الأحد، 5 أبريل 2026

لماذا لا نبدل السيارات بالدراجات؟


في زمن الأزمات، لا تُقاس قوة المجتمعات فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على التكيّف وإنتاج الحلول الذكية. وفي ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات، وتذبذب سلاسل الإمدادات عالميا، تبرز الحاجة إلى التفكير في حلول وبدائل عملية، ذكية، ثورية، وقابلة للتطبيق.

منذ أيام، دعاني المهندس محمد عبد الرحمن الشيخ، وهو ينشط معنا في عدة مبادرات تطوعية، للمشاركة في لقاء ستنظمه "منصة تطوع" التي ينسق أنشطتها، وكان اللقاء تحت عنوان: "الطاقة في موريتانيا: التحديات، الترشيد، وآفاق البدائل"، ونظرا لانشغالات ضاغطة، فلم أتمكن من الحضور. 

واليوم، راسلني بفكرة أعلن عن تبنيها على هامش اللقاء، تمثلت في توقيفه لسيارته وإبدالها بدراجة هوائية، في خطوة وصفها بالبسيطة، ولكنها في جوهرها فكرة ثورية، تعبر عن وعي بالمسؤولية، وسعي جدي لترشيد الطاقة، وللحفاظ على البيئة.

عندما اطلعتُ على الفكرة، تذكرتُ مقترحين في المجال، غاية الأهمية، سأتحدث في هذا المقال عن أحدهما، وأترك الحديث عن الثاني إلى وقت لاحق إن شاء الله. المقترحان عرضهما عليَّ صديقي الفاضل الباحث في معهد "إكس" للعلوم السياسية الخبير محمد محمود ولد المعلوم خلال قدومه في عطلته للعام 2024.

حاولنا حينها تنفيذ المقترحين، ولكن ضيق العطلة حال دون ذلك، ونفس الشيء حدث خلال قدومه في عطلته الموالية للعام 2025. 

ومع أن المقترحين أعِدَّا قبل سنتين من الآن، إلا أن الحاجة إليهما تبدو اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وخاصة بعد أن اندلعت الحرب الحالية في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة، مما جعل الحكومة تتخذ مؤخرا بعض الإجراءات والتدابير التقشفية.

يدعو المقترح الأول إلى تشجيع الموريتانيين على استخدام الدراجة، وذلك باعتبارها وسيلة نقل فعالة لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود، ولكونها تساهم في تحسين الصحة واللياقة البدنية، وتقلل من حوادث السير. كما أنها يمكن أن تلعب دورا مهما في تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي. 

تبدو أهمية استخدام الدراجة لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، وتحسين الصحة، والحد من حوادث السير واضحة جدا، ولا تحتاج لأي شرح، ولكن تبقى علاقتها بالوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي أقل وضوحا، وقد بين المقترح تلك العلاقة عندما اعتبر أن الدراجة يمكن أن تكون وسيلة فعالة للاندماج الاجتماعي، من خلال تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين المواطنين، وخاصة عندما تستخدمها نخب المجتمع، فمثل ذلك سيزيد من تلاشي الفوارق الاجتماعية، ويعزز الاحترام المتبادل بين مختلف فئات المجتمع، كما أنه يشجع على تبنِّي سلوكيات تحترم الصالح العام والبيئة.

ويُطالب المقترح في مسودته الأولى بتبني سياسات عمومية تشجع على استخدام الدراجة، ويمكن أن يتم ذلك من خلال الإجراءات التالية:

1 ـ إنشاء مسارات في الطرق، آمنة وخاصة بالدراجات.

2 ـ تنظيم أيام "بدون سيارات"، وإطلاق أنشطة ومهرجانات للحث على استخدام الدراجات.

3 ـ توفير الدراجات بأسعار مخفضة، والتشجيع على اقتنائها.

4 ـ إدماج السلامة الطرقية وفوائد استخدام الدراجة في المناهج الدراسية.

ولتنفيذ هذا المقترح، حاولنا حينها أن نُعِدَّ لائحة من بعض القدوات والنخب المتحررة من القيود الاجتماعية، والتي هي على استعداد لأن تقتنني أو تؤجر دراجات، للمشاركة في إطلاق قافلة من الدراجات تجوب شوارع العاصمة، لحث المواطنين وتشجيعهم على استخدام الدراجات في تنقلاتهم بدلا من السيارات.

لم ننفذ الفكرة في ذلك الوقت، وعلى المستوى الشخصي، فكان لدي عائق كبير، وهو أني لم استخدم دراجة في حياتي، وكنتُ أخطط لأتدرب على قيادتها قبل أن أعلن عن انخراطي بشكل ميداني في المبادرة، وهذا هو العائق الذي يمنعني الآن من أن أعلن عن توقيفي لسيارتي، وإبدالها بدراجة مثلما فعل منسق منصة تطوع.

يحكى أن امرأة هندية كان لديها ولد مدمن على أكل الحلوى، فذهبت به يوما إلى غاندي وطلبت منه أن ينصحه بالتوقف عن أكل الحلوى. لم يكن من غاندي إلا أن طلب من المرأة أن تعود إليه بابنها بعد ثلاثة أسابيع.

وعند عودتها بابنها في الموعد المحدد التفت غاندي إلى الطفل وطلب منه أن يتوقف عن أكل الحلوى، ولم يزد على ذلك، فما كان من المرأة إلا أن استغربت من ذلك الفعل، وسألت غاندي لماذا لم تطلب منه ذلك خلال لقائنا السابق.

أجاب غاندي المرأة بأنه في تلك الفترة كان هو أيضا يأكل الحلوى، ولم يكن يستطيع أن يطلب من الطفل أن يتوقف عن شيء يفعله هو.

لا أستطيع أن أدعوكم اليوم لإبدال السيارة بالدراجة، فأنا لم أبدل حتى الآن سيارتي بدراجة، ولكني عازم على ذلك في المستقبل إن شاء الله.

وقبل أن يتحقق ذلك، أرجو أن تسمحوا لي أن أدعو الحكومة إلى أن يبادر أحد وزرائها الشباب بالذهاب إلى مكتبه في الوزارة على دراجة، ولِمَ لا يحضر عدد منهم لمجلس الوزراء القادم على دراجات؟ ولِمَ لا يبادر بعض قادة حزب الإنصاف باقتناء دراجات والذهاب بها إلى مقر الحزب؟ وَلِمَ لا يكثر بعض المدونين الداعمين لإجراءات الحكومة التقشفية من نشر صورهم على دراجات وهم يتجولون في شوارع العاصمة؟

لقد شاهدنا منذ أشهر عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي، أحد كبار رجال الأعمال في البلد، وهو يُعِدُّ الطعام بنفسه خلال رحلة مع أصدقائه، داخل ولاية آدرار على ما أظن، وأثار ذلك المشهد إعجاب الكثيرين. فَلِم لا يبادر رجل الأعمال هذا إلى استخدام دراجة ولو ليوم واحد؟ فهو عندما يفعل ذلك قد يقلده بعض الفقراء المولعين بتقليد الأغنياء.

إن دعم التدابير المتخذة مؤخرا من طرف الحكومة لمواجهة الأزمة الحالية، لا يقتصر فقط على التنازل عن نسبة من الراتب، وإنما يمكن أن يتم من خلال اقتناء دراجات للتنقل، وهذه تمثل أعلى درجات الدعم، ويأتي في المرتبة الثانية توقيف السيارات الخاصة، والتنقل في حافلات النقل العمومي، وعلى كبار الموظفين في الدولة، وكبار السياسيين الداعمين لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن يبادروا بالقيام بذلك، تشجيعا للمواطنين على استخدام الدراجات والنقل العمومي، وبذلك نرشد الطاقة، وندعم الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الحكومة مؤخرا لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات والتذبذب الحاصل في سلاسل الإمداد.

في زمن الأزمات، قد تبدأ الحلول الكبيرة بخطوات صغيرة.

حفظ الله موريتانيا...


الخميس، 2 أبريل 2026

بكل وضوح: إلى الحكومة والنخب والشعب

 


في أوقات الأزمات، والعالم يعيش اليوم أزمة بالغة الخطورة بسبب الحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط، يكون من واجب من يتحدث في الشأن العام أن يتحدث بصدق ووضوح، وأن يضع في حديثه ـ لم أقل في فعله، فنخبنا قليلة الأفعال ـ المصلحة العليا للبلد فوق أي مصلحة أخرى.

إلى الحكومة

ما يجب أن يُقال للحكومة في أيامنا الصعبة هذه، وبعيدا عن أي لف أو دوران، يمكن تلخيصه في جملة واحدة: إن الإجراء الأول، أو التدبير الأول، أو الخطوة الأولى التي على الحكومة أن تتخذها لمواجهة أزمة الطاقة، والتذبذب الحاصل في سلاسل التموين، يجب أن تكون محاربة الفساد، والخطوة الثانية يجب أن تكون كذلك محاربة الفساد. أما الخطوة الثالثة التي يجب أن تتخذها الحكومة لمواجهة الأزمة الحالية، فهي أيضا محاربة الفساد.

إن أهمية محاربة الفساد لا تتوقف فقط عند توفير موارد مالية ضخمة من خلال استعادة الأموال المنهوبة، والتي تتراوح نسبتها في الدول المشابهة لنا بين (10 ـ 25) % من الإنفاق الحكومي، ولا تتوقف أهميتها كذلك عند كونها، بالإضافة إلى استعادة الأموال المنهوبة، ستسد منافذ النهب المحتملة. إن محاربة الفساد، بالإضافة إلى كل ذلك، تعطي مصداقية قوية جدا لكل القرارات والإجراءات الحكومية، فعندما يشعر المواطن بأن الحكومة جادة في محاربة الفساد، وأنها لم تعد تقبل بأن تُنفق أوقية واحدة إلا في الصالح العام، فحينها سيستجيب لكل الإجراءات التقشفية التي ستطالب بها الحكومة، ولن يتردد في الاستجابة لأي إجراء تقشفي تطالبه به الحكومة، حتى وإن كان ذلك الإجراء الاكتفاء بوجبة واحدة في النهار، أو بكأس شاي واحد كل 24 ساعة، أو الانتقال إلى مكان العمل سيرا على الأقدام. وعلى العكس من ذلك، فإذا شعر المواطن بأن الحكومة غير جادة في محاربة الفساد، فهو في هذه الحالة لن يستجيب لمطالبها، ولا لإجراءاتها التقشفية، حتى وإن اشتدت هذه الأزمة، وحتى وإن كانت تلك الإجراءات التقشفية مبررة ومشروعة، ولا يمكن التشكيك في وجاهتها.

