الذات، ولا بالاستقواء بالأجنبي على الشقيق، ولا بالتوسع في شراء السلاح دون بناء الإنسان، ولا بإضعاف اللغة والهوية والانبهار بالآخر.

إن الخروج من هذا المأزق يبدأ بالاعتراف الصريح بأنه صناعة عربية خالصة، وأن العالم لن يرحم العرب ويشفق عليهم لوجه الله، ولا لسواد أعينهم. لن يرحمهم إلا إذا امتلكوا القوة ووجهوها في اتجاه مصالحهم، وهم قادرون على ذلك إن امتلكوا العزيمة والإرادة.

وبالتوازي مع بناء قوة عربية قادرة على الردع، على العرب أن يعلموا كذلك بأن إسرائيل وأمريكا لا تستهدفهم لوحدهم، بل تستهدف كل المسلمين، فالغرب لا يقبل بدولة أو بدول إسلامية قوية، ولعلكم تذكرون ما قاله وزير الحرب الأمريكي في مؤتمر صحفي منذ أيام، حيث قال: "نحن نحارب العدو الإسلامي سواء كان سنيًّا أو شيعيًّا"، ولعلكم تذكرون قبل ذلك أن رئيس وزراء العدو تحدث عن جهوده لتشكيل حلف إقليمي ودولي لمواجهة "المحور الشيعي المنهار" و"المحور السني المتشكل".

خلاصة القول هي أن أمريكا والعدو الصهيوني لا يفرقان في حربهما على الإسلام بين سني وشيعي، فبأي منطق يفرق السني والشيعي في مقاومتهما لما تخطط له أمريكا وإسرائيل من حروب ضد الإسلام والمسلمين؟

لا خلاص من هذا المأزق الذي وضع فيه العرب أنفسهم إلا بإقامة حلف عربي إسلامي قوي يشكل قطبا قويًّا في عالم يسير بخطى حثيثة نحو عالم متعدد الأقطاب، على أن تكون السعودية وإيران وتركيا ومصر وباكستان هي النواة الصلبة لهذا الحلف، وذلك بعد أن تتجاوز تلك الدول أخطاء الماضي وآثار الخلاف الذي فرضته الحرب الحالية. أما الشروط الأساسية لتشكيل هذا الحلف فقد استعرضتها في مقالات سابقة، ولا يتسع المقام لتعدادها واستعراضها من جديد في هذا المقال.

يمكنكم العودة إلى المقالات العديدة التي كتبتها منذ فترة عن ضرورة تشكيل حلف عربي إسلامي، وهو الحلف الذي تظهر ضرورة تشكيله يوما بعد يوم.

حفظ الله بلاد العرب والمسلمين...

محمد الأمين الفاضل

 

 

الأحد، 15 مارس 2026

هل تريدون أن تتكرر فاجعة أخرى؟!


هذه الشاحنة متعطلة قرب الكلم 90 على طريق الأمل، ويمكن أن تلاحظوا أن سائقها وضع "بيدونا أصفر" كبديل للمثلثات العاكسة للضوء ليلا (انظر الصورة).

هناك شاحنة أخرى مغربية متعطلة على طريق الأمل عند الكلم 129 ( تيفكين). يمكنكم أن تلاحظوا قطعة القماش المستخدمة كإشارة تحذير! (انظر الصورة).

بالنسبة لطريق روصو فسنكتفي بهذه الشاحنة التي تعطلت عند الكلم 35 بالضبط، ووضع سائقها قنينة إطفاء (انظر الصورة).

نشير إلى أن الشاحنات المتعطلة على الطريق كثيرا ما تتسبب في حوادث سير مميتة، وقد زرنا في الحملة موقع حادث الكلم 102 على طريق الأمل الذي وقع بعد مغرب الثلاثاء 17 أكتوبر 2023 والذي تسببت فيه شاحنة متعطلة على الطريق، وأدى  إلى وفاة 5 أشخاص فورا من بينهم الداعية المعروف إنجيه ولد زروق (صورة الشاحنة مرفقة خلال زيارتنا لموقع الفاجعة)، وزرنا في العام 2025 موقع حادث سير  وقع قرب قرية اكيمي (21 مايو )، و أدى هو كذلك إلى وفاة 5 أشخاص من نشطاء العمل الخيري بعد ان اصطدمت سيارتهم بشاحنة تعطلت على الطريق.

مساء الثلاثاء الماضي زرنا في الحملة موقع حادث وقع على طريق الميناء وتوفي فيه شابان كانا على دراجة نارية اصطدمت دراجتهما بشاحنة متعطلة على الطريق بعد صلاة المغرب، ولم يكن صاحبها يضع إشارات تحذيرية. 

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير.





ميثاق المواطنة يعزي أسرة بوبكر مسعود


أدى أعضاء من لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة، مساء اليوم، زيارة تعزية ومواساة لأسرة الفقيد الحقوقي البارز بوبكر ولد مسعود، تقديرا لمسيرته النضالية الطويلة في حقوق الإنسان، ولجهوده الكبيرة في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية في موريتانيا.

​ضم الوفد كلا من:

​الوالي السابق صيدو حسن صال.

​الناشط الحقوقي الداه أحمد المختار.

​الناشط في المجتمع المدني باب الشيخ.

​الكاتب محمد الأمين ولد الفاضل.

​وفي سياق متصل، وعقب مداولات أجرتها لجنة الإشراف على الميثاق، تقرر رسميا إطلاق اسم الحقوقي الراحل بوبكر ولد مسعود على "قافلة المواطنة" التي تعدُّ من أهم الأنشطة في برنامج الميثاق للعام 2026.

​تأتي هذه الخطوة الرمزية تقديرا لجهود الراحل في مجال حقوق الانسان وترسيخ قيم المواطنة، وسعيا لإبقاء إرثه النضالي ملهما للأجيال في مسيرة بناء دولة القانون والعدل والمساواة.

#ميثاق_المواطنة

الصورة من اللافتة الجدارية للميثاق، والتي وقعتها في اليوم التوعوي المفتوح أكثر من 100 شخصية وطنية.

ميثاق المواطنة يبدأ لقاءاته بالأحزاب السياسية بلقاء مع رئيس حزب الإنصاف


في إطار سعيه لتفعيل خطته للعام 2026، والتي كان قد أعلن عنها يوم 15 فبراير الماضي، بدأ ميثاق المواطنة سلسلة لقاءاته مع القوى السياسية الوطنية، حيث التقت اليوم لجنة الإشراف على الميثاق، برئيس حزب الإنصاف، المهندس محمد بلال مسعود.

وخلال اللقاء، قدمت اللجنة عرضا مفصلا عن الميثاق، الذي أُعلن عن تأسيسه في يوم 27 نوفمبر 2025، بوصفه إطارا جامعا يهدف إلى ترسيخ قيم المواطنة، والوحدة الوطنية، وتعزيز الانتماء المشترك للوطن.

وافتتح الحديث الكاتب محمد الأمين الفاضل، قبل أن تتوالى مداخلات أعضاء اللجنة، وهم: الإداري السابق صيدو حسن صال والنشطاء في المجتمع المدني الداه أحمد المختار، وفاطمة منت الداه، ومحمد أمبارك.

وقد ركزت مداخلات أعضاء اللجنة على جملة من المحاور الأساسية، من أبرزها:

- أهمية الميثاق باعتباره ضرورة وطنية لتعزيز الشعور بالانتماء المشترك، ونبذ الخطابات الضيقة.

- خطة الميثاق للعام 2026، والتي ستبدأ بسلسلة من اللقاءات مع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

- إطلاق قافلة المواطنة التي ستجوب كل ولايات الوطن، والتي تهدف إلى نشر ثقافة المواطنة وترسيخ قيمها.

ومن جانبه، رحب رئيس حزب الإنصاف بلجنة الإشراف، وأكد في كلمته أن تعزيز المواطنة يمثل أولوية كبرى في أنشطة الحزب، وأنها كانت حاضرة  بقوة في الوثيقة التي قدمتها أحزاب الأغلبية للمنسق الوطني للحوار، مما يعكس مكانتها في اهتمامات الأغلبية عموما، وحزب الإنصاف خصوصا.

كما أكد رئيس الحزب أن الإنصاف يتقاسم مع الميثاق أهدافه الساعية إلى ترسيخ قيم المواطنة، وأنهم في الحزب على استعداد تام لتقديم كل أشكال الدعم للميثاق في أنشطته الهادفة إلى  تعزيز  قيم المواطنة والانتماء الوطني.

ويشكل هذا اللقاء فاتحة لسلسلة من اللقاءات التي ستنظمها لجنة الأشراف لميثاق المواطنة مع مختلف الفاعلين الوطنيين خلال الأيام والأسابيع القادمة، وذلك سعيا منها لضمان تخصيص مساحة واسعة في الحوار المنتظر للمواطنة ولكل ما من شأنه أن يرسخها ويعزز قيمها في نفوس المواطنين.

