الجمعة، 17 أبريل 2026

الوطنية أولا أم المهنية أولا؟


من المعروف أن هناك تداخلا بالغ التعقيد بين الشعبين الموريتاني والمالي، ومن مظاهر ذلك التعقيد أنك تجد على الحدود قرية داخل الأراضي المالية، سكانها موريتانيون، والخدمات الأساسية فيها مقدمة من طرف الدولة الموريتانية، وتجد أيضا العكس، قرية داخل الأراضي الموريتانية، يسكنها ماليون، والخدمات الأساسية فيها مقدمة من طرف الدولة المالية.

وتوجد محاضر رسمية موقعة من طرف البلدين تقضي ببقاء الحال على ما هو عليه، أي أن تبقى القرى المالية التي يسكنها موريتانيون تحت السيطرة الموريتانية، والقرى الموريتانية التي يسكنها ماليون تحت السيطرة المالية، إلى أن يتم التوصل إلى حل نهائي لهذا التداخل الحدودي البالغ التعقيد بين البلدين، والذي قد تكون فيه السيادة الجغرافية في بعض القرى تتبع لأحد البلدين، ويكون فيه السكان والخدمات المقدمة لهم تتبع للبلد الآخر.

في الماضي، لم يطرح هذا التداخل أي مشكلة للبلدين، ولكن في ظل التعقيدات الأمنية الحالية، أصبح هذا التداخل يطرح العديد من المشاكل والتحديات.

ومن تلك المشاكل تكرر دخول عناصر من الجيش المالي لقرى مالية، تقع على أراض مالية، ولكن سكانها موريتانيون والخدمات المقدمة فيها تقدمها مؤسسات موريتانية، سواء كانت تلك المؤسسات مدرسة أو مركزا صحيا أو هوائيا يتبع لشركة اتصالات موريتانية.

إن دخول عناصر من الجيش المالي لهذه القرى المالية التي يسكنها موريتانيون، وتغطية ذلك إعلاميا من طرف بعض المواقع والمدونين الموريتانيين على أنه اعتداء على السيادة الموريتانية، قد أعطى انطباعا لدى المواطنين الموريتانيين بأن الجيش الموريتاني تخلى عنهم، وأن النظام عاجز عن حمايتهم من تدخلات واعتداءات الجيش المالي المتكررة.

وفي محاولة لتصحيح ذلك الانطباع الخاطئ، ومن أجل طمأنة المواطنين على الحدود، جاءت كلمة والي ولاية الحوض الغربي التي قالها في اجتماع محلي مع بعض المواطنين، وتم تداول جملة من كلمة الوالي شكلت تهديدا للجارة مالي، تم تداولها بشكل واسع من طرف صحفيين ومدونين موريتانيين.

فهل كان الأولى نشر هذه الكلمة والتعليق عليها احتراما للمهنية التي تقتضي نشر كل ما يتلفظ به المسؤول من قول، أم أن حجبها وعدم تداولها إعلاميا كان أولى، باعتبار أن ذلك يحقق مصلحة عليا للبلد؟ 

إن من يرفع شعار المهنية أولا، سيعتبر أن نقل كلام الوالي بأمانة وموضوعية هو الأولى، دون أي اعتبار للسياق الذي كان يتحدث فيه، ودون النظر لما قد يترتب على ذلك النشر من تداعيات قد تضر بالبلد.

لقد تحدث الوالي في سياق تعبوي، أمام مجموعة من الموريتانيين يشعرون بعدم الاطمئنان، فأراد في ثنايا حديثه، أن يُوجه إليهم رسالة طمأنة داخلية، ولكن الإعلام الموريتاني أخرج حديث الوالي من الفضاء المحلي الضيق إلى فضاء واسع على الانترنت، وبذلك حوّل رسالة طمأنة داخلية أراد الوالي أن يوصلها إلى المواطنين الموريتانيين، إلى رسالة خارجية اعتبرها البعض رسالة تهديد لدولة جارة وشقيقة. 

من زاوية مهنية بحتة، فإن نقل ما قيل هو في الأصل عمل مشروع، ويمثل جوهر الرسالة الإعلامية، فالمعلومة حق للجميع، وحجب الحقائق أو إخفاؤها لم يعد مقبولا، والمجتمعات لا تتطور بحجب المعلومات وتقييد النشر، بل بالشفافية في نشر المعلومات، حتى تصل إلى الجميع. 

ومع ذلك، وحتى ولو غلبنا المهنية على الوطنية، فإن الرقابة الذاتية مطلوبة في كل الأوقات، ومطلوبة أكثر في فترات الأزمات والصراعات، فليس كل ما عُلم ينشر فورا، فالرقابة الذاتية تقتضي عدم نشر أي معلومة، حتى ولو كانت صحيحة، إذا ما كان نشرها قد يسبب ضررا جسيما للمجتمع يفوق بأضعاف قيمة نشر تلك المعلومة.

وهنا تحديد تكمن الإشكالية، فالمشكلة ليست في صحة ما نُشر، بل في أثره وتوقيته.

إن المدون في هذا العصر الرقمي لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح فاعلا ومؤثرا بما ينشر، ولذا فعليه أن يكون حذرا عند النشر في القضايا الحساسة التي ترتبط بالأمن القومي والعلاقات مع الدول، ويتأكد ذلك في أوقات الأزمات وتصاعد التوترات.

في اعتقادي الشخصي أن الوطنية يجب أن تأتي أولا قبل المهنية، ولو أن كلمة الوالي وصلتني دون غيري لما نشرتها أصلا، ولاكتفيتُ بتنبيهه بعيدا عن الإعلام على خطورة تلك الكلمة، وضرورة التحفظ مستقبلا، فالهواتف أصبحت اليوم توثق وتنشر كل ما يُقال في مثل هذه المجالس.

ويبقى السؤال الذي على كل واحد منا أن يجيب عليه، فالإجابة عليه هي التي ستحدد اتجاه بوصلتنا في التدوين والنشر: هل الهدف مما ننشر هو الإخبار فقط، أم الإخبار المسؤول؟

وهل نحن ندون وننشر بصفتنا مدونين فقط، ننقل كل ما يقع بين أيدينا من أخبار، وبغض النظر عما يمكن أن يترتب عليه، أم ندون بصفتنا مواطنين نزن ما ننشر على ميزان المصلحة العامة، قبل نشره؟

حفظ الله موريتانيا...

إيران وإبريل وثلاثة رؤساء لأمريكا!


من محطات تاريخ العلاقات بين أمريكا وإيران خلال نصف القرن الأخير ، نأخذ هذه المحطات الثلاث التي يجمع بينها شهر إبريل.
 ● في يوم 07 إبريل 1980: قطع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر  العلاقات الدبلوماسية مع إيران؛
● في يوم  30 إبريل 1995: فرض الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حظرا تجاريا وماليا على إيران؛
● في يوم 17 إبريل 2026 : خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد حربه مع إيران بهذا الاستنتاج: إيران بلد قوي وذكي ويمتلك  مقاتلين أشداء، وعلاقتنا بهم أصبحت طيبة.
هذه ثلاثة تواريخ من نصف قرن تقريبا، وكلها كانت في شهر إبريل، بدأت بقطع العلاقات في عهد كارتر، ثم الحصار في عهد كلينتون، والحرب في عهد ترامب، والذي يبدو أنه سيعترف مستقبلا بإيران كقوة إقليمة فاعلة في المنطقة.
 حاولت أمريكا عزل إيران، فلم تستسلم، وحاصرتها فلم تنهزم، وحاربتها فلم ترفع الراية البيضاء، ولذا فلم يعد أمام أمريكا بعد نصف قرن من قطع العلاقات والحصار والحرب إلا أن تعترف بإيران كقوة إقليمة.
 الراجح عندي أن ترامب سيعترف مستقبلا بإيران كقوة إقليمية فاعلة في المنطقة، ويتعامل معها على ذلك الأساس، حتى وإن كنتُ لا أثق في كلامه الأخير كما لا أثق في كلامه الأول، فهو يتناقض بين الدقيقة والدقيقة.
المؤسف في كل هذا هو غياب العرب بشكل كامل، وقد كانوا هم الخاسر الأكبر في الحرب الأخيرة، ومما يزيد من حجم خسارتهم أن كل المؤشرات تقول بأنهم - حكاما ونخبا -  لم يستلهموا الدروس والعبر مما جرى في حرب الأربعين يوما.

الأربعاء، 15 أبريل 2026

باللون الأحمر..


طلبتُ من الذكاء الاصطناعي أن يرسم لي خريطة موريتانيا ومالي، وأن يبرز في الخريطة طول الحدود بين البلدين، مع تلوينها باللون الأحمر، وتكفي هذه الصورة للتعبير عما أريد قوله في هذا المنشور.

تمتدُّ الحدود بين موريتانيا ومالي على مسافة 2237 كلم، وتمرُّ بنصف ولايات الوطن: تيرس الزمور، آدرار، الحوض الشرقي، الحوض الغربي، لعصابه، وكيديماغا.

 وتعدُّ الحدود بين البلدين من حيث الطول، هي الرابعة عشرة عالميا، والثالثة إفريقيا. 