لقد تجاوب الشعب الموريتاني بحماس كبير مع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال فترة جائحة كورونا، وتبرع المواطنون لصندوق كورونا بكرم حاتمي؛ فمنهم الغني الذي تبرع بمئات الملايين، ومنهم الفقير الذي تبرع بمائتي أوقية قديمة، وللأسف فلم يسلم صندوق كورونا من عمليات فساد، حسب تقارير رسمية، فأين هم الآن أولئك الموظفون الذين اعتدوا على مال عام جمعته الدولة وشركاؤها والمواطنون العاديون في ظل جائحة هددت العالم أجمع؟

إن المطلوب الآن من الحكومة، لمواجهة أزمة عالمية من الراجح أنها ستتمدد وتتوسع مستقبلا، هو أن تتخذ جملة من الإجراءات الحازمة والصارمة، تقنع من خلالها الشعب الموريتاني بأنها جادة في محاربة الفساد، وأن الفساد لم يعد مقبولا بشكل قاطع، وعندما يقتنع الشعب الموريتاني بجدية الحكومة في محاربة الفساد، فسيكون من السهل جدا تمرير كل الإجراءات والتدابير التقشفية الأخرى، حتى وإن كانت قاسية جدا. وإذا لم يقتنع الشعب الموريتاني بجدية الحكومة في محاربة الفساد، فسيبقى من الصعب جدا تمرير أي إجراءات تقشفية مهما كانت وجاهتها وشرعيتها.

يبقى أن أقول، في ختام هذه الفقرة من المقال: إن الذكاء الجمعي للشعوب لا يخطئ عادة، فعندما يتولد شعور جمعي لدى شعب ما بأن حكومته تحارب الفساد بشكل جدي، فذلك يعني أنها تُحارب فعلا الفساد بشكل جدي، وإذا لم يتولد شعور جمعي لدى شعب ما بجدية حكومته في محاربة الفساد، فذلك يعني أن تلك الحكومة مطالبة باتخاذ إجراءات مستعجلة وصارمة لإقناع شعبها بأنها جادة في محاربة الفساد.

إلى النخب

على النخب، بمختلف أشكالها وأطيافها، أن تدرك بأن العالم مقبل على أيام صعبة، وأن ذلك سينعكس قطعا على بلادنا. صحيح أن ترامب شخص متناقض في خطاباته، فهو يتناقض حتى في التغريدة الواحدة، وقراراته وتصرفاته لا يحكمها أي خيط ناظم يتيح استشراف قراراته وتصرفاته مستقبلا، ومع ذلك فلا بد أن نتوقف مع كلمته الأخيرة، والتي جاءت في خطابه الأخير الموجه للشعب الأمريكي. لقد قال في خطابه هذا إنه سيعيد إيران إلى العصر الحجري، ويعني ذلك أنه سيدمر محطات الماء والكهرباء في إيران، ولا يُستبعد من شخص متهور مثل ترامب أن يفعل ذلك. في المقابل، فإن إيران لن تتردد في الوفاء بوعدها بإغراق المنطقة في ظلام دامس، إن نفذ ترامب تهديده، ولا يُستبعد من إيران أن تفعل ذلك، فالظاهر أن إيران قد انتقلت بالفعل من "الصبر الاستراتيجي" الذي كان يمنعها من الرد، حتى وإن قُصفت في وضح النهار، إلى "الجرأة الاستراتيجية" التي جعلتها تقصف ست دول في المنطقة في وقت واحد!

كل الاحتمالات مفتوحة على المزيد من الدمار، فترامب متهور، وإيران حسمت أمرها في المواجهة، ويعني ذلك أن الأزمة العالمية ستتفاقم، وحتى وإن توقفت الحرب في يومنا هذا، فإن الأزمة ستستمر لأشهر، وربما لأعوام، وواجب النخبة في أوقات الأزمات هو أن تضع المصلحة العليا أولا، والمصالح الضيقة والشخصية ثانيا وثالثا.

إن وضع المصلحة العليا للبلد أولا، قبل مصلحة النظام بالنسبة للنخب الداعمة، وقبل مصلحة المعارضة بالنسبة للنخب المعارضة، وقبل المصلحة الشخصية للفرد، مطلوب دائما في كل الأحوال، ولكنه مطلوب بإلحاح في زمن الأزمات العالمية أو الإقليمية أو المحلية، ونحن نعيش اليوم أزمة عالمية، وأزمة إقليمية، ولا بد أن تكون لهما انعكاساتهما على المستوى المحلي.

لا أظن أن تثمين الأغلبية لما قامت به الحكومة من إجراءات، والاكتفاء بذلك التثمين، هو الخيار الأمثل، ولا أظن كذلك أن نقد المعارضة للإجراءات التقشفية، والمطالبة بالنزول إلى الشارع، هو الخيار الأمثل في هذه الفترة.

في اعتقادي الشخصي، أن الخيار الأسلم في ظل أزمة عالمية كالتي نعيش اليوم، يقوم على ثلاث مرتكزات أساسية:
1
ـ تحصين الجبهة الداخلية من خلال التهدئة السياسية والحوار؛
2
ـ محاربة الفساد بشكل حازم وصارم؛
3
ـ البحث عن آلية وطنية تجمع بين الأغلبية والمعارضة لمواجهة انعكاسات الأزمة العالمية على بلادنا، وأن تكون تلك المواجهة من خلال إجراءات وتدابير وطنية يتفق عليها الجميع، ويشارك في تنفيذها الجميع.

هذا هو ما يجب أن تدعو إليه النخب في كتاباتها وأحاديثها، في مثل هذه اللحظة الحرجة عالميا، والمقلقة وطنيا؛ أن تدعو إلى ذلك بعيدا عن التخندقات والتموقعات، وبعيدا عن المصالح الشخصية الضيقة.

إلى الشعب

لكل أزمة جانبها المضيء، والكارثة هي أن نعيش الأزمة بكل آلامها وتبعاتها، ولا نستفيد، في الوقت نفسه، من جانبها المضيء.

إن الشعب الموريتاني بحاجة إلى تغيير جذري في العقليات وفي بعض المسلكيات، والوقت الأمثل لذلك هو عندما تكون هناك أزمة عالمية تفرض تغيير تلك العقليات والمسلكيات.

على الشعب الموريتاني أن يعلم أن الوقت لم يعد وقت تبذير في الإنفاق ولا في الاستهلاك، ولم يعد كذلك وقت كسل وتكبر عن بعض الأعمال التي ما زال الأجانب يستنزفون بها ثرواتنا.

لا بد من حملات توعوية كبرى لتغيير العقليات والمسلكيات، ولا نريد، بالمناسبة، تكرار حملات توزيع "لمغاسل" التي عشناها في فترة جائحة كورونا. إننا نريد حملات توعوية جدية، تنطلق من الشعب بمختلف مكوناته، يقودها المجتمع المدني بمفهومه الواسع: العلماء، منظمات المجتمع المدني، الأحزاب السياسية، النقابات، وتدعمها الحكومة. أما الحملات التي تنطلق من الحكومة، ومن الولاة، ومن موظفي الدولة، أي من الجهات التي لا علاقة لها أصلا بالحملات التوعوية والتحسيسية، فمثل تلك الحملات كثيرا ما تفشل، وتتحول في الغالب الأعم إلى عمل شبه مسرحي، فهذا هو ما يقوله كتاب أرشيف الحملات الحكومية عندما تفتحونه من صفحة حملة محو الأمية، مرورا بكل الحملات الحكومية التي تلت حملة محو الأمية.

حفظ الله موريتانيا...

الجمعة، 27 مارس 2026

شكرا للمدير العام للضرائب


ما أجمل أن يكون أول ما تُطالعه بعد تشغيل الهاتف، في صبيحة هذه الجمعة المباركة، صورة من وثيقة رسمية باللغة العربية، صادرة عن المدير العام للضرائب.

لقد وصلتني هذه الوثيقة من عدة أصدقاء، فشكرا لكل من أرسل ليَّ صورة منها، أو بعث إليَّ رابط الخبر المنشور عنها في وكالة الأخبار المستقلة.

شكرا لكم جميعا، وشكرا قبل ذلك للمدير العام للضرائب، الذي أصدر هذه الوثيقة بلغة عربية سليمة وجميلة.

يستحق المدير العام للضرائب من الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية أكثر من كلمة شكر، فتعريب وثائق وزارة المالية من الأمور المهمة جدا عندنا في الحملة، وذلك لكون هذه الوزارة تعدُّ هي الوزارة الأقل تعريبا في البلاد، ثم لكونها من الوزارات المرتبطة بشكل مباشر بأرزاق الناس، وكثيرٌ من الناس سيظل متعلقا باللغة المرتبطة برزقه، ولا يهمه أن تكون تلك اللغة هي اللغة الرسمية أو غير الرسمية للبلد.

ونظرا لأهمية تعريب وثائق هذه الوزارة، فقد سارع رئيس الحملة، معالي الوزير السابق صو آبو دمبا بتوجيه رسالة إلى معالي وزير المالية، يوم 12 إبريل 2022، طالبه فيها بتعريب جميع الوثائق الصادرة عن الوزارة والإدارات التابعة لها، احتراما للدستور، وضمانا لحقوق المواطنين، وتقريبا لخدمات الإدارة من المواطن.

وفي يوم 30 يوليو 2025، أصدر وزير الاقتصاد والمالية حينها، السيد سيد أحمد أبوه، تعميما حمل الرقم 000583، ألزم فيه جميع العاملين في القطاع بتحرير المراسلات الصادرة عن القطاع باللغة العربية فقط، وقد ثمَّنت الحملة عاليا صدور ذلك التعميم، مع أن الأصل أن تطبيق مادة في الدستور لا يحتاج أصلا إلى تعميم من وزير.

