الثلاثاء، 9 نوفمبر 2021

عن الصور الأخرى لمشروع "قانون الرموز"!

 


نجح نواب المعارضة في تأجيل نقاش مشروع "قانون الرموز" ليوم كامل، ولكن ـ وهذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف معها ـ فإن المستفيد الأول من هذا التأجيل هم نواب الأغلبية.

إن هذا التأجيل سيتيح للكثيرين الاطلاع على مشروع القانون في نسخته المعدلة، والتي تم تسريبها إلى مواقع التواصل الاجتماعي تزامنا مع التأجيل، ومن اطلع على النسخة المعدلة من مشروع القانون سيجد أنها تختلف كثيرا عن صورة السيئة العالقة في أذهان الكثير من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي عن مشروع القانون، وهي صورة تشكلت نتيجة للحملة القوية التي خاضها منتقدو مشروع القانون، وذلك في ظل غياب تام للطرف الآخر، أي الأغلبية التي تتبنى مشروع القانون، وتسعى إلى تمريره.

في بعض الأحيان قد يكون ما يَعْلق في أذهان الناس أقوى من الحقيقة، ولذا فإنه في النقاشات العامة لا يكفي أن تمتلك الحقيقة، بل لابد لك أن تعمل من أجل إقناع الآخرين بأنك أنتَ هو من يمتلك الحقيقة.

إن من اطلع على النسخة المعدلة من مشروع قانون الرموز، والتي ستعرض غدا الثلاثاء (9 نوفمبر) على النواب لمناقشتها والتصويت عليها سيجد أنها ليست بذلك السوء الذي كان يتم الحديث عنه خلال الفترة الماضية.

إن السؤال الذي يمكن أن يطرح هنا هو : كيف تشكلت هذه الفجوة الكبيرة جدا بين حقيقة مشروع القانون، وصورته التي رسمت في أذهان المواطنين؟

إن الإجابة على هذا السؤال تفترض علينا أن ندفع بمعلومتين سريعتين:

الأولى : أن كل ما يأتي من السلطة هو أصلا محل شك وريبة من طرف المواطن، خاصة عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير.

الثانية : أن الذراع الإعلامي والسياسي للنظام يعاني من عجز واضح، وأنه لا يتحرك في أغلب الأحيان إلا في وقت متأخر جدا.

لقد ظل الذراع السياسي والإعلامي للنظام غائبا بشكل كامل عن النقاشات الدائرة حول مشروع القانون خلال الأشهر الماضية، وترك الساحة لمنتقدي مشروع القانون إلى أن ترسخت صورة سيئة جدا عن مشروع القانون لدى الرأي العام، وفي أذهان المواطنين، حينها فقط قررت الحكومة وأغلبيتها الداعمة أن تتحرك لتصحيح تلك الصورة السيئة!

إن النسخة التي ستعرض على النقاش والتصويت يوم الثلاثاء 9 نوفمبر تم إعدادها خلال الدورة الماضية (27 يوليو 2021)، أي أنها كانت موجودة منذ أشهر، ومع ذلك فلم تتحدث عنها الحكومة والأغلبية إلا خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، وكانت البداية مع منشور لمعالي وزير الثقافة بين فيه أن مشروع القانون جاء لحماية الحريات من التمييع، بعد ذلك  نشر النائب جمال اليدالي (رئيس محكمة العدل السامية) توضيحا للرأي العام استعرض فيه مواد مشروع القانون التي تترتب عليها عقوبات. ثم أجرى من بعد ذلك النائب يعقوب ولد أمين رئيس حزب التحالف الوطني مقابلة مع موقع زهرة شنقيط أكد فيها أن مشروع القانون يشكل ضمانا للوحدة الوطنية وترقية للديمقراطية وحماية للمؤسسات.

لقد كان من الواضح جدا أن الحكومة وأغلبيتها الداعمة قررتا التحرك في اللحظات الأخيرة لتحسين صورة مشروع القانون الذي ساءت سمعته كثيرا خلال الفترة الماضية.

السؤال الذي يُمكن أن يُطرح هنا هو : لماذا لم يكتب معالي الوزير عن مشروع القانون خلال الفترة الماضية؟ ولماذا لم ينشر النائب جمال ولد اليدالي توضيحا عن المشروع خلال تلك الفترة؟ ولماذا لم يجر النائب يعقوب ولد أمين مقابلة حول مشروع القانون قبل فجر يوم الاثنين؟

أشهر عديدة مرت على إعداد هذه النسخة من مشروع القانون، ولم تتحدث عنها الأغلبية بشطر كلمة، وذلك في وقت كان يصر فيه بعض منتقدي المشروع على نشر النسخة القديمة التي تم تعديلها منذ أشهر، وذلك على أساس أنها هي النسخة التي سيتم نقاشها خلال الدورة الحالية!

لقد كانت كلفة هذا التأخر كبيرة جدا، فهل سيأخذ النظام درسا من مشروع قانون الرموز، فيعلم بأن توقيت أي تحرك إعلامي وسياسي يجب أن يكون مع بداية تشكل رأي عام حول ملف أو موضوع معين، لا مع نهاية تشكل ذلك الرأي، كما حدث الآن مع مشروع قانون الرموز؟

بكلمة واحدة : هل سيدرك النظام أن التحرك الإعلامي والسياسي الناجح هو ذلك "التحرك ألاستباقي المدروس"، وأن ردود الأفعال الإعلامية والسياسية قد تكون ضعيفة التأثير والأثر؟

نعم لقد تحسنت صورة مشروع القانون خلال الساعات الأخيرة، والسبب في ذلك يعود إلى أن أغلب الذين اطلعوا على نصه لم يجدوه بذلك السوء الذي كان يتحدث به بعض نواب المعارضة وأحزابها خلال الأشهر الماضية.

عن الصورة الحقيقية لمشروع قانون الرموز

كثيرا ما تضيع الحقيقة في ظل التجاذبات السياسية، وحقيقة مشروع هذا القانون الذي أثار جدلا كبيرا يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1ـ كل العقوبات المنصوص عليها في مشروع قانون الرموز كانت موجودة أو موجود ما هو أشد منها في قوانين أخرى باستثناء العقوبات المتعلقة بالإساءة إلى العلم والنشيد، فهذه لم تكن موجودة من قبل مشروع القانون هذا..هذه الحقيقة يحتج بها نواب المعارضة ونواب الأغلبية في وقت واحد. فنواب المعارضة يقولون لنواب الأغلبية لماذا تقدمون مشروع قانون جديد لم يأت بجديد، ونواب الأغلبية يقولون لنواب المعارضة لماذا تعترضون أنتم على مشروع قانون لم يأت بجديد؟

2ـ لم يتقدم نواب المعارضة بمقترحات تعديل للجنة باستثناء النائب العيد ولد محمدن الذي اقترح أن يقتصر مشروع القانون على العلم والنشيد اللذين لا توجد في القوانين عقوبة محددة ضد من أساء إليهما، مع مطالبته في مقترح التعديل بإلغاء كل الأمور الأخرى في مشروع القانون والتي كانت توجد لها عقوبات منصوصة من قبل مشروع القانون؛

3 ـ لم تكن هناك عقوبات في القانون خاصة بالإساءة إلى شخص الجمهورية، فقد كان مشمولا ضمن الوكلاء العموميين. في النسخة المعدلة من المشروع تم ذكر شخص رئيس الجمهورية، ولكن كان ذلك في نفس المقام الذي تم فيه ذكر الإساءة إلى المسؤولين العموميين. تقول الفقرة الثانية من المادة الثالثة من مشروع القانون :"يعتبر مساسا متعمدا بالحياة الشخصية كل تجريح أو إهانة أو سب لشخص رئيس الجمهورية أو إلي مسؤول عمومي يتجاوز أفعاله وقراراته التسييرية إلى ذاته وحياته الشخصية."