نواكشوط بتاريخ: 11 مارس 2026

لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة



بيانات النعي لا تكفي: متى تتحرك الحكومة لمواجهة نزيف الطرق؟


 لقد طالعنا اليوم في حملة "معا للحد من حوادث السير" على حساب معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم في الفيسبوك منشورا نَعَتْ فيه مديريْ مدرستين في ولاية كوركول توفيا في حادث سير اليم، وقع يوم الخميس 12 مارس 2026، كما أصيب في الحادث ثلاثة آخرون بجروح متفاوتة حسب المنشور. وقبل ذلك بأقل من ثلاثة أشهر، وتحديدا في يوم 27 ديسمبر 2025، نَعَتْ معالي الوزيرة ثلاثة مدرسين توفوا في حادث سير على طريق نواذيبو، وقبل ذلك بيومين فقط، نَعَتْ ثلاثة من أساتذة المحظرة الشنقيطية الكبرى توفوا في حادث سير على طريق أكجوجت. نسأل الله تعالى أن يرحم جميع الضحايا، وأن يَمُنَّ على المصابين في الحادث الأخير بالشفاء العاجل. إن تكرار هذه الحوادث، وما تكشف عنه من خسائر بشرية موجعة داخل الأسرة التربوية، يجعل من غير المقبول أن يظل تفاعل الوزارة مع هذه الحوادث محصورا في بيانات التعزية، حتى وإن كانت تلك البيانات صادقة ومقدَّرة. فالتعزية ورغم أهميتها، لا يمكن أن تكون سياسة وقائية لحماية المدرسين والتلاميذ من النزيف المستمر للطرق. إن المدرسة ليست فقط مجرد فضاء للتحصيل الدراسي، بل إنها ـ وبالإضافة إلى ذلك ـ هي المؤسسة الأقدر على غرس القيم، وتعديل السلوك، وبناء الوعي المدني. ومن هنا، فإن إدراج مبادئ السلامة الطرقية في المناهج الدراسية والأنشطة التربوية أصبح ضرورة ملحة، تفرضها الحوادث المتكررة، وتؤكدها الخسائر المتزايدة في صفوف التلاميذ والمدرسين على حد سواء. لقد سبق لنا في حملة "معا للحد من حوادث السير" أن وجهنا، مع افتتاح العام الدراسي الحالي، دعوة إلى معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم، بتخصيص درس موحد في السلامة الطرقية في أول يوم دراسي، وذلك انطلاقا من قناعتنا بأن التوعية المبكرة أكثر أثرا، وأن المدرسة هي المكان الأنسب لبناء وعي مروري راسخ لدى الأجيال الصاعدة. وللأسف الشديد، لم تجد تلك الدعوة أي تجاوب، رغم وجاهتها، وبساطة تنفيذها، ونبل الغاية منها، فعندما تصبح الطرق مصدرا دائما للخطر على التلاميذ والمربين، فإن إدخال السلامة الطرقية إلى الفضاء المدرسي يصبح جزءا أصيلا من المسؤولية التربوية. واليوم، وبعد أن تكررت حوادث السير الأليمة في الوسط التربوي، يصبح من المشروع لنا في الحملة أن طرح السؤال:  ما الذي يؤخر تفاعل الوزارة مع مطلب بهذا الوضوح، وبهذا القدر من الإلحاح؟ وفي هذا السياق، لا بد لنا أيضا من التذكير بأهمية توفير ونشر الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، لأن أي عمل توعوي أو تربوي جاد لا يمكن أن ينجح في ظل غياب معطيات دقيقة ومحدثة. فالمعلومات المتعلقة بحوادث السير ليست سرا من أسرار الدولة، ولا ينبغي أن تحجب عن الرأي العام والجهات الجادة التي تعمل في مجال التوعية والوقاية، فمن دون هذه المعطيات، لا يمكن تحديد أسباب الحوادث، ولا النقاط السوداء، ولا الفئات الأكثر عرضة للخطر، ولا بناء سياسات فعالة للحد من حوادث السير، وموجب هذا الكلام، أن الحادث الأليم الذي نشرت عنه معالي الوزيرة لا نعرف حتى الآن سببه، ولا أين وقع، ولا متى وقع بالضبط؟ ولغياب مثل هذه المعلومات، وكثيرا ما تغيب عنا معلومات مشابهة، بسبب عدم وجود أي جهة رسمية تنشر أو توفر على الأقل الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، دعونا في المطلب الرابع من "نداء جوك للسلامة الطرقية"  إلى: "توفير ونشر كل الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، وإدراج مادة السلامة الطرقية في المناهج الدراسية، بما يضمن غرس ثقافة احترام القانون المروري لدى الأجيال الصاعدة." وقد كنا في الحملة نتوقع أن تسارع الحكومة في تسلم هذا النداء، والذي يشكل ـ حسب اعتقادنا ـ خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا، ومع ذلك فما زالت الحكومة ترفض تسلمه، والاستجابة لمطالبه التسعة عشر. ختاما، إننا في حملة معا للحد من حوادث السير لنؤكد من جديد أن جهودنا الرامية إلى أن يحظى موضوع السلامة الطرقية بما يستحق في المنظومة التربوية، وأن تتبني الحكومة نداء جوك للسلامة الطرقية، لن تتوقف، ومهما كان مستوى التجاهل، وذلك لإدراكنا أن العمل ببنود هذا النداء سيساهم كثيرا في إنقاذ الأرواح وحماية الممتلكات. نواكشوط بتاريخ: 23 رمضان 1447 الموافق 13 مارس 2026. حملة معا للحد من حوادث السير.

ضريبة الهواتف: حين لا تراعى الظروف عند اتخاذ القرار


استوقفني بيان حزب الإنصاف الصادر يوم 13 مارس 2026، والمتعلق بما بات يُعرف بـ"الضريبة على الهواتف"، واستوقفتني بالذات الفقرة التي جاء فيها:

"ومع ذلك، فإن الحزب يعي تماما أن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح إلا إذا أخذ بعين الاعتبار أوضاع المواطنين وظروفهم المعيشية، خصوصاً فئة الشباب والعمال البسطاء الذين يعتمدون على الأنشطة التجارية الصغيرة كمصدر للرزق".

هذه الفقرة تفتح بابا مهما للنقاش، لأن القرارات التي تتخذها الدول والحكومات لا يُنظر إليها من زاوية واحدة فقط، أي: هل هي صائبة من الناحية النظرية أم لا؟ بل يُنظر إليها كذلك من زوايا أخرى لا تقل أهمية، من بينها: أثرها المباشر على المواطن، وكيف سيتفاعل معها الرأي العام، وهل توقيت اتخاذها مناسب أو غير مناسب.

ليس المهم فقط أن تكون الحكومة على حق في قراراتها، بل المهم أكثر أن تنجح في إقناع المواطنين بأنها على حق. والظاهر حتى الآن أن الحكومة لم تستطع أن تقنع الرأي العام بوجاهة الضريبة التي قررت فرضها على الهواتف، و يعود ذلك إلى عدة أسباب، لعل من أبرزها سوء التوقيت.

إن التوقيت في القرارات الاقتصادية التي تمس حياة الناس ليس مسألة ثانوية، بل هو العامل الحاسم في نجاح القرار أو فشله. فكثيرا ما يتحول القرار الصحيح إلى عبء سياسي واجتماعي إذا اتُّخذ في توقيت سيئ، في حين قد يمرُّ قرار أقل وجاهة بأقل الخسائر إذا جاء في ظرف مناسب، وسبقته تهيئة جيدة للرأي العام.

ومن هذه الزاوية، فإن الإعلان عن ضريبة الهواتف جاء في توقيت غير مناسب لعدة اعتبارات:

أولها أنه جاء في شهر رمضان، وهو شهر ترتفع فيه تكاليف المعيشة على المواطنين، وتزداد فيه الضغوط على الأسر، ولا سيما الفئات ذات الدخل المحدود.

ثانيها أنه جاء في ظرف دولي مقلق، وفي ظل حرب تثير مخاوف اقتصادية واسعة، من بينها ارتفاع أسعار النفط، وما يعنيه ذلك من زيادة في أسعار النقل والسلع الأساسية، وهو ما يجعل المواطنين أكثر حساسية اتجاه أي قرار ضريبي جديد من شأنه أن يرفع الأسعار.

وثالثها أن القرار جاء بعد أن قطعت الدولة أشواطا مهمة في الرقمنة، ومن المعروف أن الهاتف لم يعد سلعة كمالية في حياة كثير من المواطنين، بل أصبح أداة أساسية للولوج إلى الخدمات، والتواصل، والعمل، والتعلم، والاندماج في الفضاء الرقمي. ومن ثم، فإن أي زيادة كبيرة في أسعار الهواتف قد تنعكس سلبا على الفئات الهشة، وتحدُّ من اتساع استخدام الوسائط الرقمية، في وقت تبذل فيه الدولة جهودا معتبرة لتعزيز الرقمنة وتوسيع الاستفادة منها.

