الأحد، 26 يوليو 2026

قراءة تحليلية معمقة في مؤتمر فخامة الرئيس


تابعتُ من خلال البث المباشر المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية بحضور أكثر من 100 صحفي ومدون، وقد استمر هذا المؤتمر لثلاث ساعات وأربعين دقيقة، طرح خلالها 14 سؤالا، مما يعني بلغة المتوسطات الإحصائية أن طرح السؤال والإجابة عليه استغرقا في المتوسط ربع ساعة، وهو ما يعني أن الرئيس قد وجد الوقت الكافي لتقديم إجابات مفصلة على الأسئلة التي طرحت.

سأقدم في هذا المقال المطول قراءة تحليلية معمقة للمؤتمر الصحفي للرئيس، وأرجو لهذه القراءة أن تتسم بالموضوعية والمهنية، وأنصح ـ مسبقا ـ الذين يبحثون عن آراء انطباعية مختصرة جدا ألا يتعبوا أنفسهم بقراءة المقال، كما أنصح الذين يبحثون عن قراءة "موالية" لا ترى نقصا في المؤتمر الصحفي للرئيس، أو قراءة "معارضة" لا ترى فيه فضلا. أنصح هؤلاء وأولئك بعدم قراءة هذا المقال المطول الذي سيستهلك الكثير من أوقاتهم الثمينة، دون أن يجدوا فيه بضاعتهم التي يبحثون عنها.

خروج مشرف من مخاطرة التوقيت

لقد كانت هناك مخاطرة كبيرة في اختيار التوقيت، فأن يعقد رئيس الجمهورية مؤتمرا صحفيا بعد سبع سنوات من الحكم لم ينظم خلالها مؤتمرا صحفيا بهذا الشكل، ولم يظهر فيها أي انفتاح يذكر على الصحافة الوطنية، وأن يأتي هذا المؤتمر في ظل أزمة عالمية انعكست آثارها بشدة على البلاد، خاصة في شقها المتعلق بارتفاع أسعار المحروقات، وأن يأتي كذلك قبل انطلاق الحوار الذي تعثر كثيرا، وفي ظل تفجر نقاش سياسي حاد بسبب الإجراءات المتخذة ضد نائبتين محسوبتين على المعارضة، وأن يتزامن مع إعلان نتائج الباكالوريا التي لم تكن جيدة، وأن يستبق موسم الخريف الذي يتراجع فيه قلق وتوتر الكثير من الموريتانيين. أن يأتي المؤتمر الصحفي للرئيس في ظل كل هذه التعقيدات التي ذكرنا وتعقيدات أخرى لم نذكرها، فإن في ذلك لمخاطرة كبيرة، ولذا فقد كان يكفي للقول بنجاح هذا المؤتمر أن يخرج الرئيس منه دون خسائر تذكر، والحق يُقال، فالرئيس لم يكتف بالخروج من هذه المخاطرة بأقل خسائر، وإنما خرج منها بنجاح كبير.

لقد جاء الصحفيون للمؤتمر وهم يسرون في أنفسهم بعض المآخذ على الرئيس الذي لم يظهر أي انفتاح عليهم خلال سنواته السبع الماضية، ولا يحتاج المتابع للشأن العام للكثير من الفطنة لاستشعار ما كان يخبئه الصحفيون في أنفسهم، فكثير منهم جاء وفي مخيلته صورة نمطية عن رئيس يتهرب من الصحافة، ويتحاشى مواجهتها، ومنهم من جاء يسعى لإحراج الرئيس في بث مباشر سيتابعه عشرات الآلاف على الأقل.

تبخرت الصور النمطية من مخيلة الصحفيين مبكرا، وأظهر الرئيس الكثير من المرونة واللباقة مع الصحفيين، فخاطب الكثير منهم بأسمائهم، وبذلك أبطل مفعول بعض الأسئلة "المخصبة نوويا"، فلم تنفجر في القاعة، بل أكثر من ذلك فقد حوًّل أجواء المؤتمر الصحفي التي كان يتوقع لها "خبراء الرصد" أن تمطر مفاجآت ولقطات إثارة وربما تشنجات في غير صالحه، حولها إلى أجواء هادئة وودية، وبقيت كذلك رغم طول مدة المؤتمر، وما سبقه من طول انتظار، وفي ظل غياب أي شيء يمكن اللجوء إليه، حتى الماء فقد كان غائبا، ولم يوضع أمام الرئيس كأس ماء يأخذ منه جرعة بين السؤال والسؤال، أو بين الساعة والساعة.  

وفي مداخلة ذكية، جمعت بين الجدية والدعابة، وربما تكون من أكثر الوسائل فعالية لتلطيف أجواء المؤتمر، برر الرئيس تأخر اللقاء مع الصحافة بكونها لم تعبر فيما مضى عن الحاجة إلى لقاء معه، وأن عندها من الأخبار الكثير. قال ذلك بطريقة يفهم منها أنه أراد أن يقول إنها تمتلك من الأخبار أكثر مما يمتلك القائمون على إدارة شؤون البلد.

خلاصة هذه الفقرة الأولى من المقال: لقد خاطر الرئيس في تنظيم مؤتمره الصحفي في توقيت حرج، ومع ذلك فقد استطاع أن يحطم الصورة النمطية التي رسمها عنه بعض الصحفيين. كما استطاع أن يظهر للرأي العام الوطني وللشعب عموما، من خلال هذا المؤتمر، أنه يتابع جميع الملفات بشكل جيد، وعلى إلمام بكل تفاصيلها.

الرئيس والإعلام

قبل أن أبدأ في التعليق على بعض الأسئلة وأجوبتها، قد يكون من المهم أن نتحدث قليلا عن إخفاق الذراع الإعلامي للرئيس أو على الأصح للنظام بشكل كامل، وللتحدث كذلك عن إخفاق الإعلام العمومي الذي تنفق عليه المليارات من أموال الشعب الموريتاني، والذي يبدو أنه فشل كما فشل الذراع الإعلامي للنظام في تسويق منجزات الحكومة.

قد يقول قائل إن تسويق العمل الحكومي ليس أولوية من أولويات للإعلام العمومي. هذا قولٌ صحيحٌ، ولكن من المعروف أن مهمة الإعلام العمومي الأولى في بلدنا، وربما الأخيرة، هي تسويق إنجازات الحكومة، وهو عندما يفشل في تسويق إنجازات الحكومة يكون قد فشل في كل شيء.

من الراجح، حسب بعض المؤشرات الدالة، أن الرئيس غير راض عن أداء الذراع الإعلامي لنظامه في تسويق منجزاته، ويظهر عدم الرضا في خطاباته التي يلقي في المناسبات المعهودة كمناسبة الاستقلال مثلا، فهو في هذه المناسبة يلقي خطابا مطولا، يعدد فيه الإنجازات، وكأنه يشعر بأن إنجازاته لم تسوق إعلاميا وسياسيا بشكل جيد، وربما يكون سبب تنظيم المؤتمر الصحفي هو شعور الرئيس بأن إنجازاته لم تسوق بشكل جيد، وإذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فمن حقنا أن نسأل لماذا تأخر الرئيس في تنظيم مؤتمره الصحفي لسبع سنوات؟ أليس في تأخيره إضاعة لفرصة التحدث بشكل مباشر للصحفيين ومن خلالهم للرأي العام الوطني عن المنجزات التي تحققت؟ وإذا كان الرئيس غير راض عن أداء الذراع الإعلامي لنظامه فلماذا لا يحدث تغييرا جوهريا في هذا الذراع؟

إن فرضية عدم الرضا عن الذراع الإعلامي، إن استخدمناها في هذا التحليل، فإنها ستصطدم بقوة بإحدى إجابات الرئيس التي قال فيها إنه راض تماما عن أداء الحكومة، فهذا يعني أنه راض تماما عن أداء الإعلام الرسمي الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من أداء الحكومة.

 في المجمل، فإن هناك مقاييس وأدلة قد تساعدنا في الحكم على حسن أو جودة أداء الحكومة، أي حكومة كانت، ويمكن أن نجمع هذه الأدلة والمقاييس في شرطين أساسيين، لا بد من توفرها للحكم بالإيجاب على الأداء الحكومي:

1 ـ أن تكون هناك إنجازات ملموسة قد تحققت على أرض الواقع؛

2 ـ أن يتولد لدى المواطن شعور قوي بوجود تلك الإنجازات.

وفي ظل غياب أي من الشرطين فسيكون من الصعب جدا الحكم إيجابا على حسن الأداء الحكومي، فإذا ما تحققت إنجازات على الأرض، ولم يتم تسويقها إعلاميا لدى المواطن حتى يستشعرها، فسيبقى الأداء الحكومي في هذه الحالة دون المستوى المطلوب. وإذا ما اعتبرنا أن الشرط الأول قد تحقق، فمن المؤكد أن الشرط الثاني لم يتحقق، فالكثير من المواطنين لا يشعر اليوم بما تحقق من إنجازات.

يمكنني أن أجزم بأن أكثر من 90 % من النخبة، ولا أقول من المواطنين العاديين، لم تكن على علم قبل مؤتمر الرئيس من أن نسبة صفقات التراضي كانت تمثل 27% في العام 2019، وأنها انخفضت إلى 4.6% في نهاية العام 2025. على الأقل هذا إنجاز مهم لم يسوق للمواطنين، بل إنه لم يسوق للنخبة.

 قد لا نحمِّل الحكومة بكاملها مسؤولية ذلك، فمهمة تسويق الإنجازات تبقى من مسؤولية الذراع السياسي والإعلامي للنظام.

الشيء المؤكد لدي بخصوص هذه الجزئية هي أن مؤسسات الإعلام الرسمي، والمكتب الإعلامي للرئاسة ووزارة الإعلام، وكل الجهات المعنية الأخرى، لم تتمكن حتى الآن من تسويق الأداء الحكومي الذي أعلن الرئيس عن رضاه عنه في مؤتمره الصحفي، ولا أظنها ستتمكن من ذلك مستقبلا، ما دامت تستخدم نفس الأساليب التقليدية، فاستخدام نفس الأساليب يؤدي دائما إلى نفس النتائج.