وإذا كان من الصعب جدا ضبط هذه الحدود الطويلة، ومراقبتها في أوقات السلم، فإن الوضع سيزداد تعقيدا وخطورة في أوقات الحرب.

لقد اخترتُ اللون الأحمر لهذه الحدود عن قصد، وذلك للإشارة إلى الخطر الداهم خلفها، وهو الخطر المتمثل في:

• الجماعات المسلحة: التي تنشط في المنطقة؛

• عصابات التهريب العابر للحدود: والتي ستستغل انشغال الجيوش في الحرب، فتكثف من تهريبها ومن عملياتها الإجرامية؛ 

• شبكات الهجرة السرية:  والتي ستنشط أكثر في زمن الحرب.

يمكن أن نضيف إلى كل ذلك مستوى التداخل بين الشعبين الموريتاني والمالي على هذه الحدود، وهو ما سيزيد من تعقيد الأمور إن اشتعلت حربٌ على هذه الحدود، لا قدَّر الله. 

إن موريتانيا، التي تنعم اليوم باستقرار تحسده عليها بعض دول المنطقة، ستكون هي الخاسر الأول عند اندلاع أي حرب في المنطقة، حتى وإن حققت نصرا عسكريا في تلك الحرب. والحكمة تقتضي منا في موريتانيا أن نتذكر دائما أننا لسنا كبلدان أخرى لم يعد لديها ما تخسره، ولذا فعلينا أن نتجنب أي حرب قد تقع، ما دام بإمكاننا تجنبها، أما إذا فُرِضت علينا تلك الحرب فرضا، ولم يعد أمامنا أي خيار، فحينها سيكون لكل مقام مقال.

الاثنين، 13 أبريل 2026

تعليقا على حديث والي الحوض الغربي


حديث الوالي كان في مجمله حديثا مهما، باستثناء جملة واحدة تم التركيز عليها، وقد طلب الوالي في حديثه من الموريتانيين أن يعودوا إلى وطنهم، فمالي تعيش حاليا ظروفا صعبة، وقد لا تُعرف الجهة التي تنفذ العمليات الإجرامية ضد الموريتانيين في مالي. ومع أهمية هذا الحديث، فإن عبارة واحدة لم تكن مناسبة هي التي تم التركيز عليها، ولذا فعلى المسؤول السامي أن يكون حذرا   متحفظا دائما في أحاديثه، وخاصة في هذا الزمن الذي تُوَّثِق فيه الهواتف كل ما يلفظ من قول في الأنشطة الرسمية وغير الرسمية. كما أنه على النخب أن تتحلَّى هي أيضا بالرشد والنضج في خطابها، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة جدا،  تتعلق بالجيش والأمن على الحدود.
إن تكرار البعض للقول إن النظام الموريتاني عاجز عن حماية حدود البلاد، وإن الجيش الموريتاني غير قادر على وقف توغلات الجيش المالي داخل الأراضي الموريتانية، هو قول خطير، وله انعكاسات سلبية على نفوس المواطنين، خاصة في الولايات الحدودية.
مالي دولة شقيقة تعاني، وجيشها غير قادر على توفير الأمن وحماية بلده من التفكك، ولا مجال لمقارنتها عسكريا مع موريتانيا. إن عدم اندفاع النظام والجيش الموريتانيين للحرب مع مالي ليس بسبب الجبن، فالحسم العسكري في مثل هذه الحرب، إن وقعت، سيكون محسوما لصالح موريتانيا.
إن تجنُّب المواجهة مع دولة شقيقة وجارة تعيش حربا داخلية ليس ضعفا، بل هو عين الحكمة. فموريتانيا، إذا فقدت اليوم حكمتها، ودخلت في حرب مع مالي، فإنها ستكون هي الخاسر الأول، حتى وإن حققت نصرا عسكريا كبيرا، وهو أمر مرجَّح.
فالنظام الحاكم في مالي لا يملك اليوم ما يخسره، بعد أن فقد السيطرة على معظم الأراضي المالية، فهو نظام مأزوم في دولة مأزومة، ومن الطبيعي جدا أن يتَّصف بالتهور. 
في المقابل، فإن النظام الموريتاني، الذي نجح في جعل موريتانيا بلدًا مستقرا آمنا في منطقة ملتهبة، لديه الكثير ليخسره إذا ما اندلعت حرب على الحدود.
سيخسر أهم ما يملك: الاستقرار. وموريتانيا، المحاطة بدول بعضها يعاني من اضطرابات داخلية، وبعضها الآخر لديه أطماع تاريخية في الاستحواذ عليها، أقول فموريتانيا إذا فقدت استقرارها في ظرفية كهذه، فإنها تكون بذلك قد خسرت كل شيء.
ولعل أخطر ما في الأمر أن حدودنا مع مالي، والتي تصل إلى 2237 كلم، والتي تصعب السيطرة عليها في زمن السلم، ستشكل خطرا كبيرا على البلاد في زمن الحرب، وستعمل الحركات المسلحة، وعصابات التهريب وأفواج المهاجرين على استغلال أي تدهور أمني في المنطقة للإضرار ببلدنا وتحويلها إلى بلد غير مستقر.   
ماذا يُتوقع من والٍ في منطقة حدودية أن يقول أمام مواطنين يسمعون صباح مساء بعض النخب تردِّد أن الدولة جبانة وأن الجيش عاجز عن حماية البلاد، وذلك في وقت يشاهد فيه أولئك المواطنون تهوُّر النظام المالي وسعيه الحثيث لتوسيع دائرة عدم الاستقرار؟
كيف يمكن لهذا الوالي أن يُطَمْئِن المواطنين، وخطاب بعض النخب يُشكّك في قدرة الدولة على الدفاع عنهم، بينما تتزايد استفزازات النظام المالي؟
نعم، أخطأ الوالي، لكن يجب أن نتذكر أن تكرار الحديث عن عجز الدولة ساهم في دفعه إلى ذلك الخطأ، بل ووضعه في موقف صعب ألزمه بارتكاب ذلك الخطأ.
من فضلكم، توقّفوا عن الترويج لفكرة عجز الجيش الموريتاني، وعدم قدرته على الرد على استفزازات النظام المالي.
فالجيش الموريتاني قادر على الرد بقوة وحزم، لكن الحكمة تقتضي تجنَّب التصعيد مع نظام متهوِّر فقد السيطرة داخليا على أغلب الأراضي وشرعيته تآكلت، وهو يسعى إلى استعادة تلك الشرعية من خلال إشعال حرب في المنطقة، لأنه يعتقد أن تلك الحرب ستوحِّد الشعب المالي خلفه خلال مواجهته  ل "عدو خارجي"، يريده أن يكون موريتانيا.
حفظ الله موريتانيا...
تنبيه: أظهرت عن قصد الحدود لتبيان طولها وصعوبة السيطرة عليها في فترات السلم، فكيف بفترة الحرب؟ 
كما أني لونتها باللون الأحمر إشارة إلى الحركات المسلحة وعصابات التهريب والإرهاب التي تكثر في المنطقة.

الأربعاء، 8 أبريل 2026

العرب وإيران: ماذا بعد وقف الحرب؟


أثبتت إيران خلال السنوات الماضية، وفي الحرب الأخيرة، أنها تمتلك ثلاث نقاط قوة كبيرة، ونقطة ضعف قاتلة.

أولا/ نقاط القوة

1 ـ صبر استراتيجي غير معهود: تابعنا خلال السنوات الماضية ما كانت تتعرض له إيران من هجوم وقصف في عقر دارها من طرف أمريكا والعدو الصهيوني، دون أي رد.  فتم اغتيال كبار قادتها وعلمائها، ولم يسلم ضيوفها (الشهيد هنية رحمه الله)، ومع ذلك لم ترد إيران على كل تلك الاعتداءات المستفزة بما يناسب.

غياب الرد على هذه الاستفزازات المتكررة، جعل الكثير من المتابعين يصنفون إيران على أنها الدولة الأكثر جبنا في العالم، ولكن الحرب الحالية قلبت الموازين، فاتضح أن غياب ردود الأفعال لا علاقة له بالجبن. لقد شاهدنا جميعا كيف كان كبار القادة الإيرانيين يغتالون بالجملة دون أن يختبئوا في الملاجئ، وشاهدنا كيف شكل المواطنون الإيرانيون دروعا وسلاسل بشرية حول منشآت ومؤسسات هدد الرئيس الأمريكي الأكثر حماقة في التاريخ بأنه سيدمرها وينسفها بعد ساعات.

لقد أثبتت القادة شجاعتهم، وأثبت الشعب شجاعته، وما كنا نتابع في الماضي من عدم رد إيران على الاستفزازات الأمريكية والصهيونية لا علاقة له إطلاقا بالجبن، وإنما هو نتيجة لصبر استراتيجي، يصعب على المتابع تفهمه، ويقتضي هذا الصبر الاستراتيجي أن يُضبط الرد وفق ساعة إيران، لا وفق ساعة العدو، مهما كان مستوى الاستفزاز.

2 ـ جرأة غير مسبوقة: لم يكن أكثر الناس جرأة يتخَيَّل أن إيران عندما تقرر أن تنتقل من امتصاص الضربات الأمريكية والإسرائيلية إلى الرد عليها، أنها سترد من خلال قصف ست دول في المنطقة في وقت واحد!!