ولإدراك أهمية هذا التعميم، يكفي أن نذكر حالة اطَّلعت عليها الحملة في تلك الفترة ونددت بها، وهي حالة تتعلق بمواطنة موريتانية لديها ابن مسجون في المغرب. قررت إدارة السجن هناك الإفراج عنه لأسباب إنسانية، لكنها اشترطت عدة وثائق قبل الإفراج عنه، من بينها شهادة إعفاء من الضرائب. سارعت الأم إلى استصدار تلك الشهادة أو الإفادة، ولكن الإدارة المعنية في المغرب رفضت النسخة التي أرسلتها الأم؛ لأنها كانت باللغة الفرنسية، وطالبت بنسخة عربية، فما كان من الأم؛ إلا أن عادت إلى إدارة الضرائب في التيارت، وطلبت شهادة بالعربية، فرفضت الإدارة ذلك، بحجة أنها لا تصدر أصلا شهادات من هذا النوع باللغة العربية.

لم يكن أمام هذه الأم المسكينة إلا اللجوء إلى موثق، وتسديد رسوم إضافية، لإثبات أن النسخة العربية المترجمة عن النسخة الفرنسية مطابقة للأصل.

وفي فاتح نوفمبر من العام 2025 طالعنا في الحملة صورة من بيان بلغة عربية جميلة، موقع باسم عباس صو، الناطق الرسمي باسم نقابة أطر وموظفي وزارة المالية، يعلن فيه فوز نقابته في الانتخابات التمثيلية النقابية لوزارة الاقتصاد والمالية، التي جرت في ذلك اليوم. وقد وجهنا حينها الشكر إلى تلك النقابة، ولن نتأخر في توجيه الشكر إلى أي مسؤول في قطاع المالية يبذل أي جهد من أجل تعريب وثائق الوزارة، احتراما للدستور، وضمانا لحقوق المواطنين، وتقريبا لخدمات الإدارة من المواطن.

فشكرا مرة أخرى للمدير العام للضرائب.





الثلاثاء، 24 مارس 2026

كيف أثمر بيان حزب الإنصاف؟


لم يدرك بعض داعمي فخامة رئيس الجمهورية أهمية بيان حزب الإنصاف الأخير المتعلق بضريبة الهواتف، وانتقد صحفيون ومدنون داعمون لرئيس الجمهورية هذا البيان بشدة، بحجة أن دور الحزب يجب أن يقتصر على الدعم والإشادة بكل ما تقوم به الحكومة. أما نقد العمل الحكومي، أو التحفظ على أي إجراء أو قرار حكومي، فيجب أن يترك حصرا لمعارضي النظام.

على المستوى الشخصي، فإني لم أتردد في تسجيل إعجابي ببيان الحزب، وقد افتتحتُ مقالي: "ضريبة الهواتف: حين لا تراعى الظروف عند اتخاذ القرار" بفقرة من البيان المذكور، وهي الفقرة التي جاء فيها: "ومع ذلك، فإن الحزب يعي تماما أن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح إلا إذا أخذ بعين الاعتبار أوضاع المواطنين، وظروفهم المعيشية، خصوصا فئة الشباب والعمال البسطاء الذين يعتمدون على الأنشطة التجارية الصغيرة كمصدر للرزق".

وكان تعليقي في المقال على هذه الفقرة من البيان: "إن القرارات التي تتخذها الدول والحكومات لا يُنظر إليها من زاوية واحدة فقط، أي: هل هي صائبة من الناحية النظرية أم لا؟ بل يُنظر إليها كذلك من زوايا أخرى لا تقل أهمية، من بينها: أثرها المباشر على المواطن، وكيف سيتفاعل معها الرأي العام، وهل توقيت اتخاذها مناسب أو غير مناسب."

لا خلاف على أن المطلوب من الحزب الحاكم، بل ومن كل الأحزاب المنخرطة في الأغلبية الداعمة للنظام، الدفاع عن الحكومة وتسويق منجزاتها، ولكن هناك لحظات يكون فيها من واجب الحزب أن يُسارع إلى رصد ردود الأفعال على بعض القرارات الحكومية، والعمل على امتصاص أي غضب شعبي يظهر من قبل أن يتسع فيربك العمل الحكومي، ويشوش على الصورة التي اشتغل عليها فخامة الرئيس خلال السنوات الست الماضية، أي صورة النظام القريب من الفئات الهشة المهتم بالشباب.

فأن تخرج احتجاجات شعبية بحضور معتبر في يوم حار من أيام رمضان، لتحتج على قرار حكومي اتخذ في عهد رئيس توقفت الاحتجاجات في فترة حكمه، ولست سنوات متواصلة، فتلك رسالة يجب على داعمي النظام أن يسارعوا إلى قراءتها، وأن يتعاملوا مع مضامينها بذكاء وحكمة وبشكل استباقي، لأنه بدون ذلك التعامل، فإن تلك الاحتجاجات كان يمكن أن تتطور، وتكسر الهدوء السياسي الذي اشتغل عليه كثيرا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خلال سنواته الست الماضية.

وعندما ينكسر ذلك الهدوء، وتبدأ عدوى الاحتجاجات تصيب فئات أخرى، فحينها ستتغير أمور كثيرة، ولن تجد الحكومة الظروف المناسبة لأداء مهامها.

يبدو أن هذا هو ما أدركه حزب الإنصاف، فأصدر بيانه الذي كان من الواضح أنه رسالة تهدئة وطمأنة للمحتجين، لتتوالى بعد ذلك بيانات أخرى لأحزاب في الأغلبية، دعت كلها إلى الحوار وفتح قناة للتفاوض مع المحتجين.

وكانت ثمرة الحوار والتفاوض أن أعلن ممثلو اتحاد أسواق الهواتف إنهاء الأزمة بشكل كلي، فأوقفوا الاحتجاجات وأشادوا بالنظام، وجاء على لسان المهندس عبد القادر ولد الشيخ المتحدث باسمهم: "...ومن هنا نؤكد أن هذا الحزب (أي حزب الإنصاف) انحاز إلى القواعد الشعبية، وإلى الطبقات الضعيفة، وإلى صوت الشباب الذي يعاني من هذه الضريبة التي كنا نعتبرها ضريبة مجحفة، وانحاز إلى صوت الشباب والطبقة الضعيفة وهذه لفتة تحسب له."

هكذا تمكن حزب الإنصاف وبقية أحزاب الأغلبية من تهدئة الساحة والتمهيد للحوار بين المحتجين والجهات المعنية بالضريبة، فتوقفت الاحتجاجات وتحولت إلى مؤتمرات صحفية للإشادة بالنظام، وهذا هو أفضل عمل يمكن للذراع السياسي للنظام أن يقوم به.

إنصافا لحزب الإنصاف

كثيرا ما انتقدتُ حزب الإنصاف، ولستُ نادما على ذلك، فمبرراتي في انتقاده كثيرة، ولكن بما أن المقام مقام إنصاف، وحتى لا أظلم الحزب في هذا المقام، فلا بد من القول بأن بيان ضريبة الهواتف لم يكن هو الموقف الوحيد الذي اتخذه الحزب في مثل هذه الحالات، فيُحسب للحزب أنه  تعامل بأسلوب مماثل مع مشروع القانون رقم 010 ـ 25 المتعلق بالتصريح بالممتلكات والمصالح، والذي أَبْعد النواب من قائمة الموظفين والمنتخبين الملزمين بالتصريح بالممتلكات والمصالح في نسخته التي صادقت عليها الحكومة، وهو ما أثار حينها ضجة كبيرة، وأذكر أننا كمنظمات ناشطة في مجال محاربة الفساد نددنا بشدة باستثناء النواب، وطالبنا مع غيرنا بإدراجهم في قائمة الموظفين والمنتخبين الملزمين بالتصريح بالممتلكات والمصالح، فلم يكن من الرئيس السابق للحزب إلا أن استدعانا في مكتبه، وأكد لنا أن الفريق البرلماني لحزب الإنصاف يتبنى فكرة إدراج النواب في لائحة الملزمين بالتصريح، وأنه سيصوت على إدراجهم في لائحة الملزمين بالتصريح بعد تعديل القانون، وهذا ما حدث بالفعل بعد ذلك.

من كورونا إلى أزمة الطاقة: هل يتكرر الإجماع الوطني؟

ويبقى البيان الأكثر لفتا للانتباه الذي وقعه الحزب الحاكم، قبل أن تتم تسميته بحزب الإنصاف، هو بيان 14 مايو 2020، الذي جاء في إطار جهود الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان للتصدي لجائحة كورونا، وكان هذا البيان غير مسبوق في شكله ومحتواه، حتى وإن لم يجد من التغطية الإعلامية ولا من التفاعل السياسي ما يستحق.

لقد تضمن البيان عشر نقاط تحدثت كلها، باستثناء نقطتين فقط، عن بعض أوجه التقصير في الأداء الحكومي، وفي النقطتين السادسة والسابعة طالب البيان بتخفيض الأسعار. 

اليوم تتشابه الظروف، ويمر العالم بأزمة بالغة الخطورة، فالآثار المترتبة على أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الحالية لا تختلف كثيرا عن الآثار المترتبة على وباء كورونا، فهل ستتمكن الحكومة والطبقة السياسية الموريتانية (موالاة ومعارضة) من خلق إجماع وطني للتصدي لآثار حرب الشرق الأوسط مثلما فعلت قبل ست سنوات خلال جائحة كورونا؟

حفظ الله موريتانيا..


الأحد، 22 مارس 2026

متى سيتوقف العرب عن تحميل أخطائهم للآخرين؟


لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل يتعرض العرب لمؤامرة كونية كبرى؟ فهذا سؤال تجاوزه الزمن، ويُفترض أن طرحه لم يعد وجيها، ومع ذلك فما زال يلجأ إليه بعض القادة العرب والنخب التي تدور في فلكها لتبرير فشلهم، وذلك باعتباره نتيجة حتمية للمؤامرة الكونية الكبرى التي تُحاك ضدهم.

من المعلوم بداهة أن القوى العظمى والقوى الإقليمية في المنطقة لن يتردد أيٌّ منها في البحث عن مصالحه الخاصة على حساب الدول الضعيفة والأراضي المستباحة، وإذا شئتم، وبلغة أقل دبلوماسية، فإن القوى العظمى والقوى الإقليمية في المنطقة لن يتوقف أيٌّ منها عن التآمر على الدول الضعيفة في المنطقة كلما توفرت الفرصة لذلك؛ فالعلاقات بين الدول لا تحكمها الأخلاق، ولا تُدار بالعواطف، وإنما يحكمها البحث عن المصالح، والمصالح فقط.