رابعها أن هذا القرار لم يسبقه، في نظر كثيرين، ما يكفي من الصرامة في مواجهة ملفات الفساد الكبرى أو التهرب الضريبي لدى الأغنياء. فحين لا يرى المواطن البسيط حزما واضحا مع من ينهبون الأموال الضخمة أو يتحايلون على الضرائب بمبالغ كبيرة، يصبح من الصعب إقناعه بوجاهة التشدد معه في ما يؤثر على حياته اليومية بشكل مباشر.

يكفي هنا أن نذكر بأن الإعلان عن هذه الضرائب تزامن مع سجن ومحاكمة رئيس منظمة الشفافية الشاملة الذي أنصفه القضاء في أحد الملفات التي فتحها، ومع ذلك فلم يُتَّخذ أي إجراء لاستعادة الأموال المنهوبة في ذلك الملف، والتي أكد القضاء نهبها.

خامسها، إن المشكلة ليست فقط في قيمة الضريبة أو أصل القرار، بل كذلك في الإحساس العام بالعدالة. فالفقراء لا يعترضون عادة على القرارات الصعبة لمجرد أنها صعبة، بل لأنهم يريدون أن يشعروا بأن الجميع يخضع للمعايير نفسها، وأن الأعباء لا تُفرض دائما على الحلقة الأضعف.

إن المتضرر المباشر أو الأكثر استشعارا لأثر هذه الضريبة هم آلاف الشباب، المنحدرين في غالبيتهم من الأوساط الفقيرة أو المتوسطة، والذين يعتمد كثير منهم على التجارة والخدمات المرتبطة بالهواتف ومشتقاتها كمصدر رزق، ولذلك فقد يُفهم رفع الضريبة على الهواتف، في هذا السياق، باعتباره رسالة سلبية إلى شريحة كانت محل عناية خاصة في هذا  العهد الذي رفع شعارات دعم الفئات الهشة وتمكين الشباب، واتخذ بالفعل جملة من الإجراءات لصالح الفئات الهشة والشباب، كان من آخرها الإعلان عن اكتتاب 3000 شاب من خلال مسابقات قائمة على الرقمنة.

لستُ هنا بصدد مناقشة شرعية القرار من حيث الأصل، ولا حق الدولة في جباية الضرائب وأهمية ذلك الحق، وإنما بصدد التنبيه إلى الانعكاسات السلبية لهذا القرار، وسوء الفهم الذي قد يسببه لدى الفئات الفقيرة عموما، ولدى الشباب خصوصا.

إن القرار  الحكومي لا يُقاس فقط بسلامته القانونية أو الاقتصادية، بل يُقاس أيضا بآثاره الاجتماعية، وبرسائله الرمزية، وبمدى انسجامه مع أولويات المرحلة. وأي قرار لا يرتاح له الفقراء، ولا يتحمس له الشباب، ولا تشعر معه الفئات الهشة بالإنصاف، هو قرار ستكون كلفته السياسية والإعلامية أكبر من جدواه، خاصة في هذا العهد الذي يولي اهتماما خاصا بالفئات الهشة والشباب.

حفظ الله موريتانيا...


الثلاثاء، 10 مارس 2026

عن انتصار ترامب الوهمي والدعائي


يبدو أن دونالد ترامب بدأ يهيئ الرأي العام الأمريكي والعالمي للقطة الأخيرة التي سيعلن فيها عن نهاية حربه على إيران وانتصاره غير المسبوق الذي حقق في تلك الحرب.

يعتقد ترامب أن الحروب يمكن أن تحسم بالضجيج الإعلامي، وأن  الهزيمة تمكن تغطيتها بكثرة الحديث عن نصر وهمي.

صحيح أن الحرب الحالية ألحقت بإيران دمارا كبيرا، وصحيح كذلك أن أمريكا وإسرائيل تملكان قدرة كبيرة على التدمير، ولكن الصحيح أيضا أن الحروب لا تُقاس نتائجها فقط بما تُحدثه من دمار مباشر، بل بما ستُنتجه من تحولات سياسية واستراتيجية في مناطق نشوب تلك الحروب وفي العالم، وهذا بالضبط هو ما يجعلنا نطرح  السؤال عن الوجه الآخر لنتائج الحرب، والذي لم يتحدث عنه ترامب.

قد يكثر ترامب في الأيام بل وفي الساعات القادمة من إطلالاته الإعلامية التي يقول فيها إنه دمر إيران بحرا وجوا وبرا، ولكن بعيدا عن ثرثرة ترامب، دعونا ننظر إلى الوجه الآخر من نتائج هذه الحرب، ونطرح السؤال: هل انتصر ترامب على إيران كما يدعي في أحاديثه وتصريحاته وتغريداته المتكررة؟

سنجيب على هذا السؤال من خلال النقاط العشر التالية:

أولا: منح ترامب بحربه للمرشد السابق فرصة الاستشهاد في شهر رمضان الكريم، وذلك بعد أن بلغ من العمر عتيا، وجاء بدلا منه الابن، والذي تقول كل المؤشرات بأنه سيكون أكثر تشددا من الأب، وأشد عداءً للولايات المتحدة من والده.

طالعتُ تغريدة معبرة تم تداولها كثيرا مفادها أن أمريكا أسقطت طالبان في أفغانستان لتأتي بطالبان، وأسقطت خامنئي في إيران لتأتي بخامنئي!؛

ثانيا: بدلا من أن تؤدي الحرب إلى تفكيك التيار "المتشدد" في إيران أو تضعفه، أضعفت بدلا من ذلك التيار "المنفتح" والذي سحبت منه حرب ترامب أي حجة يمكن أن يواجه بها الشعب الإيراني لإقناعه بوجاهة طرحه؛

ثالثا: عرفت إيران قبل الحرب توترات داخلية واحتجاجات واسعة مناهضة للنظام، ولكن البوصلة تغيرت خلال الحرب التي عبأت الشارع، وجعلت الحشود الكبيرة تخرج للتنديد بالحرب ولتأكيد دعمها للمرشد الجديد.

كانت أمريكا تعتقد أن الحرب ستُخرج الإيرانيين إلى الشارع للاحتجاج ضد النظام، فإذا بها تزيد من شعبية النظام، ولو مؤقتا؛

رابعا:  كان البعض قبل الحرب يعتقد أن المقاومة في لبنان انتهت، فجاءت الحرب لتظهر أنها ما زالت قادرة على قصف إسرائيل بقوة؛

خامسا: كان ترامب يُمَني الأمريكيين قبل الحرب بخفض الأسعار والتحسين من ظروف عيشهم، فجاءت حربه على إيران لترفع من أسعار النفط، ولتصعب الحياة على الأمريكيين وعلى غيرهم؛

سادسا: كانت القواعد الأمريكية في المنطقة تطمئن بعض قادة الخليج بتوفير الحماية لبلدانهم، فجاءت هذه الحرب لتؤكد لؤلئك القادة أن تلك القواعد تجلب لهم من العداء والدمار أكثر مما تجلب لهم من حماية وأمان. لقد عرت هذه الحرب أمريكا وقواعدها أمام القادة في الخليج؛

سابعا: أعادت الحرب إحياء الخطاب المعادي للولايات المتحدة في المنطقة، وأصبحنا نسمع من بعض النخب الخليجية ما لم نكن  نسمعه في الماضي عن جدوائية الاعتماد على أمريكا؛

ثامنا: دفعت الحرب إيران إلى التفكير بشكل أكثر جدية في تعزيز قدراتها الردعية، وربما تسريع برنامجها النووي بدل إيقافه. دول أخرى في المنطقة ستفكر بنفس الطريقة؛

تاسعا: كانت إيران قبل الحرب الحالية تعرف بصبرها الاستراتيجي وحذرها الشديد الذي جعلها تضيع فرصا عديدة من أهمها عدم الدخول في حرب مع إسرائيل يوم السابع من أكتوبر ، ولكن الحرب الحالية جعلت إيران تبدل صبرها الاستراتيجي بغضب وجرأة لم يكن أحد يتوقعها، فأغلق مضيق هرمز وبدأت تقصف عدة دول في وقت واحد؛

عاشرا: ستستفيد الصين وربما الروس من هذه الحرب كثيرا، وذلك لكونها من الحروب القليلة التي يتغيب فيها الأوروبيون عن مناصرة أمريكا، ولكونها كذلك من أكثر الحروب التي كشفت عن نقاط ضعف أمريكا.

بكلمة واحدة: إن ما يحاول ترامب تسويقه على أنه نصر حاسم قد لا يكون، في جوهره، أكثر من نصر إعلامي في خطاباته التي لا تنتهي أبدا.