رحب الرئيس في مؤتمره الصحفي بنقد السياسات العمومية، وذلك خلال إجابته على سؤال متعلق بما بات يعرف بقانون الرموز، وأكد أنه يحبذ النقد المرفق بمقترحات، وعملا بذلك في هذه الفقرة من المقال، فأذكر في هذا المقام أني قدمتُ مقترحا لمعالي الوزير الأول عن ضرورة إطلاق منصة رقمية لمراقبة ومتابعة الأداء الحكومي، وذلك بعد إعلانه أمام البرلمان عن 304 التزامات في خطة الحكومة السنوية للعام 2025. تقوم الفكرة على إطلاق منصة تتضمن برنامج "طموحي للوطن" بشكل عام، وتظهر فيها مع كل سنة خطة الحكومة لتلك السنة، مع خريطة موريتانيا، وبها كل الولايات، وعلى خريطة كل ولاية توضع الالتزامات الخاصة بتلك الولاية في خطة الحكومة لذلك العام، وكلما نفذَت الحكومة أحد تلك الالتزامات بشكل كامل تحول لونه إلى اللون الأخضر. أما إذا كان ذلك الالتزام ما زال في طريقه للإنجاز فإنه يلون باللون الأصفر، أما إذا تعثر تنفيذه مع انقضاء الأجل، فيلون باللون الأحمر. مع نهاية السنة سيكون بإمكان كل مواطن ـ أينما كان ـ أن يعرف ما تحقق في ولايته أو مدينته من الإنجازات التي تعهدت بها الحكومة في ذلك العام، وما هو في طريقه للتحقق، وما تعثر من مشاريع. ليس هذا فقط، فالالتزامات يمكن أن توزع أيضا حسب القطاعات الحكومية، وبضغطة زر في نهاية العام يمكن أن نعرف ما تحقق من التزامات كل وزارة، وما هو في طريقه للتحقق، وما تعثر من التزامات، وبذلك يكون بإمكان كل واحد منا أن يحكم إيجابا أو سلبا على أداء الحكومة بكاملها، وعلى أداء كل وزير على حدة. هذه المنصة يمكن أن تطلقها الحكومة، مع أن ذلك ليس هو الخيار الأفضل، ويمكن أن يطلقها المجتمع المدني ـ وذلك ما كنتُ أسعى إليه ـ ولكن تبقى هناك الحاجة دائما إلى تعاون الحكومة، فهي التي ستزود بالمعلومات، وبما تحقق ميدانيا من إنجازات، مع العلم أن كل إنجاز تحقق لن توضع له الإشارة الخضراء قبل أن تنظم له زيارة ميدانية له، وتجمع عنه معلومات شاملة، وتؤخذ منه صور لتوضع على منصة مراقبة ومتابعة الأداء الحكومي.

سؤال المأموريات والتمديد

كان السؤال الأول في المؤتمر الصحفي عن الحوار والمأموريات والتمديد، وهذا طبيعي جدا، فالحديث عن تعديل الدستور وفتح المأموريات يحتلُّ مساحة واسعة في نقاشات الموريتانيين في الفضاءات العامة والخاصة، وبخصوص الجواب على السؤال، ففي اعتقادي أن الرئيس قد حسم موضوعا كان محسوما أصلا من خلال الدستور ومواده المحصنة.

المشكلة أن هذا الموضوع يُثار دائما بطريقة غير مناسبة، وما كان من المناسب أن يثار اصلا، فربما تكون بعض الأطراف في الأغلبية قد طرحته كردة فعل على أصوات أخرى داخل الأغلبية بدأت في السنة الأولى من المأمورية الثانية، وفي وقت مبكر جدا، بتسويق هذا الموظف السامي أو ذاك على أنه سيكون مرشح النظام في العام 2029، ولا تخفي خطورة ذلك، فالنظام يجب ألا يعلن عن مرشحه إلا في آخر سنة من المأمورية الثانية، على العكس من المعارضة، التي يطلب منها أن تعلن عن مرشحها قبل العام الثالث من المأمورية، والراجح أنها لن تتمكن من ذلك، ولا من الاتفاق على برنامج موحد ومرشح توافقي أو شبه توافقي.

تُشارك أيضا المعارضة في إثارة موضوع التعديلات الدستورية وفتح المأمورية، وهذا أيضا خطأ، فالمعارضة يجب أن تظهر دائما على أن ملف المأموريات غير مطروح أصلا للنقاش، وعليها أن تعتبر أي إثارة لهذا الملف من طرف شخص هنا أو هناك في الأغلبية بأنه حديث غير جاد، ولا يستحق الرد، فتكرار حديث المعارضة عن رفض فتح المأموريات، قد يعطي الانطباع أن فتحها أمر ممكن وقابل للنقاش.

خلاصة هذه الفقرة، هي أن الرئيس لا يتوقع منه الآن في العام 2026، أن يقول بشكل فصيح وصريح أنه سيغادر السلطة في العام 2029، فقول ذلك له كلفته السياسية الكبيرة. ومع ذلك فيمكن القول إن الرئيس قد أغلق في مؤتمره الصحفي هذا الملف، الذي ما كان يجب أن يفتح أصلا، ولكن المشكلة أن بعض الأطراف في الأغلبية قد تعود لطرحه من جديد، فترد عليها بعض الأطراف في المعارضة، فنعود من جديد إلى نقاش ساذج وعقيم عن فتح المأموريات.

سؤال الفساد: الأطول إجابة والأوسع تفاعلا

حُظي سؤال الفساد بإجابة هي الأطول، وبتفاعل هو الأوسع في إطار التعليقات على المؤتمر الصحفي في منصات التواصل الاجتماعي، ويؤكد ذلك مدى اهتمام الرأي العام الوطني بمحاربة الفساد. الرئيس تحدث في جوابه عن مؤشرات تدل على عكس ما جاء في السؤال من التفشي الواسع للفساد في هذا العهد، فتحدث عن زيادة الموارد المالية للدولة، وارتفاع حجم المشاريع والبرامج الممولة من ميزانية الدولة، وتراجع نسبة الدين من الناتج الداخلي الخام من 91% في العام 2019 إلى نسبة تتراوح ما بين (40 ـ 45) % في العام الحالي، وكذلك تراجع نسبة صفقات التراضي.

كما تحدث الرئيس أيضا عن المنظومة القانونية لمحاربة الفساد، وعن إصدار التقارير من طرف المؤسسات الرقابية، وعن سلطة مكافحة الفساد المستحدثة مؤخرا، كما تحدث عن الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي.

كل هذه الإنجازات التي تحدث عنها الرئيس مهمة، ومع ذلك فلا بد من المطالبة بالمزيد من الصرامة في تنفيذ العقوبات ضد المفسدين، وإبعاد كل من تدور حوله شبهة الفساد من التعيينات والترقيات، فبدون ذلك، فإن كل الإجراءات الأخرى المتخذة لمحاربة الفساد ستبقى ذات تأثير ضعيف، حتى لا نقول منعدمة التأثير.

معلومات كشفت لأول مرة في المؤتمر

كشف الرئيس أنه لما قرر توسعة جامعة نواكشوط، بما يمكن من استيعاب 11 ألف طالب جديد، نصحه البعض بترك هذه التوسعة، وتشييد جامعة جديدة في مكان آخر، تحسب له مستقبلا بصفتها إنجازا شخصيا، ولكنه رفض الفكرة لأنه يرى أن المهم هو قيمة المنجز لا لمن سيحسب ذلك الإنجاز.

الشيء نفسه حدث مع توسعة مستشفى القلب، فالتمويل الذي حصل عليه كان كافيا لتشييد مستشفى جديد للقلب، ولكن الرئيس بدلا من تشييد مستشفى جديد للقلب ينسب له مستقبلا كمنجز شخصي، فضل تحسين خدمات مستشفى القلب القائم، مؤكدا أن ذلك لن يمنع مستقبلا من تشييد مستشفيات جديدة.

هذه المعلومات التي كشفها الرئيس تستحق الإعجاب، ويجمعها خيط ناظم مع معلومات وأجوبة أخرى، وهي تعكس في مجملها جانبا من أسلوب الرئيس في الحكم لم يحظ بما يستحق من إنارة، فالرئيس يسعى لبناء دولة مؤسسات أكثر من سعيه لبناء مجد شخصي، وهو يتحدث دائما عن أهمية استقلال السلط، ويؤكد كلما وجد مناسبة لذلك أنه لا يتدخل في عملها، وأن مكافحة الفساد عمل مؤسسي، وهكذا...حتى إنه عندما سئل عن كيف يريد أن يتذكره التاريخ، لم يقل إنه يريد أن يتذكره التاريخ بإنجازات عملاقة تحسب له في مجال شق الطرق أو تشييد المنشآت بمختلف أصنافها، وإنما تحدث عن الاستقرار والأمن، وتكريس استقلالية المؤسسات الدستورية، وتعزيز الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية، وتراجع الغبن والهشاشة إلى أقصى حد.

ملفات غابت عن المؤتمر

 لقد غابت ملفات مهمة عن المؤتمر كملف التعليم، حيث تراجعت نسبة النجاح في الباكالوريا من 39% في العام 2024، إلى 20% في العام 2025، إلى 13% في هذا العام دون إضافة نتائج الدورة التكميلية التي لم تظهر. فإدا كان هذا التراجع نتيجة للمحاربة الصارمة للغش فهذا مؤشر جيد، وإذا لم يكن نتيجة لذلك، فنحن أمام كارثة حقيقية.

كما غاب عن المؤتمر الصحفي ملف ارتفاع أسعار المحروقات، وبناء دولة المواطنة، وقد تحدث الرئيس في جملة واحدة عن المواطنة، والتي تهمنا كثيرا في "ميثاق المواطنة".

لم تغب المواطنة وقيمها عن برنامج الرئيس ولا عن خطاباته، وبالفعل، فقد اتخذت إجراءات مهمة في سبيل تعزيز قيم المواطنة وترسيخها، ولكن في المقابل اتخذت إجراءات معاكسة أخرى شوشت على الإجراءات الهادفة لتعزيز قيم المواطنة، ومن ذلك تعيين شخصيات في وظائف سامية، نظمت قبيل تعيينها أنشطة قبلية تمت تغطيتها في منصات التواصل الاجتماعي، نصبت فيها تلك الشخصيات أمراء في قبائلها، وتلقت المباركة من شخصيات سامية في الدولة.

من المؤكد أن تعيين شخصيات في مناصب سامية نظمت اجتماعات قبلية تمت تغطيتها إعلاميا، بعد إصدار تعميم من وزارة الداخلية يحظر مثل هذه الاجتماعات القبلية، من المؤكد أن ذلك سيشوش كثيرا على الجهود المبذولة لبناء دولة المواطنة. الشيء نفسه يمكن أن نقوله عن تعيين أصحاب الخطابات الشرائحية والفئوية في وظائف عادية أو سامية.

ومما يشوش أيضا على الجهود المبذولة لبناء دولة المواطنة الاستمرار في التقليد القاضي بأنه كلما أقيل موظف من قبيلة معينة عُيِّن بدلا منه موظف من القبيلة نفسها، وكلما أقيل موظف من فئة أو مكونة وطنية عُيِّن بدلا منه موظف من الفئة أو المكونة نفسها.