إن قصف إيران للقواعد الأمريكية في المنطقة، لا يعني فقط مواجهة أمريكا، بل يعني أيضا مواجهة الدول التي توجد بها تلك القواعد. ومن الجرأة غير المسبوقة التي أظهرت إيران في هذه الحرب، عدم ترددها ـ للحظة ـ في غلق مضيق هرمز، ويبدو أن أمريكا لم تكن تتوقع أن يتم غلقه بسرعة، وبشكل حاسم وقاطع وحازم كما حدث.

لقد أثبتت إيران في الحرب الأخيرة بأنها تمتلك جرأة غير مسبوقة، لا يعادلها إلا صبرها غير المعهود.

3 ـ المهارة في التفاوض: أثبتت إيران في الحرب الأخيرة أنها مفاوض شرس، فهي كانت تتألم يوميا بفعل القصف العنيف والدمار الشديد الذي لم يتوقف خلال شهر كامل، ومع ذلك أصرت على مواصلة الحرب، وعدم القبول بتوقفها حتى يُستجاب لشروطها كاملة غير منقوصة، وقد استجابت أمريكا مكرهة لا بطلة للشروط الإيرانية العشرة. أما العدو الصهـيوني فقد كان خارج طاولة التفاوض.

حسابيا، وبلغة المعادلات الرياضية يمكن أن نلخص نقاط القوة الإيرانية في المعادلة التالية:

إيران اليوم = صبر استراتيجي غير معهود + جرأة غير مسبوقة + مفاوضات شاقة.

ثانيا/ نقاط الضعف: تعاني إيران من نقطة ضعف قاتلة، وقد تجسدت نقطة الضعف هذه، في إعادة طرح السؤال الصادم خلال أيام الحرب، فقد طرح هذا السؤال في كل البلدان العربية: أيهما أكثر عداءً للعرب إيران أم إسرائيل؟

ومع أن هذا السؤال لم يكن وجيها، ومع أن العرب يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية في طرحه، إلا أنه على إيران أن تسارع اليوم بجرأتها وشجاعتها التي تحدثنا عنها في هذا المقال إلى الاعتذار بشكل خاص لدول الخليج التي قصفتها خلال الحرب، وللعرب كافة بشكل عام، وأن تعمل من الآن وليس غدا، على تصحيح صورتها في المنطقة العربية، وبذلك ستتعزز مكانتها إقليميا ودوليا.

وفي المقابل، فعلى القادة العرب، أن يستوعبوا الدروس والعبر من الحرب الأخيرة، فقد كانوا خارج قرار إعلان هذه الحرب، وخارج قرار توقيفها، مع أنهم من أكبر المتضررين من نتائجها.

على القادة العرب أن يدركوا:

1 ـ أن القواعد الأمريكية لا توفر الأمن، بل على العكس من ذلك، فإنها قد تجلب الدمار والخراب؛

2 ـ أن النظام العالمي القائم على قطب واحد قد انتهى بالفعل برضوخ أمريكا للشروط الإيرانية..إننا أمام تشكل عالم متعدد الأقطاب؛

3 ـ أن إيران باقية بجوار العرب، وأنها هي وتركيا وباكستان دول إسلامية، ومن الأفضل والأسلم للعرب أن يشكلوا مع هذه الدول الإسلامية، حلفا عربيا إسلاميا ستكون له مكانته القوية في عالم متعدد الأقطاب يتشكل حاليا...هذا الحلف كتبتُ عنه عدة مقالات خلال السنة الماضية.

حفظ الله بلاد العرب والمسلمين..

الأحد، 5 أبريل 2026

لماذا لا نبدل السيارات بالدراجات؟


في زمن الأزمات، لا تُقاس قوة المجتمعات فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على التكيّف وإنتاج الحلول الذكية. وفي ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات، وتذبذب سلاسل الإمدادات عالميا، تبرز الحاجة إلى التفكير في حلول وبدائل عملية، ذكية، ثورية، وقابلة للتطبيق.

منذ أيام، دعاني المهندس محمد عبد الرحمن الشيخ، وهو ينشط معنا في عدة مبادرات تطوعية، للمشاركة في لقاء ستنظمه "منصة تطوع" التي ينسق أنشطتها، وكان اللقاء تحت عنوان: "الطاقة في موريتانيا: التحديات، الترشيد، وآفاق البدائل"، ونظرا لانشغالات ضاغطة، فلم أتمكن من الحضور. 

واليوم، راسلني بفكرة أعلن عن تبنيها على هامش اللقاء، تمثلت في توقيفه لسيارته وإبدالها بدراجة هوائية، في خطوة وصفها بالبسيطة، ولكنها في جوهرها فكرة ثورية، تعبر عن وعي بالمسؤولية، وسعي جدي لترشيد الطاقة، وللحفاظ على البيئة.

عندما اطلعتُ على الفكرة، تذكرتُ مقترحين في المجال، غاية الأهمية، سأتحدث في هذا المقال عن أحدهما، وأترك الحديث عن الثاني إلى وقت لاحق إن شاء الله. المقترحان عرضهما عليَّ صديقي الفاضل الباحث في معهد "إكس" للعلوم السياسية الخبير محمد محمود ولد المعلوم خلال قدومه في عطلته للعام 2024.

حاولنا حينها تنفيذ المقترحين، ولكن ضيق العطلة حال دون ذلك، ونفس الشيء حدث خلال قدومه في عطلته الموالية للعام 2025. 

ومع أن المقترحين أعِدَّا قبل سنتين من الآن، إلا أن الحاجة إليهما تبدو اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وخاصة بعد أن اندلعت الحرب الحالية في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة، مما جعل الحكومة تتخذ مؤخرا بعض الإجراءات والتدابير التقشفية.

يدعو المقترح الأول إلى تشجيع الموريتانيين على استخدام الدراجة، وذلك باعتبارها وسيلة نقل فعالة لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود، ولكونها تساهم في تحسين الصحة واللياقة البدنية، وتقلل من حوادث السير. كما أنها يمكن أن تلعب دورا مهما في تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي. 

تبدو أهمية استخدام الدراجة لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، وتحسين الصحة، والحد من حوادث السير واضحة جدا، ولا تحتاج لأي شرح، ولكن تبقى علاقتها بالوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي أقل وضوحا، وقد بين المقترح تلك العلاقة عندما اعتبر أن الدراجة يمكن أن تكون وسيلة فعالة للاندماج الاجتماعي، من خلال تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين المواطنين، وخاصة عندما تستخدمها نخب المجتمع، فمثل ذلك سيزيد من تلاشي الفوارق الاجتماعية، ويعزز الاحترام المتبادل بين مختلف فئات المجتمع، كما أنه يشجع على تبنِّي سلوكيات تحترم الصالح العام والبيئة.

ويُطالب المقترح في مسودته الأولى بتبني سياسات عمومية تشجع على استخدام الدراجة، ويمكن أن يتم ذلك من خلال الإجراءات التالية:

1 ـ إنشاء مسارات في الطرق، آمنة وخاصة بالدراجات.

2 ـ تنظيم أيام "بدون سيارات"، وإطلاق أنشطة ومهرجانات للحث على استخدام الدراجات.

3 ـ توفير الدراجات بأسعار مخفضة، والتشجيع على اقتنائها.

4 ـ إدماج السلامة الطرقية وفوائد استخدام الدراجة في المناهج الدراسية.

ولتنفيذ هذا المقترح، حاولنا حينها أن نُعِدَّ لائحة من بعض القدوات والنخب المتحررة من القيود الاجتماعية، والتي هي على استعداد لأن تقتنني أو تؤجر دراجات، للمشاركة في إطلاق قافلة من الدراجات تجوب شوارع العاصمة، لحث المواطنين وتشجيعهم على استخدام الدراجات في تنقلاتهم بدلا من السيارات.

لم ننفذ الفكرة في ذلك الوقت، وعلى المستوى الشخصي، فكان لدي عائق كبير، وهو أني لم استخدم دراجة في حياتي، وكنتُ أخطط لأتدرب على قيادتها قبل أن أعلن عن انخراطي بشكل ميداني في المبادرة، وهذا هو العائق الذي يمنعني الآن من أن أعلن عن توقيفي لسيارتي، وإبدالها بدراجة مثلما فعل منسق منصة تطوع.

يحكى أن امرأة هندية كان لديها ولد مدمن على أكل الحلوى، فذهبت به يوما إلى غاندي وطلبت منه أن ينصحه بالتوقف عن أكل الحلوى. لم يكن من غاندي إلا أن طلب من المرأة أن تعود إليه بابنها بعد ثلاثة أسابيع.

وعند عودتها بابنها في الموعد المحدد التفت غاندي إلى الطفل وطلب منه أن يتوقف عن أكل الحلوى، ولم يزد على ذلك، فما كان من المرأة إلا أن استغربت من ذلك الفعل، وسألت غاندي لماذا لم تطلب منه ذلك خلال لقائنا السابق.

أجاب غاندي المرأة بأنه في تلك الفترة كان هو أيضا يأكل الحلوى، ولم يكن يستطيع أن يطلب من الطفل أن يتوقف عن شيء يفعله هو.