السبت، 7 مارس 2026

انتصار وهمي أم استفزاز مقصود؟/ قراءة في تصريحات ترامب الأخيرة حول إيران


في مقالي الأخير "موقفي من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران"، المنشور صبيحة يوم الجمعة 06 مارس 2026، جددتُ الدعوة إلى ضرورة التفكير الجدي في تشكيل حلف عربي إسلامي، تشكل نواته الصلبة من السعودية، إيران، تركيا، مصر، وباكستان. وقد تضمن المقال الدعوة إلى اتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة، أبرزها ضرورة نأي دول الخليج بنفسها عن الهجوم على إيران، وفي المقابل توقف إيران عن استهداف دول الجوار، على أن تركز في هجومها على العدو الصـ.هيوني.

​وما هي إلا ساعات، حتى استبشرنا خيرا بكلمة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التي حملت اعتذارا صريحا لدول الجوار، وإعلانا بقرار "مجلس القيادة المؤقت" تعليق الهجمات، شريطة عدم انطلاق أي عدوان من تلك الدول.

​ثم بعد ذلك جاء تصريح للرئيس الأمريكي ترامب ادعى فيه أن إيران اعتذرت واستسلمت لجيرانها بعد هزيمة نكراء. ورغم أن محاولة فهم دلالات كلام ترامب مغامرة محفوفة بالمخاطر - نظرا لأسلوبه الذي يفتقر غالبا لخيط ناظم، ويتسم دائما بالتناقض والثرثرة - إلا أنه يمكننا حصر تصريحه الأخير ضمن فرضيتين:

​الفرضية الأولى: أن يكون التصريح  تمهيدا ذكيا لوقف الحرب؛ فمن خلال تسويق فكرة "هزيمة إيران واستسلامها"، سيجد ترامب مخرجا سياسيا للاحتفال بنصر وهمي لتبرير إيقاف العمليات العسكرية.

​الفرضية الثانية: محاولة استفزازية لعرقلة التقارب؛ حيث صدمت خطوة بزشكيان الإدارة الأمريكية التي تخشى تفرغ إيران كليا لمواجهة إسرائيل. لذا، يسعى ترامب لاستفزاز طهران ودفعها لاستئناف الهجمات على الخليج، لكي لا يبدو توقفها الآن "صك استسلام" كما زعم هو  في خطابه.

​ختاما، إننا إذ نرحب بتوجه القيادة الإيرانية الجديد وبضبط النفس العالي الذي تمارسه حتى الآن دول الخليج، فإننا نؤكد أن حماية المنطقة من الأطماع الأمريكية الإسرائيلية تبدأ من سد أبواب الفتنة البينية، والتمسك بخيار "الحلف العربي الإسلامي" كدرع وحيد سيضمن الأمن في المنطقة.


الجمعة، 6 مارس 2026

موقفي من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران


في عالمٍ يمورُ بالتحولات المتسارعة، وتتبدل فيه موازين القوى مبشرة ـ أو منذرة ـ بتشكل عالم متعدد الأقطاب، يخطئ من يظن أن الجمود في المواقف يعدُّ ثباتاً على المبادئ. إن التمسك بالثوابت في المواقف، لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ تجاهل المتغيرات السريعة التي تحدث أمام أعيننا؛ فالعالم يتغير بسرعة كبيرة، ويكفي أن نذكر في هذا المقام أن رئيس "أقوى دولة" قرر أن يلغي الأمم المتحدة بكل هيئاتها، ويستبدلها بواجهة تجارية سماها "مجلس السلام"، ولما أخذ مئات المليارات من دول الخليج باسم هذا المجلس، أشعل واحدة من أخطر الحروب، والتي سيكون المتضرر الأول منها هو دول الخليج التي أنفقت بسخاء حاتمي على "مجلس سلامه".

إن الحكمة تقتضي أن نراجع دائماً مواقفنا في عالم كهذا لم يعد يحكمه أي منطق، ومن هذا المنطلق، يأتي موقفي الشخصي "المركب" من العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

سأكون دائماً مع من يحارب العدو الصهيوني

 لقد كنتُ، ولا زلت، أنتقد التغلغل الإيراني في بعض الدول العربية، وكنتُ أرى فيه تهديدا للمنطقة، ولكن ذلك لن يمنعني من أن أقف اليوم مع إيران وهي تقصف بقوة العدو الصهيوني، وتقف وجها لوجه ـ وبكل شجاعة وثبات ـ أمام غطرسة وجنون الرئيس الأمريكي ترامب.

أقولها اليوم، وبدون مواربة: إني أدعم وبقوة إيران في حربها مع أمريكا والعدو الصهيوني، وكيف لا أدعمها وهي الدولة الوحيدة التي تضرب الآن الكيان الصهيوني بشراسة، في وقت رفعت فيه كل الدول العربية راية الاستلام، بل إن بعضها انخرط في تطبيع مذل؟

وهمُ الحماية الأمريكية

 إن ما يجب أن يُدركه قادة الدول العربية والإسلامية، هو أن "القلب الأمريكي" ـ إن كان لأمريكا قلبٌ ـ لا يتسع إلا لحب واحد، وهو حب إسرائيل والدفاع عنها، وهذا الحب الأعمى لإسرائيل، هو الذي جعل ترامب يُبدل شعاره الانتخابي "أمريكا أولا" بـ "إسرائيل أولا"، وقديماً قالت العرب: "ومن الحب ما قتل"، وفي اعتقادي الشخصي أن حب أمريكا الجنوني لإسرائيل قاتلها، أو بعبارة أدق؛ سيكون سببا في تراجع قوتها ونفوذها.

على الدول العربية، وخاصة دول الخليج، أن تدرك أنها مهما أنفقت من الأموال على أمريكا، وحتى وإن احتضنت كل قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط، فإن كل ذلك لن يمنع أمريكا من أن تضحي بتلك العلاقات إذا ما اقتضت مصلحة إسرائيل ذلك، ومن المؤكد أن مصلحة إسرائيل ستقتضي ذلك.

إن العقيدة الصهيونية تقوم على أنه "لا مكان لدولة قوية في المنطقة"، بغض النظر عن نظام حكمها؛ فإسرائيل ترى في أي نهضة عسكرية أو اقتصادية أو تقنية لأي دولة عربية أو إسلامية تهديدا وجوديا لها. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تنتبه لها السعودية بالذات؛ فالدور الريادي الذي تطمح له المملكة العربية السعودية في المنطقة، لن يكون محل ترحيب أبدا، لا في تل أبيب ولا واشنطن.

أما بالنسبة للإمارات التي تتلقى اليوم أقوى هجوم من إيران، فعليها أن تأخذ الدروس والعبر من المصائب التي أتتها دفعة واحدة في الفترة الأخيرة (الخلاف مع السعودية ـ ملفات جيفري إبستين ـ تركيز الهجوم الإيراني عليها). على الإمارات أن تدرك أن الارتماء في أحضان العدو الصهيوني لن يحميها، وأن قيادتها للتطبيع في المنطقة، وابتداعها للإبراهيمية لن يجلب لها خيرا ولا أمنا.

لا بد من تشكيل حلف عربي إسلامي

 لم يعد تشكيل حلف عربي إسلامي في عالم مضطرب لا تحكمه أي قوانين ولا أي أعراف دولية مجرد خيار قابل للتأجيل، بل أصبح ضرورة بقاء بالنسبة للدول العربية والإسلامية الكبرى قبل الصغرى. ولتأسيس هذا الحلف، الذي من المهم أن تتشكل نواته الصلبة من (السعودية، وإيران، وتركيا، ومصر، وباكستان)، فلا بد من اتخاذ إجراءات ضابطة يتم التقيد ببعضها خلال الحرب المشتعلة حاليا، والتقيد ببعضها الآخر بعد انتهاء الحرب، وتتمثل هذه الضوابط في: 

ـ على دول الخليج ألا تهاجم إيران مهما كان مسار الحرب الحالية؛ 

ـ على إيران أن تتوقف فورا عن توجيه ضربات إلى دول الخليج، وأن تركز في المرحلة القادمة على العدو الصهيوني؛

عندما تتوقف الحرب، وبعد أن تكون دول الخليج قد تأكدت من أن الرهان على أمريكا لحمايتها كان رهانا خاسرا، فحينها يجب البدء في التمهيد لتشكيل الحلف من خلال اتخاذ الخطوات التالية لبناء الثقة: 

ـ أن تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية، وأن تلتزم التزاما صريحا وقويا بالتخلي نهائيا عن أي وصاية على الشيعة خارج حدودها، وألا تعمل مستقبلا ـ تحت أي ظرف ـ على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لتحقيق المزيد من المصالح والنفوذ خارج حدودها؛

 ـ أن تُوقِف المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج منح الأموال الضخمة لترامب؛

 ـ أن تقطع مصر وتركيا ـ وبشكل فوري ـ علاقاتهما الدبلوماسية مع العدو الصهيوني.