أذكر أني كنتُ مع صديق في سيارته، وكنا ذاهبين لتعزية صديق آخر، وكان صديقي يعتمد للوصول إلى مكان التعزية على وسيلتين في تحديد المواقع، إحداهما تقليدية، وتتمثل في رسالة صوتية تحدد مكان التعزية بالأساليب التقليدية المعروفة، أي اذهب في اتجاه كذا، حتى تصل لشارع كذا، ثم انحرف في اتجاه بقالة هناك، وهكذا.. أما الوسيلة الثانية فهي حديثة وتعتمد على تشغيل خرائط "غوغل". كان صديقي يستخدم مرة الرسالة الصوتية وأسلوبها التقليدي في تحديد الموقع، ويستخدم مرة أخرى تحديد الموقع عن طريق الخرائط وأسلوبه المعاصر، وسبب لنا الجمع بين الأسلوبين التقليدي والمعاصر إرباكا كبيرا عقد علينا عملية الوصول إلى المنزل المستهدف.

طلبتُ من صديقي أن يعتمد بشكل كامل على إحدى الوسيلتين للوصول إلى المنزل المستهدف، وأن يتجاهل بشكل كامل الوسيلة الثانية، وهذا هو ما نحتاجه اليوم في بناء الدولة، فإما أن نعتمد على الأساليب التقليدية من خلال إرضاء من يرفعون لواء القبيلة أو الشريحة أو الفئة، أو نعتمد على الأسلوب المعاصر، من خلال بناء دولة المواطنة، يكون التعيين فيها على أساس الكفاءة والجدارة، مع غلق الأبواب والمنافع ـ وبشكل كامل ـ أمام كل من يقحمون القبيلة أو الشريحة أو الفئة في قضايا الشأن العام.

تغطية متميزة

أظنها أول مرة في تاريخ البلد تتم فيها ترجمة فورية وتغطية مباشرة لحدث كبير باللغات الوطنية. لقد خصصت التلفزة الموريتانية قنواتها لنقل المؤتمر الصحفي وبثه بشكل مباشر بكل لغاتنا الوطنية. فبُثَّ المؤتمر بترجمة فورية وبشكل مباشر بالبولارية على قناة الموريتانية الثانية، وبالسوننكية على القناة الثقافية، وبالولفية على القناة الرياضية.

إن هذه التغطية المتميزة التي تحدث لأول مرة تستحق التثمين، ونأمل في الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية، أن تكون بداية لاعتماد مقترح تقدمنا به إلى وزارة الثقافة منذ خمس سنوات تقريبا، وتحديدا في يوم 21 أكتوبر 2021، وذلك من خلال رسالة رسمية وقعها رئيس الحملة، معالي الوزير السابق صو آبو دمبا، دعت إلى تخصيص بث بعض قنوات الموريتانية، خاصة في أوقات الذروة، للغات الوطنية: البولارية والسوننكية والولفية، وبما يضمن حضورا أوسع لهذه اللغات في وسائل الإعلام العمومية.

إن التفعيل الكامل والشامل لترسيم اللغة العربية وتطوير اللغات الوطنية يمثلان خيارا وطنيا متكاملا، يعزز الوحدة الوطنية ويحافظ على التنوع الثقافي، ولهذا فإننا ندعو قناة الموريتانية والجهات المعنية إلى تحويل الترجمة الفورية للمؤتمر الصحفي لفخامة الرئيس إلى سياسة إعلامية دائمة، تسهم في حضور أوسع للغات الوطنية في البرامج والنشرات والخدمات الإعلامية العمومية، انسجاما مع ديباجة الدستور التي نصت على أن اللغات الوطنية تعتبر موروثا وطنيا مشتركا لجميع الموريتانيين يجب على الدولة باسم الجميع أن تحفظه وتطوره.

ختاما

لقد نجح فخامة الرئيس في تصحيح العديد من الصور والأحكام النمطية، وبدأ في إعادة بناء علاقة قوية بين الرئاسة والرأي العام الوطني، قائمة على التواصل المباشر مع الصحافة، ومن هذا المنظار يمكن القول إن المؤتمر الصحفي كان ناجحا، وحقق الرئيس من ورائه مكاسب كبيرة.

ومع ذلك يبقى السؤال الكبير مطروحا: كيف نحول رضا الرئيس عن الأداء الحكومي إلى رضا شعبي عن الأداء الحكومي؟

في اعتقادي الشخصي أننا بحاجة إلى عمل كبير ليرضى المواطن بشكل كامل عن أداء الحكومة، ولن يتحقق ذلك إلا بالمزيد من الإنجازات على أرض الواقع، وبعمل استراتيجي كبير يهدف إلى تسويق تلك الإنجازات إعلاميا وسياسيا حتى يستشعرها المواطن أينما كان.

حفظ الله موريتانيا...

الخميس، 23 يوليو 2026

حفظوا القرآن فتفوقوا


منذ العام 2023 وأنا أتابع نتائج الامتحانات والمسابقات الوطنية، كما أتابع نتائج الباكالوريا على مستوى بعض دول العربية والإسلامية، ولقد استوقفني أن كثيرا من المتفوقين كانت لهم صلة قوية بالقرآن، وهو ما أحاول إبرازه، وفي هذا الإطار فإني أتقدم بالمقترحات التالية إلى جهات متعددة. 

1 ـ إطلاق جائزة "حافظ ومتفوق"

تُخصص هذه الجائزة للذين جمعوا بين حفظ القرآن الكريم والتفوق في الامتحانات والمسابقات الوطنية، ويمكن أن تتولى تقديمها وزارة الشؤون الإسلامية، أو وزارة التعليم، أو هيئة العلماء، أو قناة المحظرة.

كما يمكن للتطبيقات البنكية التي تنفق أموالا طائلة على المتسربين دراسيا من "المؤثرين"، مما يشكل ترويجا للمحتوى السطحي والتافه، أن تكفر عن شيء من "سيئاتها الجارية" فتقدم جوائز للطلاب الذين جمعوا بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي.

2 ـ تكريم الأسر: وراء كل تلميذ متفوق أسرة ربت فأحسنت التربية: تستحق الأسر التي ربت فأحسنت التربية أن تأخذ حقها من التكريم، حتى ولو كان ذلك التكريم رمزيا من خلال إطلاق برنامج تلفزيوني أسبوعي يمتد لسنة دراسية كاملة، يستضيف أسر المتفوقين، ويقدم تجاربهم في تربية الأبناء التي جمعت بين تعليم القرآن والتميز الدراسي. هذا البرنامج يمكن أن تقدمه إحدى مؤسسات الإعلام الرسمي، وهو يناسب بشكل خاص قناة الأسرة أو قناة المحظرة.

3 ـ إبراز هذه النماذج في منصات التواصل الاجتماعي التي تسيطر عليها السطحية والتفاهة: من المهم أن يكون هناك محتوى رقمي جذاب، يعرف بقصص الشباب الذين جمعوا بين حفظ القرآن والتفوق في الدراسة، وتقديمهم كقدوات للتلاميذ. 

إن الجهة التي عليها أن تتبنى هذا المقترح: الشباب الجاد الناشط في مواقع التواصل الاجتماعي والقادر على أن يقدم محتوى احترافيا وجذابا، يمكن أيضا للمنصات أن تتبنى هذا المقترح.

4 ـ إنشاء قاعدة بيانات تُوثق أسماء الطلاب الذين جمعوا بين حفظ القرآن والتفوق في الامتحانات والمسابقات الوطنية، مع تحديثها سنويا، على أن تشمل قاعدة البيانات هذه سير المتفوقين، وتجاربهم مع حفظ القرآن، وأساليبهم في تنظيم الوقت، والمذاكرة، والتغلب على الصعوبات، ليكونوا مصدر إلهام للأسر والطلاب.

5 ـ تخصيص خطبة جمعة (والأفضل أن تكون الجمعة القادمة) للحديث عن التكامل بين المحظرة والمدرسة وأهمية الجمع بينهما، وتقديم نماذج من التلاميذ الحفاظ المتفوقين دراسيا. 

6 ـ تنظيم ندوة فكرية تحت عنوان "حفظ القرآن والتفوق الدراسي". الجهة التي نقترح عليها هذه الندوة: إحدى الجمعيات الدعوية الفاعلة.

7 ـ إجراء بحوث تخرج ودراسات علمية حول العلاقة بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي، فتكرر تفوق حفاظ القرآن في الامتحانات والمسابقات يستوجب البحث والدراسة للوصول إلى نتائج مثبتة علميا.

حفظ الله موريتانيا..

#حفظوا_القرآن_فتفوقوا 

#حفظوا_القرآن_فتميزوا.

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

عن تضرر الخزانات

 


لا يمكن أن نُفَسِّر ما حدث البارحة إلا بواحد من أمرين: 

1 - إما أن يكون تضرر المخازن نتيجة لفساد في الصفقة. وأسباب سوء الظن حاصلة: فشركة آداكس غير متخصصة أصلا في بناء المخازن، وتعاملت مع شركة أخرى بعد حصولها على الصفقة، وماطلت كثيرا في بناء المخازن لأن بناءها ليس في مصلحتها أصلا، فهو سيسحب منها احتكار توريد المحروقات الذي كانت تتمتع به عمليا؛

2- في حالة عدم وجود فساد، فسيكون الاحتمال الثاني هو عدم التوفيق. فأن تأتي رياح عادية ترفع الوزارة سرعتها إلى 80 كلم للساعة، لتتسبب فيما تسببت فيه للمخازن، في وقت حرج يتسم بالتالي:

■ حرب أمريكا وإيران تعود بقوة؛

■ المواطن الموريتاني يعاني منذ مدة من أزمة محروقات مزدوجة: ارتفاع أسعارها، وعدم توفر البنزين الذي أصبح الحصول عليه يحتاج  للدخول في طوابير طويلة؛

■ أن تأتي الرياح بعد منشور لمعالي الوزير الأول يبشر فيه بأن العمل في المخازن سينتهي مع نهاية السنة.

■ أن تتضرر  المخازن بهذا الشكل أياما قليلة قبل مؤتمر صحفي لفخامة الرئيس طال انتظاره.

أمام كل هذه المصادفات التي تمس الأمل الوحيد المتبقي لنا في ضبط أسعار المحروقات وتوفيرها بالكميات المطلوبة مستقبلا، فقد أصبح من اللازم معاقبة جهة ما على هذه الأخطاء التي جاءت في وقت حرج، والخطأ يعظم بالتوقيت الذي جاء فيه.

 عاقبوا  تلك الجهة على فسادها إن كانت هناك عملية فساد، أو عاقبوها على سوء طالعها على الأقل، فليس من المناسب أن يمر تضرر هذه المخازن دون حساب.

الأربعاء، 15 يوليو 2026

فلنخلد ذكراهم بالمزيد من التوعية


فقدنا خلال السنة الدراسية المنتهية العديد من المدرسين من أساتذة جامعيين وأساتذة تعليم ثانوي ومعلمين، كما فقدنا كذلك عددا من التلاميذ في حوادث سير أليمة.