لا أستطيع أن أدعوكم اليوم لإبدال السيارة بالدراجة، فأنا لم أبدل حتى الآن سيارتي بدراجة، ولكني عازم على ذلك في المستقبل إن شاء الله.

وقبل أن يتحقق ذلك، أرجو أن تسمحوا لي أن أدعو الحكومة إلى أن يبادر أحد وزرائها الشباب بالذهاب إلى مكتبه في الوزارة على دراجة، ولِمَ لا يحضر عدد منهم لمجلس الوزراء القادم على دراجات؟ ولِمَ لا يبادر بعض قادة حزب الإنصاف باقتناء دراجات والذهاب بها إلى مقر الحزب؟ وَلِمَ لا يكثر بعض المدونين الداعمين لإجراءات الحكومة التقشفية من نشر صورهم على دراجات وهم يتجولون في شوارع العاصمة؟

لقد شاهدنا منذ أشهر عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي، أحد كبار رجال الأعمال في البلد، وهو يُعِدُّ الطعام بنفسه خلال رحلة مع أصدقائه، داخل ولاية آدرار على ما أظن، وأثار ذلك المشهد إعجاب الكثيرين. فَلِم لا يبادر رجل الأعمال هذا إلى استخدام دراجة ولو ليوم واحد؟ فهو عندما يفعل ذلك قد يقلده بعض الفقراء المولعين بتقليد الأغنياء.

إن دعم التدابير المتخذة مؤخرا من طرف الحكومة لمواجهة الأزمة الحالية، لا يقتصر فقط على التنازل عن نسبة من الراتب، وإنما يمكن أن يتم من خلال اقتناء دراجات للتنقل، وهذه تمثل أعلى درجات الدعم، ويأتي في المرتبة الثانية توقيف السيارات الخاصة، والتنقل في حافلات النقل العمومي، وعلى كبار الموظفين في الدولة، وكبار السياسيين الداعمين لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن يبادروا بالقيام بذلك، تشجيعا للمواطنين على استخدام الدراجات والنقل العمومي، وبذلك نرشد الطاقة، وندعم الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الحكومة مؤخرا لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات والتذبذب الحاصل في سلاسل الإمداد.

في زمن الأزمات، قد تبدأ الحلول الكبيرة بخطوات صغيرة.

حفظ الله موريتانيا...


الخميس، 2 أبريل 2026

بكل وضوح: إلى الحكومة والنخب والشعب

 


في أوقات الأزمات، والعالم يعيش اليوم أزمة بالغة الخطورة بسبب الحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط، يكون من واجب من يتحدث في الشأن العام أن يتحدث بصدق ووضوح، وأن يضع في حديثه ـ لم أقل في فعله، فنخبنا قليلة الأفعال ـ المصلحة العليا للبلد فوق أي مصلحة أخرى.

إلى الحكومة

ما يجب أن يُقال للحكومة في أيامنا الصعبة هذه، وبعيدا عن أي لف أو دوران، يمكن تلخيصه في جملة واحدة: إن الإجراء الأول، أو التدبير الأول، أو الخطوة الأولى التي على الحكومة أن تتخذها لمواجهة أزمة الطاقة، والتذبذب الحاصل في سلاسل التموين، يجب أن تكون محاربة الفساد، والخطوة الثانية يجب أن تكون كذلك محاربة الفساد. أما الخطوة الثالثة التي يجب أن تتخذها الحكومة لمواجهة الأزمة الحالية، فهي أيضا محاربة الفساد.

إن أهمية محاربة الفساد لا تتوقف فقط عند توفير موارد مالية ضخمة من خلال استعادة الأموال المنهوبة، والتي تتراوح نسبتها في الدول المشابهة لنا بين (10 ـ 25) % من الإنفاق الحكومي، ولا تتوقف أهميتها كذلك عند كونها، بالإضافة إلى استعادة الأموال المنهوبة، ستسد منافذ النهب المحتملة. إن محاربة الفساد، بالإضافة إلى كل ذلك، تعطي مصداقية قوية جدا لكل القرارات والإجراءات الحكومية، فعندما يشعر المواطن بأن الحكومة جادة في محاربة الفساد، وأنها لم تعد تقبل بأن تُنفق أوقية واحدة إلا في الصالح العام، فحينها سيستجيب لكل الإجراءات التقشفية التي ستطالب بها الحكومة، ولن يتردد في الاستجابة لأي إجراء تقشفي تطالبه به الحكومة، حتى وإن كان ذلك الإجراء الاكتفاء بوجبة واحدة في النهار، أو بكأس شاي واحد كل 24 ساعة، أو الانتقال إلى مكان العمل سيرا على الأقدام. وعلى العكس من ذلك، فإذا شعر المواطن بأن الحكومة غير جادة في محاربة الفساد، فهو في هذه الحالة لن يستجيب لمطالبها، ولا لإجراءاتها التقشفية، حتى وإن اشتدت هذه الأزمة، وحتى وإن كانت تلك الإجراءات التقشفية مبررة ومشروعة، ولا يمكن التشكيك في وجاهتها.

لقد تجاوب الشعب الموريتاني بحماس كبير مع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال فترة جائحة كورونا، وتبرع المواطنون لصندوق كورونا بكرم حاتمي؛ فمنهم الغني الذي تبرع بمئات الملايين، ومنهم الفقير الذي تبرع بمائتي أوقية قديمة، وللأسف فلم يسلم صندوق كورونا من عمليات فساد، حسب تقارير رسمية، فأين هم الآن أولئك الموظفون الذين اعتدوا على مال عام جمعته الدولة وشركاؤها والمواطنون العاديون في ظل جائحة هددت العالم أجمع؟

إن المطلوب الآن من الحكومة، لمواجهة أزمة عالمية من الراجح أنها ستتمدد وتتوسع مستقبلا، هو أن تتخذ جملة من الإجراءات الحازمة والصارمة، تقنع من خلالها الشعب الموريتاني بأنها جادة في محاربة الفساد، وأن الفساد لم يعد مقبولا بشكل قاطع، وعندما يقتنع الشعب الموريتاني بجدية الحكومة في محاربة الفساد، فسيكون من السهل جدا تمرير كل الإجراءات والتدابير التقشفية الأخرى، حتى وإن كانت قاسية جدا. وإذا لم يقتنع الشعب الموريتاني بجدية الحكومة في محاربة الفساد، فسيبقى من الصعب جدا تمرير أي إجراءات تقشفية مهما كانت وجاهتها وشرعيتها.

يبقى أن أقول، في ختام هذه الفقرة من المقال: إن الذكاء الجمعي للشعوب لا يخطئ عادة، فعندما يتولد شعور جمعي لدى شعب ما بأن حكومته تحارب الفساد بشكل جدي، فذلك يعني أنها تُحارب فعلا الفساد بشكل جدي، وإذا لم يتولد شعور جمعي لدى شعب ما بجدية حكومته في محاربة الفساد، فذلك يعني أن تلك الحكومة مطالبة باتخاذ إجراءات مستعجلة وصارمة لإقناع شعبها بأنها جادة في محاربة الفساد.

إلى النخب

على النخب، بمختلف أشكالها وأطيافها، أن تدرك بأن العالم مقبل على أيام صعبة، وأن ذلك سينعكس قطعا على بلادنا. صحيح أن ترامب شخص متناقض في خطاباته، فهو يتناقض حتى في التغريدة الواحدة، وقراراته وتصرفاته لا يحكمها أي خيط ناظم يتيح استشراف قراراته وتصرفاته مستقبلا، ومع ذلك فلا بد أن نتوقف مع كلمته الأخيرة، والتي جاءت في خطابه الأخير الموجه للشعب الأمريكي. لقد قال في خطابه هذا إنه سيعيد إيران إلى العصر الحجري، ويعني ذلك أنه سيدمر محطات الماء والكهرباء في إيران، ولا يُستبعد من شخص متهور مثل ترامب أن يفعل ذلك. في المقابل، فإن إيران لن تتردد في الوفاء بوعدها بإغراق المنطقة في ظلام دامس، إن نفذ ترامب تهديده، ولا يُستبعد من إيران أن تفعل ذلك، فالظاهر أن إيران قد انتقلت بالفعل من "الصبر الاستراتيجي" الذي كان يمنعها من الرد، حتى وإن قُصفت في وضح النهار، إلى "الجرأة الاستراتيجية" التي جعلتها تقصف ست دول في المنطقة في وقت واحد!

كل الاحتمالات مفتوحة على المزيد من الدمار، فترامب متهور، وإيران حسمت أمرها في المواجهة، ويعني ذلك أن الأزمة العالمية ستتفاقم، وحتى وإن توقفت الحرب في يومنا هذا، فإن الأزمة ستستمر لأشهر، وربما لأعوام، وواجب النخبة في أوقات الأزمات هو أن تضع المصلحة العليا أولا، والمصالح الضيقة والشخصية ثانيا وثالثا.