بكلمة واحدة: لقد ولى زمن الرهانات المنفردة، وبدأ زمن الأحلاف الكبرى، فهل يستوعب قادة الدول العربية والإسلامية الكبرى الدرس قبل فوات الأوان؟

موقف موريتانيا: الرسمي والشعبي

 بصفتي مواطنا موريتانيا، أتفهم جيدا الموقف الرسمي لبلادنا المنحاز لدول الخليج؛ فدول الخليج لم نعرف منها في الماضي والحاضر إلا خيرا، وهي لم تقصر يوما في دعم حكوماتنا المتعاقبة، ولا في استقبال واحتضان جالياتنا. حتى الكويت التي وقفنا ضدها حكومة وشعبا بعد غزو العراق لها، لم تناصبنا العداء، بل استمرت في تقديم الدعم لحكوماتنا المتعاقبة. كل هذا يفرض على النظام أن يتخذ موقفا منحازا لدول الخليج، خاصة عندما تتلقى قصفا على أراضيها، مثلما يحدث الآن.

لكن، وفي المقابل، على الحكومة أن تتفهم كذلك موقف الشارع، أو موقف أغلبيته؛ فلا يمكن للشارع الموريتاني المناصر دائما وأبدا لفلسطين، إلا أن يدعم إيران في حربها الحالية ضد أمريكا والكيان الصهيوني.

بكلمة واحدة: لا إشكالية في موقف رسمي داعم لدول الخليج، وموقف شعبي متعاطف مع إيران، وكل من الموقفين يكمل الآخر.

الخميس، 12 فبراير 2026

داعمون يُحاربون النظام إعلاميا وسياسيا!


قبل عام من الآن، وتحديدًا في يوم السبت الموافق 18 يناير 2025، نشرتُ مقالا تحت عنوان: "داعمون يُحاربون النظام إعلاميا وسياسيا!". تحدثتُ في ذلك المقال عن ثلاث قضايا يُحارب فيها بعض الداعمين النظام إعلاميا وسياسيا. سأعيد نشر إحدى تلك القضايا الثلاث، وسأضيف إليها اليوم قضية مستجدَّة، لأنها هي التي ذكَّرتني من جديد بذلك المقال.

في العام الأول من المأمورية الثانية لفخامة الرئيس، انشغل بعض الداعمين بالحديث المبكر عن مرشح النظام المحتمل في العام 2029، فقلتُ حينها في المقال المذكور: "إن من ينخرط من داعمي النظام في أي حديث من هذا القبيل، ولأي سبب كان، فإنما يُحارب النظام إعلاميا وسياسيا بحديثه في هذا الموضوع، علم ذلك أو لم يعلم، قصد ذلك أو لم يقصده.

إن السياسة تقوم أساسا على خلق الأمل لدى المواطنين، ومن يتحدث الآن عن المرشح المفترض للرئيس في العام 2029 إنما يريد أن يقول سياسيا: إنه لا إنجازات تحققت تستحق أن نتحدث عنها، ولا إنجازات تنتظر، ولذا فعلينا أن ننشغل من الآن بالبحث عن مرشح الرئيس وخليفته القادم.

إن ما يخدم الأغلبية سياسيا وإعلاميا هو تأخير الحديث عن هذا الموضوع إلى آخر سنة من المأمورية الحالية، ولكن بعض مدونيها يبدو أنهم استعجلوا الأمر، وانخرطوا - بالتالي - في موجة التخمينات التي أُطلقت حول إمكانية ترشيح فلان أو علان.

ولستُ بحاجة إلى القول إن الأسماء التي تُذكر حاليا ما هي إلا مجرد تخمينات لا يدعمها شيء، وأي مدوِّن داعم للنظام يروِّج لهذا الوزير أو ذاك العسكري المتقاعد، أو ذلك الموظف السامي، بوصفه مرشحا مفترضا للرئيس في العام 2029، إنما يضرُّ من يروِّج له من حيث أراد أن ينفعه". انتهى الاستشهاد.

لقد أُغلق هذا الجدل السابق لأوانه بخصوص مرشح النظام لعام 2029، بعدما حذَّر فخامة الرئيس، يوم 12 نوفمبر 2025 من مدينة تمبدغة، كل من لديه أصدقاء أو أنصار يفكرون له أو يخططون له، حذَّرهم بشدة من الحديث في هذا الموضوع، مؤكدًا أنهم يضرُّون بذلك الحديث من يناصرونه ويخططون له الآن وغدًا.

وبعد هذا التحذير الصريح والواضح جدًا، أُغلق بشكل كامل ملف تخمينات مرشح النظام لعام 2029.

في العام الثاني من المأمورية الثانية، وبعد إغلاق ملف الترشح لعام 2029 داخل الأغلبية، بدأ بعض داعمي النظام يحاولون فتح ملف آخر، ويتعلق هذه المرة بإدراج نقاش المأموريات في الحوار المنتظر، وهو ما يُفهم منه - تلميحا - الدعوة إلى التمديد لفخامة الرئيس محمد الشيخ الغزواني.

إن إثارة هذا الموضوع، في مثل هذا التوقيت، بل وفي أي توقيت آخر ، تضر النظام سياسيا وإعلاميا، وهي تؤثر سلبا على:

1 ـ تنظيم الحوار الذي دعا إليه فخامة رئيس الجمهورية، ووعد به في برنامجه الانتخابي، وأظهر اهتماما كبيرا به، مع أنه لا توجد أزمة تستدعي ذلك الحوار، ولا يوجد ضغط معارض لفرضه. وكان المفترض أن ينشغل الرئيس بتنفيذ برنامجه الانتخابي دون الوعد بحوار في ذلك البرنامج.

إن تكرار مثل هذه الدعوات من طرف بعض الفاعلين في الأغلبية سيجعل المعارضة، التي لم تكن متحمسة أصلا للحوار، تزداد عدم تحمس، وربما تقاطعه بحجة أنه يهدف إلى المساس بالمواد المحصّنة في الدستور. بكلمة واحدة: إن الحديث عن المأموريات يعني إفشال الحوار المنتظر.

2 ـ إن الحديث عن المأموريات قد شوَّش على زيارة الرئيس المهمة لولاية كوركول، إعلاميا وسياسيا.

3 ـ إن الاستمرار في الحديث عن المأموريات من طرف بعض الفاعلين في الأغلبية يتناقض تماما مع الحرص الذي أظهره فخامة رئيس الجمهورية على تعزيز القيم الديمقراطية وصيانة المكتسبات في هذا المجال. فهل يمكن أن نتصور أن الرئيس الذي أظهر أكثر من غيره حرصه على التهدئة السياسية وتعزيز القيم الديمقراطية سيفتح ملف المأموريات الرئاسية الذي تجنب سلفه فتحه؟

4 ـ لا يمكن أن نتصور أن المكسب الدستوري الوحيد الذي يتفق أغلب الموريتانيين على أهميته سيتم الإخلال به في هذا العهد، الذي كان أكثر حرصا من العهود التي سبقته على ترسيخ وتعزيز القيم الديمقراطية.

5 ـ إن المساس بالمأموريات سيعني - بلغة سياسية فصيحة - إلغاء مبدأ التناوب السلمي على السلطة، والعودة بالتالي إلى خيار الانقلابات للوصول إلى السلطة. ولا يخفى على أي عاقل خطورة ذلك، خاصة وأن بلدنا يقع في منطقة مضطربة.

يبدو أننا أصبحنا اليوم بحاجة إلى رسائل تحذيرية أخرى من فخامة الرئيس لوقف هذا الحديث المتكرر والمتنامي عن فتح المأموريات. فهل سنسمع من ولاية كوركول أو من خارجها رسائل تحذيرية كالتي سمعناها في ولاية الحوض الشرقي؟

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 9 فبراير 2026

ولد غده: الأكثر سجنا والأقل تضامنا


 يُعَدّ الشيخ السابق، والرئيس الحالي لمنظمة الشفافية الشاملة، السيد محمد غدَّه، من أكثر الموريتانيين تعرضا للسجن خلال العقد الأخير، ومن أقلِّهم حظًّا في التضامن عند دخوله السجن.

فكثيرا ما يُسجن محمد غدَّة، وقليلا ما يحظى بتضامن يُذكر من النخب السياسية والحقوقية والإعلامية في البلد، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا: ما سبب غياب التضامن مع ولد غدَّه؟

كان بإمكان محمد غدَّه أن يعيش في رفاهية هادئة، فهو يملك من المال ما يكفي لتمويل مشاريعه التجارية وتطويرها، وكان يمكنه كذلك أن يضمن مقعدا انتخابيا في البرلمان، فيصبح نائبا مواليا أو معارضا، يتمتع بما يتيحه ذلك من حماية ونفوذ.

غير أن محمد غدَّه انشغل عن أنشطته التجارية، وابتعد عن العمل السياسي التقليدي، واختار التفرغ لمنظمة الشفافية الشاملة، والانخراط الكامل في معركة محاربة الفساد. فجاءت الثمار واضحة للأسف: تكرار السجن، وتكرار غياب التضامن.

صحيحٌ أن محمد غدَّه قد ارتكب أخطاء، ولا أحد معصوم من الخطأ، لكن الصحيح أيضا - وهذا ما أستطيع قوله بكل اطمئنان - إن محمد غدَّه يُعَدُّ من بين قِلَّة من الموريتانيين المستعدين للتضحية بمصالحهم الخاصة في سبيل مقارعة الفساد.