كنا نعبر مع كل حادث - وبكل صدق - عن صدمتنا الكبيرة، وحزننا العميق، ولكننا كنا نفشل دائما في تحويل ذلك الحزن الصادق إلى فعل إيجابي من شأنه أن يقلل من حوادث السير مستقبلا، حتى لا نفقد أحباء آخرين.

خيَّم علينا حزن كبير بعد وفاة ثلاثة من خيرة أساتذة المحظرة الشنقيطية الكبرى في حادث سير أليم على طريق أكجوجت، وتألمنا كثيرا، ونحن نتابع التفاصيل المؤلمة للحادث الأليم الذي تعرض له الطفل جليس في أحد شوارع العاصمة.

لا يمكن التشكيك إطلاقا في صدق حزننا، ولكن الحزن لن يحول دون وقوع الحادث التالي، ولن ينقذ الضحية القادمة، ولذا فأنا أتساءل دائما عن السبب الذي يمنعنا من تحويل هذا الحزن إلى جهد توعوي للحد من حوادث السير في بلادنا؟

إن الدموع لن تمنع حادثا من أن يقع، ولكن التوعية قد تمنعه من الوقوع.

لقد حاولنا في الحملة أن ننظم يوما توعويا لتذكر ضحايا حوادث السير في موريتانيا، ولكننا لم نجد تفاعلا إيجابيا من ذوي الضحايا، ولا من الضحايا الذين تسببت لهم حوادث السير في إصابات دائمة، ولذلك فقد ألغينا هذا اليوم، وسنكتفي بانطلاقة الموسم العاشر للحملة، في يوم 7 أغسطس 2026.

أعلم أن هناك آباء وأمهات تألموا كثيرا - وما زالوا يتألمون حتى اليوم - بسبب فقدانهم لفلذات أكبادهم في حوادث سير، بعضها كان نتيجة لعملية دهس قرب المدرسة، وبعضها الآخر كان نتيجة لأخذ الأبناء لسيارات ـ بعلم ذويهم أو بدون علمهم ـ قادوها بسرعة مفرطة، فكانت الفاجعة.

وأعلم كذلك أن هناك أساتذة ما زالوا يتذكرون بألم زملائهم الذين فقدوهم في حوادث سير أليمة.

 ومع ذلك، وفي ظل ارتفاع عدد ضحايا حوادث السير في قطاع التعليم كغيره من القطاعات الأخرى، فإن أكثر ما يثير الاستغراب أن المؤسسة التعليمية الوحيدة التي اتصلت بنا في الحملة خلال العقد الماضي، وعرضت علينا نشاطا مشتركا، لم تكن مؤسسة وطنية، بل كانت مؤسسة أجنبية (تحديدا الثانوية الفرنسية)، وقد عرضت علينا في مطلع العام 2020 تنظيم جهد توعوي مشترك في السلامة الطرقية، يستهدف تلاميذها، وذلك بعد أن لاحظت تزايد حالات الوفاة في صفوفهم بسبب حوادث سير في سباقات استعراضية "اتكاسكادي". لم ينفذ ذلك العمل المشترك، لأسباب أعلنا عنها في تلك الفترة، من خلال بيان موثق، ومع ذلك تبقى هذه المبادرة مقدرة.

أذكر أيضا ان المستشارة الإعلامية في السفارة الأمريكية في بلادنا، اتصلت بي، وهنأتني على جهود الحملة التوعوية في السلامة الطرقية. كما أن المستشار الإعلامي في السفارة الفرنسية أكد لي أنه يتابع أنشطة الحملة. لم يترتب على كل ذلك أي شراكة من أي نوع، ولكن ما لفت انتباهنا في الحملة هو هذا التثمين لجهودنا من طرف سفارات أجنبية، وهو تثمين مقدر، وعدم تلقي أي تثمين من مؤسسات وطنية.

فكم هو مؤلم حقا، أنه لا مؤسسة تعليمية وطنية واحدة، اتصلت بنا في الحملة، واقترحت علينا شراكة لحماية تلاميذها من حوادث السير، فبمَ تفسرون اهتمام الأجنبي بسلامة أبنائنا أكثر من اهتمامنا نحن بهم؟

إننا في الحملة ندعو كل أب فقد ابنه في حادث سير، أن يجعل حزنه سببا في وقاية أبناء الآخرين من حوادث السير، وندعو كل مدرس فقد زميلا له بسبب حادث سير، أن يخلد ذكرى زميله بالمزيد من التوعية في السلامة الطرقية. وإننا ندعو الجميع، وخاصة نقابات المعلمين والأساتذة وروابط آباء التلاميذ أن يرفعوا معنا هذه المطالب الأربعة:

1 ـ تخصيص أول درس في السنة الدراسية القادمة للسلامة الطرقية (في الابتدائية يركز الدرس على خطورة تسلق السيارات والعبور غير الآمن للطريق، وفي الثانوية يضاف إلى ذلك خطورة قيادة السيارات لمن لا يمتلك الأهلية، وخطورة القيادة المتهورة والاستعراضية)؛

2 ـ إطلاق أسبوع وطني للسلامة الطرقية داخل المؤسسات التعليمية؛

3 ـ تنظيم مسابقات حول السلامة الطرقية في المدارس، بما يعزز مشاركة التلاميذ في نشر الوعي في مجال السلامة الطرقية.

4ـ إشراك نقابات الأساتذة وروابط آباء التلاميذ في التوعية في مجال السلامة الطرقية.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير 

#الذكرى_العاشرة.

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

إلى معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم


 إلى معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم

معالي الوزيرة،

لقد وجهنا لكم مع افتتاح العام الدراسي (2025 ـ 2026) رسالة دعوناكم فيها إلى تخصيص درس موحد في السلامة الطرقية في جميع المدارس والمؤسسات التعليمية، في أول يوم دراسي، وكنا نأمل أن تجد تلك الرسالة ما تستحق من اهتمام وتفاعل، في إطار السعي للوقاية من حوادث السير التي تسببت في هذه السنة الدراسية ـ وكما يتكرر دائما في كل سنة دراسية ـ في وفاة العديد من المدرسين والتلاميذ

واليوم، مع اختتام العام الدراسي، فإننا نجدد لكم الدعوة، نجددها بعد أن تلقينا ببالغ الأسى وفاة الأستاذ محمد الأمين محمد يحظيه في حادث سير اليم وقع قرب قرية أغشوركيت، ليصل بذلك عدد المدرسين الذين توفوا في حوادث سير خلال السنة الدراسية المنتهية إلى عشرة مدرسين على الأقل، أي وفاة مدرس واحد على الأقل كل شهر (نشير إلى أن هذا العدد يخص فقط الحوادث التي وثقتها الحملة، فهناك حوادث سير كثيرة لا نطلع على تفاصيلها، كما أنه لا يشمل أيضا من توفوا خارج موقع الحادث نتيجة لمضاعفات الإصابة). 

ولم يقتصر ضحايا القطاع على المدرسين، فقد سجل خلال هذا العام الدراسي وفاة عدد كبير من التلاميذ بسبب حوادث سير، وتعددت أسباب تلك الحوادث، وكان من بين أهم أسبابها، السياقة دون رخصة، والسياقة المتهورة والاستعراضية، وتسلق السيارات، هذا فضلا عن عمليات دهس، تعرض لها عدد من التلاميذ، وبعضها كان أمام المدارس.

معالي الوزيرة،

إن سقوط هذا العدد الكبير من المدرسين والتلاميذ بسبب حوادث السير، خلال العام الدراسي المنصرم، هو الذي جعلنا نجدد لكم الدعوة مرة أخرى، لبرمجة درس موحد في السلامة الطرقية، تفتتح به السنة الدراسية المقبلة، وقد ارتأينا هذه المرة أن نخاطبكم عند اختتام السنة الدراسية، لا مع الافتتاح، وذلك لتجدوا الوقت الكافي لبرمجة هذا الدرس ليكون أول درس في الافتتاح القادم. 

ونقترح في هذا الإطار أن يركز الدرس الخاص بتلاميذ المرحلة الابتدائية على مخاطر تسلق السيارات، والطريقة الآمنة لعبور الطريق ولقيادة الدراجات، وكل الإجراءات التي من شأنها أن تحمي الأطفال من حوادث السير.

أما في المرحلة الإعدادية والثانوية، فمن المهم أن يركز الدرس على مخاطر تأجير السيارات وأخذها دون علم الآباء، وخطورة السياقة المتهورة والاستعراضية، والسياقة بسرعة مفرطة، والقيادة دون تأهيل، والقيادة الآمنة للدراجات.

معالي الوزيرة،

وحتى لا يبقى هذا الدرس مجرد نشاط يتيم يقدم في أول يوم دراسي وينتهي الأمر، فإننا نقترح عليكم أن تجعلوا منه انطلاقة لبرنامج تربوي متكامل في مجال السلامة الطرقية، يشمل:

ـ تخصيص نصف ساعة على الأقل من أول يوم دراسي من كل سنة دراسية للسلامة الطرقية؛

- إطلاق أسبوع وطني للسلامة الطرقية داخل المؤسسات التعليمية؛

- تنظيم مسابقات حول السلامة الطرقية في المدارس، بما يعزز مشاركة التلاميذ في نشر الوعي في مجال السلامة الطرقية.

ـ إشراك آباء التلاميذ في السلامة الطرقية، وحثهم على تحمل مسؤولياتهم في حماية أبنائهم من تسلق السيارات ومن القيادة المتهورة والقيادة دون تأهيل.

إن هذا الجهد التوعوي في مجال السلامة الطرقية يجب أن يشارك فيه أيضا جميع أفراد الأسرة التربوية؛ من مفتشين، ومديرين، وأساتذة، ومعلمين.

ولعل أعظم وفاء يمكن أن يقدمه المدرسون لزملائهم الذين فقدوهم في حوادث سير خلال هذا العام الدراسي، وفي الأعوام التي سبقته، هو أن يجعلوا من ذكرى رحيلهم وآلام فقدهم دافعا قويا لمضاعفة جهود التوعية داخل المدارس والمؤسسات التعليمية، حتى نحدَّ من حوادث السير ومن خسائرها البشرية والمادية الجسيمة.

معالي الوزيرة،

لا يفوتنا في ختام هذه الرسالة أن نجدد التعبير عن استعدادنا الكامل للتعاون مع قطاعكم في إعداد محتوى الدرس الموحد، والمساهمة في أي برنامج توعوي تطلقونه في مجال السلامة الطرقية، إيمانا منا بأن حماية الأرواح مسؤولية وطنية مشتركة، وأن المدرسة هي المؤسسة الأقدر على الوصول إلى الأطفال والشباب، وتوعيتهم بمخاطر حوادث السير، والتي أصبحت ـ حسب منظمة الصحة العالمية ـ هي السبب الأول للوفاة في الفئة العمرية من 5 إلى 29 سنة.