إن بقاء دولة ما، أو أمة كاملة، في حالة ضعف مستمر، سيؤدي حتما إلى المزيد من التآمر عليها، من طرف القوى العظمى الدولية أو الإقليمية التي تتنافس على النفوذ في المنطقة، ومن يُلام في ذلك ليست القوى التي تتآمر، وإنما الضحايا الذين ضعفوا فأغروا بضعفهم تلك القوى بأن تتآمر عليهم، ويزداد لوم الضحايا وجاهة إذا كانوا يمتلكون من المقدرات الاقتصادية والبشرية ما يمكنهم من أن يشكلوا قوة إقليمية في المنطقة لا يمكن التجرؤ على التآمر عليها. ومن المؤكد أن العرب يمتلكون ما يكفي من مقدرات لأن يُحصنوا بلدانهم من أي مؤامرات خارجية، ولكنهم بدلا من أن ينشغلوا ببناء بلدانهم وتحصينها ضد أي تدخل خارجي، اكتفوا بالتعويل على الآخرين لحمايتهم، فمنحت دول الخليج أراضيها للقواعد العسكرية الأمريكية، وهي القواعد التي ظهر اليوم أنها تجلب من الدمار أكثر مما توفر من الأمان.

إن السؤال الذي يجب علينا أن نطرحه اليوم هو السؤال القائل: لماذا أصبحت أمة العرب من أكثر الأمم في هذا الزمان التي تُستباح أراضيها، وتُدمَّر بلدانها، وتُحدَّد مصائر أنظمتها من طرف الآخرين؟

إن أخطر ما أُصيب به العرب في زماننا هذا ليس ما تعرضوا له من مؤامرات خارجية، مع الاعتراف بوجود تلك المؤامرات، وإنما إدمان الأنظمة وبعض النخب العربية على تبرير الفشل العربي بما يُحاك من مؤامرات خارجية، وكأن تلك المؤامرات ستعفي الأنظمة والنخب الدائرة في فلكها من المسؤولية ومن المحاسبة التاريخية، ولتجنب تلك المحاسبة فلا بد من محاسبة ذاتية، ومن مراجعة جادة للبحث عن الأسباب الحقيقية التي أوصلت عرب هذا الزمان إلى ما وصلوا إليه من ضعف واستكانة، جعلت أراضي بلدانهم مجرد ساحة لصراع النفوذ بين الأمم الأخرى.

إن أخطر ما يعاني منه عرب هذا الزمان هو تحويل خطاب المؤامرة إلى شماعة تُبرر بها الأنظمة العربية الحاكمة فشلها، ومخدِّرٍ إيديولوجي وفكري تتعاطاه النخب العربية لتبرير عجزها وعدم قدرتها على إجبار الأنظمة الحاكمة على التغيير من نهجها بما يخدم مصالح الشعوب العربية والأمن القومي المشترك.

لقد أصبح العرب، حكاما ونخبا، يلجؤون إلى هذا الخطاب التبريري كلما أُصيبوا بهزيمة، أو ضيعوا فرصة، أو انهارت دولة من دولهم، أو تمدد نفوذ الدول الأخرى على أراضي بلدانهم.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بلسان عربي فصيح هي أن الدول لا تصبح ساحة مفتوحة للتآمر وللصراع الدولي والإقليمي إلا بعد أن تكون تلك الدول قد فقدت مناعتها الذاتية بسبب فشل حكامها ونخبها في أداء أدوارهم المطلوبة، ومن الواضح البيِّن أن كل الأنظمة العربية المتعاقبة فشلت فشلا ذريعا في تحصين المنطقة العربية من أن تصبح ساحة صراع نفوذ للقوى الدولية والإقليمية في المنطقة.

بل أكثر من ذلك، فإن العديد من تلك الأنظمة ساهم في جعل المنطقة العربية ساحة صراع حول النفوذ، من خلال ما أشعل من حروب وصراعات بينية بلا أول ولا آخر في المنطقة العربية.

من المؤكد أن إيران وتركيا وغيرهما من القوى الإقليمية تبحثان عن مصالحهما قبل أي شيء آخر، ومن المؤكد أكثر أن إسرائيل، ككيان مغتصب مزروع في المنطقة، ومدعوم من طرف الغرب عموما، ومن أمريكا خصوصا، يبحث هو أيضا ـ وبشكل أكثر استفزازا ووقاحة ـ عن مصالحه الضيقة القائمة على الاحتلال وإبادة الشعوب، ولن يقبل هذا الكيان، وتدعمه أمريكا في ذلك، أن تظهر في المنطقة أيَّة دولة عربية أو إسلامية قوية؛ فهذا الكيان يعتبر أن وجود أي دولة قوية في المنطقة يشكل تهديدا استراتيجيا له، حتى وإن حكمها نظام مطبع، فإيران مثلا كان يحكمها نظام الشاه المطبع، وهي تُعد اليوم أكبر تهديد لهذا الكيان، فالدول تبقى والأنظمة تزول، وهذا مما يدركه الكيان المغتصب جيدا.

في المجمل، إن كل القوى الإقليمية في المنطقة تبحث عن مصالحها أولا، لا خلاف على ذلك، فتلك حقيقة لا يمكن لأي كان إنكارها، ولكن هناك حقيقة أخرى لا يمكن إنكارها كذلك، وهي أن الدول العربية الكبرى، قبل الصغرى، تتصرف وكأنها لا تبحث عن مصالحها الاستراتيجية، ولا عن أمنها القومي المشترك، ولذا فلم يكن غريبا أن تصبح بعض الأنظمة العربية أداة تستخدمها هذه القوة الدولية أو تلك في تحقيق المزيد من مصالحها على حساب الأمن العربي المشترك، بل إن بعض تلك الأنظمة أصبح مجرد أداة تستخدمها إسرائيل لإضفاء المزيد من الشرعية عليها، وعلى حساب الحق الفلسطيني المقدس.

ورغم كل هذا، فما زال العديد من العرب، حكاما ونخبا، يحاولون أن يحمّلوا إيران مسؤولية فشلهم، ومع أنه لا يمكن تبرئة إيران بشكل كامل مما يجري في المنطقة، إلا أنها ـ وبكل تأكيد ـ ليست هي التي أوعزت لصدام حسين بأن يقع في الفخ القاتل، فيحتل دولة الكويت في ساعات محدودة بدلا من الرد على الكيان المغتصب الذي دمَّر المفاعل النووي العراقي (07 يونيو 1981)، ليفجر بذلك واحدة من أخطر الأزمات والكوارث التي حلت ببلاد العرب في هذا الزمان، فوجدت أمريكا وإسرائيل بسبب ذلك الخطأ القاتل فرصة لا تُقدَّر بثمن لتدمير قوة العراق العسكرية والاقتصادية بغطاء عربي ودولي. صحيح أن إيران تدخلت بعد ذلك بشكل فج، وعملت على أن تكون لها أذرعها في العراق، وهي بلغة المصالح، لا يمكن أن تُلام في ذلك بعد أن أصبح العراق أرضا مستباحة لأمريكا وإسرائيل.

وإيران التي يحاول البعض أن يحملها كل مشاكل العرب ليست هي من صنعت الخلاف الأبدي بين أقوى دولتين في المغرب العربي: الجزائر والمغرب، ولا هي التي أدخلت ليبيا في مستنقع من عدم الاستقرار، ولا هي التي تقف وراء الحرب الدائرة حاليًّا في السودان.

وإيران ليست هي التي أوعزت لدول الخليج بأن تحاصر، في واحدة من أزماتها التي لا تنتهي، دولة قطر، ولا هي التي كانت تقف وراء الخلاف الذي تفجر مؤخرًا بين السعودية والإمارات، والذي كاد أن يشكل أزمة عربية جديدة لولا اشتعال الحرب الحالية في المنطقة.

وإيران لم تكن وراء الصراع المصري السعودي في اليمن في ستينيات القرن الماضي، ولا هي المسؤولة عن اشتعال الحرب الأهلية في اليمن، وليست هي المسؤولة عن موت الجامعة العربية واختفائها بشكل كامل في مثل هذا الوقت الحساس عربيًّا، وليست هي المسؤولة عن شلل الاتحاد المغاربي، ولا عن ضعف مجلس التعاون الخليجي. كل هذه الأخطاء لا يمكن أن نحملها لغير العرب، ولا تُلام إيران ـ إذا ما تحدثنا بلغة المصالح ـ إن استثمرت كل هذه الأخطاء التي ارتكبها العرب لصالحها، من خلال خلق أذرع لها في دول أصبحت أراضيها مستباحة للجميع، ولعل ما يميز أذرع إيران في المنطقة أنها ترفع ـ على الأقل ـ شعار مقاومة العدو الصهيوني، بل إن أذرعها هي وحدها التي تحارب اليوم الكيان المغتصب.

في المقابل، ألم يفرض العرب على إيران حربا مدمرة بعد سنة واحدة من نجاح ثورة الخميني التي احتجزت أكثر من 52 دبلوماسيًّا أمريكيًّا لمدة 444 يوما، وأغلقت سفارة كيان العدو الصهيوني في طهران، وأبدلتها بسفارة لفلسطين؟

ألم يفرض العرب حربا مبكرة على إيران بعد سقوط الشاه الذي كان يطبع مع العدو، وذلك بحجة منع تصدير الثورة الإيرانية ووقف المد الشيعي في المنطقة؟ دعونا نسأل الآن: ماذا كانت نتيجة ذلك؟ فهل أوقفت تلك الحرب النفوذ الإيراني في المنطقة أم زادت منه؟

لقد أصبح النفوذ الإيراني في المنطقة العربية أقوى وأخطر بعد حرب أريد لها أن تمنع ذلك النفوذ، وفي ذلك مفارقة كبيرة تستحق التأمل، فإيران يمتد نفوذها اليوم إلى داخل العراق واليمن ولبنان، وكان لها نفوذها في سوريا الذي ضعف مع النظام القائم حاليًّا، الممثل للثورة السورية، والمهادن للعدو الصهيوني، رغم أن هذا العدو لم يتوقف عن قصف سوريا، ولا عن احتلال المزيد من أراضيها.