4ـ حقيقة الأمر هي أن المعارضة تريد سحب مشروع القانون لا تعديله، والأغلبية تصرُّ على تمريره.لا تمتلك المعارضة لرفض مشروع القانون إلا حجة وجيهة واحدة وهي أن هناك عبارات عامة في مشروع القانون يمكن استغلالها بصورة سيئة، ولا تمتلك الأغلبية إلا حجة وجيهة واحدة وهي أنه في ظل هذا الانفلات اللفظي الذي تشهده البلاد فإن هناك حاجة ماسة لإصدار قانون يجمع كل العقوبات التي كانت مشتتة في القانون الجنائي وفي قوانين أخرى في قانون واحد سمته :"حماية الرموز الوطنية وتجريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن ".

5ـ ما سيناقش يوم الثلاثاء 9 نوفمبر هو تقرير اللجنة، وليست النسخة الأصلية من المشروع، والتي ما زال يتحدث عنها بعض النواب، فقد جاء في المادة 103 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية : " يدور نقاش مشاريع ومقترحات القوانين ومقترحات التوصيات حول نص مقدم من قبل اللجنة المختصة".

6 ـ لا يشكل مشروع القانون انتكاسة لحرية التعبير كما تُحاول المعارضة أن تصوره، وليس بكل هذه الأهمية الاستعجالية التي تتحدث عنها الأغلبية.

7 ـ لم يكن النقاش الدائر حول مشروع القانون نقاشا مهنيا، بل كان نقاشا سياسيا بحتا، وقد كسبته المعارضة خلال أشهر كاملة، وبدأت الأغلبية تكسبه خلال الساعات الأخيرة.  

حفظ الله موريتانيا...

الأحد، 7 نوفمبر 2021

هل هناك جهات في الأغلبية تريد إفشال التشاور؟


من المقلق جدا أنه في الوقت الذي قررت فيه المعارضة ـ وبكل أطيافها ـ أن تشارك في الجلسات التحضيرية للتشاور الوطني الشامل أو للحوار الوطني الشامل بلغة أخرى فوجئت هذه المعارضة برسالتين غير مطمئنتين في توقيتهما وفي مضامينهما.

الرسالة الأولى :  تمثلت هذه الرسالة في مقال نشره الأمين العام المساعد للحكومة على حسابه في الفيسبوك تحت عنوان "لا للتهدئة" وصف فيه المعارضة بأنها مرهقة ومفككة وضعيفة..المقال تم افتتاحه بالفقرة التالية: "كان قرار تهدئة الساحة السياسية قرارا حكيما هدف إلى إرساء تعامل جديد مع معارضة مرهقة. استقبل فخامة الرئيس السيد محمد ولد الشيخ الغزواني رموز المعارضة في القصر الرمادي في غياب وسائل الإعلام، كما يستقبل الوجهاء وكبار معاونيه، وفي ذلك رسالة لم ينتبه لها غالبا..."

في هذه الفقرة يصف الأمين العام المساعد للحكومة استقبالات فخامة رئيس الجمهورية لقادة "المعارضة المرهقة" بأنها لا تختلف عن استقبال الوجهاء وكبار المعاونين، ويرى الأمين العام المساعد للحكومة بأن في ذلك رسالة لم يُنتبه لها غالبا، فأي رسالة يقصد الأمين العام المساعد للحكومة؟

وفي فقرة أخرى من مقال "لا للتهدئة" يقول الأمين العام المساعد للحكومة : "لكن المعارضة استثمرت التهدئة لتأخذ إجازة تريدها معوضة! فاختفى زعماؤها من المشهد السياسي إلا في مناسبات تدعوهم لها الأغلبية، ودخل النشطاء الذين كانوا يملؤون الفضاء ضجيجا، في سبات عميق! وضعوا أنفسهم على الصامت دون "اهتزاز" للأحداث الوطنية والدولية! وسوقوا أنهم يفعلون ذلك من أجلنا، والواقع أننا أول المتضررين، ولعلهم يدركون ذلك."

من الواضح جدا أن سيادة الأمين العام المساعد للحكومة لا تعجبه التهدئة، وأنه أصبح يحن إلى زمن الصدام والتجاذبات السياسية العنيفة، ففي مثل تلك الأجواء قد تروج كل المنتجات والسلع التي تأتي من سلة "لا للتهدئة".

يواصل الأمين العام المساعد للحكومة الترويج  لأجواء "لا للتهدئة" من خلال مقاله، وسعيا منه لإرباك هذه التهدئة  التي لا تريحه ولا يرتاح لها، يقرر في خطوة لا يمكن أن يحسن الظن بها أن يذكي من جديد الخلاف حول مصطلح كان قد أثار الكثير من الخلاف من قبل البدء في جلسات التحضير للتشاور، وقرر الجميع أن يتجاوز ذلك الخلاف على أساس أنه لا مشاحة في المصطلح، وأن المهم هو المضمون. يقول الأمين العام المساعد للحكومة : "فتم الإلحاح على إجراء "حوار وطني" رفضته الأغلبية، إذ لا مسوغ سياسي له. ومن باب العطف على المعارضة قبلت الأغلبية "التشاور" معها في القضايا الوطنية الكبرى" . ثم يواصل القول : "واجتمعت اللجنة التحضيرية واستخدم رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، في خطابه الافتتاحي مفردة تشاور، وتجنب "الحوار" إذ لا حاجة لحزب مهيمن إلى حوار معارضة ضعيفة ومفككة، لكنه عطفا عليها قد يشاورها، فإذا عزم توكل على الله، ثم على رصيده الشعبي الهائل..."

هنا أرجو أن يسمح لي الأمين العام المساعد للحكومة بطرح هذا السؤال السريع : أين هو الآن"الرصيد الشعبي الهائل" للرئيس السابق؟

لقد أثبتت تجارب الماضي القريب جدا جدا أن هذا "الرصيد الشعبي الهائل" الذي تتحدث عنه اليوم، والذي كنتَ تتحدث عنه بالأمس، لا يمكن التعويل عليه.

لم يكتف الأمين العام المساعد للحكومة في مقال "لا للتهدئة" بمحاولة إذكاء الجدل من جديد حول مصطلحي "التشاور والحوار"بل حاول أن يسدد طعنة أخرى لهذا التشاور من خلال  التقليل من شأن مخرجاته، واصفا تلك المخرجات بأنها " لا تعدوا (الألف الزائدة من النص الأصلي) كونها توصيات قد يستأنس بها الجهاز التنفيذي بما لا يتعارض مع برنامج رئيس الجمهورية، وتقديرا للصالح العام."

إن مضمون وتوقيت مقال "لا للتهدئة" لا يبعثان على الارتياح، خاصة وأن كاتبه يحتل وظيفة حكومية سامية، ويبقى السؤال المطروح لدى كل المهتمين بنجاح التشاور : هل مضمون هذا المقال يعبر فقط عن الأمين العام المساعد للحكومة، أم أن المقال يعبر عن جهة ما داخل النظام بدأت تتشكل وتعمل لإفشال التشاور من قبل أن ينطلق؟

الرسالة الثانية: وتتمثل هذه الرسالة في إصرار بعض الجهات داخل الأغلبية أو الحكومة على تمرير مشروع قانون الرموز المثير للجدل.

صحيح أننا بحاجة في هذه البلاد إلى قوانين رادعة تحمي من هذا الانفلات اللفظي ومن هذا التساهل في الوقوع في أعراض الناس دون أدلة؛

وصحيح أيضا أن مشروع قانون حماية الرموز كان قد تم تأجيل نقاشه في وقت سابق، وأن نسخته الجديدة أجريت عليها تعديلات هامة أبعدت الإساءة إلى رئيس الجمهورية عن الإساءة إلى الرموز الوطنية، وجعلت الإساءة إليه  مع الإساءة إلى بقية الموظفين العموميين، كما أنه في نسخته المعدلة سحب تصوير قوات الأمن من الأفعال التي يُعاقب عليها، وهي التي تحتك عادة بالمواطنين، وأبقى فقط على تصوير عناصر القوات المسلحة بغية النيل من الروح المعنوية لهم أو زعزعة ولائهم للجمهورية.