نواكشوط بتاريخ: 14 يوليو 2026

المنسق العام لحملة معا للحد من حوادث السير

محمد الأمين الفاضل.



الاثنين، 13 يوليو 2026

من سيكون رئيس موريتانيا في العام 2029؟


كثيرا ما يُطرح عليَّ سؤال سابق لأوانه بثلاث سنوات على الأقل، وهناك من يذكرني ـ عند طرحه لهذا السؤال ـ بمقال استشرافي نشرته في العام 2018 عن رئيس موريتانيا القادم في العام 2019، ووفقتُ فيه ـ بفضل الله ـ إلى حد كبير. فهل التوفيق في ذلك المقال يسمح لي بإعادة التجربة، والمجازفة بمحاولة الإجابة في وقت مبكر جدا على أولئك الذين طرحوا عليَّ السؤال السابق لأوانه: من سيكون رئيس موريتانيا في العام 2029؟

في العام 2018 لم يكن يفصلنا عن الانتخابات الرئاسية إلا عام واحد، وكانت معالمها في تلك السنة قد أصبحت واضحة إلى حد بعيد، ولذلك فلم يكن من الصعب استشراف رئيس موريتانيا القادم، فالراجح حينها أن المعارضة لن تتقدم بمرشح توافقي قوي مما يعني أنها لن تكسب رئاسيات 2019. أما بخصوص النظام، فعلى طول فترة حكم الرئيس السابق، كان هناك دائما "الرجل الثاني"، وهو الرئيس الحالي الذي تُجمع الأغلبية على أنه هو الأحق بالرئاسة في العام 2019، فهو خيار المؤسسة العسكرية الأول بل الوحيد، وهو محل اطمئنان دبلوماسي لدى دول المنطقة ولدى الدول الغربية أيضا، وهو بالإضافة إلى كل ذلك يحظى بثقل ودعم شعبي واسع، حتى خارج الأغلبية، وبالتالي فقد كان احتمال ترشيحه من أقوى الاحتمالات، وكان احتمال فوزه في الانتخابات ـ إن ترشح ـ شبه مؤكد، ولذلك فلم أكن بحاجة للكثير من القدرات الاستشرافية، لأن أتوقع في العام 2018 أن رئيس موريتانيا في العام 2019 سيكون على الراجح فخامة الرئيس محمد الشيخ الغزواني.  

وعلى العكس مما كان قبل العام 2019، فإن الأمور لن تكون سهلة بالنسبة للأغلبية في الانتخابات الرئاسية القادمة، فإذا كان النظام قد وُجِد به منذ العام 2008 من يمكن أن نصفه ب "الرجل الثاني"، والذي لن يطرح ترشيحه أي إشكال داخل الأغلبية، لأن الجميع كان يتفق على أنه هو الأجدر بتولي الرئاسة في العام 2019، فإن الحاصل حاليا، هو أنه لم تظهر حتى الآن داخل النظام القائم حاليا، أي شخصية يمكن أن نمنحها صفة الرجل الثاني في النظام الذي يسلم له الجميع داخل الأغلبية بأحقيته في الترشيح، وتولي الرئاسة في العام 2029. 

صحيح أنه توجد حاليا شخصيات في النظام يمكن أن نصفها بأنها تشكل أركانا قوية فيه، وقد يكون من بينها من يطمح للترشيح أو الترشح في العام 2029، ولكن الصحيح أيضا أنه لا أحد من تلك الشخصيات ارتقى إلى مرتبة الرجل الثاني في النظام، وهي المرتبة التي تؤهله لأن يكون مرشحا توافقيا للنظام، وفي ظل غياب ذلك المرشح التوافقي، فإن مرشح النظام في العام 2029 قد لا يحصل على إجماع داخل الأغلبية، بل إنه قد يجد منافسين جديِّين من داخل الأغلبية نفسها مما قد يصعب فوزه.

كان النظام في العام 2019 يمتلك جوابا واضحا على سؤال الخلافة، ولكني لا أعتقد أنه سيمتلك جوابا بنفس الوضوح في العام 2029، لغياب "الرجل الثاني"، وهذا وحده يصنع فارقا كبيرا بين رئاسيات 2019 ورئاسيات 2029، ولن يكون هذا هو التحدي الوحيد الذي سيواجهه النظام في العام 2029، بل إن هناك تحديا آخر لم يكن مطروحا في العام 2019. 

فإذا ما بقي الوضع القانوني للرئيس السابق على ما هو عليه حتى الانتخابات الرئاسية القادمة، فسيعني ذلك أنها ستجري في ظل وجود رئيس سابق في السجن، على العكس مما كان حاصلا في العام 2019، وبطبيعة الحال، فإن ذلك سيلقي بظلاله الثقيلة على تلك الانتخابات، وسيجعل من سلاسة التناوب السلمي على السلطة، أكثر تعقيدا مما كانت عليه في العام 2019.

وفي الجانب الآخر، وعلى مستوى المعارضة، فإن أمورها ستزداد سوءا عما كان عليه حالها في العام 2019، وستكون حظوظها في الفوز في انتخابات 2029 أضعف بكثير مما كانت عليه حظوظها الضعيفة أصلا في العام 2019، فالمعارضة قبل العام 2019 كانت قادرة دائما على أن تتوحد في تكتلات كبرى (الجبهة، المنسقية، المنتدى..إلخ)، ولم تكن هذه التكتلات الكبرى تتفكك إلا قبيل الحوارات، أو خلال المواسم الانتخابية. ومنذ العام 2019، أي منذ وصول الرئيس الحالي للسلطة، ظلت المعارضة تعاني من التفكك والتشظي حتى من قبل أن يعلن عن حوار أو أن تكون هناك انتخابات، فهي منقسمة اليوم إلى ثلاثة تكتلات في غاية الهشاشة، وعاجزة حتى الآن عن إصدار بيانات أو تنظيم مهرجانات ومسيرات تحت عنوان واحد وموحد، وذلك مما يعكس تراجعا كبيرا في قدرتها على التنسيق والعمل المشترك. 

فإذا كانت المعارضة قد عجزت عن التقدم بمرشح توافقي أو رئيسي على الأقل في العام 2019، وهذا أحد أهم الشروط التي لابد من توفرها لوصولها إلى السلطة (سأتحدث ـ إن شاء الله ـ في حلقة من هذه السلسلة عن بقية الشروط)، فإنها ـ أي المعارضة ـ ستكون أكثر عجزا عن التقدم بمرشح توافقي أو حتى رئيسي في العام 2029، وذلك حسب ما تقوله كل المؤشرات المتاحة حاليا، مما يعني أن احتمال وصولها إلى الرئاسة سيكون أكثر استبعادا في العام 2029 مما كان عليه حالها في العام 2019.

خلاصة القول، للإجابة على السؤال العنوان، هي أن غياب الرجل الثاني في النظام، وضعف احتمال ـ إن لم أقل استحالة ـ أن تتقدم المعارضة بمرشح توافقي، هما ملمحان بارزان سيُصَعِّبان كثيرا من تقديم استشراف يتسم بالموضوعية والدقة، في مثل هذا الوقت المبكر جدا، عن رئيس موريتانيا في العام 2029. حتى الآن ما زالت مساحة المجهول أكبر بكثير من مساحة المعلوم في كل ما يتعلق برئاسيات 2029.

في الحلقة القادمة من هذه السلسلة، سنبدأ ـ إن شاء الله ـ في الحديث عن المعارضة، وأسباب فشلها في الوصول إلى السلطة، وسأكشف عن بعض محطات فشلها التي كنتُ شاهدا عليها، لأختم الحديث عنها بتقديم جملة من الشروط التي لابد من أن تتوفر فيها إذا ما أرادت أن تكون منافسا قويا في رئاسيات 2029. وبعد الانتهاء من الحديث عن المعارضة، سنفتح كتاب النظام وأغلبيته، وفي ذلك الكتاب الكثير مما يُقال. 

وأختم بالقول إني قررتُ كتابة ونشر هذه السلسلة، نظرا لعدم تمكني من إصدار الجزء الثاني من كتب سلسلة الإصلاح في موريتانيا الذي كان سيخصص للمعارضة، والجزء الثالث الذي كان سيخصص للأغلبية، وذلك بسبب انشغالات ضاغطة حالت دون إعداد محتواهما وإصدارهما بعد ذلك.

سأحاول أن أقدم خلاصات ما كنتُ سأنشره في الكتابين عن المعارضة والأغلبية، من خلال هذه السلسلة، والتي أرجو أن تكون مفيدة للطرفين في الأغلبية والمعارضة.   

يتواصل إن شاء الله..

حفظ الله موريتانيا..

السبت، 11 يوليو 2026

عشر سنوات بلا مقر (الحلقة الثالثة: ماذا حققت الحملة؟)


هذا سؤال يجب أن يطرح بعد عقد من الانطلاقة والأنشطة المستمرة، فالأنشطة في حدّ ذاتها ليست هدفا ولا غاية، وإنما هي وسيلة لتحقيق هدف ما أو غاية ما، ولذا فإن تقييم عمل الحملة بعد اكتمال عقدها الأول لن يكون باستعراض ما راكمته من أنشطة، وهي بالمناسبة أنشطة كثيرة ومتنوعة، وإنما سيكون بقياس أثر تلك الأنشطة، وما أحدثت من تغيير على أرض الواقع، وسنقتصر في هذه الحلقة على الإنجازات التي نفذتها الحكومة استجابة للمطالب والعرائض التي تقدمت بها الحملة.

 وكما قلنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، وهو ما ثبتناه في عنوانها، فإن الحملة لم تمتلك منذ تأسيسها مقرا، وكانت تعمل في أغلب الأحيان في ظروف صعبة جدا، معتمدة في تمويل أنشطتها على تبرعات أعضائها، وأغلب أعضائها هم شباب عاطلون عن العمل، ورغم كل ذلك فقد استطاعت أن تحقق التالي:

1 ـ نجاحها في أن تجعل من حوادث السير وما تخلف من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات قضية رأي عام وطني، وكان هذا هو هدفها الأبرز عند انطلاقها في يوم 7 أغسطس 2016، وقد نجحت إلى حد كبير في تحقيق هذا الهدف؛

2 ـ إعداد عريضة مطلبية من 7 مطالب، وتسليمها في يوم 28 مايو 2019 لفخامة رئيس الجمهورية محمد الشيخ الغزواني، وكان حينها مترشحا للرئاسة، وقد تبنى الرئيس كل مطالب العريضة، وتعهد بتنفيذها في حال انتخابه رئيسا للجمهورية؛

3 ـ مناقشة ملف السلامة الطرقية في أول اجتماع مجلس وزراء ينعقد تحت رئاسة محمد ولد الشيخ الغزواني بعد انتخابه رئيسا في العام 2019، هذا إذا ما استثنينا اجتماع التعارف الذي سبق ذلك الاجتماع، والذي خُصّص حصرا للتعارف، ولم يناقش فيه أي ملف.