لستُ، بطبيعة الحال، مدافعا ولا داعما لإيران في تدخلها ـ أو احتلالها، إذا شئتم ـ لأجزاء من أراضي بعض الدول العربية، ولا أنكر أن إيران قامت بجرائم فظيعة ضد السنة في سوريا، ولكن إيران لم تتدخل في تلك الدول إلا بعد أن أصبحت أراضي تلك الدول مستباحة بسبب أخطاء حكامها أو أخطاء اشقائها العرب، فإيران تغلغلت في العراق بعد تدميره من طرف أمريكا وحلفائها من العرب ردا على احتلاله للكويت، وأصبحت حاضرة بقوة في لبنان واليمن بعد حروب أهلية عرفتها الدولتان، وبطشت في سوريا في ظل حاكم عربي مستبد قررت أن تدعمه من أجل أن تضمن نفوذا أكبر لها في سوريا، ومن أجل أن تخلق ساحة أخرى تُصارع فيها العدو الصهيوني خارج أراضيها.

نعم، تدخلت إيران في بعض الدول العربية سعيا لتحقيق مصالح ضيقة على حساب استقرار تلك البلدان، ولكن يُحسب لإيران أن كل أجنحتها وأذرعها في المنطقة ظلت ترفع دائما شعار مواجهة العدو الصهيوني، بل إنها واجهته بالفعل في أكثر من مناسبة: حزب الله في لبنان، الحوثي في اليمن، نظام بشار المستبد، وفصائلها في الحشد الشعبي في العراق.

لقد انشغل الإيرانيون في العقود الأخيرة، ورغم الحصار الشديد والعقوبات المستمرة، ببناء دولة قوية قادرة على الدفاع عن نفسها أمام بطش أمريكا والعدو الصهيوني، وانشغل الأتراك ببناء دولة قوية اقتصاديًّا وعسكريًّا. أما العرب، فبدلًا من أن ينشغلوا ببناء بلدانهم، انشغل الكثير من قادتهم في صراعات بينية عبثية، وارتهن بعضهم للحماية الأجنبية من خلال إقامة قواعد عسكرية أمريكية، ظهر اليوم أنها تجلب من الدمار أكثر مما تمنح من أمان واستقرار. وبعد هذا كله يبرئون أنفسهم، ويوجهون اللوم لغيرهم، ويحمّلون فشلهم للآخرين.

ولعل من أبرز تجليات أخطاء عرب هذا الزمان أن العرب، وهم أصحاب لغة من بين اللغات العالمية الأكثر انتشارا، ما يزال الكثير منهم ـ حكاما ونخبا ـ يستبدلون لغتهم بلغات أجنبية في الإدارة والتعليم والبحث العلمي، وكأن النهضة لا يمكن أن تتحقق في بلدانهم إلا بإحلال لغة أجنبية محل اللغة العربية.

في المقابل، تمسكت إيران بلغتها الفارسية رغم أنها ليست لغة أم لنصف الشعب الإيراني، وليست لغة عالمية واسعة الانتشار، ولا تُستخدم خارج إيران إلا قليلا وفي مناطق محدودة جدًّا، ومع ذلك تمسكت إيران بها في التعليم والإدارة والبحث العلمي، ولم تستبدلها بلغة أجنبية أخرى، وكذلك فعل الأتراك مع لغتهم التركية.

وحدهم العرب تنازلوا عن سيادتهم اللغوية، وكأن لغتهم، لغة القرآن، عبء عليهم، وهذا التنازل وحده يكفي للقول بأن العرب هم السبب الأول في كل ما يتخبطون فيه اليوم من فشل ذريع.

على العرب عموما، وعلى دول الخليج خصوصا، أن يطرحوا السؤال التالي: ما الفائدة من صداقة أمريكا إذا كانت قواعدها لا تحمي، بل تجلب الدمار، وإذا كانت صداقتها لا يمكن أن تمنعها من إشعال حرب يكون المتضرر الأول منها هم أصدقاؤها العرب في الخليج؟

لن يخرج العرب من المأزق الذي وضعوا فيه أنفسهم ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ بترديد أغنية المؤامرة، ولا بالاستمرار في جلد الآخرين، والتهرب من تحمل مسؤولية الفشل ومحاسبة الذات، ولا بالاستقواء بالأجنبي على الشقيق، ولا بالتوسع في شراء السلاح دون بناء الإنسان، ولا بإضعاف اللغة والهوية والانبهار بالآخر.

إن الخروج من هذا المأزق يبدأ بالاعتراف الصريح بأنه صناعة عربية خالصة، وأن العالم لن يرحم العرب ويشفق عليهم لوجه الله، ولا لسواد أعينهم. لن يرحمهم إلا إذا امتلكوا القوة ووجهوها في اتجاه مصالحهم، وهم قادرون على ذلك إن امتلكوا العزيمة والإرادة.

وبالتوازي مع بناء قوة عربية قادرة على الردع، على العرب أن يعلموا كذلك بأن إسرائيل وأمريكا لا تستهدفهم لوحدهم، بل تستهدف كل المسلمين، فالغرب لا يقبل بدولة أو بدول إسلامية قوية، ولعلكم تذكرون ما قاله وزير الحرب الأمريكي في مؤتمر صحفي منذ أيام، حيث قال: "نحن نحارب العدو الإسلامي سواء كان سنيًّا أو شيعيًّا"، ولعلكم تذكرون قبل ذلك أن رئيس وزراء العدو تحدث عن جهوده لتشكيل حلف إقليمي ودولي لمواجهة "المحور الشيعي المنهار" و"المحور السني المتشكل".

خلاصة القول هي أن أمريكا والعدو الصهيوني لا يفرقان في حربهما على الإسلام بين سني وشيعي، فبأي منطق يفرق السني والشيعي في مقاومتهما لما تخطط له أمريكا وإسرائيل من حروب ضد الإسلام والمسلمين؟

لا خلاص من هذا المأزق الذي وضع فيه العرب أنفسهم إلا بإقامة حلف عربي إسلامي قوي يشكل قطبا قويًّا في عالم يسير بخطى حثيثة نحو عالم متعدد الأقطاب، على أن تكون السعودية وإيران وتركيا ومصر وباكستان هي النواة الصلبة لهذا الحلف، وذلك بعد أن تتجاوز تلك الدول أخطاء الماضي وآثار الخلاف الذي فرضته الحرب الحالية. أما الشروط الأساسية لتشكيل هذا الحلف فقد استعرضتها في مقالات سابقة، ولا يتسع المقام لتعدادها واستعراضها من جديد في هذا المقال.

يمكنكم العودة إلى المقالات العديدة التي كتبتها منذ فترة عن ضرورة تشكيل حلف عربي إسلامي، وهو الحلف الذي تظهر ضرورة تشكيله يوما بعد يوم.

حفظ الله بلاد العرب والمسلمين...

محمد الأمين الفاضل

 

 

الأحد، 15 مارس 2026

هل تريدون أن تتكرر فاجعة أخرى؟!


هذه الشاحنة متعطلة قرب الكلم 90 على طريق الأمل، ويمكن أن تلاحظوا أن سائقها وضع "بيدونا أصفر" كبديل للمثلثات العاكسة للضوء ليلا (انظر الصورة).

هناك شاحنة أخرى مغربية متعطلة على طريق الأمل عند الكلم 129 ( تيفكين). يمكنكم أن تلاحظوا قطعة القماش المستخدمة كإشارة تحذير! (انظر الصورة).

بالنسبة لطريق روصو فسنكتفي بهذه الشاحنة التي تعطلت عند الكلم 35 بالضبط، ووضع سائقها قنينة إطفاء (انظر الصورة).

نشير إلى أن الشاحنات المتعطلة على الطريق كثيرا ما تتسبب في حوادث سير مميتة، وقد زرنا في الحملة موقع حادث الكلم 102 على طريق الأمل الذي وقع بعد مغرب الثلاثاء 17 أكتوبر 2023 والذي تسببت فيه شاحنة متعطلة على الطريق، وأدى  إلى وفاة 5 أشخاص فورا من بينهم الداعية المعروف إنجيه ولد زروق (صورة الشاحنة مرفقة خلال زيارتنا لموقع الفاجعة)، وزرنا في العام 2025 موقع حادث سير  وقع قرب قرية اكيمي (21 مايو )، و أدى هو كذلك إلى وفاة 5 أشخاص من نشطاء العمل الخيري بعد ان اصطدمت سيارتهم بشاحنة تعطلت على الطريق.

مساء الثلاثاء الماضي زرنا في الحملة موقع حادث وقع على طريق الميناء وتوفي فيه شابان كانا على دراجة نارية اصطدمت دراجتهما بشاحنة متعطلة على الطريق بعد صلاة المغرب، ولم يكن صاحبها يضع إشارات تحذيرية. 

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير.





ميثاق المواطنة يعزي أسرة بوبكر مسعود


أدى أعضاء من لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة، مساء اليوم، زيارة تعزية ومواساة لأسرة الفقيد الحقوقي البارز بوبكر ولد مسعود، تقديرا لمسيرته النضالية الطويلة في حقوق الإنسان، ولجهوده الكبيرة في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية في موريتانيا.

​ضم الوفد كلا من:

​الوالي السابق صيدو حسن صال.

​الناشط الحقوقي الداه أحمد المختار.

​الناشط في المجتمع المدني باب الشيخ.

​الكاتب محمد الأمين ولد الفاضل.

​وفي سياق متصل، وعقب مداولات أجرتها لجنة الإشراف على الميثاق، تقرر رسميا إطلاق اسم الحقوقي الراحل بوبكر ولد مسعود على "قافلة المواطنة" التي تعدُّ من أهم الأنشطة في برنامج الميثاق للعام 2026.

​تأتي هذه الخطوة الرمزية تقديرا لجهود الراحل في مجال حقوق الانسان وترسيخ قيم المواطنة، وسعيا لإبقاء إرثه النضالي ملهما للأجيال في مسيرة بناء دولة القانون والعدل والمساواة.

#ميثاق_المواطنة

الصورة من اللافتة الجدارية للميثاق، والتي وقعتها في اليوم التوعوي المفتوح أكثر من 100 شخصية وطنية.