إن وضع المصلحة العليا للبلد أولا، قبل مصلحة النظام بالنسبة للنخب الداعمة، وقبل مصلحة المعارضة بالنسبة للنخب المعارضة، وقبل المصلحة الشخصية للفرد، مطلوب دائما في كل الأحوال، ولكنه مطلوب بإلحاح في زمن الأزمات العالمية أو الإقليمية أو المحلية، ونحن نعيش اليوم أزمة عالمية، وأزمة إقليمية، ولا بد أن تكون لهما انعكاساتهما على المستوى المحلي.

لا أظن أن تثمين الأغلبية لما قامت به الحكومة من إجراءات، والاكتفاء بذلك التثمين، هو الخيار الأمثل، ولا أظن كذلك أن نقد المعارضة للإجراءات التقشفية، والمطالبة بالنزول إلى الشارع، هو الخيار الأمثل في هذه الفترة.

في اعتقادي الشخصي، أن الخيار الأسلم في ظل أزمة عالمية كالتي نعيش اليوم، يقوم على ثلاث مرتكزات أساسية:
1
ـ تحصين الجبهة الداخلية من خلال التهدئة السياسية والحوار؛
2
ـ محاربة الفساد بشكل حازم وصارم؛
3
ـ البحث عن آلية وطنية تجمع بين الأغلبية والمعارضة لمواجهة انعكاسات الأزمة العالمية على بلادنا، وأن تكون تلك المواجهة من خلال إجراءات وتدابير وطنية يتفق عليها الجميع، ويشارك في تنفيذها الجميع.

هذا هو ما يجب أن تدعو إليه النخب في كتاباتها وأحاديثها، في مثل هذه اللحظة الحرجة عالميا، والمقلقة وطنيا؛ أن تدعو إلى ذلك بعيدا عن التخندقات والتموقعات، وبعيدا عن المصالح الشخصية الضيقة.

إلى الشعب

لكل أزمة جانبها المضيء، والكارثة هي أن نعيش الأزمة بكل آلامها وتبعاتها، ولا نستفيد، في الوقت نفسه، من جانبها المضيء.

إن الشعب الموريتاني بحاجة إلى تغيير جذري في العقليات وفي بعض المسلكيات، والوقت الأمثل لذلك هو عندما تكون هناك أزمة عالمية تفرض تغيير تلك العقليات والمسلكيات.

على الشعب الموريتاني أن يعلم أن الوقت لم يعد وقت تبذير في الإنفاق ولا في الاستهلاك، ولم يعد كذلك وقت كسل وتكبر عن بعض الأعمال التي ما زال الأجانب يستنزفون بها ثرواتنا.

لا بد من حملات توعوية كبرى لتغيير العقليات والمسلكيات، ولا نريد، بالمناسبة، تكرار حملات توزيع "لمغاسل" التي عشناها في فترة جائحة كورونا. إننا نريد حملات توعوية جدية، تنطلق من الشعب بمختلف مكوناته، يقودها المجتمع المدني بمفهومه الواسع: العلماء، منظمات المجتمع المدني، الأحزاب السياسية، النقابات، وتدعمها الحكومة. أما الحملات التي تنطلق من الحكومة، ومن الولاة، ومن موظفي الدولة، أي من الجهات التي لا علاقة لها أصلا بالحملات التوعوية والتحسيسية، فمثل تلك الحملات كثيرا ما تفشل، وتتحول في الغالب الأعم إلى عمل شبه مسرحي، فهذا هو ما يقوله كتاب أرشيف الحملات الحكومية عندما تفتحونه من صفحة حملة محو الأمية، مرورا بكل الحملات الحكومية التي تلت حملة محو الأمية.

حفظ الله موريتانيا...

الجمعة، 27 مارس 2026

شكرا للمدير العام للضرائب


ما أجمل أن يكون أول ما تُطالعه بعد تشغيل الهاتف، في صبيحة هذه الجمعة المباركة، صورة من وثيقة رسمية باللغة العربية، صادرة عن المدير العام للضرائب.

لقد وصلتني هذه الوثيقة من عدة أصدقاء، فشكرا لكل من أرسل ليَّ صورة منها، أو بعث إليَّ رابط الخبر المنشور عنها في وكالة الأخبار المستقلة.

شكرا لكم جميعا، وشكرا قبل ذلك للمدير العام للضرائب، الذي أصدر هذه الوثيقة بلغة عربية سليمة وجميلة.

يستحق المدير العام للضرائب من الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية أكثر من كلمة شكر، فتعريب وثائق وزارة المالية من الأمور المهمة جدا عندنا في الحملة، وذلك لكون هذه الوزارة تعدُّ هي الوزارة الأقل تعريبا في البلاد، ثم لكونها من الوزارات المرتبطة بشكل مباشر بأرزاق الناس، وكثيرٌ من الناس سيظل متعلقا باللغة المرتبطة برزقه، ولا يهمه أن تكون تلك اللغة هي اللغة الرسمية أو غير الرسمية للبلد.

ونظرا لأهمية تعريب وثائق هذه الوزارة، فقد سارع رئيس الحملة، معالي الوزير السابق صو آبو دمبا بتوجيه رسالة إلى معالي وزير المالية، يوم 12 إبريل 2022، طالبه فيها بتعريب جميع الوثائق الصادرة عن الوزارة والإدارات التابعة لها، احتراما للدستور، وضمانا لحقوق المواطنين، وتقريبا لخدمات الإدارة من المواطن.

وفي يوم 30 يوليو 2025، أصدر وزير الاقتصاد والمالية حينها، السيد سيد أحمد أبوه، تعميما حمل الرقم 000583، ألزم فيه جميع العاملين في القطاع بتحرير المراسلات الصادرة عن القطاع باللغة العربية فقط، وقد ثمَّنت الحملة عاليا صدور ذلك التعميم، مع أن الأصل أن تطبيق مادة في الدستور لا يحتاج أصلا إلى تعميم من وزير.

ولإدراك أهمية هذا التعميم، يكفي أن نذكر حالة اطَّلعت عليها الحملة في تلك الفترة ونددت بها، وهي حالة تتعلق بمواطنة موريتانية لديها ابن مسجون في المغرب. قررت إدارة السجن هناك الإفراج عنه لأسباب إنسانية، لكنها اشترطت عدة وثائق قبل الإفراج عنه، من بينها شهادة إعفاء من الضرائب. سارعت الأم إلى استصدار تلك الشهادة أو الإفادة، ولكن الإدارة المعنية في المغرب رفضت النسخة التي أرسلتها الأم؛ لأنها كانت باللغة الفرنسية، وطالبت بنسخة عربية، فما كان من الأم؛ إلا أن عادت إلى إدارة الضرائب في التيارت، وطلبت شهادة بالعربية، فرفضت الإدارة ذلك، بحجة أنها لا تصدر أصلا شهادات من هذا النوع باللغة العربية.

لم يكن أمام هذه الأم المسكينة إلا اللجوء إلى موثق، وتسديد رسوم إضافية، لإثبات أن النسخة العربية المترجمة عن النسخة الفرنسية مطابقة للأصل.

وفي فاتح نوفمبر من العام 2025 طالعنا في الحملة صورة من بيان بلغة عربية جميلة، موقع باسم عباس صو، الناطق الرسمي باسم نقابة أطر وموظفي وزارة المالية، يعلن فيه فوز نقابته في الانتخابات التمثيلية النقابية لوزارة الاقتصاد والمالية، التي جرت في ذلك اليوم. وقد وجهنا حينها الشكر إلى تلك النقابة، ولن نتأخر في توجيه الشكر إلى أي مسؤول في قطاع المالية يبذل أي جهد من أجل تعريب وثائق الوزارة، احتراما للدستور، وضمانا لحقوق المواطنين، وتقريبا لخدمات الإدارة من المواطن.

فشكرا مرة أخرى للمدير العام للضرائب.





الثلاثاء، 24 مارس 2026

كيف أثمر بيان حزب الإنصاف؟


لم يدرك بعض داعمي فخامة رئيس الجمهورية أهمية بيان حزب الإنصاف الأخير المتعلق بضريبة الهواتف، وانتقد صحفيون ومدنون داعمون لرئيس الجمهورية هذا البيان بشدة، بحجة أن دور الحزب يجب أن يقتصر على الدعم والإشادة بكل ما تقوم به الحكومة. أما نقد العمل الحكومي، أو التحفظ على أي إجراء أو قرار حكومي، فيجب أن يترك حصرا لمعارضي النظام.

على المستوى الشخصي، فإني لم أتردد في تسجيل إعجابي ببيان الحزب، وقد افتتحتُ مقالي: "ضريبة الهواتف: حين لا تراعى الظروف عند اتخاذ القرار" بفقرة من البيان المذكور، وهي الفقرة التي جاء فيها: "ومع ذلك، فإن الحزب يعي تماما أن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح إلا إذا أخذ بعين الاعتبار أوضاع المواطنين، وظروفهم المعيشية، خصوصا فئة الشباب والعمال البسطاء الذين يعتمدون على الأنشطة التجارية الصغيرة كمصدر للرزق".

وكان تعليقي في المقال على هذه الفقرة من البيان: "إن القرارات التي تتخذها الدول والحكومات لا يُنظر إليها من زاوية واحدة فقط، أي: هل هي صائبة من الناحية النظرية أم لا؟ بل يُنظر إليها كذلك من زوايا أخرى لا تقل أهمية، من بينها: أثرها المباشر على المواطن، وكيف سيتفاعل معها الرأي العام، وهل توقيت اتخاذها مناسب أو غير مناسب."