فأن يكون ملف السلامة الطرقية، لا أي ملف آخر، هو أول ملف يناقشه مجلس الوزراء بعد تنصيب رئيس الجمهورية، فذلك مما يؤكد أن التزامات الرئيس لوفد الحملة الذي سلمه العريضة المطلبية، لم تكن مجرد التزامات انتخابية؛ 

4 ـ نشر أول ثلاث سيارات إسعاف خاصة بضحايا حوادث السير على المقطع (نواكشوط ـ ألاك) بعد 130 يوما فقط من تنصيب رئيس الجمهورية، وكان نشر سيارات الإسعاف على الطرق من بين أهم مطالبنا في العريضة، وقبل هذا التاريخ لم تكن توجد سيارة إسعاف واحدة خاصة بضحايا حوادث السير، على كافة أراضي الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وكان المصابون ينقلون في الغالب في أول سيارة يقبل صاحبها بنقلهم، وكانوا في بعض الأحيان ينقلون كما تنقل البضائع، مما كان يزيد من تفاقم إصاباتهم، بل ويتسبب في وفاة بعضهم.

لقد تم نشر سيارات الإسعاف الثلاث كخطوة أولى من مشروع كبير، سيعرف فيما بعد بالعون الطبي الاستعجالي، وجرت عملية النشر ضمن سلسلة من الأنشطة على طريق الأمل أطلقها الوزير الأول الأسبق إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا، ودعيت لها الحملة بشكل رسمي، وقد ثمَّن الوزير الأول ـ أمام الوفد المرافق وأمام الإعلام ـ جهود الحملة، مؤكدا أن نشر سيارات الإسعاف على الطرق كان من مطالبها، ومتعهدا في الوقت نفسه بأن الحملة ستبقى شريكا للحكومة في كل الأنشطة ذات الصلة بالسلامة الطرقية.

إننا في الحملة فخورون بما تحقق في العهد الحالي على مستوى منظومة التدخل الطبي الاستعجالي، ولكي تكتمل هذه المنظومة، فستبقى هناك ضرورة لاستحداث نقاط تدخل ثابتة أو متحركة، مزودة بآليات ثقيلة لإزاحة الشاحنات عند سقوطها على الطرق مما يمكن من فتح الطرق بشكل سريع، أو عند سقوطها على سيارات صغيرة، مما يمكن من الوصول إلى الضحايا لإنقاذهم قبل فوات الأوان.

هذا فضلا عن ضرورة اقتناء مروحية إسعاف طبي، للتدخل السريع في الحوادث التي تقع في أماكن بعيدة، أو تلك التي تؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا.

5 ـ من المطالب التي تضمنتها العريضة: ترميم طريق الأمل بشكل كامل، وتوفير نظام صيانة مستدام، مع تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت). لقد تم ترميم طريق الأمل بشكل كامل، وهذا إنجاز كبير لا يدرك أهميته إلا من اعتاد سلوك هذا الطريق خلال العقود الماضية، فخلال تلك العقود كان كلما رُمّم مقطع من هذا الطريق الحيوي، تهالكت مقاطع أخرى، وهكذا.. الجديد في هذا العهد هو أن عملية الترميم هذه المرة جاءت شاملة للطريق بأكمله.

ونأمل في الحملة أن يتم تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت) في أسرع وقت ممكن، وعندها يكون هذا المطلب قد تحقق بشكل كامل. 

ولن أختم الحديث عن مطالب الحملة التي تحققت، دون الحديث عن مطلب مهم، تمت الاستجابة له، ولكن في وقت متأخر جدا، ويتعلق الأمر بإلزام حافلات النقل العمومي باقتناء مثبتات السرعة، وكانت وزارة التجهيز والنقل قد وجهت للحملة رسالة بتاريخ 3 يناير 2020 ردت فيها على رسالة سابقة للحملة، وتعهدت بموجبها أنها ستلزم حافلات النقل باقتناء مثبتات السرعة. 

لم يتم البدء في تنفيذ هذا التعهد إلا بعد مرور ست سنوات على الالتزام به، وفي وقت لم تعد فيه مثبتات السرعة هي الخيار الأفضل لإجبار حافلات النقل العمومي على سرعة محددة، فالعالم قد عرف خلال السنوات الأخيرة تطورا هائلا في مراقبة السرعة عن طريق الرادارات والشرائح الذكية، ولذا فإن أي مراقبة للسرعة دون الاعتماد على التقنيات الجديدة ستكون إضاعة للوقت والجهد والمال.

ورغم أهمية ما تحقق من مطالب، ونحن فخورون بما تحقق، فما تزال الحملة ترى أن بلوغ مستوى متقدم من السلامة الطرقية، يتطلب الاستجابة لمطلبين استراتيجيين رفعتهما الحملة بعد تسليم عريضتها المطلبية: 

المطلب الأول: تبني الحكومة لنداء جوك للسلامة الطرقية الذي أعدته الحملة بعد سنوات من العمل الميداني، واعتباره خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا؛

المطلب الثاني: اعتماد تطبيق "سلامتي" المعد أيضا من طرف الحملة، والذي يمكن أن يشكل الخطوة الأولى في بناء منظومة رقمية متكاملة في مجال السلامة الطرقية، تعتمد على الشرائح الذكية، وخرائط تحديد المواقع، وتقنيات الاتصال، وأدوات الذكاء الاصطناعي. 

وتبقى كلمة أخيرة: إن النتائج التي تحققت تثبت أن الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني هي شراكة في غاية الأهمية، ولو استمرت الحكومة في التعامل مع حملة معا للحد من حوادث السير كشريك أساسي من المجتمع المدني، كما حصل في السنة الأولى من المأمورية الأولى، لكان حجم الإنجازات في مجال السلامة الطرقية أكبر وأعمق أثرا.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير 

#الذكرى_العاشرة.

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

20 يوليو... يومٌ توعوي مفتوح لتذكر ضحايا حوادث السير في موريتانيا


إن ضحايا حوادث السير في بلادنا ليسوا مجرد أرقام نستعرضها في الإحصاءات، فنقول توفي في هذا الحادث ثلاثة اشخاص، وتوفي في ذلك الحادث سبعة أشخاص، والحصيلة السنوية لهذا العام بلغت مئات القتلى وآلاف الجرحى، وهكذا... إنهم ليسوا مجرد أرقام إحصائية، بل هم آباء وأمهات وأطفال وشباب تركوا خلفهم أسرا لا تزال تعيش ألم فراقهم حتى اليوم.

وراء كل رقم يذكر في تلك الإحصاءات دموع وأحزان وآلام وقصص إنسانية مؤثرة تستحق أن تُروى، فمن حق أسر الضحايا أن يتذكروا ضحاياهم، ويجددوا المطالبة ـ وهذا هو الأهم ـ ببذل المزيد من جهود الوقاية، حتى لا تعيش أسر موريتانية أخرى ما عاشوا هم من أحزان وآلام، فالموت صعب وصادم في كل الأحوال، ولكنه في حوادث السير يكون أكثر صدمة وقسوة، بسبب عنصر المفاجأة، فالحادث يقع في لحظة، وتلك اللحظة قد تنقل أحباء أعزاء من الحياة إلى الموت.

وفي إطار سعيها لتخصيص يوم وطني لتذكر ضحايا حوادث السير، على غرار اليوم العالمي المخصص لتذكر ضحايا حوادث السير، فقد قررت حملة "معا للحد من حوادث السير" ان تبدأ ذلك المسعى من يوم 20 يوليو القادم، لتجعل من هذا اليوم يوما وطنيا لتذكر ضحايا حوادث السير في موريتانيا.

ولقد اختارت الحملة هذا اليوم، ليكون يوم تذكر ضحايا حوادث السير، لعدة أسباب منها:

1 ـ أنه من الأيام الحزينة التي فقدنا فيها أسرة كاملة بسبب حادث سير، ففي فجر هذا اليوم اشتعلت سيارة صغيرة بسبب حادث سير وقع عند الكلم 75 على طريق الأمل، وكانت الحصيلة ثقيلة جدا، وفاة 6 أفراد من أسرة واحدة.

2 ـ أن ذكراه الأولى ستحل هذا العام، وأن الحملة استخدمت هيكل السيارة المشتعلة في ذلك الحادث في أول مجسم توعوي يُشََّيد في موريتانيا.

3 ـ أن هذا الحادث وقع على طريق الأمل، الطريق الأكثر حيوية في موريتانيا، وعلى المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت)، المقطع الأعلى تسجيلا لحوادث السير في شبكتنا الطرقية، ووقع تحديدا عند الكلم 75، أي تماما على منتصف هذا المقطع الأكثر خطورة.

4 ـ أن والد الأسرة الضحية ينتمي إلى قطاع الدرك الوطني، وهو قطاع من اكثر القطاعات احتكاكا بحوادث السير، خصوصا عند اللحظات الأولى من وقوعها.

5 ـ التعاون الإيجابي الذي تلقته الحملة من ذوي ضحايا الحادث، حيث أنهم منحوها هيكل السيارة لتستخدمه في المجسم التوعوي، كما أنهم شاركوا في الأنشطة التي نظمتها الحملة بمناسبة هذه الفاجعة الأليمة. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الكثير من ذوي ضحايا الحوادث، ومن الذين أصيبوا إصابات مستديمة في حوادث سير ما زالوا يرفضون المشاركة في الأنشطة التوعوية للحد من حوادث السير. 

وستفتح الحملة على هامش تخليد الذكرى الأولى لهذه الفاجعة الأليمة المجال أمام جميع أسر ضحايا حوادث السير للمشاركة في هذا التخليد من خلال تذكر أحبائها، والتعبير عن مشاعرها، والمشاركة في توجيه رسالة مجتمعية تدعو إلى المزيد من الاهتمام بالسلامة الطرقية، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي.

إننا لا نريد أن يكون هذا اليوم مناسبة للحزن فقط، بل نريده أن يكون يوم عزيمة وإصرار نجدد فيه العهد جميعا على بذل كل ما نستطيع حتى لا تفقد أسر أخرى أحباءها على الطرق.

وتدعو الحملة ذوي الضحايا الراغبين في المشاركة في هذا اليوم الذي نريده أن يكون يوما وطنيا لتذكر ضحايا حوادث السير في موريتانيا، يتجدد تخليده كل عام، أن يتواصلوا مع الحملة لبرمجة مشاركتهم لتكون ضمن المشاركات التي سنخلد بها هذا اليوم.

وسيخصص جزء من فعاليات هذا اليوم لسماع وتوثيق شهادات عدد من ذوي الضحايا، واستذكار أحبائهم، وفاءً لذكراهم، وإسهاما في التوعية والوقاية من حوادث السير، فمن حق الضحايا علينا الا يقتصر وفاؤنا لهم على الحزن عند تذكرهم، بل أن نحول ذكراهم إلى دافع قوي لإنقاذ أرواح أخرى.