ميثاق المواطنة يبدأ لقاءاته بالأحزاب السياسية بلقاء مع رئيس حزب الإنصاف


في إطار سعيه لتفعيل خطته للعام 2026، والتي كان قد أعلن عنها يوم 15 فبراير الماضي، بدأ ميثاق المواطنة سلسلة لقاءاته مع القوى السياسية الوطنية، حيث التقت اليوم لجنة الإشراف على الميثاق، برئيس حزب الإنصاف، المهندس محمد بلال مسعود.

وخلال اللقاء، قدمت اللجنة عرضا مفصلا عن الميثاق، الذي أُعلن عن تأسيسه في يوم 27 نوفمبر 2025، بوصفه إطارا جامعا يهدف إلى ترسيخ قيم المواطنة، والوحدة الوطنية، وتعزيز الانتماء المشترك للوطن.

وافتتح الحديث الكاتب محمد الأمين الفاضل، قبل أن تتوالى مداخلات أعضاء اللجنة، وهم: الإداري السابق صيدو حسن صال والنشطاء في المجتمع المدني الداه أحمد المختار، وفاطمة منت الداه، ومحمد أمبارك.

وقد ركزت مداخلات أعضاء اللجنة على جملة من المحاور الأساسية، من أبرزها:

- أهمية الميثاق باعتباره ضرورة وطنية لتعزيز الشعور بالانتماء المشترك، ونبذ الخطابات الضيقة.

- خطة الميثاق للعام 2026، والتي ستبدأ بسلسلة من اللقاءات مع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

- إطلاق قافلة المواطنة التي ستجوب كل ولايات الوطن، والتي تهدف إلى نشر ثقافة المواطنة وترسيخ قيمها.

ومن جانبه، رحب رئيس حزب الإنصاف بلجنة الإشراف، وأكد في كلمته أن تعزيز المواطنة يمثل أولوية كبرى في أنشطة الحزب، وأنها كانت حاضرة  بقوة في الوثيقة التي قدمتها أحزاب الأغلبية للمنسق الوطني للحوار، مما يعكس مكانتها في اهتمامات الأغلبية عموما، وحزب الإنصاف خصوصا.

كما أكد رئيس الحزب أن الإنصاف يتقاسم مع الميثاق أهدافه الساعية إلى ترسيخ قيم المواطنة، وأنهم في الحزب على استعداد تام لتقديم كل أشكال الدعم للميثاق في أنشطته الهادفة إلى  تعزيز  قيم المواطنة والانتماء الوطني.

ويشكل هذا اللقاء فاتحة لسلسلة من اللقاءات التي ستنظمها لجنة الأشراف لميثاق المواطنة مع مختلف الفاعلين الوطنيين خلال الأيام والأسابيع القادمة، وذلك سعيا منها لضمان تخصيص مساحة واسعة في الحوار المنتظر للمواطنة ولكل ما من شأنه أن يرسخها ويعزز قيمها في نفوس المواطنين.

نواكشوط بتاريخ: 11 مارس 2026

لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة



بيانات النعي لا تكفي: متى تتحرك الحكومة لمواجهة نزيف الطرق؟


 لقد طالعنا اليوم في حملة "معا للحد من حوادث السير" على حساب معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم في الفيسبوك منشورا نَعَتْ فيه مديريْ مدرستين في ولاية كوركول توفيا في حادث سير اليم، وقع يوم الخميس 12 مارس 2026، كما أصيب في الحادث ثلاثة آخرون بجروح متفاوتة حسب المنشور. وقبل ذلك بأقل من ثلاثة أشهر، وتحديدا في يوم 27 ديسمبر 2025، نَعَتْ معالي الوزيرة ثلاثة مدرسين توفوا في حادث سير على طريق نواذيبو، وقبل ذلك بيومين فقط، نَعَتْ ثلاثة من أساتذة المحظرة الشنقيطية الكبرى توفوا في حادث سير على طريق أكجوجت. نسأل الله تعالى أن يرحم جميع الضحايا، وأن يَمُنَّ على المصابين في الحادث الأخير بالشفاء العاجل. إن تكرار هذه الحوادث، وما تكشف عنه من خسائر بشرية موجعة داخل الأسرة التربوية، يجعل من غير المقبول أن يظل تفاعل الوزارة مع هذه الحوادث محصورا في بيانات التعزية، حتى وإن كانت تلك البيانات صادقة ومقدَّرة. فالتعزية ورغم أهميتها، لا يمكن أن تكون سياسة وقائية لحماية المدرسين والتلاميذ من النزيف المستمر للطرق. إن المدرسة ليست فقط مجرد فضاء للتحصيل الدراسي، بل إنها ـ وبالإضافة إلى ذلك ـ هي المؤسسة الأقدر على غرس القيم، وتعديل السلوك، وبناء الوعي المدني. ومن هنا، فإن إدراج مبادئ السلامة الطرقية في المناهج الدراسية والأنشطة التربوية أصبح ضرورة ملحة، تفرضها الحوادث المتكررة، وتؤكدها الخسائر المتزايدة في صفوف التلاميذ والمدرسين على حد سواء. لقد سبق لنا في حملة "معا للحد من حوادث السير" أن وجهنا، مع افتتاح العام الدراسي الحالي، دعوة إلى معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم، بتخصيص درس موحد في السلامة الطرقية في أول يوم دراسي، وذلك انطلاقا من قناعتنا بأن التوعية المبكرة أكثر أثرا، وأن المدرسة هي المكان الأنسب لبناء وعي مروري راسخ لدى الأجيال الصاعدة. وللأسف الشديد، لم تجد تلك الدعوة أي تجاوب، رغم وجاهتها، وبساطة تنفيذها، ونبل الغاية منها، فعندما تصبح الطرق مصدرا دائما للخطر على التلاميذ والمربين، فإن إدخال السلامة الطرقية إلى الفضاء المدرسي يصبح جزءا أصيلا من المسؤولية التربوية. واليوم، وبعد أن تكررت حوادث السير الأليمة في الوسط التربوي، يصبح من المشروع لنا في الحملة أن طرح السؤال:  ما الذي يؤخر تفاعل الوزارة مع مطلب بهذا الوضوح، وبهذا القدر من الإلحاح؟ وفي هذا السياق، لا بد لنا أيضا من التذكير بأهمية توفير ونشر الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، لأن أي عمل توعوي أو تربوي جاد لا يمكن أن ينجح في ظل غياب معطيات دقيقة ومحدثة. فالمعلومات المتعلقة بحوادث السير ليست سرا من أسرار الدولة، ولا ينبغي أن تحجب عن الرأي العام والجهات الجادة التي تعمل في مجال التوعية والوقاية، فمن دون هذه المعطيات، لا يمكن تحديد أسباب الحوادث، ولا النقاط السوداء، ولا الفئات الأكثر عرضة للخطر، ولا بناء سياسات فعالة للحد من حوادث السير، وموجب هذا الكلام، أن الحادث الأليم الذي نشرت عنه معالي الوزيرة لا نعرف حتى الآن سببه، ولا أين وقع، ولا متى وقع بالضبط؟ ولغياب مثل هذه المعلومات، وكثيرا ما تغيب عنا معلومات مشابهة، بسبب عدم وجود أي جهة رسمية تنشر أو توفر على الأقل الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، دعونا في المطلب الرابع من "نداء جوك للسلامة الطرقية"  إلى: "توفير ونشر كل الإحصائيات المتعلقة بحوادث السير، وإدراج مادة السلامة الطرقية في المناهج الدراسية، بما يضمن غرس ثقافة احترام القانون المروري لدى الأجيال الصاعدة." وقد كنا في الحملة نتوقع أن تسارع الحكومة في تسلم هذا النداء، والذي يشكل ـ حسب اعتقادنا ـ خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا، ومع ذلك فما زالت الحكومة ترفض تسلمه، والاستجابة لمطالبه التسعة عشر. ختاما، إننا في حملة معا للحد من حوادث السير لنؤكد من جديد أن جهودنا الرامية إلى أن يحظى موضوع السلامة الطرقية بما يستحق في المنظومة التربوية، وأن تتبني الحكومة نداء جوك للسلامة الطرقية، لن تتوقف، ومهما كان مستوى التجاهل، وذلك لإدراكنا أن العمل ببنود هذا النداء سيساهم كثيرا في إنقاذ الأرواح وحماية الممتلكات. نواكشوط بتاريخ: 23 رمضان 1447 الموافق 13 مارس 2026. حملة معا للحد من حوادث السير.

ضريبة الهواتف: حين لا تراعى الظروف عند اتخاذ القرار


استوقفني بيان حزب الإنصاف الصادر يوم 13 مارس 2026، والمتعلق بما بات يُعرف بـ"الضريبة على الهواتف"، واستوقفتني بالذات الفقرة التي جاء فيها:

"ومع ذلك، فإن الحزب يعي تماما أن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح إلا إذا أخذ بعين الاعتبار أوضاع المواطنين وظروفهم المعيشية، خصوصاً فئة الشباب والعمال البسطاء الذين يعتمدون على الأنشطة التجارية الصغيرة كمصدر للرزق".

هذه الفقرة تفتح بابا مهما للنقاش، لأن القرارات التي تتخذها الدول والحكومات لا يُنظر إليها من زاوية واحدة فقط، أي: هل هي صائبة من الناحية النظرية أم لا؟ بل يُنظر إليها كذلك من زوايا أخرى لا تقل أهمية، من بينها: أثرها المباشر على المواطن، وكيف سيتفاعل معها الرأي العام، وهل توقيت اتخاذها مناسب أو غير مناسب.

ليس المهم فقط أن تكون الحكومة على حق في قراراتها، بل المهم أكثر أن تنجح في إقناع المواطنين بأنها على حق. والظاهر حتى الآن أن الحكومة لم تستطع أن تقنع الرأي العام بوجاهة الضريبة التي قررت فرضها على الهواتف، و يعود ذلك إلى عدة أسباب، لعل من أبرزها سوء التوقيت.

إن التوقيت في القرارات الاقتصادية التي تمس حياة الناس ليس مسألة ثانوية، بل هو العامل الحاسم في نجاح القرار أو فشله. فكثيرا ما يتحول القرار الصحيح إلى عبء سياسي واجتماعي إذا اتُّخذ في توقيت سيئ، في حين قد يمرُّ قرار أقل وجاهة بأقل الخسائر إذا جاء في ظرف مناسب، وسبقته تهيئة جيدة للرأي العام.