خلاصة القول: إن محمد غدَّه يُعَدُّ اليوم من أكثر الموريتانيين جدية وصدقا في محاربة الفساد، وأكثرهم  استعدادا لدفع كلفة تلك المواجهة من مصالحه الشخصية، ومع ذلك يظلُّ هو الأقل حظًّا في نيل التضامن، في بلد تمَّ فيه تمييع التضامن، كما مُيِّعت فيه أشياء كثيرة أخرى.

الصورة لأعضاء من المكتب التنفيذي للائتلاف الوطني لمحاربة الفساد في زيارة لمحمد غدَّه في منزله، قبل شهر من الآن، وبعد الإفراج عنه في واحدة من محطات سجنه.

السبت، 7 فبراير 2026

بيان من حملة “معا للحد من حوادث السير”


تابعنا في حملة “معا للحد من حوادث السير”، وبقلق بالغ، حوادث السير التي سُجِّلت خلال الثماني والأربعين ساعة الأخيرة على مختلف محاور شبكتنا الطرقية، والتي أدت، وفق الحصيلة الأولية، إلى وفاة تسعة (9) أشخاص على الأقل، وإصابة عشرات الجرحى.

ففي صباح اليوم، اصطدم صهريج تابع لمؤسسة أشغال صيانة الطرق بحافلة لنقل الركاب عند الكلم 45 على طريق نواذيبو، وقد أسفر هذا الحادث عن وفاة ثلاثة أشخاص، وإصابة اثني عشر (12) آخرين، وُصفت إصابات بعضهم بالخطِرة. وتزامن هذا الحادث مع حادث آخر على طريق أوجفت – أطار، أدى إلى إصابة ستة (6) أشخاص بجروح متفاوتة الخطورة.

وفي قرية أدويرارة بولاية الحوض الغربي، انحرفت شاحنة عن الطريق وهدَمت عريشا دون تسجيل إصابات. كما سقطت شاحنة أخرى يوم أمس الأربعاء 04 فبراير على سيارة صغيرة في العاصمة نواكشوط (حي سوكوجيم بغداد)، ولم يكن، ولله الحمد، في السيارة ركاب وقت الحادث.

وفي يوم الثلاثاء 03 فبراير، سُجِّلت عدة حوادث، من بينها حادث على طريق بوكي - ألاك، ناجم عن انفجار إحدى عجلات حافلة ركاب، وأدى إلى وفاة أربعة (4) ركاب وإصابة ستة (6) آخرين. كما شهدت العاصمة نواكشوط في اليوم نفسه ثلاثة حوادث سير على الأقل؛ حيث توفي طفل كان على دراجة بعد أن دهسته شاحنة لنقل القمامة في الرياض عند الكلم 11، كما توفيت سيدة إثر عملية دهس في حي ملح، وأُصيب شخص ثالث في حي بوحديدة بعد أن دهسته دراجة.

ونحن في حملة “معا للحد من حوادث السير” إذ نستحضر هذه الحصيلة الثقيلة خلال الثماني والأربعين ساعة الأخيرة، فإننا نود تسجيل ما يلي:

1- استغرابنا الشديد من إصرار الجهات المعنية على عدم نشر الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، ورفض تقديمها للمنظمات الفاعلة لتولي نشرها للرأي العام؛

2 - تنبيهنا إلى أن هذه الحصيلة الثقيلة قد لا تكون نهائية، إذ كثيرا ما تقع حوادث لا تتوصل الحملة بمعلومات عنها، ولا تتمكن بالتالي من توثيقها، كما أننا لا نملك آلية لمتابعة الوضع الصحي للمصابين، خصوصا من كانت إصاباتهم حرِجة، وهو ما يعني أن الأرقام المنشورة تقتصر على حالات الوفاة الفورية فقط؛

3 - تأكيدنا أن أي تأخير في تفعيل “نداء جوك للسلامة الطرقية” سيعني، لا محالة، سقوط المزيد من الضحايا.

إن نداء جوك للسلامة الطرقية، الذي أطلقته الحملة من منطقة جوك في يوم 18 سبتمبر 2025، ليس مجرد وثيقة نظرية، بل يمثل خريطة طريق شاملة جاءت ثمرة عقدٍ كامل من المتابعة الميدانية، والاستماع للسائقين والخبراء، وتنظيم العديد من الأنشطة والقوافل التوعوية.

ويتضمن هذا النداء تسعة عشر (19) مطلبا أساسيا موزعة على خمسة محاور متكاملة:

- الإصلاح المؤسسي والاستراتيجي: ومن أبرز مطالبه تأسيس هيئة عليا للسلامة الطرقية، وتنظيم منتديات وطنية عاجلة.

- البنية التحتية والبيئة الطرقية: ويشمل تشييد طرق آمنة باتجاهين، والصيانة الفورية للشبكة الطرقية.

- القوانين والتطبيق الميداني: ويتضمن فرض الصرامة في التفتيش، والفحص الفني الدوري، وتفعيل المراقبة الذكية.

- تكوين السائقين ورخص السياقة: ويشمل إنشاء أكاديمية متخصصة، واعتماد نظام الصلاحية والتنقيط وسحب الرخص.

- التدخل السريع وإنقاذ الأرواح: ويشمل تجهيز فرق الحماية المدنية، وتوفير مروحيات طبية للتدخل في المناطق النائية.

إننا في حملة “معا للحد من حوادث السير”، نجدد دعوتنا للجهات المعنية إلى المسارعة العاجلة في تفعيل نداء جوك للسلامة الطرقية، صونا للأرواح وحماية للممتلكات.

نواكشوط بتاريخ: 05 فبراير 2026.

حملة معا للحد من حوادث السير.

الخميس، 5 فبراير 2026

بعض تفاصيل فاجعة نواذيبو


نظمت منسقية حملة معا للحد من حوادث السير في نواذيبو ( عبد الله أمانة الله و محمد فاضل الخضر ) زيارة ميدانية مساء اليوم لموقع الفاجعة، وحسب الملاحظات الميدانية وشهادات بعض العناصر الأمنية، فإن السبب المباشر للحادث هو السرعة المفرطة والتجاوز الخطر. 

حافلة النقل التي تعرضت للحادث كانت في وضعية جيدة جدا، بل إنها حافلة جديدة، وجرت العادة أن يقود سائقو سيارات النقل الجديدة بسرعة مفرطة، وذلك لضمان عدة رحلات في فترة زمنية محدودة. 

سائق الحافلة كان يقود بسرعة مفرطة، وحاول أن يتجاوز شاحنة كانت تسير في نفس الاتجاه، وتزامنت محاولة التجاوز مع قدوم الشاحنة الصهريج من الاتجاه المعاكس.

كل من السائقين اتخذ للأسف نفس القرار ونفس ردة الفعل، فكلاهما حاول أن ينحرف عن الطريق ليتفادى الاصطدام بالثاني، ولكنهما في النهاية ذهبا في نفس الاتجاه، فوقع التصادم، فكانت الفاجعة.

على بعد أقل من 10 كلم من موقع الحادث توجد الآن شاحنة متوقفة عند منعرج على الطريق ، وفي الاتجاه المعاكس لسيرها، وهو ما يشكل خطرا كبيرا على سالكي الطريق، وقد يتسبب لا قدر الله في فاجعة أخرى.

طريق نواذيبو طريق ضيق أصلا، وتوجد به مقاطع متهالكة وفي وضعية ردينة جدا، ولكن المقطع الذي وقع عليه الحادث في وضعية مقبولة وفي منطقة مستوية. 

صورة من الحافلة ومن الشاحنة المتعطلة حاليا على الطريق.

#معا_للحد_من_حوادث_السير 

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع.



الثلاثاء، 3 فبراير 2026

ما فائدة الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي؟


في منتصف العام 2025 شاركتُ في المؤتمر الدولي المنظم في إسطنبول، حول مستقبل التعليم والتدريب في ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وخلال النقاشات، طرحت ُسؤالا على الخبراء المشاركين في المؤتمر، ويدخل هذا السؤال في صميم دورة أعددتها مند سنوات، وقدمتها عشرات المرات في أماكن مختلفة، تتعلق بالموهبة واستغلالها.

 يقول السؤال: ما قيمة الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي؟

فتحتُ النقاش في هذا الموضوع، لأني أعلم أن هناك سؤالا صعبا سيُطرح عليَّ مستقبلا خلال تقديمي لتلك الدورة، فمن حقّ الموهوب أن يسأل: ما الفائدة في أن أتعب نفسي في اكتشاف وصقل موهبتي، في زمن يتيح فيه الذكاء الاصطناعي لشخص عادي غير موهوب أن يأتي بأحسن مني في مجال موهبتي؟

وتفاديا لهذا السؤال، وفي محاولة للإجابة عليه قبل أن يُطرح،  قمتُ بتعديل محتوى الدورة، وأضفت إليها شرائح جديدة تتحدث عن أهمية الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال النقاط التالية:

1ـ الذكاء الاصطناعي يُنتج لكنه لا يبدع، يعطيك النتيجة لكنه لا يبني لديك القدرة، يحاكي لكنه لا يكتشف، ولذا فمن لا يمتلك موهبة سيبقى مستهلكا لأدوات الذكاء الاصطناعي، بينما الموهوب هو من يقود الذكاء الاصطناعي ويوجهه ويحسن سؤاله.