كما أن المجال مفتوح لمن أن أراد أن يشارك في التحضير لتنظيم هذا اليوم التوعوي المفتوح. 

للاتصال: رقم الواتساب 33277671  

الموعد: الاثنين 20 يوليو 2026

المكان: عند أول مجسم توعوي للحد من حوادث السير في موريتانيا.

الأخت الشقيقة للدركي المتوفي في الفاجعة مع زوجته وأبنائه.





الاثنين، 6 يوليو 2026

في ذكرى فاجعتين أليمتين...لا نريد أن نفقد أسرة أخرى


في مثل هذا اليوم، 6 يوليو 2018، سقطت شاحنة عند قرية الغشوات على سيارة صغيرة كانت تقل المهندس الشاب إبراهام أحمد خليفة، وزوجته، وابنتهما الرضيعة. وقد توفي أفراد الأسرة الثلاثة في أوقات متفاوتة، فيما استغرقت عملية إخراجهم من السيارة نحو خمس ساعات، بحسب ما رواه لنا سكان القرية عند وصولنا إلى موقع الحادث.

لقد هزت هذه الفاجعة الرأي العام الوطني، وكانت أول فاجعة عند قرية الغشوات تنظم الحملة زيارة ميدانية إلى موقعها.

وبعد أيام قليلة، وتحديدا في يوم 20 يوليو القادم، ستحل الذكرى الأولى لفاجعة أخرى لا تقل ألما، فقدنا فيها أيضا أسرة كاملة من 6 أفراد بعد أن اشتعلت النيران في سيارتهم إثر اصطدامها بحافلة، ولم ينتبه أحد إلى وجودهم داخل السيارة إلا بعد فوات الأوان.

لقد زارت الحملة موقعي الحادثين، ففي موقع الحادث الأول قمنا بردم الحفرة التي يرجح بعض الأهالي أنها كانت من بين أسباب الفاجعة، وفي موقع الحادث الثاني أقمنا، بموافقة أفراد الأسرة، أول مجسم توعوي من نوعه في موريتانيا، تخليدا لذكرى الضحايا، ورسالة تدعو إلى مزيد من الوعي والتقيد بإجراءات السلامة الطرقية.

بين فاجعة الغشوات التي فقدنا فيها أسرة المهندس أبراهام أحمد خليفة، وفاجعة الكلم 75 التي فقدنا فيها أسرة الدركي محمدو ولد إبراهيم، سجلنا في الحملة حوادث سير أليمة أخرى تسببت في فقدان أسر كاملة.

نأمل في الحملة أن نتمكن، من خلال جهودنا وجهود جميع الشركاء، من الحد من حوادث السير عموما، ومن الحوادث التي نفقد فيها أسرا بأكملها على وجه الخصوص.

ونقولها بكل صراحة: ما يزال التفاعل الرسمي والشعبي مع الحملة، ومع الجهود التطوعية المبذولة في مجال السلامة الطرقية، دون المستوى الذي يفرضه حجم النزيف البشري والمادي الذي تشهده طرقنا باستمرار. 

إن حماية الأرواح مسؤولية جماعية، لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا بتضافر جهود الدولة، والمجتمع، والإعلام، والقطاع الخاص، وكل مواطن يعي خطورة ما تشهده طرقنا من نزيف في الأرواح وخسائر في الممتلكات.

قريبا ستخلد الحملة الذكرى العاشرة لانطلاقها ( 7 أغسطس)، ونرجو أن نتمكن في هذا الموسم العاشر من تشييد مجسمات توعوية جديدة على محاور طرقية أخرى، وإطلاق نسخة جديدة من قافلة معا من أجل خريف آمن. وتفعيل تطبيق سلامتي، الذي نأمل أن يشكل خطوة أولى لمنظومة رقمية متكاملة في مجال السلامة الطرقية.

الصور المرفقة:

- صورة المجسم التوعوي؛

- صورة سيارة الدركي محمدو  أبراهيم بعد اشتعالها في موقع الحادث؛

- صورة سيارة المهندس أبراهام في موقع الحادث؛

- أعضاء من الحملة يرممون حفرة في موقع الحادث، ولأني أدرك بأن البعض قد يسخر من عملية الترميم، فأقول له إن من يقوم بعملية الترميم مهندس متخصص، وفق الضوابط العلمية، والمادة المستخدمة مع الإسمنت هي مادة خاصة تستخدمها إحدى الشركات الأجنبية العاملة في البلد. وعموما فإننا نظمنا زيارات ميدانية لأغلب الحفر التي رممنا في تلك السنوات، وكنا نجدها دائما على أحسن حال.

رحم الله أفراد الأسرتين وكل ضحايا حوادث السير. 






من ردود الأفعال المؤقتة.. إلى الحلول الذكية المستدامة


تابعنا في "حملة معا للحد من حوادث سير" خلال الأعوام 2016 و2018 و2022 إجراءات صارمة اتخذتها القطاعات المعنية ضد الحمولة الزائدة كردة فعل مؤقتة، ولكن تلك الإجراءات سرعان ما توقفت، وبشكل مفاجئ، مثلما بدأت.

وتابعنا في العام الماضي إجراءات أكثر صرامة وتشددا اتخذتها السلطات لفرض اقتناء قنينات إطفاء على أصحاب السيارات، بعد الفاجعة الأليمة التي وقعت فجر يوم الأحد 20 يوليو 2025 عند الكلم 75 على طريق الأمل، والتي توفي فيها ستة أفراد من عائلة واحدة، اشتعلت عليهم سيارتهم في حادث أليم صدم الشعب الموريتاني.

تم بموجب تلك الإجراءات إيقاف عدد كبير من السيارات، وشهدت أسعار قنينات الإطفاء مضاربات غير مسبوقة، ثم توقف كل شيء فجأة، ولم يعد يُسأل اليوم في نقاط التفتيش عن قنينة الإطفاء، ولا يسأل كذلك عن الحمولة الزائدة.

وإذا كانت ردة الفعل على فاجعة الكلم 75 على طريق الأمل، اقتصرت على حملة مؤقتة لإجبار سائقي السيارات على اقتناء قنينات إطفاء، فمن حقنا أن نقلق اليوم، من أن تكون ردة الفعل على فاجعة الغشوات، والتي أدت إلى وفاة 10 أشخاص في يوم الثلاثاء 2 يونيو 2026 بسبب تصادم حافلتين، أن تكون هي الأخرى مجرد ردة فعل مؤقتة توقف فيها الحافلات غير المزودة بمثبتات السرعة لأيام معدودة، قبل أن يعود سائقو تلك الحافلات إلى القيادة بسرعة مفرطة، في انتظار أن تقع فاجعة جديدة لتتخذ إجراءات مؤقتة جديدة ضد السرعة المفرطة. 

إن إطلاق مثل هذه الحملات المؤقتة، كردود أفعال غير مدروسة بشكل جيد، هي التي ستشجع السائقين على المزيد من التهور والاستهتار بحياة الناس، وذلك لأنها تشعرهم بأن الجهات الرسمية غير جادة فيما تتخذ من إجراءات، وأن الصرامة التي تتعامل بها في الأيام الأولى مع مخالفي الإجراءات المتخذة لن تستمر طويلا.

لقد ظهر بعد اتخاذ الإجراءات الأخيرة أن مثبتات السرعة غير متوفرة في السوق، وأن عددا كبيرا من الحافلات القديمة يواجه صعوبات فنية في تركيبها، وأن ما يستخدم حاليا من طرف الحافلات التي بدأت في تنفيذ الإجراءات المتخذة مؤخرا، لا يمكن اعتباره تقنيا بمثبتات للسرعة، وإنما هو إجراء تقليدي يمكن لسائق الحافلة أن يتخلص منه عند تجاوز أول نقطة مراقبة.

إننا في الحملة لنجدد الطلب باتخاذ إجراءات صارمة ودائمة لا رجعة فيها ضد السرعة المفرطة، ونرى أن تلك الإجراءات لن تكون صارمة ودائمة إلا من خلال اعتماد الحلول الرقمية الذكية.

لقد سبق للحملة أن أوضحت في بيانات سابقة، أن مطلبها القديم الذي رفعته في العام 2018 بإجبار حافلات النقل العمومي على اقتناء مثبتات السرعة، لم يعد في العام 2026 يمثل أفضل الخيارات المتاحة، وذلك نظرا لما شهده العالم من تطور هائل في أنظمة التتبع والاتصال والذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة.

ونظرا لذلك، فإننا ندعو مجددا إلى البدء المتدرج في اعتماد منظومة رقمية متكاملة، تكون قادرة على الرقابة والرصد بكفاءة أعلى، مع تقديم خدمات للسائقين تشعرهم بأن هذه المنظومة الرقمية ليست فقط من أجل رصد مخالفاتهم وفرض غرامات عليهم بسبب تلك المخالفات، وإنما هي كذلك من أجل أن تقدم لهم خدمات في غاية الأهمية هم بأمس الحاجة إليها، وخاصة ما يتعلق منها بوضعية الطريق الذي يسلكونه، وما يوجد عليه من مخاطر، فهذه الأنظمة بإمكانها أن توجه تنبيهات صوتية للسائق، ودون الحاجة للإنترنت، لتشعره باقترابه من حفرة، أو لسان رملي، أو مطب، أو مقطع متهالك، أو أي خطر آخر من أي نوع. كما أنها يمكن أن تحول له إرشادات وتنبيهات الشواخص التي قد لا تكون موجودة على الطريق أصلا، وإن وُجدت فإنه قد لا يفهم لغتها، تحولها له إلى لغة مسموعة يفهمها، كأن تقول له مثلا: هنا يمنع التجاوز، وهنا يجب أن تخفض السرعة، وهكذا. 

لقد استشعرت الحملة في وقت مبكر أهمية استخدام التقنيات الجديدة في مجال السلامة الطرقية، ويعمل فريق المهندسين المتطوع لها منذ فترة على تطبيق "سلامتي"، والذي سيكون بإمكانه مراقبة السرعة، بل ورصد عدد الساعات التي قضاها السائق دون توقف، فالعديد من الحوادث يكون بسبب القيادة أثناء التعب والنعاس، هذا فضلا عن تقديم خدمات أخرى يحتاجها السائق، وقد ذكرناها سابقا.

 وفي الأخير، تعلن الحملة عن استعدادها الكامل لوضع هذا المشروع، وخبرة فريقها، تحت تصرف السلطات العمومية، مساهمة منها في بناء منظومة رقمية متكاملة في مجال السلامة الطرقية، تحمي الأنفس وتصون الممتلكات، وتنسجم مع توجه الدولة نحو الرقمنة.

نواكشوط بتاريخ: 6 يوليو 2026


الأحد، 5 يوليو 2026

عن وصية أوصي بها...وأعجز عن تطبيقها!