صحيح كذلك أن لجنة العدل والداخلية والدفاع بالبرلمان رفضت مقترحي تعديلين لنائبين في المعارضة كما رفضت مقترحي تعديلين لنائبين في الأغلبية.

صحيح كذلك أن مقترحات التعديلات أعطيت لها فترة كافية لعرضها على اللجنة، وأنه ما زال بالإمكان عرضها في الجلسة العلنية المخصصة لمناقشة مشروع القانون والتصويت عليه ( مقترح النائب محمد بويا ومقترح النائب العيد، أما مقترح النائب محمد أمبارك فقد تم إلغاؤه لأنه لم يقدمه للجنة).

صحيح كذلك أن جوهر الخلاف الحالي لا يتعلق برفض اللجنة لاستقبال مقترحات التعديلات، وإنما يتعلق أصلا بعرض مشروع القانون في البرلمان، فنواب المعارضة يريدون أن تناقش مواده في جلسات التشاور المنتظر من قبل أن تعرض على البرلمان للمصادقة عليها، ونواب الأغلبية لا يريدون تأجيله إلى التشاور.

كل ذلك صحيح، ولكن كل ذلك لن يمنع من طرح الأسئلة التالية : لماذا تصر الأغلبية على تمرير مشروع هذا القانون المثير للجدل في هذا التوقيت بالذات؟ أليس من الأسلم تأجيل أو سحب مشروع هذا القانون حتى لا يعمق الشرخ بين الأغلبية والمعارضة في مثل هذا الوقت الذي يحتاج إلى المزيد من تعزيز الثقة بينهما لإنجاح التشاور المنتظر؟

ختاما

إن أي متابع للشأن العام يهتم بنجاح التشاور أو الحوار، ويأخذ مسافة واحدة بين الأطراف المعنية بالتشاور، لابد وأن يشعر بالقلق من هذه الرسائل غير المطمئنة التي تأتي من أوساط داخل النظام.

لقد كنتُ من الذين عاشوا قلقا مع بداية الحديث عن التشاور بسبب عدم تحمس بعض الأطراف في المعارضة للتشاور، وقد عبرتُ عن ذلك بقوة في مقالات عديدة، واليوم بدأتُ أشعر بأن هناك بعض الأطراف في الأغلبية تريد أن تشوش على التشاور، الشيء الذي يستوجب الوقوف ضدها بقوة.

إن ما يجري على حدودنا، وفي كل الجهات، يستدعي من كل العقلاء في هذا البلد الوقوف صفا واحدا ضد كل من يحاول أن يشوش أو يُفشل التشاور المنتظر. ومما لا شك فيه أن هناك في الأغلبية والمعارضة من يَحِنُّ إلى زمن الصدام والتجاذب السياسي العنيف، وذلك بسبب أن بضاعته لا تروج إلا في مثل تلك الظروف.

فليقف العقلاء في هذه البلاد صفا واحدا ضد هؤلاء وأولئك، وبذلك سنضمن نجاح التشاور، وبذلك سنحقق المصلحة العليا للبلد.         

 

حفظ الله موريتانيا...

الأربعاء، 3 نوفمبر 2021

معا لتفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني (2)

سيتم تخصيص هذه الحلقة من سلسلة "معا لتفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني" للرد على بعض"خبراء" أو "فقهاء" ترتيب الأولويات، والذين كثيرا ما يعلقون على مناشيري بتعليقات مفادها أن الاهتمام باللغة الرسمية واللغات الوطنية أمرٌ مهمٌ، ولكن ترتيب الأولويات يقتضي تركه إلى حين، والتفرغ لقضايا أكثر أهمية وأكثر إلحاح كارتفاع الأسعار وانقطاع الماء والكهرباء.

دعونا نفكر بعقولنا..

دعونا ننظر إلى الأمور نظرة إستراتيجية..

دعونا نرتبها حسب درجة الأولوية والإلحاح..

إذا فعلنا ذلك بحق، فسنجد ـ ودون عناء فكري كبير ـ أن ترتيب الأولويات يقتضي الاهتمام في مثل هذا الوقت بالذات بقضية اللغة، وترك الأمور الأخرى إلى حين.

كيف؟

ماذا تقول يا هذا؟

لنفترض جدلا أن ترتيب من تم وصفهم ب"خبراء" الأولويات هو الترتيب الأسلم، الشيء الذي يستوجب ترك قضية اللغة جانبا، والتي هي مسألة جوهرية جدا في إصلاح النظام التربوي، والتفرغ لقضايا أخرى أكثر أولوية كالمطالبة بخفض الأسعار أو وقف انقطاعات الكهرباء والماء. دعونا نفترض أننا تفرغنا لتلك المطالب وتمكنا بالفعل من فرض تخفيض أسعار بعض المواد الأساسية، ووقف انقطاعات الكهرباء والماء في بعض مدننا.

هذا شيء جيد تماما، لاشك في ذلك.

ودعونا نفترض كذلك أن الأيام التشاورية حول التعليم أبقت الحال على ما كان عليه، وأن التشاور الوطني الشامل لم يأت بجديد بخصوص قضية لغة التدريس وتعريب الإدارة.

ستكون نتيجة كل هذا في المحصلة النهائية هي أننا بعد عشر سنوات سنجد أن حال هذه البلاد قد ازداد سوءا، وأن مشاكل الماء والكهرباء والأسعار ما تزال مطروحة وبإلحاح أكبر.

وسنجد ـ وهذه هي الكارثة الكبرى ـ أننا سرقنا أعمار أجيال كاملة من أبناء هذا الوطن درست في ظل نظام تربوي مختل كان من الممكن إصلاحه في ظرفية كهذه، ولكن "خبراء" ترتيب الأولويات اختاروا أن ينشغلوا بمشاكل أخرى رغم أهميتها وإلحاحها إلا أنها يمكن أن تطرح في كل حين.

لن يصلح حال هذه البلاد في أي مجال من مجالات الحياة إذا لم نصلح نظامنا التربوي..هذه حقيقة أولى . الحقيقة الثانية هي أن الفرصة المتاحة الآن لإصلاح النظام التربوي لن تتاح مرة ثانية من قبل عقد أو عقدين من الزمن على الأقل، ذلك أن الإصلاحات التربوية لا يمكن أن تجرب كل سنة، ولا حتى كل خمس سنوات، فهي تحتاج على الأقل لعقدين من الزمن.

أما الحقيقة الثالثة فهي أن خفض الأسعار ووقف انقطاع الكهرباء والماء إذا لم نطالب به في هذه الأيام، فيمكن أن نطالب به غدا أو في الشهر القادم، أو في السنة القادمة، فهذه مطالب يمكن أن تُطرح في كل حين.

نحن أمامنا اليوم فرصة ثمينة قد لا تتكرر خلال العقدين القادمين، وهي فرصة أتاحها التشاور حول إصلاح التعليم، والتشاور الوطني الشامل، وعلينا أن لا نضيع هذه الفرصة.

صحيح أن مشاكل التعليم كثيرة ومعقدة، ولكن تبقى لغة التدريس واحدة من أهم تلك المشاكل، وصحيح أيضا أن مشاكل الإدارة كثيرة ومعقدة وأن تقريب الإدارة من المواطن يحتاج لجهد كبير، ولكن هذا الجهد يجب أن يبدأ بمخاطبة المواطن بلغة دستوره التي يفهمها أو يفترض فيه أنه يفهمها ..لكل ذلك فإن ترتيب الأولويات السليم يقتضي أن يتم الاهتمام بقضية اللغات في مثل هذا الوقت بالذات، ثم إنه لم يعد من المقبول بعد مرور أكثر من ستة عقود على استقلال البلاد، وأكثر من ثلاثة عقود على التصديق على دستورنا الحالي الذي حصر اللغة الرسمية في اللغة العربية، لم يعد مقبولا بعد هذا كله أن يبقى بلدنا بلا هوية مجمع عليها، وبلا لغة رسمية معترف بها نظريا وعمليا، ففي الوقت الحالي فأن اللغة الرسمية لموريتانيا من الناحية النظرية هي اللغة العربية أما من الناحية العملية فهي اللغة الفرنسية.