2 ـ الموهبة المصقولة تكتشف الخطأ، وتُعَدِّل الاتجاه، وتكسر القالب، وترى ما لا تراه الخوارزميات.

3 ـ اكتشاف الموهبة والتدريب عليها ليس فقط لإنتاج عمل إبداعي، بل لتأهيل إنسان قادر على العمل الإبداعي.

دعونا نطرح الأسئلة التالية:

من سيقرر ماذا سيُطلب من الذكاء الاصطناعي؟

من سيحكم على جودة ما يقدمه الذكاء الاصطناعي؟

من سيحول النتائج إلى حل واقعي يُناسب سياقا بشريا معقدا؟

4 ـ إن الموهوب الذي لم يتدرب بشكل جيد لن يعرف متى يكون إنتاج الذكاء الاصطناعي ضعيفا أو مضللا أو غير مناسب.

5 ـ الذكاء الاصطناعي لا ينافس الموهوبين، بل يقصي المتوسطين ويطرد الكسالى.

6 ـ الذكاء الاصطناعي يجعل غير الموهوب يبدو موهوبا مؤقتا، لكنه يجعل الموهوب الحقيقي قمة في الإبداع، فالموهوب الحقيقي يضيف للآلة ما ينقصها، يضيف لها رؤية، ويضع لها اتجاها، ويخلق بها ما لم يكن موجودا أصلا في بياناتها.

7 ـ إذا لم تتعب في صقل موهبتك، فلن ينافسك الذكاء الاصطناعي، بل سيستغني عنك. أما إذا تعبت في صقل تلك موهبتك، فإنه سيعمل عندك، لا بدلا منك.

إن السؤال الذي يجب أن يُطرح بدلا من السؤال العنوان، هو السؤال الذي يقول: هل تريد أن تكون مستخدما لأداة، أم صاحب موهبة تقود تلك الأداة؟

لم تتوقف الإضافات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في دورة الموهبة عند هذا الحد، بل إني أضفته إلى أهم العوامل التي تُساعد في اكتشاف وتنمية المواهب، كما أضفته أيضا إلى "عصابة الأشرار" التي تقتل المواهب في وقت مبكر، بل إني جعلته زعيم تلك العصابة، فمن المعروف أن هناك عوامل تساعد في ظهور الموهبة وتنميتها منها الجينات التي وُلد بها الموهوب، والأسرة التي تربى فيها، والمدرسة التي درس فيها، والبيئة المجتمعية والثقافية التي نشأ فيها. ولكن هذه العوامل قد تتحول إلى عصابة من الأشرار لقتل المواهب في وقت مبكر، فالأسرة والمدرسة والبيئة الثقافية والمجتمعية كثيرا ما تقوم بوأد المواهب في وقت مبكر.

إن هذه العوامل التي تساعد في كشف وتنمية المواهب، والتي قد تلعب في الوقت نفسه دورا سلبيا لوأد تلك المواهب، أصبح من اللازم أن نضيف لها اليوم الذكاء الصناعي، فهو قد يُساعد الموهوب في إبراز موهبته وتنميتها، أكثر من الأسرة والمدرسة والمجتمع، وذلك لما يفتح من فرص هائلة لتنمية وتطوير المواهب والتحسين من انتاج الموهوبين بشكل لم يكن بالإمكان تخيله. ولكنه في المقابل، يمتلك قدرة تدميرية للمواهب لا تقاس بالقدرة التدميرية لكل العوامل الأخرى مجتمعة، ولذا فهو يستحق أن يوصف بزعيم عصابة الأشرار التي تقتل المواهب، إذا ما أعطيت له الفرصة لقتل تلك المواهب، أي عندما يكتفي الموهوب بالحلول الجاهزة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، ويبتعد بالتالي عن الجد والمثابرة والتدريب، ويتوقف عن تكرار المحاولة بعد الأخرى للحصول على نتائج أفضل.

ختاما

الموهبة في عصر الذكاء الاصطناعي ستبقى مهمة، وستبقى من أسباب التميُّز، فالذكاء الاصطناعي حتى وإن كان يفتح أبوابا واسعة أمام الجميع، إلا أنه لن يحل محل الإنسان الموهوب والمبدع الذي يمتلك رؤية وقدرة على إضافة لمسة إبداع على النتائج التي أصبحت متاحة للجميع. 

إن الموهوب الحقيقي هو من سيجعل الذكاء الاصطناعي أداة بين يديه، لا خصما أو منافسا له.

----

الصورة على هامش المؤتمر مع الدكتور يانيس كولاجراكيس وقد أهديته نسخة من كتابي "أيها المواطنون الصالحون أنتم المشكلة".

  يانيس هو رئيس الاتحاد العالمي للمدربين المحترفين، وأنا عضو في هذا الاتحاد.

السبت، 31 يناير 2026

نداء صحفي/ من أجل (شراكة لإنقاذ الأرواح)


قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾

في بلد تحصد فيه حوادث السير عددًا كبيرا من الأرواح سنويا، يصبح كل عمل توعوي، وكل مجسم تحسيسي، وكل رسالة بصرية صادمة أو معبِّرة، وقاية من حوادث السير، ومساهمة مباشرة في إنقاذ الأنفس.

لقد أثبتت المجسمات التوعوية الطرقية نجاعتها العالية في لفت الانتباه، وكسر الاعتياد، وإيصال رسالة السلامة بوسائل غير تقليدية، تظل راسخة في الذاكرة. وفي هذا الإطار، شيدت الحملة خلال السنة الماضية أول مجسم توعوي من نوعه في البلاد على طريق الأمل، وذلك بالشراكة مع تطبيق السداد، في مبادرة نُثمّنها عاليا ونسأل الله أن يجعلها في ميزان حسنات القائمين عليها.

ونظرا لما لمسناه  من أهمية لهذا المجسم التوعوي الأول من نوعه، فإن الحملة تخطط في العام 2026 لتشييد ثلاثة مجسمات توعوية جديدة على المحاور الطرقية التالية:

محور روصو – نواكشوط

محور نواذيبو – نواكشوط

محور أكجوجت – نواكشوط

وبهذه المناسبة، تتوجه حملة "معا للحد من حوادث السير" بنداء مفتوح إلى الشركات والمؤسسات الوطنية والبنوك والتطبيقات المالية، وإلى كل جهة راغبة في ترك أثر إنساني ومجتمعي مستدام في مجال السلامة الطرقية، بتشييد مجسمات توعوية على أحد  المحاور الطرقية المذكورة أعلاه، تحملا للمسؤولية الاجتماعية، وإسهاما في إنقاذ الأرواح، وترسيخا لثقافة القيادة الآمنة.

إن من يساهم في هذا الجهد - دعما أو تمويلا أو شراكة - إنما يساهم في إحياء الأنفس، وربما كان جهده ذلك بفضل الله، سببا في نجاة إنسان من موت محقق، فينال بذلك أجر  ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع

#معًا_للحد_من_حوادث_السير

الأربعاء، 28 يناير 2026

توضيح للرأي العام وتصريح طوعي بالممتلكات


بمناسبة اختياري ممثلا لهيئات المجتمع المدني الناشطة في مجال مكافحة الفساد في لجنة الانتقاء المعلن عنها بموجب المرسوم الرئاسي رقم 017 الصادر بتاريخ 20 يناير 2026، يطيب لي أن أتقدم بهذا التوضيح للرأي العام الوطني، وأن أُدلي ـ في الوقت نفسه ـ بتصريح طوعي بممتلكاتي الحالية، دون أن أكون ملزما بذلك قانونا، وإنما إيمانا مني بأهمية ترسيخ ثقافة التصريح بالممتلكات، وحرصا على الإسهام العملي في تعزيز قيم الشفافية والنزاهة.

إني على قناعة تامة بأن الفاعلين في هيئات المجتمع المدني الناشطة في مجال مكافحة الفساد، مطالبون قبل غيرهم، بتجسيد القيم التي يدعون إليها، خاصة عندما يُنتدبون لمهام ترتبط مباشرة بمحاربة الفساد وحماية المال العام.

أولا: بخصوص التكليف بالمهمة

أود التأكيد أنني لم أسعَ إلى هذه المهمة، ولم أطلبها، وإنما كُلِّفت بها بمبادرة من الجهات المعنية، ثقة منهم بي، وأرجو أن أبقى دائما محل تلك الثقة. وقد قبلت هذا التكليف، رغم تزاحم بعض الالتزامات المبرمجة في العمل الجمعوي خلال العام 2026، وذلك خشية أن يُفهم أي اعتذار على أنه تهرب من مسؤولية عامة، يمكن أن أُسهم من خلالها - ولو بقدر محدود - في الجهود الوطنية لمحاربة الفساد.