ومن هذه الزاوية، فإن الإعلان عن ضريبة الهواتف جاء في توقيت غير مناسب لعدة اعتبارات:

أولها أنه جاء في شهر رمضان، وهو شهر ترتفع فيه تكاليف المعيشة على المواطنين، وتزداد فيه الضغوط على الأسر، ولا سيما الفئات ذات الدخل المحدود.

ثانيها أنه جاء في ظرف دولي مقلق، وفي ظل حرب تثير مخاوف اقتصادية واسعة، من بينها ارتفاع أسعار النفط، وما يعنيه ذلك من زيادة في أسعار النقل والسلع الأساسية، وهو ما يجعل المواطنين أكثر حساسية اتجاه أي قرار ضريبي جديد من شأنه أن يرفع الأسعار.

وثالثها أن القرار جاء بعد أن قطعت الدولة أشواطا مهمة في الرقمنة، ومن المعروف أن الهاتف لم يعد سلعة كمالية في حياة كثير من المواطنين، بل أصبح أداة أساسية للولوج إلى الخدمات، والتواصل، والعمل، والتعلم، والاندماج في الفضاء الرقمي. ومن ثم، فإن أي زيادة كبيرة في أسعار الهواتف قد تنعكس سلبا على الفئات الهشة، وتحدُّ من اتساع استخدام الوسائط الرقمية، في وقت تبذل فيه الدولة جهودا معتبرة لتعزيز الرقمنة وتوسيع الاستفادة منها.

رابعها أن هذا القرار لم يسبقه، في نظر كثيرين، ما يكفي من الصرامة في مواجهة ملفات الفساد الكبرى أو التهرب الضريبي لدى الأغنياء. فحين لا يرى المواطن البسيط حزما واضحا مع من ينهبون الأموال الضخمة أو يتحايلون على الضرائب بمبالغ كبيرة، يصبح من الصعب إقناعه بوجاهة التشدد معه في ما يؤثر على حياته اليومية بشكل مباشر.

يكفي هنا أن نذكر بأن الإعلان عن هذه الضرائب تزامن مع سجن ومحاكمة رئيس منظمة الشفافية الشاملة الذي أنصفه القضاء في أحد الملفات التي فتحها، ومع ذلك فلم يُتَّخذ أي إجراء لاستعادة الأموال المنهوبة في ذلك الملف، والتي أكد القضاء نهبها.

خامسها، إن المشكلة ليست فقط في قيمة الضريبة أو أصل القرار، بل كذلك في الإحساس العام بالعدالة. فالفقراء لا يعترضون عادة على القرارات الصعبة لمجرد أنها صعبة، بل لأنهم يريدون أن يشعروا بأن الجميع يخضع للمعايير نفسها، وأن الأعباء لا تُفرض دائما على الحلقة الأضعف.

إن المتضرر المباشر أو الأكثر استشعارا لأثر هذه الضريبة هم آلاف الشباب، المنحدرين في غالبيتهم من الأوساط الفقيرة أو المتوسطة، والذين يعتمد كثير منهم على التجارة والخدمات المرتبطة بالهواتف ومشتقاتها كمصدر رزق، ولذلك فقد يُفهم رفع الضريبة على الهواتف، في هذا السياق، باعتباره رسالة سلبية إلى شريحة كانت محل عناية خاصة في هذا  العهد الذي رفع شعارات دعم الفئات الهشة وتمكين الشباب، واتخذ بالفعل جملة من الإجراءات لصالح الفئات الهشة والشباب، كان من آخرها الإعلان عن اكتتاب 3000 شاب من خلال مسابقات قائمة على الرقمنة.

لستُ هنا بصدد مناقشة شرعية القرار من حيث الأصل، ولا حق الدولة في جباية الضرائب وأهمية ذلك الحق، وإنما بصدد التنبيه إلى الانعكاسات السلبية لهذا القرار، وسوء الفهم الذي قد يسببه لدى الفئات الفقيرة عموما، ولدى الشباب خصوصا.

إن القرار  الحكومي لا يُقاس فقط بسلامته القانونية أو الاقتصادية، بل يُقاس أيضا بآثاره الاجتماعية، وبرسائله الرمزية، وبمدى انسجامه مع أولويات المرحلة. وأي قرار لا يرتاح له الفقراء، ولا يتحمس له الشباب، ولا تشعر معه الفئات الهشة بالإنصاف، هو قرار ستكون كلفته السياسية والإعلامية أكبر من جدواه، خاصة في هذا العهد الذي يولي اهتماما خاصا بالفئات الهشة والشباب.

حفظ الله موريتانيا...


الثلاثاء، 10 مارس 2026

عن انتصار ترامب الوهمي والدعائي


يبدو أن دونالد ترامب بدأ يهيئ الرأي العام الأمريكي والعالمي للقطة الأخيرة التي سيعلن فيها عن نهاية حربه على إيران وانتصاره غير المسبوق الذي حقق في تلك الحرب.

يعتقد ترامب أن الحروب يمكن أن تحسم بالضجيج الإعلامي، وأن  الهزيمة تمكن تغطيتها بكثرة الحديث عن نصر وهمي.

صحيح أن الحرب الحالية ألحقت بإيران دمارا كبيرا، وصحيح كذلك أن أمريكا وإسرائيل تملكان قدرة كبيرة على التدمير، ولكن الصحيح أيضا أن الحروب لا تُقاس نتائجها فقط بما تُحدثه من دمار مباشر، بل بما ستُنتجه من تحولات سياسية واستراتيجية في مناطق نشوب تلك الحروب وفي العالم، وهذا بالضبط هو ما يجعلنا نطرح  السؤال عن الوجه الآخر لنتائج الحرب، والذي لم يتحدث عنه ترامب.

قد يكثر ترامب في الأيام بل وفي الساعات القادمة من إطلالاته الإعلامية التي يقول فيها إنه دمر إيران بحرا وجوا وبرا، ولكن بعيدا عن ثرثرة ترامب، دعونا ننظر إلى الوجه الآخر من نتائج هذه الحرب، ونطرح السؤال: هل انتصر ترامب على إيران كما يدعي في أحاديثه وتصريحاته وتغريداته المتكررة؟

سنجيب على هذا السؤال من خلال النقاط العشر التالية:

أولا: منح ترامب بحربه للمرشد السابق فرصة الاستشهاد في شهر رمضان الكريم، وذلك بعد أن بلغ من العمر عتيا، وجاء بدلا منه الابن، والذي تقول كل المؤشرات بأنه سيكون أكثر تشددا من الأب، وأشد عداءً للولايات المتحدة من والده.

طالعتُ تغريدة معبرة تم تداولها كثيرا مفادها أن أمريكا أسقطت طالبان في أفغانستان لتأتي بطالبان، وأسقطت خامنئي في إيران لتأتي بخامنئي!؛

ثانيا: بدلا من أن تؤدي الحرب إلى تفكيك التيار "المتشدد" في إيران أو تضعفه، أضعفت بدلا من ذلك التيار "المنفتح" والذي سحبت منه حرب ترامب أي حجة يمكن أن يواجه بها الشعب الإيراني لإقناعه بوجاهة طرحه؛

ثالثا: عرفت إيران قبل الحرب توترات داخلية واحتجاجات واسعة مناهضة للنظام، ولكن البوصلة تغيرت خلال الحرب التي عبأت الشارع، وجعلت الحشود الكبيرة تخرج للتنديد بالحرب ولتأكيد دعمها للمرشد الجديد.

كانت أمريكا تعتقد أن الحرب ستُخرج الإيرانيين إلى الشارع للاحتجاج ضد النظام، فإذا بها تزيد من شعبية النظام، ولو مؤقتا؛

رابعا:  كان البعض قبل الحرب يعتقد أن المقاومة في لبنان انتهت، فجاءت الحرب لتظهر أنها ما زالت قادرة على قصف إسرائيل بقوة؛

خامسا: كان ترامب يُمَني الأمريكيين قبل الحرب بخفض الأسعار والتحسين من ظروف عيشهم، فجاءت حربه على إيران لترفع من أسعار النفط، ولتصعب الحياة على الأمريكيين وعلى غيرهم؛

سادسا: كانت القواعد الأمريكية في المنطقة تطمئن بعض قادة الخليج بتوفير الحماية لبلدانهم، فجاءت هذه الحرب لتؤكد لؤلئك القادة أن تلك القواعد تجلب لهم من العداء والدمار أكثر مما تجلب لهم من حماية وأمان. لقد عرت هذه الحرب أمريكا وقواعدها أمام القادة في الخليج؛

سابعا: أعادت الحرب إحياء الخطاب المعادي للولايات المتحدة في المنطقة، وأصبحنا نسمع من بعض النخب الخليجية ما لم نكن  نسمعه في الماضي عن جدوائية الاعتماد على أمريكا؛

ثامنا: دفعت الحرب إيران إلى التفكير بشكل أكثر جدية في تعزيز قدراتها الردعية، وربما تسريع برنامجها النووي بدل إيقافه. دول أخرى في المنطقة ستفكر بنفس الطريقة؛

تاسعا: كانت إيران قبل الحرب الحالية تعرف بصبرها الاستراتيجي وحذرها الشديد الذي جعلها تضيع فرصا عديدة من أهمها عدم الدخول في حرب مع إسرائيل يوم السابع من أكتوبر ، ولكن الحرب الحالية جعلت إيران تبدل صبرها الاستراتيجي بغضب وجرأة لم يكن أحد يتوقعها، فأغلق مضيق هرمز وبدأت تقصف عدة دول في وقت واحد؛

عاشرا: ستستفيد الصين وربما الروس من هذه الحرب كثيرا، وذلك لكونها من الحروب القليلة التي يتغيب فيها الأوروبيون عن مناصرة أمريكا، ولكونها كذلك من أكثر الحروب التي كشفت عن نقاط ضعف أمريكا.

بكلمة واحدة: إن ما يحاول ترامب تسويقه على أنه نصر حاسم قد لا يكون، في جوهره، أكثر من نصر إعلامي في خطاباته التي لا تنتهي أبدا.