هذا التناقض الغريب لم يعد مقبولا، ويجب أن يتوقف بشكل نهائي...ونحن الآن أمامنا فرصة ثمينة للخروج بتوصيات محل إجماع أو شبه إجماع توقف العمل بهذا التناقض الغريب.

 

 

حفظ الله موريتانيا...

الثلاثاء، 26 أكتوبر 2021

معا لتفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني (1)

 


ستحاول هذه السلسلة من المقالات أن تتحدث عن "الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية"، والتي كانت قد أعلنت عن انطلاقتها يوم الأحد 8 أغسطس 2021 تحت شعار "معا لتفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني".

لقد حاولت الحملة أن تتجنب بعض الأخطاء القاتلة التي وقع فيها أغلب الذين طالبوا في الماضي بالتمكين للغة العربية، وكذلك الذين طالبوا بتطوير اللغات الوطنية. كما أنها حاولت ـ بالإضافة إلى تجنب تكرار أخطاء الماضي ـ أن تستفيد من تنامي الوعي لدى الموريتانيين بخطورة استمرار سيطرة لغة أجنبية على التعليم والإدارة في بلد حسم دستوره لغته الرسمية ولغاته الوطنية منذ أكثر من ثلاثة عقود.

لدى الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية العديد من نقاط القوة التي قد تساعد في تفعيل المادة السادسة من الدستور، إن هي استثمرت بشكل جيد نقاط القوة تلك، ومن أهم نقاط القوة التي تمتلكها الحملة:

1 ـ أنها جمعت في مكتبها التنفيذي وفي واجهتها كل مكونات وشرائح المجتمع، بل أكثر من ذلك، فإن من يتولى قيادتها هم أشخاص من مكونات يعتبرها البعض هي الأكثر تضررا من تعريب التعليم والإدارة، وذلك أمرٌ غير صحيح؛

2 ـ أنها جمعت في مكتبها التنفيذي أعضاء من أهم الحركات الإيديولوجية المعروفة في موريتانيا، ففي المكتب التنفيذي يوجد بعثيون وناصريون وإسلاميون...؛

3 ـ أنها جمعت في مكتبها التنفيذي شخصيات من المعارضة وأخرى من الموالاة، هذا فضلا عن المستقلين الذين ليست لهم انتماءات أو تخندقات سياسية؛

4 ـ أنها تنظر إلى مسألة اللغات (اللغة الرسمية واللغات الوطنية) نظرة شاملة، وتتعامل مع هذه اللغات كوحدة واحدة غير قابلة للتجزئة والتقسيم.

إن من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها النخب في الماضي هو أن طائفة من الموريتانيين ظلت خلال العقود الماضية تطالب بترسيم اللغة العربية وتنسى المطالبة بتطوير بقية لغاتنا الوطنية، وطائفة أخرى من الموريتانيين ظلت تطالب بتطوير لغاتنا الوطنية وتنسى المطالبة بترسيم اللغة العربية، الشيء الذي جعل الفرانكفونيين ومن كل المكونات يستغلون بمكر هذه الوضعية المختلة، وهذا "التناقض الظاهري" لتخويف هؤلاء من أولئك، وأولئك من هؤلاء، فضمنوا بذلك بقاء اللغة الفرنسية مسيطرة، الشيء الذي أدى في المحصلة النهائية إلى عدم ترسيم اللغة العربية بشكل فعلي، وإلى عدم تطوير لغاتنا الوطنية.

هذا الخطأ الكبير هو الذي عملت الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية على تفاديه، فجعلت من مطلب التمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية مطلبا واحدا غير قابل للتجزئة أو التقسيم.

5 ـ  لم تأت الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية بمطلب جديد، ولم يجتهد مؤسسوها ـ ولهم الحق في ذلك ـ  ليأتوا بمقترح جديد يمكن أن يتفق عليه الموريتانيون أو يختلفون. لم تأت الحملة باجتهادات ولا بمطالب جديدة من صياغة المنخرطين فيها، وإنما اكتفت برفع مطلب وحيد يتمثل في تفعيل مادة من الدستور الموريتاني الذي صادق عليه الموريتانيون منذ أكثر من ثلاثة عقود، ولذا فالحملة تمتلك أقوى شرعية قانونية، وستبقى تمتلك تلك الشرعية القانونية القوية ما دام لم يتم تعديل الدستور وإلغاء المادة السادسة منه.

6 ـ من نقاط القوة التي تمتلكها الحملة هي أن المزاج الشعبي لصالحها، فقد ازداد الوعي لدى النخب الموريتانية بأهمية التعليم باللغة الأم، وذلك بعد أن ظهرت النتائج الكارثية لإصلاح 1999، كما اتسع الاستياء من استمرار هيمنة لغة أجنبية على الإدارة، هذا فضلا عن تراجع مكانة فرنسا في المنطقة، وانسحاب بعض الدول الإفريقية من منظمة لفرانكفونية.

7 ـ نقطة القوة التي سنختم بها نقاط القوة هذه تتمثل في أهمية التوقيت الذي اختارته الحملة للإعلان عن انطلاقتها، فالحملة انطلقت قبيل تشاورين هامين، أحدهما خاص بإصلاح النظام التربوي، وقد انطلق بالفعل، والثاني عام وشامل ومن المتوقع أن ينطلق قريبا.

إن تنظيم هذين التشاورين سيتيح للحملة تقديم رؤيتها وإيصال مطلبها لكل المشاركين في التشاور، ومن الراجح أن يتم التفاعل الإيجابي مع مطلبها من طرف الكثير من المشاركين في التشاور.

حفظ الله موريتانيا... 

السبت، 9 أكتوبر 2021

لن أتبرأ من ممارسة هذا الصنف من العنصرية!


منحني رئيس هيئة حقوقية معروفة لقب "أستاذ في العنصرية"، وكان ذلك من خلال تعليق له على منشور كنتُ قد كتبته عن الشيخ صاحب عربة التجارة اليدوية الذي انتشرت صورته بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تم استقباله من بعد ذلك من طرف وزيرة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة في مكتبها، مع التعهد له بإعانة شهرية.

ما أغضب رئيس الهيئة الحقوقية هو أني رفضتُ أن أنخرط فيما أسميه بالازدواجية اللونية في اتخاذ المواقف، والتي يُحاول أصحابها أن يفرضوها على كل من يكتب في الشأن العام. في هذا المقال سأقدم للسادة القراء عدة أمثلة من قضايا سياسية وحقوقية وإنسانية تأثرت المواقف حولها بما أسميته بالازدواجية اللونية، وستكون البداية بالمنشور الذي كتبته عن الشيخ صاحب عربة التجارة اليدوية.

(1)

في العام الماضي تم تداول صورة بشكل واسع لصاحب النتيجة الثانية في الباكالوريا شعبة الآداب العصرية، وهو فوق عربة يجرها حمار، وقد نال صاحب تلك الصورة من الجوائز والتكريمات ما لم ينله صاحب الرتبة الأولى في نفس الشعبة...يومها لم نسمع عن تمييز لوني ممن يتحدثون اليوم عن تمييز لوني، وذلك على الرغم من أن المنطق السليم يقول بتكريم الأول قبل الثاني بغض النظر عن أي أسباب أخرى.

تم تكريم الطالب الثاني لأنه من شريحة ما زال الكثير من أبنائها ـ وللأسف الشديد ـ يتسرب من الدراسة في وقت مبكر، وذلك بسبب الفقر وصعوبة الحياة...تكريم ذلك الشاب ـ حسب وجهة نظري المتواضعة ـ يعدُّ تشجيعا لشباب تلك الشريحة لكي يهتم بمواصلة التعليم مهما كانت قسوة الفقر وصعوبة الحياة ..بنفس المنطق تم تكريم شيخ من شريحة أخرى يُعرف الكثير من أبنائها بالكسل ونبذ العمل رغم انتشار الفقر في العديد من أبنائها...تكريم هذا الشيخ ـ وحسب وجهة نظري المتواضعة ـ يعدّ هو أيضا تشجيعا لممارسة العمل لدى شريحة ينتشر فيها الكسل والتكبر عن الكثير من أصناف العمل الشريف.