ومن هذا المنطلق، فإنني أعتبر هذه المهمة المؤقتة تكليفا قبل أن تكون تشريفا، وأن التهانئ يجب ألا تقدم في هذه المرحلة، فالتهنئة المستحقة - في تقديري - تكون في ختام المهمة، إذا ما أُدِّيَت على الوجه المطلوب، وكم أتمنى أن يأتي اليوم الذي تؤخر فيه التهانئ على التعيين أو التكليف بالمهام إلى حين الانتهاء من المهمة، وأدائها على أحسن وجه. 

ثانيا: بخصوص محاولات التأثير أو الوساطة

أعلن بشكل واضح وصريح، لا لبس فيه، أنني سأتعامل بصرامة أشد مع أي شخص يحاول التأثير على عملي داخل اللجنة، سواء عبر التوصية بملف، أو إرسال واسطة، أو طلب أي تدخل من أي نوع في مسار انتقاء أعضاء اللجنة. أما بالنسبة لمن يُلَمِّح، أو يَعرضُ، أو يَعِدُ بتقديم أي خدمة شخصية - مادية كانت أو معنوية - مقابل المساعدة في تمرير ملف أو التأثير في عملية الاختيار، فإنني سأتعامل معه بشكل آخر، وسألجأ في مثل هذه الحالات إلى القضاء.

ثالثا: بخصوص ممتلكاتي الحالية

أصرح بأن ممتلكاتي الشخصية، حتى تاريخ نشر هذا التصريح، تتمثل فيما يلي:

• رصيد مالي شخصي قدره 13.845 أوقية جديدة؛

• رصيد في حساب جمعية خطوة للتنمية الذاتية قدره 200.000 أوقية جديدة، لا يدخل ضمن ممتلكاتي الشخصية، ولكني أصرح به هنا لأني أتولى تسييره. وهذا المبلغ عبارة عن دعم تسلمته الجمعية مؤخرا من وزارة تمكين الشباب، وسيخصص لتنفيذ برنامج خطوة التدريبي لاكتشاف وتنمية المواهب الشبابية، وسينطلق هذا البرنامج غدا الخميس (29 يناير 2026) إن شاء الله، ومن المفترض أن يستفيد منه 1000 شاب في مقاطعتي الميناء والرياض في مرحلته التجريبية؛

• سيارة من نوع تويوتا أنفاسيس 4D4، في وضعية فنية غير جيدة.

وأؤكد بمناسبة هذا التصريح، أني لا أملك أي قطعة أرضية، ولا منزلا، ولا أي سيارة أخرى غير المذكورة أعلاه. وأجدد بمناسبة هذا التصريح تعهدي السابق الذي أمنح فيه الحق لكل أولئك الذين يتحدثون في مواقع التواصل الاجتماعي عن ممتلكات أخرى، ببيع تلك الممتلكات دون الرجوع إليَّ، على أن يحتفظوا لأنفسهم ب 90% من العائدات المتحصلة من عملية البيع تلك، ويتركوا لي 10% المتبقية كعمولة وسيط، وسأكون شاكرا لهم إن فعلوا ذلك.

والحمد لله على نعمه التي لا تُحصى ولا تُعدُّ، والتي من بينها أنه لم يجعل جمع المال هو شغلي الشاغل، ولا هو هدفي الأول الذي أسعى لتحقيقه في هذه الحياة الدنيا.

حُرِّرَ في نواكشوط بتاريخ: 28 يناير 2026

محمد الأمين الفاضل

ممثل المجتمع المدني في لجنة انتقاء أعضاء المجلس الوطني للسلطة الوطنية لمكافحة الفساد.



الاثنين، 26 يناير 2026

بيان من ميثاق المواطنة


تابعنا في لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة ما تم تداوله مؤخرا بخصوص اتخاذ إجراءات عقابية من طرف الإدارة العامة للأمن الوطني، ضد مفوض شرطة على خلفية مشاركته في تعزية بالزي الرسمي، استخدم فيها عبارات ذات مضامين قبلية.

ونحن في ميثاق المواطنة إذ تثمِّن عاليا هذه الإجراءات، فإننا نعتبرها خطوة مسؤولة ومهمة في اتجاه ترسيخ دولة القانون، وصون حياد المرفق العمومي، وحماية قيم المواطنة الجامعة التي تُعدُّ الأساس المتين لوحدة المجتمع وتماسكه.

ونؤكد بهذه المناسبة أن مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، مطالبة أكثر من غيرها بالالتزام الصارم بخطاب وطني جامع، يترفع عن كل ما من شأنه أن يغذي النعرات القبلية أو الشرائحية أو الجهوية أو العرقية، انسجاما مع روح الدستور، وقيم المواطنة، وخطابات فخامة رئيس الجمهورية الأخيرة التي دعت وبوضوح - لا لبس فيه - إلى ضرورة تعزيز الانتماء الوطني المشترك، ونبذ كل أشكال الخطابات الضيقة، والابتعاد عن كل الأفعال التي تؤدي إلى تلك الخطابات.

إن الزي الرسمي ليس مجرد لباس إداري، بل هو رمز لهيبة الدولة ولمبدأ المساواة بين المواطنين، ويجب أن يظل بعيدا عن أي توظيف رمزي أو خطابي يمس حياد الدولة، أو يخل بروح قيم المواطنة.

وانطلاقا من بنود ميثاق المواطنة الذي أعلنا عنه في نشاط كبير على هامش الاحتفالات المخلدة للذكرى الخامسة والستين للاستقلال الوطني، فإننا في لجنة الإشراف على هذا الميثاق، لنؤكد على ما يلي:

1- دعمنا الكامل لكل إجراء قانوني أو إداري يهدف إلى حماية الخطاب العام من الانزلاق نحو التفرقة؛

2- مطالبتنا بتعميم المحاسبة لتشمل كل أصحاب الخطابات القبلية أو الشرائحية أو العرقية، وأن يكون ذلك في إطار القانون، وبروح تربوية ومؤسسية، بعيدا عن التشهير أو التوظيف السياسي؛

3 - تأكيدنا على أن معركة ترسيخ قيم المواطنة ليست معركة ظرفية أو انتقائية، بل يجب أن تشكل مسارا وطنيا شاملا، لا يستثني أي أحد، ينخرط فيه المجتمع المدني، وكل النخب الوطنية، حماية للوحدة الوطنية، وصونا للانسجام الاجتماعي، وبناءً لدولة المؤسسات والمواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون.

نواكشوط بتاريخ: 25 يناير 2026.

لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة.

الأحد، 25 يناير 2026

هل أنت مستعد للتبرع بساعة لخدمة موريتانيا؟


في إطار التحضير لإطلاق مشروع “ساعة خدمة عامة”، اجتمع مساء السبت 24 يناير 2026 ثلاثون ناشطا في العمل الجمعوي، في أول جلسة تأسيسية لمناقشة هذا المشروع التطوعي الوطني الرائد، القائم على التزام المنتسبين بالتبرع بساعة واحدة على الأقل أسبوعيا للخدمة العامة.

وخلال الاجتماع، اتفق المشاركون على اختيار لجنة من خمسة أعضاء، كُلِّفت بإعداد تصور متكامل للمشروع، يشمل آليات التنظيم والتنفيذ، على أن تقدم هذا التصور للأعضاء المؤسسين في أجل أقصاه أسبوعان، لدراسته والمصادقة عليه بشكل نهائي من طرف اللجنة التأسيسية.

ويهدف مشروع “ساعة خدمة عامة” إلى ترسيخ ثقافة التطوع، والانتقال بالعمل التطوعي من مبادرات فردية متفرقة إلى مشروع وطني منظم، يقوم على تجميع جهود الفاعلين في العمل الجمعوي ضمن إطار موحد، بأهداف وطنية واضحة ومحددة زمنيا.

ويقوم المشروع على مبدأ بسيط يتمثل في التزام كل منتسب بتقديم ساعة خدمة عامة أسبوعيا على الأقل، سواء عبر العمل التطوعي المباشر، أو عبر تكوين وتأهيل وتدريب المنتسبين للمشروع بالنسبة لمن يمتلك خبرات يمكنه أن يقدمها، أو المساهمة بمبلغ رمزي تعويضا عن الساعة، بما يتيح مشاركة مختلف فئات المجتمع، خاصة الشباب، وأصحاب الخبرة، والميسورين.

وأكد المشاركون أن المشروع سيعتمد لاحقا على منصة رقمية مخصصة لتسجيل المنتسبين، وتتبع ساعات الخدمة، وتنظيم مجالات التدخل، بما يعزز الشفافية والفعالية في تنفيذ هذا المشروع الوطني الطموح.

الكلمة الافتتاحية 👇