لا خلاف على أن المطلوب من الحزب الحاكم، بل ومن كل الأحزاب المنخرطة في الأغلبية الداعمة للنظام، الدفاع عن الحكومة وتسويق منجزاتها، ولكن هناك لحظات يكون فيها من واجب الحزب أن يُسارع إلى رصد ردود الأفعال على بعض القرارات الحكومية، والعمل على امتصاص أي غضب شعبي يظهر من قبل أن يتسع فيربك العمل الحكومي، ويشوش على الصورة التي اشتغل عليها فخامة الرئيس خلال السنوات الست الماضية، أي صورة النظام القريب من الفئات الهشة المهتم بالشباب.

فأن تخرج احتجاجات شعبية بحضور معتبر في يوم حار من أيام رمضان، لتحتج على قرار حكومي اتخذ في عهد رئيس توقفت الاحتجاجات في فترة حكمه، ولست سنوات متواصلة، فتلك رسالة يجب على داعمي النظام أن يسارعوا إلى قراءتها، وأن يتعاملوا مع مضامينها بذكاء وحكمة وبشكل استباقي، لأنه بدون ذلك التعامل، فإن تلك الاحتجاجات كان يمكن أن تتطور، وتكسر الهدوء السياسي الذي اشتغل عليه كثيرا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خلال سنواته الست الماضية.

وعندما ينكسر ذلك الهدوء، وتبدأ عدوى الاحتجاجات تصيب فئات أخرى، فحينها ستتغير أمور كثيرة، ولن تجد الحكومة الظروف المناسبة لأداء مهامها.

يبدو أن هذا هو ما أدركه حزب الإنصاف، فأصدر بيانه الذي كان من الواضح أنه رسالة تهدئة وطمأنة للمحتجين، لتتوالى بعد ذلك بيانات أخرى لأحزاب في الأغلبية، دعت كلها إلى الحوار وفتح قناة للتفاوض مع المحتجين.

وكانت ثمرة الحوار والتفاوض أن أعلن ممثلو اتحاد أسواق الهواتف إنهاء الأزمة بشكل كلي، فأوقفوا الاحتجاجات وأشادوا بالنظام، وجاء على لسان المهندس عبد القادر ولد الشيخ المتحدث باسمهم: "...ومن هنا نؤكد أن هذا الحزب (أي حزب الإنصاف) انحاز إلى القواعد الشعبية، وإلى الطبقات الضعيفة، وإلى صوت الشباب الذي يعاني من هذه الضريبة التي كنا نعتبرها ضريبة مجحفة، وانحاز إلى صوت الشباب والطبقة الضعيفة وهذه لفتة تحسب له."

هكذا تمكن حزب الإنصاف وبقية أحزاب الأغلبية من تهدئة الساحة والتمهيد للحوار بين المحتجين والجهات المعنية بالضريبة، فتوقفت الاحتجاجات وتحولت إلى مؤتمرات صحفية للإشادة بالنظام، وهذا هو أفضل عمل يمكن للذراع السياسي للنظام أن يقوم به.

إنصافا لحزب الإنصاف

كثيرا ما انتقدتُ حزب الإنصاف، ولستُ نادما على ذلك، فمبرراتي في انتقاده كثيرة، ولكن بما أن المقام مقام إنصاف، وحتى لا أظلم الحزب في هذا المقام، فلا بد من القول بأن بيان ضريبة الهواتف لم يكن هو الموقف الوحيد الذي اتخذه الحزب في مثل هذه الحالات، فيُحسب للحزب أنه  تعامل بأسلوب مماثل مع مشروع القانون رقم 010 ـ 25 المتعلق بالتصريح بالممتلكات والمصالح، والذي أَبْعد النواب من قائمة الموظفين والمنتخبين الملزمين بالتصريح بالممتلكات والمصالح في نسخته التي صادقت عليها الحكومة، وهو ما أثار حينها ضجة كبيرة، وأذكر أننا كمنظمات ناشطة في مجال محاربة الفساد نددنا بشدة باستثناء النواب، وطالبنا مع غيرنا بإدراجهم في قائمة الموظفين والمنتخبين الملزمين بالتصريح بالممتلكات والمصالح، فلم يكن من الرئيس السابق للحزب إلا أن استدعانا في مكتبه، وأكد لنا أن الفريق البرلماني لحزب الإنصاف يتبنى فكرة إدراج النواب في لائحة الملزمين بالتصريح، وأنه سيصوت على إدراجهم في لائحة الملزمين بالتصريح بعد تعديل القانون، وهذا ما حدث بالفعل بعد ذلك.

من كورونا إلى أزمة الطاقة: هل يتكرر الإجماع الوطني؟

ويبقى البيان الأكثر لفتا للانتباه الذي وقعه الحزب الحاكم، قبل أن تتم تسميته بحزب الإنصاف، هو بيان 14 مايو 2020، الذي جاء في إطار جهود الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان للتصدي لجائحة كورونا، وكان هذا البيان غير مسبوق في شكله ومحتواه، حتى وإن لم يجد من التغطية الإعلامية ولا من التفاعل السياسي ما يستحق.

لقد تضمن البيان عشر نقاط تحدثت كلها، باستثناء نقطتين فقط، عن بعض أوجه التقصير في الأداء الحكومي، وفي النقطتين السادسة والسابعة طالب البيان بتخفيض الأسعار. 

اليوم تتشابه الظروف، ويمر العالم بأزمة بالغة الخطورة، فالآثار المترتبة على أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الحالية لا تختلف كثيرا عن الآثار المترتبة على وباء كورونا، فهل ستتمكن الحكومة والطبقة السياسية الموريتانية (موالاة ومعارضة) من خلق إجماع وطني للتصدي لآثار حرب الشرق الأوسط مثلما فعلت قبل ست سنوات خلال جائحة كورونا؟

حفظ الله موريتانيا..


الأحد، 22 مارس 2026

متى سيتوقف العرب عن تحميل أخطائهم للآخرين؟


لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل يتعرض العرب لمؤامرة كونية كبرى؟ فهذا سؤال تجاوزه الزمن، ويُفترض أن طرحه لم يعد وجيها، ومع ذلك فما زال يلجأ إليه بعض القادة العرب والنخب التي تدور في فلكها لتبرير فشلهم، وذلك باعتباره نتيجة حتمية للمؤامرة الكونية الكبرى التي تُحاك ضدهم.

من المعلوم بداهة أن القوى العظمى والقوى الإقليمية في المنطقة لن يتردد أيٌّ منها في البحث عن مصالحه الخاصة على حساب الدول الضعيفة والأراضي المستباحة، وإذا شئتم، وبلغة أقل دبلوماسية، فإن القوى العظمى والقوى الإقليمية في المنطقة لن يتوقف أيٌّ منها عن التآمر على الدول الضعيفة في المنطقة كلما توفرت الفرصة لذلك؛ فالعلاقات بين الدول لا تحكمها الأخلاق، ولا تُدار بالعواطف، وإنما يحكمها البحث عن المصالح، والمصالح فقط.

إن بقاء دولة ما، أو أمة كاملة، في حالة ضعف مستمر، سيؤدي حتما إلى المزيد من التآمر عليها، من طرف القوى العظمى الدولية أو الإقليمية التي تتنافس على النفوذ في المنطقة، ومن يُلام في ذلك ليست القوى التي تتآمر، وإنما الضحايا الذين ضعفوا فأغروا بضعفهم تلك القوى بأن تتآمر عليهم، ويزداد لوم الضحايا وجاهة إذا كانوا يمتلكون من المقدرات الاقتصادية والبشرية ما يمكنهم من أن يشكلوا قوة إقليمية في المنطقة لا يمكن التجرؤ على التآمر عليها. ومن المؤكد أن العرب يمتلكون ما يكفي من مقدرات لأن يُحصنوا بلدانهم من أي مؤامرات خارجية، ولكنهم بدلا من أن ينشغلوا ببناء بلدانهم وتحصينها ضد أي تدخل خارجي، اكتفوا بالتعويل على الآخرين لحمايتهم، فمنحت دول الخليج أراضيها للقواعد العسكرية الأمريكية، وهي القواعد التي ظهر اليوم أنها تجلب من الدمار أكثر مما توفر من الأمان.

إن السؤال الذي يجب علينا أن نطرحه اليوم هو السؤال القائل: لماذا أصبحت أمة العرب من أكثر الأمم في هذا الزمان التي تُستباح أراضيها، وتُدمَّر بلدانها، وتُحدَّد مصائر أنظمتها من طرف الآخرين؟

إن أخطر ما أُصيب به العرب في زماننا هذا ليس ما تعرضوا له من مؤامرات خارجية، مع الاعتراف بوجود تلك المؤامرات، وإنما إدمان الأنظمة وبعض النخب العربية على تبرير الفشل العربي بما يُحاك من مؤامرات خارجية، وكأن تلك المؤامرات ستعفي الأنظمة والنخب الدائرة في فلكها من المسؤولية ومن المحاسبة التاريخية، ولتجنب تلك المحاسبة فلا بد من محاسبة ذاتية، ومن مراجعة جادة للبحث عن الأسباب الحقيقية التي أوصلت عرب هذا الزمان إلى ما وصلوا إليه من ضعف واستكانة، جعلت أراضي بلدانهم مجرد ساحة لصراع النفوذ بين الأمم الأخرى.