إن تشجيع التعليم في شريحة معينة قد يبرر تجاهل الأول في لائحة الناجحين من شعبة الآداب العصرية وتكريم الثاني من نفس الشعبة، وإن تشجيع العمل في شريحة معينة قد يبرر تكريم شيخ مسن يمارس نفس العمل الذي  يمارسه الكثير من شيوخ مكونة أخرى.

إن النظر إلى الاستقبالين من هذه الزاوية التي لا تؤمن بالازدواجية اللونية هو الذي جعلني أتفهم استقبال الوزيرة في مكتبها لصاحب الرتبة الثانية في باكالوريا الآداب العصرية 2020، رغم أنها لم تستقبل صاحب الرتبة الأولى، وهو الذي جعلني أتفهم أيضا استقبالها لشيخ مسن يمارس عملا يمارسه شيوخ كثر من شريحة أخرى لم تستقبلهم الوزيرة في مكتبها.

هذه هي وجهة نظري، والتي حصلتُ بموجبها على لقب "أستاذ في العنصرية" من رئيس هيئة حقوقية، وفي اعتقادي الشخصي فإن تلاميذ العنصرية وأساتذتها الكبار هم أولئك الذين أعجبوا باستقبال الوزيرة لصاحب الرتبة الثانية في الباكالوريا، ونددوا ـ في الوقت نفسه ـ  باستقبالها للشيخ صاحب عربة التجارة اليدوية، و أولئك الذين أعجبوا باستقبالها للشيخ صاحبة العربة بعد أن كانوا قد نددوا باستقبالها للطالب صاحب الرتبة الثانية. أما أولئك الذين أعجبوا بالاستقبالين معا، أو انتقدوهما معا، فيمكن وصفهم بكل شيء، ولكن لا يمكن وصفهم ـ بأي حال من الأحوال ـ بالعنصرية إلا من طرف عنصري تغضبه مثل هذه المواقف المتوازنة الخالية من أي ازدواج لوني.

(2)

في يوم 16 مارس 2019 تسبب إطلاق نار من طرف جندي موريتاني في وفاة شيخ في انبيكت لحواش ، وفي يوم 28 مايو 2020 تسبب إطلاق نار من طرف جندي آخر في وفاة شاب موريتاني في قرية ويندنيك التابعة لمقاطعة أمبان.

دعونا نجري مقارنة سريعة بين هاتين الحادثتين الأليمتين.

حادثة أمبان وقعت الساعة التاسعة ليلا، وفي فترة حظر شامل وإغلاق كامل للحدود بسبب جائحة كورونا، والضحية كان شابا في عمر 35 سنة، والحادثة جاءت بعد عملية مطاردة مجموعة من المهربين حسب بيان الجيش حول الحادثة. أما حادثة انبيكت لحواش فقد وقعت في وضح النهار، وفي ظروف أمنية وصحية عادية جدا، والضحية كان شيخا مسنا في العقد الثامن من عمره، و كان وحيدا على جمل في عملية بحث عن قطيع سائم حسب بيان الجيش.

قوبلت حادثة مقتل الشيخ الثمانيني بصمت مطلق، فلم يندد أي حزب سياسي ولا أي منظمة حقوقية ولا أي جهة أخرى معروفة أو غير معروفة بهذه الحادثة، لم تندد أي جهة على الإطلاق ـ وسواء كانت سياسية أو حقوقية ـ بتلك الحادثة. أما حادثة قتل الشاب الثلاثيني فقد ندد بها العديد من الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية من خلال بيانات شديدة اللهجة، والمؤسف أن كل تلك البيانات حاولت أن تستحضر ـ بشكل مباشر أو غير مباشرـ اللون والبعد العنصري في هذه الحادثة. فحزب تواصل والذي كان هو أول من ندد بالحادثة دعا في بيانه: " كل الموريتانيين إلى رص الصفوف ووحدة الكلمة واستحضار الأخوة الإسلامية في وجه دعاة التفرقة"، نفس الدعوة جاءت من حزب اتحاد قوى التقدم الذي حذر في بيانه " كافة المواطنين من التأثر ببعض الخطابات والشائعات المشبوهة، التي تسعى إلى تسميم الأجواء والمساس بوحدة الشعب وسكينته". ولم يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لحزبي التكتل وإيناد، فقد دعا الحزبان في بيانهما المشترك كافة المواطنين "إلى الوقوف بحزم ضد كل ما من شأنه أن يثير الفتنة والشحناء بين مكونات الشعب وشرائحه".

(3)

في عاصمة تشهد الكثير من عمليات السرقة، تعرض منزل الرئيس صمبا تام لمحاولة سرقة ليلة السبت الموافق 11 يوليو2020، وكانت هذه المحاولة من أبسط محاولات السرقة التي تشهدها العاصمة بشكل يومي، ومع ذلك فقد تم تهويل حادثة السرقة هذه، وقيم بمحاولات إعلامية وسياسية واسعة من أجل إخراج حادثة السرقة تلك من دائرة العمليات الإجرامية العادية التي تحدث يوميا في العاصمة نواكشوط إلى دوائر أخرى ذات أبعاد عنصرية وعرقية وإقصائية!! تم تداول الخبر إعلاميا على أن الحادثة تدخل في إطار تهديد الرئيس صمبا تام وتخويفه، وأنها كانت من أجل إسكاته.

بعد تداول الخبر إعلاميا أصدر تحالف سياسي ينخرط فيه صمبا تام بيانا يندد فيه بشدة بالعملية، وحذر هذا التحالف السياسي من تداعيات هذه الحادثة "على السلام والتماسك الاجتماعي في بلد يعاني من صدمات الماضي ومن تهور في الحاضر" حسب ما جاء في البيان، واعتبر التحالف بأن هذه الحادثة تدخل في إطار "تخويف أو إزعاج شخصية تعتبر رمزا في المشهد السياسي الوطني والدولي".

بعد ذلك أصدرت شخصيات سياسية ومنظمات حقوقية تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية بيانا في نفس الاتجاه، وحاولت هي الأخرى أن تعطي للاعتداء على منزل صمبا تام بعدا عنصريا، وأن تربطه ـ وتأملوا في محاولة الربط تلك ـ  بحادثة قتل الشاب الذي تحدثنا عن عملية قتله في الفقرة السابقة من هذا المقال.

اللافت في الأمر أنه قبل ذلك بفترة قصيرة، وتحديدا في يوم الجمعة الموافق (12 يونيو 2020) تعرض منزل عضو المجلس الدستوري الدكتور محمد محمود الصديق لعملية سرقة، تمت خلالها سرقة هواتف من غرفة نومه وكذلك حاسوبه الشخصي الذي توجد به حصيلة سنوات من إنتاجه الفكري، ومع ذلك لم يقل قائل بأن تلك العملية كانت مدبرة، ولم يتحدث عضو المجلس الدستوري المنحدر من حزب معارض عن عملية استهداف لإجباره على السكوت.

وقبل ذلك أيضا، وتحديدا في يوم الجمعة الموافق (08 ـ 11 ـ 2019)  تعرضت سيارة ومنزل النائب محمد الأمين ولد سيدي مولود لعملية سرقة، ومع ذلك فلم يدعي النائب بأن حادثة الاعتداء على منزله كانت عملية مدبرة لإجباره على السكوت، ولا أظن بأن مثل ذلك قد خطر بباله أصلا.

 

إن محاولة تسييس عمليات السطو والسرقة، وإعطائها بعدا عنصريا، يذكرنا بما كان يجري من محاولة لتسييس تعقيدات وعراقيل الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة، ففي العام 2011 على سبيل المثال تم حرمان السيد محمد يحظيه ولد المختار الحسن وهو وزير داخلية سابق، ورئيس سابق لحزب حاكم من أوراقه الثبوتية بحجة أن أمه مولودة في الخارج.لم تأخذ عملية الحرمان تلك بعدا عنصريا، ولم تجد أي اهتمام إعلامي وسياسي يذكر، ولكن عندما تحدث عملية مماثلة لمواطن موريتاني من مكونة أخرى تتحول عملية الحرمان تلك ـ وبشكل تلقائي ـ  إلى فعل عنصري وإلى عملية إقصاء منظم، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى.