السبت، 7 مارس 2026

انتصار وهمي أم استفزاز مقصود؟/ قراءة في تصريحات ترامب الأخيرة حول إيران


في مقالي الأخير "موقفي من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران"، المنشور صبيحة يوم الجمعة 06 مارس 2026، جددتُ الدعوة إلى ضرورة التفكير الجدي في تشكيل حلف عربي إسلامي، تشكل نواته الصلبة من السعودية، إيران، تركيا، مصر، وباكستان. وقد تضمن المقال الدعوة إلى اتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة، أبرزها ضرورة نأي دول الخليج بنفسها عن الهجوم على إيران، وفي المقابل توقف إيران عن استهداف دول الجوار، على أن تركز في هجومها على العدو الصـ.هيوني.

​وما هي إلا ساعات، حتى استبشرنا خيرا بكلمة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التي حملت اعتذارا صريحا لدول الجوار، وإعلانا بقرار "مجلس القيادة المؤقت" تعليق الهجمات، شريطة عدم انطلاق أي عدوان من تلك الدول.

​ثم بعد ذلك جاء تصريح للرئيس الأمريكي ترامب ادعى فيه أن إيران اعتذرت واستسلمت لجيرانها بعد هزيمة نكراء. ورغم أن محاولة فهم دلالات كلام ترامب مغامرة محفوفة بالمخاطر - نظرا لأسلوبه الذي يفتقر غالبا لخيط ناظم، ويتسم دائما بالتناقض والثرثرة - إلا أنه يمكننا حصر تصريحه الأخير ضمن فرضيتين:

​الفرضية الأولى: أن يكون التصريح  تمهيدا ذكيا لوقف الحرب؛ فمن خلال تسويق فكرة "هزيمة إيران واستسلامها"، سيجد ترامب مخرجا سياسيا للاحتفال بنصر وهمي لتبرير إيقاف العمليات العسكرية.

​الفرضية الثانية: محاولة استفزازية لعرقلة التقارب؛ حيث صدمت خطوة بزشكيان الإدارة الأمريكية التي تخشى تفرغ إيران كليا لمواجهة إسرائيل. لذا، يسعى ترامب لاستفزاز طهران ودفعها لاستئناف الهجمات على الخليج، لكي لا يبدو توقفها الآن "صك استسلام" كما زعم هو  في خطابه.

​ختاما، إننا إذ نرحب بتوجه القيادة الإيرانية الجديد وبضبط النفس العالي الذي تمارسه حتى الآن دول الخليج، فإننا نؤكد أن حماية المنطقة من الأطماع الأمريكية الإسرائيلية تبدأ من سد أبواب الفتنة البينية، والتمسك بخيار "الحلف العربي الإسلامي" كدرع وحيد سيضمن الأمن في المنطقة.


الجمعة، 6 مارس 2026

موقفي من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران


في عالمٍ يمورُ بالتحولات المتسارعة، وتتبدل فيه موازين القوى مبشرة ـ أو منذرة ـ بتشكل عالم متعدد الأقطاب، يخطئ من يظن أن الجمود في المواقف يعدُّ ثباتاً على المبادئ. إن التمسك بالثوابت في المواقف، لا يعني ـ بأي حال من الأحوال ـ تجاهل المتغيرات السريعة التي تحدث أمام أعيننا؛ فالعالم يتغير بسرعة كبيرة، ويكفي أن نذكر في هذا المقام أن رئيس "أقوى دولة" قرر أن يلغي الأمم المتحدة بكل هيئاتها، ويستبدلها بواجهة تجارية سماها "مجلس السلام"، ولما أخذ مئات المليارات من دول الخليج باسم هذا المجلس، أشعل واحدة من أخطر الحروب، والتي سيكون المتضرر الأول منها هو دول الخليج التي أنفقت بسخاء حاتمي على "مجلس سلامه".

إن الحكمة تقتضي أن نراجع دائماً مواقفنا في عالم كهذا لم يعد يحكمه أي منطق، ومن هذا المنطلق، يأتي موقفي الشخصي "المركب" من العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

سأكون دائماً مع من يحارب العدو الصهيوني

 لقد كنتُ، ولا زلت، أنتقد التغلغل الإيراني في بعض الدول العربية، وكنتُ أرى فيه تهديدا للمنطقة، ولكن ذلك لن يمنعني من أن أقف اليوم مع إيران وهي تقصف بقوة العدو الصهيوني، وتقف وجها لوجه ـ وبكل شجاعة وثبات ـ أمام غطرسة وجنون الرئيس الأمريكي ترامب.

أقولها اليوم، وبدون مواربة: إني أدعم وبقوة إيران في حربها مع أمريكا والعدو الصهيوني، وكيف لا أدعمها وهي الدولة الوحيدة التي تضرب الآن الكيان الصهيوني بشراسة، في وقت رفعت فيه كل الدول العربية راية الاستلام، بل إن بعضها انخرط في تطبيع مذل؟

وهمُ الحماية الأمريكية

 إن ما يجب أن يُدركه قادة الدول العربية والإسلامية، هو أن "القلب الأمريكي" ـ إن كان لأمريكا قلبٌ ـ لا يتسع إلا لحب واحد، وهو حب إسرائيل والدفاع عنها، وهذا الحب الأعمى لإسرائيل، هو الذي جعل ترامب يُبدل شعاره الانتخابي "أمريكا أولا" بـ "إسرائيل أولا"، وقديماً قالت العرب: "ومن الحب ما قتل"، وفي اعتقادي الشخصي أن حب أمريكا الجنوني لإسرائيل قاتلها، أو بعبارة أدق؛ سيكون سببا في تراجع قوتها ونفوذها.

على الدول العربية، وخاصة دول الخليج، أن تدرك أنها مهما أنفقت من الأموال على أمريكا، وحتى وإن احتضنت كل قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط، فإن كل ذلك لن يمنع أمريكا من أن تضحي بتلك العلاقات إذا ما اقتضت مصلحة إسرائيل ذلك، ومن المؤكد أن مصلحة إسرائيل ستقتضي ذلك.

إن العقيدة الصهيونية تقوم على أنه "لا مكان لدولة قوية في المنطقة"، بغض النظر عن نظام حكمها؛ فإسرائيل ترى في أي نهضة عسكرية أو اقتصادية أو تقنية لأي دولة عربية أو إسلامية تهديدا وجوديا لها. هذه هي الحقيقة التي يجب أن تنتبه لها السعودية بالذات؛ فالدور الريادي الذي تطمح له المملكة العربية السعودية في المنطقة، لن يكون محل ترحيب أبدا، لا في تل أبيب ولا واشنطن.

أما بالنسبة للإمارات التي تتلقى اليوم أقوى هجوم من إيران، فعليها أن تأخذ الدروس والعبر من المصائب التي أتتها دفعة واحدة في الفترة الأخيرة (الخلاف مع السعودية ـ ملفات جيفري إبستين ـ تركيز الهجوم الإيراني عليها). على الإمارات أن تدرك أن الارتماء في أحضان العدو الصهيوني لن يحميها، وأن قيادتها للتطبيع في المنطقة، وابتداعها للإبراهيمية لن يجلب لها خيرا ولا أمنا.

لا بد من تشكيل حلف عربي إسلامي

 لم يعد تشكيل حلف عربي إسلامي في عالم مضطرب لا تحكمه أي قوانين ولا أي أعراف دولية مجرد خيار قابل للتأجيل، بل أصبح ضرورة بقاء بالنسبة للدول العربية والإسلامية الكبرى قبل الصغرى. ولتأسيس هذا الحلف، الذي من المهم أن تتشكل نواته الصلبة من (السعودية، وإيران، وتركيا، ومصر، وباكستان)، فلا بد من اتخاذ إجراءات ضابطة يتم التقيد ببعضها خلال الحرب المشتعلة حاليا، والتقيد ببعضها الآخر بعد انتهاء الحرب، وتتمثل هذه الضوابط في: 

ـ على دول الخليج ألا تهاجم إيران مهما كان مسار الحرب الحالية؛ 

ـ على إيران أن تتوقف فورا عن توجيه ضربات إلى دول الخليج، وأن تركز في المرحلة القادمة على العدو الصهيوني؛

عندما تتوقف الحرب، وبعد أن تكون دول الخليج قد تأكدت من أن الرهان على أمريكا لحمايتها كان رهانا خاسرا، فحينها يجب البدء في التمهيد لتشكيل الحلف من خلال اتخاذ الخطوات التالية لبناء الثقة: 

ـ أن تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية، وأن تلتزم التزاما صريحا وقويا بالتخلي نهائيا عن أي وصاية على الشيعة خارج حدودها، وألا تعمل مستقبلا ـ تحت أي ظرف ـ على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لتحقيق المزيد من المصالح والنفوذ خارج حدودها؛

 ـ أن تُوقِف المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج منح الأموال الضخمة لترامب؛

 ـ أن تقطع مصر وتركيا ـ وبشكل فوري ـ علاقاتهما الدبلوماسية مع العدو الصهيوني.

بكلمة واحدة: لقد ولى زمن الرهانات المنفردة، وبدأ زمن الأحلاف الكبرى، فهل يستوعب قادة الدول العربية والإسلامية الكبرى الدرس قبل فوات الأوان؟

موقف موريتانيا: الرسمي والشعبي

 بصفتي مواطنا موريتانيا، أتفهم جيدا الموقف الرسمي لبلادنا المنحاز لدول الخليج؛ فدول الخليج لم نعرف منها في الماضي والحاضر إلا خيرا، وهي لم تقصر يوما في دعم حكوماتنا المتعاقبة، ولا في استقبال واحتضان جالياتنا. حتى الكويت التي وقفنا ضدها حكومة وشعبا بعد غزو العراق لها، لم تناصبنا العداء، بل استمرت في تقديم الدعم لحكوماتنا المتعاقبة. كل هذا يفرض على النظام أن يتخذ موقفا منحازا لدول الخليج، خاصة عندما تتلقى قصفا على أراضيها، مثلما يحدث الآن.

لكن، وفي المقابل، على الحكومة أن تتفهم كذلك موقف الشارع، أو موقف أغلبيته؛ فلا يمكن للشارع الموريتاني المناصر دائما وأبدا لفلسطين، إلا أن يدعم إيران في حربها الحالية ضد أمريكا والكيان الصهيوني.

بكلمة واحدة: لا إشكالية في موقف رسمي داعم لدول الخليج، وموقف شعبي متعاطف مع إيران، وكل من الموقفين يكمل الآخر.