إن أخطر ما يعاني منه عرب هذا الزمان هو تحويل خطاب المؤامرة إلى شماعة تُبرر بها الأنظمة العربية الحاكمة فشلها، ومخدِّرٍ إيديولوجي وفكري تتعاطاه النخب العربية لتبرير عجزها وعدم قدرتها على إجبار الأنظمة الحاكمة على التغيير من نهجها بما يخدم مصالح الشعوب العربية والأمن القومي المشترك.

لقد أصبح العرب، حكاما ونخبا، يلجؤون إلى هذا الخطاب التبريري كلما أُصيبوا بهزيمة، أو ضيعوا فرصة، أو انهارت دولة من دولهم، أو تمدد نفوذ الدول الأخرى على أراضي بلدانهم.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بلسان عربي فصيح هي أن الدول لا تصبح ساحة مفتوحة للتآمر وللصراع الدولي والإقليمي إلا بعد أن تكون تلك الدول قد فقدت مناعتها الذاتية بسبب فشل حكامها ونخبها في أداء أدوارهم المطلوبة، ومن الواضح البيِّن أن كل الأنظمة العربية المتعاقبة فشلت فشلا ذريعا في تحصين المنطقة العربية من أن تصبح ساحة صراع نفوذ للقوى الدولية والإقليمية في المنطقة.

بل أكثر من ذلك، فإن العديد من تلك الأنظمة ساهم في جعل المنطقة العربية ساحة صراع حول النفوذ، من خلال ما أشعل من حروب وصراعات بينية بلا أول ولا آخر في المنطقة العربية.

من المؤكد أن إيران وتركيا وغيرهما من القوى الإقليمية تبحثان عن مصالحهما قبل أي شيء آخر، ومن المؤكد أكثر أن إسرائيل، ككيان مغتصب مزروع في المنطقة، ومدعوم من طرف الغرب عموما، ومن أمريكا خصوصا، يبحث هو أيضا ـ وبشكل أكثر استفزازا ووقاحة ـ عن مصالحه الضيقة القائمة على الاحتلال وإبادة الشعوب، ولن يقبل هذا الكيان، وتدعمه أمريكا في ذلك، أن تظهر في المنطقة أيَّة دولة عربية أو إسلامية قوية؛ فهذا الكيان يعتبر أن وجود أي دولة قوية في المنطقة يشكل تهديدا استراتيجيا له، حتى وإن حكمها نظام مطبع، فإيران مثلا كان يحكمها نظام الشاه المطبع، وهي تُعد اليوم أكبر تهديد لهذا الكيان، فالدول تبقى والأنظمة تزول، وهذا مما يدركه الكيان المغتصب جيدا.

في المجمل، إن كل القوى الإقليمية في المنطقة تبحث عن مصالحها أولا، لا خلاف على ذلك، فتلك حقيقة لا يمكن لأي كان إنكارها، ولكن هناك حقيقة أخرى لا يمكن إنكارها كذلك، وهي أن الدول العربية الكبرى، قبل الصغرى، تتصرف وكأنها لا تبحث عن مصالحها الاستراتيجية، ولا عن أمنها القومي المشترك، ولذا فلم يكن غريبا أن تصبح بعض الأنظمة العربية أداة تستخدمها هذه القوة الدولية أو تلك في تحقيق المزيد من مصالحها على حساب الأمن العربي المشترك، بل إن بعض تلك الأنظمة أصبح مجرد أداة تستخدمها إسرائيل لإضفاء المزيد من الشرعية عليها، وعلى حساب الحق الفلسطيني المقدس.

ورغم كل هذا، فما زال العديد من العرب، حكاما ونخبا، يحاولون أن يحمّلوا إيران مسؤولية فشلهم، ومع أنه لا يمكن تبرئة إيران بشكل كامل مما يجري في المنطقة، إلا أنها ـ وبكل تأكيد ـ ليست هي التي أوعزت لصدام حسين بأن يقع في الفخ القاتل، فيحتل دولة الكويت في ساعات محدودة بدلا من الرد على الكيان المغتصب الذي دمَّر المفاعل النووي العراقي (07 يونيو 1981)، ليفجر بذلك واحدة من أخطر الأزمات والكوارث التي حلت ببلاد العرب في هذا الزمان، فوجدت أمريكا وإسرائيل بسبب ذلك الخطأ القاتل فرصة لا تُقدَّر بثمن لتدمير قوة العراق العسكرية والاقتصادية بغطاء عربي ودولي. صحيح أن إيران تدخلت بعد ذلك بشكل فج، وعملت على أن تكون لها أذرعها في العراق، وهي بلغة المصالح، لا يمكن أن تُلام في ذلك بعد أن أصبح العراق أرضا مستباحة لأمريكا وإسرائيل.

وإيران التي يحاول البعض أن يحملها كل مشاكل العرب ليست هي من صنعت الخلاف الأبدي بين أقوى دولتين في المغرب العربي: الجزائر والمغرب، ولا هي التي أدخلت ليبيا في مستنقع من عدم الاستقرار، ولا هي التي تقف وراء الحرب الدائرة حاليًّا في السودان.

وإيران ليست هي التي أوعزت لدول الخليج بأن تحاصر، في واحدة من أزماتها التي لا تنتهي، دولة قطر، ولا هي التي كانت تقف وراء الخلاف الذي تفجر مؤخرًا بين السعودية والإمارات، والذي كاد أن يشكل أزمة عربية جديدة لولا اشتعال الحرب الحالية في المنطقة.

وإيران لم تكن وراء الصراع المصري السعودي في اليمن في ستينيات القرن الماضي، ولا هي المسؤولة عن اشتعال الحرب الأهلية في اليمن، وليست هي المسؤولة عن موت الجامعة العربية واختفائها بشكل كامل في مثل هذا الوقت الحساس عربيًّا، وليست هي المسؤولة عن شلل الاتحاد المغاربي، ولا عن ضعف مجلس التعاون الخليجي. كل هذه الأخطاء لا يمكن أن نحملها لغير العرب، ولا تُلام إيران ـ إذا ما تحدثنا بلغة المصالح ـ إن استثمرت كل هذه الأخطاء التي ارتكبها العرب لصالحها، من خلال خلق أذرع لها في دول أصبحت أراضيها مستباحة للجميع، ولعل ما يميز أذرع إيران في المنطقة أنها ترفع ـ على الأقل ـ شعار مقاومة العدو الصهيوني، بل إن أذرعها هي وحدها التي تحارب اليوم الكيان المغتصب.

في المقابل، ألم يفرض العرب على إيران حربا مدمرة بعد سنة واحدة من نجاح ثورة الخميني التي احتجزت أكثر من 52 دبلوماسيًّا أمريكيًّا لمدة 444 يوما، وأغلقت سفارة كيان العدو الصهيوني في طهران، وأبدلتها بسفارة لفلسطين؟

ألم يفرض العرب حربا مبكرة على إيران بعد سقوط الشاه الذي كان يطبع مع العدو، وذلك بحجة منع تصدير الثورة الإيرانية ووقف المد الشيعي في المنطقة؟ دعونا نسأل الآن: ماذا كانت نتيجة ذلك؟ فهل أوقفت تلك الحرب النفوذ الإيراني في المنطقة أم زادت منه؟

لقد أصبح النفوذ الإيراني في المنطقة العربية أقوى وأخطر بعد حرب أريد لها أن تمنع ذلك النفوذ، وفي ذلك مفارقة كبيرة تستحق التأمل، فإيران يمتد نفوذها اليوم إلى داخل العراق واليمن ولبنان، وكان لها نفوذها في سوريا الذي ضعف مع النظام القائم حاليًّا، الممثل للثورة السورية، والمهادن للعدو الصهيوني، رغم أن هذا العدو لم يتوقف عن قصف سوريا، ولا عن احتلال المزيد من أراضيها.

لستُ، بطبيعة الحال، مدافعا ولا داعما لإيران في تدخلها ـ أو احتلالها، إذا شئتم ـ لأجزاء من أراضي بعض الدول العربية، ولا أنكر أن إيران قامت بجرائم فظيعة ضد السنة في سوريا، ولكن إيران لم تتدخل في تلك الدول إلا بعد أن أصبحت أراضي تلك الدول مستباحة بسبب أخطاء حكامها أو أخطاء اشقائها العرب، فإيران تغلغلت في العراق بعد تدميره من طرف أمريكا وحلفائها من العرب ردا على احتلاله للكويت، وأصبحت حاضرة بقوة في لبنان واليمن بعد حروب أهلية عرفتها الدولتان، وبطشت في سوريا في ظل حاكم عربي مستبد قررت أن تدعمه من أجل أن تضمن نفوذا أكبر لها في سوريا، ومن أجل أن تخلق ساحة أخرى تُصارع فيها العدو الصهيوني خارج أراضيها.