إن هذا التداول الإعلامي والسياسي الخاطئ مع التعقيدات والعراقيل التي تطبع عمل  الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة هو الذي جعل الكثير منا  يعتقدون أن المتضرر الأول من هذه الوكالة هو مكونة واحدة وولايات محددة، وذلك على الرغم من أن نتائج دراسة أعدتها لجنة تم تشكيلها لدراسة المشاكل المتعلقة بالوثائق المؤمنة برئاسة الوزير السابق السيد تام جمبار توصلت إلى أن عدد الذين لم يحصلوا في الحوض الشرقي على وثائقهم المدنية نتيجة للعراقيل التي تم وضعها من أجل التأكد من انتمائهم الموريتاني  يفوقون عدد الذين تم حرمانهم من وثائقهم بسبب نفس التعقيدات في ولايتي لبراكنة و كوركول.

(4)

تلكم كانت مجرد أمثلة من أمثلة كثيرة أخرى لا يتسع المقام لبسطها. وتبين هذه الأمثلة أن هناك من يحاول أن يُخرج أحداثا عادية عن سياقها الطبيعي بسبب اتخاذه لمواقف سياسية أو حقوقية على أساس ازدواجية لونية غير سليمة، فجرائم السرقة المنتشرة في العاصمة نواكشوط قد تتحول في حالة من حالاتها ـ بسبب حضور الازدواجية اللونية عند اتخاذ المواقف ـ  إلى مؤامرة تشكل خطرا على التماسك الاجتماعي، والأخطاء التي قد يرتكبها الجندي أو عنصر الأمن تختلف عند البعض حسب الضحية، فبعض الضحايا قد لا يحتاج استهدافه لإصدار أي بيان من أي جهة سياسية أو حقوقية، والبعض الآخر قد يستدعي استهدافه إصدار الكثير من البيانات مع استحضار البعد العنصري والعرقي، وعراقيل وتعقيدات الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة قد ينظر إليها بازدواجية لونية حسب الضحايا، وحتى استقبالات وزيرة لبعض المواطنين قد ينظر إليها بتلك الازدواجية اللونية التي لن تأتي ـ قطعا ـ  بمواقف سليمة.

إن هذا التمييز اللوني يشكل وجها آخر من عنصرية مسكوت عنها، ولذا فلم يكن غريبا أن تلصق تهمة العنصرية بمن حاول أن يكسر الصمت حول تلك العنصرية المسكوت عنها.

ويبقى أن أقول لرئيس الهيئة الحقوقية ولغيره ممن يوزعون التهم بالعنصرية بكرم وسخاء، بأني أعرف نفسي، وأعرف أني لستُ عنصريا، ولذا فلن أنشغل بتبرئة نفسي من اتهام بالعنصرية جاء من أشخاص لا تشهد كتاباتهم ولا أحاديثهم على عدم عنصريتهم.

 

حفظ الله موريتانيا... 

الثلاثاء، 5 أكتوبر 2021

هل اجتمع الفساد وعدم الكفاءة والارتجالية في مفوضية واحدة؟

 


أحسبني من الذين يتابعون الإعلام المحلي بشكل منتظم، ومع ذلك فإني لم أكن على علم بوجود مؤسسة عمومية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية تدعى "المفوضية العامة للمعارض". لم آخذ علما بوجود هذه المفوضية إلا ساعات قليلة قبل تفجر فضيحة المدون العاجي.

كنتُ أناقش مع صديق مهتم بالشأن العام ـ ساعات قبل تفجر تلك الفضيحة ـ الأخطاء التي طبعت التحضير لمشاركة بلادنا في "اكسبو 2020 دبي"، وقد سألت صديقي خلال ذلك النقاش عن الجهة المعنية بشكل مباشر بالتحضير لمشاركة موريتانيا في المعرض، فأخبرني بأن الجهة المسؤولة بشكل مباشر عن تلك المشاركة هي : المفوضية العامة للمعارض.

لم أكن على علم بوجود هذه المفوضية من قبل ذلك النقاش، وخوفا من أن يكون عدم الاطلاع على وجود هذه المفوضة ناتج عن تقصير شخصي مني فقد ارتأيت أن أبحث عنها في خانة البحث في موقع الوكالة الموريتانية للأنباء، والتي لا يمكن أن تتهم بالتقصير في نشر الأخبار عن هذه المفوضية ولا عن غيرها من المؤسسات العمومية.

جاءت نتيجة البحث كالآتي:

ـ في يوم 09 ـ 08 ـ 2021 نشرت الوكالة خبرا تم فيه ذكر المفوضية العامة للمعارض، ويتعلق هذا الخبر بزيارة نظمتها وزيرتا البيئة والتجارة للمفوضية؛

ـ في يوم 21 ـ 06 ـ 2021 نشرت الوكالة خبرا يتعلق بتدشين المفوضية من طرف وزيرة التجارة والصناعة والسياحة؛

في يوم 12 ـ01ـ 2012 يبدو أنه تم ذكر المفوضية في الحصيلة التي قدمها الوزير الأول أمام البرلمان لعمل الحكومة لسنة 2011. لم أقف على الموضع الذي ذكرت فيه المفوضية  لعدم التمكن من قراءة الحصيلة لطولها.

إن الاستنتاج الذي لا يحتاج للكثير من الذكاء، والذي يمكن أن نخرج به من هذا البحث، هو أن المفوضية العامة للمعارض كانت غائبة تماما في الفترة الماضية والتي يُفترض فيها أنها فترة تحضير مكثف لمشاركة بلادنا في واحد من أكبر المعارض العالمية، منظم من طرف دولة شقيقة، من المؤكد أنها لن تقصر في دعمنا وفي تسهيل مشاركتنا في هذا المعرض. لم تستطع المفوضية أن تُعرف بنفسها محليا، فكيف ستستطيع أن تعرف ببلادنا في هذه المعرض؟

هذا الاستنتاج يكفي لوحده كدليل على عدم كفاءة القائمين على المفوضية العامة للمعارض، فمن لم يستطع أن يعرف محليا بالمفوضية لن يتمكن من التعريف ببلده دوليا. وقديما قيل إن فاقد الشيء لا يعطيه.

ومما يزيد من خطورة الأمر هو أن الأخطاء لا تتعلق فقط بضعف في الكفاءة، وإنما هناك ارتجالية وفساد حسب ما يتم تداوله على نطاق واسع. فمما يتم تداوله بشكل واسع، وعلى الجهات المعنية أن تحقق في دقة ما يتم تداوله، فإن كان صحيحا تمت معاقبة المعنيين، وإن لم يكن صحيحا تم تقديم نفي رسمي مدعوم بالأدلة. فمما يتم تداوله أن المفوضة العامة للمعارض تم تعيينها في إطار مكافأة لجهد سياسي وانتخابي حصل بموجبه مرشح الحزب السياسي الذي ترأسه وزيرة التجارة على مقعد العمدة في بلدية مقامة.

بعد تعيين المفوضة كمكافأة سياسية لحلفها، قامت هي بدورها بتعيين الأقارب فكان الإعلام في المفوضية من نصيب الأخت، وكانت الصفقات والمعاملات التجارية من نصيب الزوج، وهكذا..  

أغلب معاملات المفوضية ـ وحسب ما يتم تداوله على نطاق واسع ـ كانت تتم بدون عقود وبلا مناقصات، ولذا فكان بالإمكان نفي توقيع أي عقد مع مدون عاجي، ولكن القرائن، وطبيعة تعاملات المفوضية التي تتم بالمباشر يزيدان من الشكوك حول وجود عقد غير مكتوب مع هذا المدون.