ينتقدني كثيرون بسبب انشغالي بعدة مجالات في وقت واحد، ويرى هؤلاء المنتقدون بأن في ذلك تشتيتا للجهد والوقت والتركيز، ولكي أعطي لهؤلاء المنتقدين حجة أقوى، فسأكشف لهم في هذه السطور عن نصيحة كثيرا ما أوجهها للشباب في الدورات التدريبية التي أقدمها، أطالبهم فيها بأن يتخصصوا في مجال واحد، حتى يراكموا فيه خبرة، وينجحوا فيه، بل ويتميزوا، وأحذرهم دائما من تشتيت الجهد والوقت والتركيز في عدة مجالات، لأن ذلك التشتيت قد يحرمهم من النجاح في أي مجال، وقد يقلل ـ بالتالي ـ من مستوى تأثيرهم في توجيه الرأي العام، إن كانوا من المهتمين بالشأن العام.

تكرر تلك النصيحة، جعلني أتوقع مع كل دورة تدريبية أن يربكني أحد المشاركين بسؤال يقول فيه: لماذا توصينا دائما بوصية أنت آخر من يطبقها في حياته؟
في الحقيقة، لا أدري كيف غابت عن منتقدي فكرة، تنفيذها في غاية البساطة، ولو أنها نفذت لأضعفت حجتي إن حاولتُ الرد على المنتقدين، بل إنها قد تقطع لساني.
أذكر أني قرأتُ مرة عن قصة في غاية الغرابة، مفادها أن محاميا شهيرا قرر أن يتطوع بالدفاع عن شخص متهم بمحاولة قتله. ومع أني لستُ متأكدا من دقة الواقعة، إلا أني، وعلى طريقة المحامي المذكور في القصة، سأهدي لمنتقدي "فكرة انتقادية إبداعية" تبين بشكل قاطع حجم التناقض بين ما أنصح به الآخرين، وما أمارسه أنا على أرض الواقع. تتلخص الفكرة بإعداد مقطع مرئي قصير ـ على طريقة "الكيطاعة" ـ أظهر فيه وأنا أوجه نصائح للشباب بضرورة التخصص، ثم تظهر بعد ذلك لقطات في المقطع تناقض ما كنتُ أقول، حيث أظهر مرة وأنا في نشاط لحملة معا للحد من حوادث السير، ومرة في نشاط للحملة الشعبية للتمكين اللغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية، ومرات أخرى، وأنا في نشاط لميثاق المواطنة، أو في نشاط للائتلاف الوطني لمحاربة الفساد، أو في نشاط لاكتشاف المواهب الشبابية وتنميتها، تنظمه جمعية خطوة للتنمية الذاتية.
قطعا، لا أملك أي حجة لأبرر بها أهمية تشتت الجهود، أو لأبين من خلالها فوائد عدم التركيز على مجال واحد، وكل ما أستطيع أن أقوله في هذا المجال، هو أنني أعاني بالفعل من "حالة مرضية" يبدو أنها ستصاحبني طويلا، وأني ـ وبالإضافة إلى الحالة المرضية ـ قد اتخذت التزاما شخصيا، أرهقني في الماضي كثيرا، وسيرهقني أكثر في المستقبل، إن كان في العمر بقية.
حالة مرضية
إني من الذين يعانون من حالة مرضية نادرة، تجعلهم غير قادرين على الاكتفاء بالتفرج، والاستمرار فيه، عندما يشاهدون خللا ما لا يجد من يهتم بتصحيحه، أو مشكلة ما لا تجد من يحاول حلها. فهل يعقل مثلا أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا نزيف الطرق؟ وهل يعقل أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا انتهاك مادة من دستور بلاده المصادق عليه منذ أكثر من ثلث قرن؟
وهل يعقل أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا جرائم يرتكبها أطفال قصر أو شباب في مقتبل العمر تسربوا من المدرسة، ويتعاطون في الغالب المخدرات؟ وهل يعقل أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا تآكل قيم المواطنة الجامعة، وتصاعد الخطابات القبلية والفئوية والجهوية والعرقية، ثم لا يفعل شيئا على أرض الميدان ـ ولو قلَّ ـ لمواجهة كل هذه التحديات، والتي تكفي واحدة منها لتدمر بلدا بكامله، فكيف بها إذا اجتمعت في وقت واحد؟
لو أن من يوجه لي النقد بسبب تشتت الجهود، نزل إلى الميدان، واشتغل بواحد من هذه الملفات أو غيرها، لساعدني كثيرا، ولأغلق في وجهي بابا من أبواب تشتت الجهد.
التزام مرهق
لقد دفعني اهتمامي بالشأن العام إلى اتخاذ التزام شخصي أرهقني كثيرا خلال السنوات الماضية، والراجح أنه سيرهقني أكثر في المستقبل. يتلخص هذا الالتزام الشخصي في تقسيم التفاعل أو التعامل مع قضايا الشأن العام إلى ثلاثة مستويات، تتفاوت كثيرا من حيث الأهمية، كما أنها تتفاوت كذلك من حيث المشقة وحجم الجهد المبذول.’
أول هذه المستويات، وهو الأهم والأصعب، وأبدأ به عادة كلما قررتُ أن اهتم بقضية ما، يتمثل هذا المستوى في النزول إلى الميدان، وبذل الجهد والوقت وربما المال إن وُجد، لإصلاح خلل قائم، بما توفر من وسائل مهما كانت بساطتها. وعندما تتعذر إمكانية النزول إلى الميدان، ألجأ إلى المستوى الثاني، والذي يتمثل في بذل جهد فكري لإيجاد مقترحات وحلول نظرية للقضية أو الملف محل الاهتمام، على أن يتم تقديم تلك المقترحات والحلول إلى الجهات المعنية القادرة على تنفيذها، سواء كانت تلك الجهات حكومية أو حزبية أو جمعوية، أو كانت مجرد أشخاص يمتلكون من الوسائل ما يكفي لمعالجة ذلك الخلل أو حل تلك المشكلة.
وإن تعذر النزول جسديا إلى الميدان، وعجزت القدرات الذهنية عن إيجاد مقترحات وحلول نظرية يمكن تقديمها للجهات المعنية لعلاج خلل قائم، يتم حينها اللجوء إلى المستوى الثالث، وهو المستوى الأدنى، أي مزاحمة نخبتنا في الساحة التي تجيد اللعب فيها (منطقة الراحة بلغة خبراء التنمية البشرية)، والتي يندر أن تخرج منها. إنها ساحة الاكتفاء بتوجيه النقد للآخر، سواء كان ذلك الآخر حكومة، وفي الغالب يكون حكومة، أو أحزابا أو منظمات مجتمع مدني أو شخصيات عامة.
إن التشتت الذي أعيشه ليس ناتجا عن عدم الاقتناع بأهمية التخصص، وإنما هو محاولة لسد بعض الثغرات أو الثغور إذا شئتم، بالحد الأدنى مما يُتاح لي القيام به، في ظل غياب من يحاول سد تلك الثغرات بما لديه من وسائل وإمكانات.
إن المشكلة لا تكمن في أن لدي عشر قضايا أو ملفات أشتغل عليها في وقت واحد، بل إنها تكمن في أن الوطن يعاني من مئات المشاكل، وأن الكثير من أبنائه لا يفعل شيئا لحل تلك المشاكل، فلو كان في كل ثغر مرابط، لما اضطر أيٌّ منا للتنقل بين الثغور.
ختاما
سأبقى ـ رغم كل ما سبق ـ أكرر أمام الشباب النصيحة نفسها: لا تشتتوا جهودكم، وتخصصوا في مجال واحد، ولا تجعلوا من تجربتي الشخصية نموذجا يحتذى به؛ فما أعيشه ليس نموذجا يحتذى به، وإنما هو استثناء فرضته ظروف معينة اختلطت فيها حالة مرضية بالتزام شخصي قاس ومرهق.
حفظ الله موريتانيا...

السبت، 4 يوليو 2026

جلسة مع خبير عن التدخل لإسعاف الضحايا


 نظمت حملة "معا للحد من حوادث السير"، مساء اليوم الجمعة، جلسة نقاشية حول الإسعافات الأولية لضحايا حوادث السير، استضافت خلالها جراح الأعصاب الإسباني من أصل لبناني الدكتور هاني أمحيدلي، الذي يزور موريتانيا حاليا لتقديم دورات تكوينية للأطباء والمسعفين في مجال جراحة الأعصاب وإسعاف ضحايا حوادث السير.

وافتُتحت الجلسة بكلمة ألقاها منسق الحملة محمد الأمين الفاضل، رحب فيها بالضيف، شاكرا له تلبية الدعوة،  ومبينا أن نشطاء المجتمع  المدني في أمس الحاجة إلى التكوين في مجال الإسعافات الأولية، حيث أن  60% من وفيات حوادث السير تقع أثناء نقل المصابين أو داخل المستشفيات، وهو ما يبرز الأهمية الكبيرة للإسعافات الأولية في إنقاذ الأرواح والحد من مضاعفات الإصابات.

وأضاف أن روح المبادرة وحسن النية اللذين يتحلى بهما نشطاء المجتمع المدني في مساعدة ضحايا الحوادث لا يكفيان وحدهما، إذا لم يقترنا بالمعرفة والتكوين اللازمين، بل قد يؤدي التدخل غير الصحيح، في بعض الحالات، إلى تفاقم الإصابات أو التسبب في مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

ولهذا السبب يضيف منسق الحملة فقد حرصنا في الحملة على تنظيم هذه الجلسة.للاستفادة من خبرات الدكتور هاني أمحيدلي في مجال الإسعافات الأولية. وقد استعرض الدكتور  جانبا من خبراته في مجال التكوين بعدد من الدول العربية، كما تحدث عن التجربة الإسبانية والتطور الذي بلغته منظومة الإسعاف في بلده.

كما قدم الدكتور خلال الجلسة مجموعة من النصائح والإرشادات العملية لأعضاء الحملة والمشاركين في الندوة، تناولت المبادئ الأساسية للتعامل مع ضحايا حوادث السير قبل وصول الفرق الطبية المختصة.

وقد احتضنت قاعة التكوين بمصالح العون الطبي الاستعجالي فعاليات الجلسة، واستفاد المشاركون على هامشها من جولة ميدانية داخل إدارات وأقسام مصالح العون الطبي الاستعجالي، اطلعوا خلالها على طبيعة العمل داخل هذه المؤسسة الهامة، وآلياتها للتدخل في الحالات الاستعجالية.

يُذكر أن زيارة الدكتور هاني لمحيدلي إلى موريتانيا تأتي بدعوة من جمعية خريجي دولة الكويت في موريتانيا وحملة معا للحد من حوادث السير، وبرعاية من مصالح العون الطبي الاستعجالي.