نعم، تدخلت إيران في بعض الدول العربية سعيا لتحقيق مصالح ضيقة على حساب استقرار تلك البلدان، ولكن يُحسب لإيران أن كل أجنحتها وأذرعها في المنطقة ظلت ترفع دائما شعار مواجهة العدو الصهيوني، بل إنها واجهته بالفعل في أكثر من مناسبة: حزب الله في لبنان، الحوثي في اليمن، نظام بشار المستبد، وفصائلها في الحشد الشعبي في العراق.

لقد انشغل الإيرانيون في العقود الأخيرة، ورغم الحصار الشديد والعقوبات المستمرة، ببناء دولة قوية قادرة على الدفاع عن نفسها أمام بطش أمريكا والعدو الصهيوني، وانشغل الأتراك ببناء دولة قوية اقتصاديًّا وعسكريًّا. أما العرب، فبدلًا من أن ينشغلوا ببناء بلدانهم، انشغل الكثير من قادتهم في صراعات بينية عبثية، وارتهن بعضهم للحماية الأجنبية من خلال إقامة قواعد عسكرية أمريكية، ظهر اليوم أنها تجلب من الدمار أكثر مما تمنح من أمان واستقرار. وبعد هذا كله يبرئون أنفسهم، ويوجهون اللوم لغيرهم، ويحمّلون فشلهم للآخرين.

ولعل من أبرز تجليات أخطاء عرب هذا الزمان أن العرب، وهم أصحاب لغة من بين اللغات العالمية الأكثر انتشارا، ما يزال الكثير منهم ـ حكاما ونخبا ـ يستبدلون لغتهم بلغات أجنبية في الإدارة والتعليم والبحث العلمي، وكأن النهضة لا يمكن أن تتحقق في بلدانهم إلا بإحلال لغة أجنبية محل اللغة العربية.

في المقابل، تمسكت إيران بلغتها الفارسية رغم أنها ليست لغة أم لنصف الشعب الإيراني، وليست لغة عالمية واسعة الانتشار، ولا تُستخدم خارج إيران إلا قليلا وفي مناطق محدودة جدًّا، ومع ذلك تمسكت إيران بها في التعليم والإدارة والبحث العلمي، ولم تستبدلها بلغة أجنبية أخرى، وكذلك فعل الأتراك مع لغتهم التركية.

وحدهم العرب تنازلوا عن سيادتهم اللغوية، وكأن لغتهم، لغة القرآن، عبء عليهم، وهذا التنازل وحده يكفي للقول بأن العرب هم السبب الأول في كل ما يتخبطون فيه اليوم من فشل ذريع.

على العرب عموما، وعلى دول الخليج خصوصا، أن يطرحوا السؤال التالي: ما الفائدة من صداقة أمريكا إذا كانت قواعدها لا تحمي، بل تجلب الدمار، وإذا كانت صداقتها لا يمكن أن تمنعها من إشعال حرب يكون المتضرر الأول منها هم أصدقاؤها العرب في الخليج؟

لن يخرج العرب من المأزق الذي وضعوا فيه أنفسهم ـ عن قصد أو عن غير قصد ـ بترديد أغنية المؤامرة، ولا بالاستمرار في جلد الآخرين، والتهرب من تحمل مسؤولية الفشل ومحاسبة الذات، ولا بالاستقواء بالأجنبي على الشقيق، ولا بالتوسع في شراء السلاح دون بناء الإنسان، ولا بإضعاف اللغة والهوية والانبهار بالآخر.

إن الخروج من هذا المأزق يبدأ بالاعتراف الصريح بأنه صناعة عربية خالصة، وأن العالم لن يرحم العرب ويشفق عليهم لوجه الله، ولا لسواد أعينهم. لن يرحمهم إلا إذا امتلكوا القوة ووجهوها في اتجاه مصالحهم، وهم قادرون على ذلك إن امتلكوا العزيمة والإرادة.

وبالتوازي مع بناء قوة عربية قادرة على الردع، على العرب أن يعلموا كذلك بأن إسرائيل وأمريكا لا تستهدفهم لوحدهم، بل تستهدف كل المسلمين، فالغرب لا يقبل بدولة أو بدول إسلامية قوية، ولعلكم تذكرون ما قاله وزير الحرب الأمريكي في مؤتمر صحفي منذ أيام، حيث قال: "نحن نحارب العدو الإسلامي سواء كان سنيًّا أو شيعيًّا"، ولعلكم تذكرون قبل ذلك أن رئيس وزراء العدو تحدث عن جهوده لتشكيل حلف إقليمي ودولي لمواجهة "المحور الشيعي المنهار" و"المحور السني المتشكل".

خلاصة القول هي أن أمريكا والعدو الصهيوني لا يفرقان في حربهما على الإسلام بين سني وشيعي، فبأي منطق يفرق السني والشيعي في مقاومتهما لما تخطط له أمريكا وإسرائيل من حروب ضد الإسلام والمسلمين؟

لا خلاص من هذا المأزق الذي وضع فيه العرب أنفسهم إلا بإقامة حلف عربي إسلامي قوي يشكل قطبا قويًّا في عالم يسير بخطى حثيثة نحو عالم متعدد الأقطاب، على أن تكون السعودية وإيران وتركيا ومصر وباكستان هي النواة الصلبة لهذا الحلف، وذلك بعد أن تتجاوز تلك الدول أخطاء الماضي وآثار الخلاف الذي فرضته الحرب الحالية. أما الشروط الأساسية لتشكيل هذا الحلف فقد استعرضتها في مقالات سابقة، ولا يتسع المقام لتعدادها واستعراضها من جديد في هذا المقال.

يمكنكم العودة إلى المقالات العديدة التي كتبتها منذ فترة عن ضرورة تشكيل حلف عربي إسلامي، وهو الحلف الذي تظهر ضرورة تشكيله يوما بعد يوم.

حفظ الله بلاد العرب والمسلمين...

محمد الأمين الفاضل

 

 

الأحد، 15 مارس 2026

هل تريدون أن تتكرر فاجعة أخرى؟!


هذه الشاحنة متعطلة قرب الكلم 90 على طريق الأمل، ويمكن أن تلاحظوا أن سائقها وضع "بيدونا أصفر" كبديل للمثلثات العاكسة للضوء ليلا (انظر الصورة).

هناك شاحنة أخرى مغربية متعطلة على طريق الأمل عند الكلم 129 ( تيفكين). يمكنكم أن تلاحظوا قطعة القماش المستخدمة كإشارة تحذير! (انظر الصورة).

بالنسبة لطريق روصو فسنكتفي بهذه الشاحنة التي تعطلت عند الكلم 35 بالضبط، ووضع سائقها قنينة إطفاء (انظر الصورة).

نشير إلى أن الشاحنات المتعطلة على الطريق كثيرا ما تتسبب في حوادث سير مميتة، وقد زرنا في الحملة موقع حادث الكلم 102 على طريق الأمل الذي وقع بعد مغرب الثلاثاء 17 أكتوبر 2023 والذي تسببت فيه شاحنة متعطلة على الطريق، وأدى  إلى وفاة 5 أشخاص فورا من بينهم الداعية المعروف إنجيه ولد زروق (صورة الشاحنة مرفقة خلال زيارتنا لموقع الفاجعة)، وزرنا في العام 2025 موقع حادث سير  وقع قرب قرية اكيمي (21 مايو )، و أدى هو كذلك إلى وفاة 5 أشخاص من نشطاء العمل الخيري بعد ان اصطدمت سيارتهم بشاحنة تعطلت على الطريق.

مساء الثلاثاء الماضي زرنا في الحملة موقع حادث وقع على طريق الميناء وتوفي فيه شابان كانا على دراجة نارية اصطدمت دراجتهما بشاحنة متعطلة على الطريق بعد صلاة المغرب، ولم يكن صاحبها يضع إشارات تحذيرية. 

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير.





ميثاق المواطنة يعزي أسرة بوبكر مسعود


أدى أعضاء من لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة، مساء اليوم، زيارة تعزية ومواساة لأسرة الفقيد الحقوقي البارز بوبكر ولد مسعود، تقديرا لمسيرته النضالية الطويلة في حقوق الإنسان، ولجهوده الكبيرة في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية في موريتانيا.

​ضم الوفد كلا من:

​الوالي السابق صيدو حسن صال.

​الناشط الحقوقي الداه أحمد المختار.

​الناشط في المجتمع المدني باب الشيخ.

​الكاتب محمد الأمين ولد الفاضل.

​وفي سياق متصل، وعقب مداولات أجرتها لجنة الإشراف على الميثاق، تقرر رسميا إطلاق اسم الحقوقي الراحل بوبكر ولد مسعود على "قافلة المواطنة" التي تعدُّ من أهم الأنشطة في برنامج الميثاق للعام 2026.

​تأتي هذه الخطوة الرمزية تقديرا لجهود الراحل في مجال حقوق الانسان وترسيخ قيم المواطنة، وسعيا لإبقاء إرثه النضالي ملهما للأجيال في مسيرة بناء دولة القانون والعدل والمساواة.

#ميثاق_المواطنة

الصورة من اللافتة الجدارية للميثاق، والتي وقعتها في اليوم التوعوي المفتوح أكثر من 100 شخصية وطنية.