يبدو أن المفوضية العامة للمعارض قد جمعت بين الفساد في التسيير، وعدم الكفاءة والارتجالية في التحضير، ويكفي كدليل على الارتجالية أن المهندس محمدو ولد صلاحي الراعي الرمزي لمشاركة موريتانيا في المعرض لم يتمكن من الحضور للافتتاح الرسمي للمعرض!

هناك أخطاء كثيرة تم ارتكابها، بعضها واضح ولا يحتاج إلى دليل، وبعضها الآخر تدعمه بعض القرائن، ولذا فعلى الدولة الموريتانية أن تُعالج تلك الأخطاء في أسرع وقت ممكن، وأن تُعاقب المسؤول عنها، وأن تحاول في الوقت نفسه استغلال ما تبقى من وقت لضمان مشاركة جدية لموريتانيا في هذا المعرض الهام.

حفظ الله موريتانيا... 

الخميس، 23 سبتمبر 2021

هذا ما علينا أن نستخلصه من أحداث أركيز


في يوم 24 إبريل 2021 شهدت مدينة باسكنو احتجاجات عنيفة وأعمال شغب، وكان السبب المباشر في تلك الاحتجاجات غياب الحماية المدنية في المدينة وعدم تدخلها بعد حدوث حريق في محل تجاري، وقد تم خلال هذه الاحتجاجات رفع نفس الشعار المطالب بتوفير بالماء والكهرباء.

في يوم 3 مايو 2021 شهدت مدينة الطينطان احتجاجات عنيفة وأعمال شغب، وكان السبب المباشر في تلك الاحتجاجات هو الانقطاع المتكرر للكهرباء والماء.

في يوم 2 يوليو 2021 شهدت مدينة كبني احتجاجات عنيفة وأعمال شغب، وكان السبب المباشر في تلك الاحتجاجات هو أيضا الانقطاع المتكرر للكهرباء والماء.

في يوم 22 سبتمبر 2021 شهدت مدينة أركيز احتجاجات كانت هي الأعنف، وأعمال شغب كانت هي الأخطر، وقد تجاوزت هذه المرة المباني الحكومية لتصل إلى منزل عمدة المدينة، وكان السبب المباشر والمعلن لهذه الاحتجاجات هو نفس السبب المباشر لاحتجاجات الطينطان وكبني، أي الانقطاع المتكرر للكهرباء والماء.

إن تكرر مثل هذه الاحتجاجات العنيفة يعدُّ أمرا مقلقا وفي غاية الخطورة، وهو يستوجب منا جميعا ( سلطة وساسة وصناع رأي ) وقفة تأمل، وأخذ دروس وعبر، حتى لا يتكرر هذا النوع من الاحتجاجات العنيفة التي يتخللها تخريب ونهب للأملاك العامة والخاصة.

 بداية ردة الفعل يجب أن تتمثل في توقيف ومحاسبة  كل من شارك من قريب أو بعيد في نهب وتخريب الأملاك العامة والخاصة في مدينة أركيز. وعلى السلطات الأمنية والقضائية أن لا تتساهل إطلاقا مع أي شخص ثبتت مشاركته في أعمال الشغب هذه، وأن لا تقبل فيه شفاعة أو تدخل. يجب على السلطة أن تثبت عمليا أن الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة هو خطٌ أحمر، وأن من يتجرأ على تجاوز ذلك الخط الأحمر سيدفع الثمن باهظا.

هذا أول ما يجب أن يُقام به كردة فعل على أحداث أركيز، وهذا هو أبسط ما يمكن أن يُقام به، فأعمال الشغب موثقة بالصوت والصورة والسلطات الأمنية لن تجد صعوبة في التعرف على مرتكبي أعمال الشغب ومحرضيهم، وما إن كان هناك استغلال لتلك الاحتجاجات لأغراض أخرى. إن الأصعب يتمثل في تحديد ومحاسبة من هيأ الأجواء والظروف لأعمال الشغب التي شهدتها مدينة أركيز، وشهدتها من قبل ذلك مدن باسكنو والطينطان وكبني.

ما حدث في أركيز وفي مدن أخرى ليسا حدثا عابرا، وعلينا أن لا نتجاهل تسلسل الأحداث، لنتوقف فقط مع اللقطة الصادمة في المشهد (اللقطة الأخيرة).

بدءا لابد من التذكير بأننا نعيش ـ حالنا في ذلك كحال بقية بلدان العالم ـ ظرفية اقتصادية واجتماعية صعبة بسبب جائحة كورونا، والتي ضايقت الناس في أرزاقهم، والتي كان من آثارها ارتفاع كبير في أسعار بعض المواد الأساسية. لقد كان المواطن يعاني بشكل كبير من قبل جائحة كورونا، ولا شك أن معاناته قد ازدادت بسبب تلك الجائحة، والمقلق أكثر أن معاناته قد تزداد في صيف هذا العام الذي شهد تناقصا في مستوى تهاطل الأمطار.

هذه الوضعية الصعبة تستلزم من السلطة أن تكون أكثر صرامة في محاسبة كل موظف عمومي ضعيف الأداء أو مارس فسادا، ويتأكد الأمر عندما يكون ذلك الموظف يعمل في مؤسسة خدمية حساسة أو في قطاع خدمي حيوي ذي علاقة مباشرة مع المواطنين.

لا يجوز في أي وقت من الأوقات أن يتم التساهل مع ضعف الأداء أو مع ممارسة الفساد، ويتأكد ذلك أكثر في الأوقات الصعبة التي تزداد فيها معاناة المواطنين لسبب أو لآخر، ويتأكد أكثر من ذلك عندما يكون سوء الأداء أو ممارسة الفساد يتم داخل قطاع حيوي حساس يقدم خدمة أساسية للمواطنين (الماء، الكهرباء، التعليم، الصحة...).

لقد زرت مع نشطاء في المجتمع المدني مدينة أركيز قبل  شهرين من الآن، وكان ذلك بدعوة من بعض الأهالي للاطلاع على ما يعتبرونه فسادا في مرفق شبه عمومي يتبع للبلدية. حدثنا بعض الأهالي هناك عن سوء خدمات الماء والكهرباء والاتصال في المدينة، وعن عمليات بيع  معلنة ومتكررة لمحروقات شركة الكهرباء من طرف القائمين عليها، وعن مظاهر ثراء فاحش لبعض العاملين في فرع الشركة، وذلك في ظل انقطاعات متكررة للكهرباء.

ما قيل لنا في أركيز، سنسمع شيئا مشابها له إن زرنا كوبني أو باسكنو أو الطينطان أو أي مدينة أخرى في الداخل.

في أغلب مدن الداخل ـ بل في كلها ـ هناك استياء كبير من ضعف بعض الخدمات الأساسية، وهناك فساد بَيِّن يُمارس في المرافق العمومية، ودون أن تكون هناك محاسبة صارمة أو عقوبة قاسية ضد من يُمارس ذلك الفساد البَيِّن.

لقد أصبح من الضروري، بل ومن الملح جدا، وفي ظل هذه الظرفية الصعبة التي يعيشها المواطن أن يتم التعامل مع القطاعات والمؤسسات الحساسة التي تقدم خدمة أساسية للمواطنين بأسلوب جديد يختلف عن أساليبنا القديمة، يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية:

1 ـ أن يكون التعيين في القطاعات والمؤسسات الخدمة خاضعا لمعايير انتقاء صارمة، حتى يتم اختيار الأكفأ والأفضل لإدارة وتسير تلك المؤسسات وفروعها في الداخل؛

2 ـ أن تكون الرقابة على هذه القطاعات والمؤسسات رقابة صارمة ومستمرة؛

3 ـ أن تكون العقوبة مشددة على كل من تثبت عليه ممارسة فساد في أي قطاع أو مؤسسة من المؤسسات التي تقدم خدمة حيوية للمواطنين.

إن ضعف أداء المرافق الخدمية في الداخل بسبب التسيب الإداري والفساد، وغياب المنتخبين والسياسيين المحليين الذين لا يرون ضرورة في خدمة المواطنين في دوائرهم الانتخابية إيمانا منهم بأن السلطة ستواصل فرضهم على أهل تلك المناطق، وأنه سيكفيهم إنفاق نسبة من الأموال التي نهبوها في الحملات الانتخابية للمحافظة على مقاعدهم الانتخابية. إن استمرار ضعف أداء المرافق العمومية، وغياب المنتخبين المحليين عن دوائرهم الانتخابية هو ما يشكل الأرضية المناسبة لحدوث مثل هذه الاحتجاجات، ولذا فإن العقوبة يجب أن تشمل بالإضافة إلى كل من شارك ـ بشكل مباشر ـ  في تلك الاحتجاجات العنيفة، كل أولئك الذين شاركوا في تهيئة الأجواء لحصول تلك الاحتجاجات. هناك ثلاثة أنماط من العقوبة يجب أن تنفذ ضد من شارك في تلك الاحتجاجات ومن هيأ لها الأجواء، وهذه الأنماط الثلاث هي :

1 ـ عقوبة أمنية وقضائية ضد كل من شارك بشكل مباشر أو غير مباشر في أعمال الشغب؛

2 ـ عقوبة إدارية ضد كل موظف للدولة يعمل في فرع مؤسسة خدمية في الداخل ظهر أنه ضعيف الأداء أو ممارس للفساد؛

3 ـ عقوبة سياسية : وهذه على الحزب الحاكم أن ينفذها، وتتمثل في معاقبة كل منتخب أو سياسي محلي عُرِف بالغياب عن دائرته الانتخابية في أغلب أوقات مأموريته الانتخابية. إن الدور الأول للمنتخبين والسياسيين المنتمين للحزب الحاكم ـ أي حزب حاكم ـ  يجب أن يكون خدمة المواطنين في الدوائر الانتخابية، وبعث الأمل في نفوسهم بغد أفضل، وتسويق منجزات الأنظمة التي يمثلونها. ويكفي لمعرفة ضعف الأداء السياسي والإعلامي للنظام أنه لا أحد يتحدث اليوم عن القطع الأرضية المزودة بالماء والكهرباء التي توزع على الحراس في تفرغ زينة، والتي تمنح معها مبالغ مالية وبطاقات تأمين صحي.    

حفظ الله موريتانيا... 

الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

تعليق سريع على فقرتين من خطاب الرئيس


هناك فقرتان استوقفتاني في الخطاب الذي افتتح به فخامة رئيس الجمهورية المنتديات العمومية لقطاع البناء والأشغال.
الفقرتان تتحدثان عن موضوعين هامين، أحدهما اقتصادي واجتماعي يتعلق بالأسعار والقدرة الشرائية للمواطن، والثاني سياسي يتعلق بالتشاور المنتظر.

الفقرة الأولى

"ولذلك قررنا، في ظل أزمة ارتفاع الأسعار الأخيرة، استحداث آلية وطنية لاستيراد المواد والسلع الأساسية، وتوفيرها للمواطن بأسعار مناسبة، بعيدا عن المضاربات، لتكون بذلك أداة تنظيم وعامل استقرار لسوق هذه المواد. كما وجهنا مندوبية "تآزر" بتوفير السلع بالكميات المطلوبة في جميع محلات البيع المدعومة، وألزمنا الحكومة بالمحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين الأكثر فقرا بصرف النظر عن تكلفة ذلك."

هناك ثلاثة عناصر مهمة جدا في هذه الفقرة :

1 ـ استحداث آلية وطنية تستورد المواد والسلع الأساسية لتوفيرها للمواطن بأسعار مناسبة؛

2 ـ أن مندوبية "تآزر" ستوفر السلع بالكميات المطلوبة في جميع محلات البيع المدعومة؛

3 ـ إلزام الحكومة بالمحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين مهما كانت كلفة ذلك.

هذه ثلاثة عناصر مهمة جدا، وتتكامل فيما بينها، فمندوبية تآزر يُفترض فيها أنها ستكون جاهزة من الآن لتوفير السلع بالكميات المطلوبة في جميع محلات الدعم، كما يُفترض أيضا أن العمل على استحداث آلية وطنية لاستيراد المواد والسلع الأساسية سيبدأ من الآن، ومن المهم تسريع إجراءات تأسيس هذه الآلية لترى النور في أقرب وقت ممكن. أما العنصر الثالث فله صبغة الديمومة، أي أن الحكومة عليها أن تُحافظ ـ وبشكل دائم ـ على القدرة الشرائية للمواطنين، ومهما كانت كلفة ذلك.

إنها بالفعل عناصر مهمة بل مهمة جدا، ومن أجل تحقيقها على أحسن وجه، فيجب أن تكون هناك محاسبة صارمة لكل المعنيين بالتنفيذ إن هم قصروا، كما أنه من المهم جدا البحث عن خيرة الموظفين من حيث الاستقامة والقدرة على وضع التصورات وتنفيذ البرامج والخطط لتولي تأسيس وتسيير هذه الآلية الجديدة التي ستعنى باستيراد المواد والسلع الأساسية وتوفيرها للمواطن بأسعار مناسبة.

 

الفقرة الثانية

"التشاور الوطني المرتقب، والذي لن يستثني أحدا، ولن يحظر فيه موضوع، من أجل أن نتوصل معا إلى أمثل الحلول الممكنة في مواجهة مختلف التحديات."

بهذه الكلمات التي اختتم بها الرئيس خطابه، تم تحديد ملامح التشاور المنتظر، وستكون من أبرز ملامح التشاور المنتظر أنه:

1 ـ  لن يستثني أحدا؛

2 ـ  لن يحظر فيه أي موضوع؛

3 ـ أن الهدف منه هو التوصل معا (ومن المهم التوقف مع كلمة معا) إلى أمثل الحلول الممكنة لمواجهة مختلف التحديات.

هذه النقطة الثالثة تؤكد أن الرئيس يرى أن الحلول المثلى للتحديات المطروحة لا يمكن أن تحتكرها جهة سياسية معينة، وإنما تتحصل من تلاقح أفكار الجميع، وبذلك يظهر أن الرئيس ينظر إلى معارضيه نظرة أخرى غير معهودة في هذه البلاد، فهو يرى أن المعارضة ليست "عدوا" ولا مجموعة من "خائني الوطن" وإنما هي شريك سياسي قد يساعد من خلال التشاور في إنتاج "الحلول المثلى " لمواجهة التحديات القائمة.

هذه النظرة المختلفة للمعارضة ظهرت في نهج الرئيس في وقت مبكر، حتى وإن كان هناك من يُريد أن يشوش عليها.

ـ ظهرت من خلال خطاب إعلان ترشحه؛

ـ ظهرت خلال الحملة الانتخابية حيث أن المرشح غزواني ـ وفي سابقة من نوعها في الحملات الانتخابية ـ تفادى أن يتحدث عن منافسيه في الانتخابات بأي كلمة سوء، بل تفادى نقدهم ونقد برامجهم الانتخابية، ومن المعروف أن ذلك يمثل أبسط حقوق أي مترشح؛

ـ ظهرت من خلال خطابه في يوم التنصيب؛

ـ ظهرت من بعد التنصيب حيث لم ينقطع الاتصال بالمعارضين لدرجة أنه لم يعد بالإمكان أن نجزم إن كان عدد من يدخل القصر الرئاسي من قادة الأغلبية أكثر ممن يدخله من قادة المعارضة؛

ـ ظهرت من خلال عدم سماحه بأن تُقابل بعض التصريحات والبيانات الحادة للأطراف غير المتحمسة للحوار بتصريحات مماثلة، بل على العكس من ذلك تماما، فكلما تمادى البعض في إطلاق المزيد من التصريحات الحادة من التشاور المنتظر جاء الرد هادئا وواضحا ومطمئنا على أن التشاور القادم:

ـ لن يستثني أحدا؛

ـ لن يحظر فيه أي موضوع؛

ـ أن الهدف منه هو التوصل معا (ومن المهم التوقف مرة أخرى مع كلمة معا) إلى أمثل الحلول الممكنة لمواجهة مختلف التحديات.

حفظ الله موريتانيا...