الجمعة، 22 مايو 2026

إلى أي نسبة وصل "التخصيب الشرائحي" في موريتانيا؟


من الملاحظ أن هناك تصاعدا مقلقا في الخطابات الحادة والمتطرفة وخطابات الكراهية في الفضاءات العامة، سواء كانت تلك الفضاءات العامة سياسية أو إعلامية أو حقوقية، وهذا مما بات يغذي اليوم الشحن الشرائحي والعرقي القائم على الانتماءات الضيقة، وقد ساهم انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وتنامي تأثيرها خلال العقدين الأخيرين في ذلك.

في حديث هاتفي مع أحد المهتمين بالشأن العام، تعقيبا على مقال نشرته عن الموضوع، فاجأني محدثي بمقارنة لم تخطر لي على بال، وذلك عندما قارن بين مستوى التخصيب في اليورانيوم الذي تسعى بعض الدول للوصول إليه، من أجل أن تكون قادرة على إنتاج سلاح نووي مدمر، وتخصيب الشحن الشرائحي والعرقي في بلادنا، وتساءل محدثي ـ بقلق بالغ ـ عن النسبة التي وصلنا إليها في موريتانيا على مستوى الشحن الشرائحي والعرقي، وهل هذه النسبة باتت قريبة من المستوى الكافي لإحداث انفجار نووي ـ لا قدَّر الله ـ يمس استقرار البلد والانسجام بين مكوناته الوطنية.

قد تبدو مقارنة مُحَدِّثي غريبة نوعا ما، ومتشائمة إلى حد ما، ولكنها مع ذلك، تبقى مقارنة تستحق التأمل، وتستوجب منا في كل الأحوال حماية للسلم الاجتماعي، أن نتابع ـ وباستمرار ـ مقياس أو مؤشر تخصيب الشحن الشرائحي والعرقي في مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا يصل هذا المؤشر إلى مستوى قابل للانفجار النووي، فتقع الكارثة.

وتقتضي متابعة هذا المؤشر أن نحدد أولا الجهات التي تساهم في تصاعد الخطاب الحاد والمتطرف، وأن نعمل ثانيا على الحد من حدة ذلك الخطاب، حتى لا يصل إلى مستوى التخصيب الحرج الذي يمكن أن يحدث انفجارا يهدد وحدة البلد وتماسكه الاجتماعي.  

إن هناك جهات عديدة ساهمت في تصاعد العنف اللفظي وانتشار الخطابات الحادة والمتطرفة خلال العقدين الأخيرين، وسنتوقف في هذا المقام مع اثنتين منها: 

أولا / الأنظمة الحاكمة

إن المسؤول الأول عن تصاعد الخطابات المتطرفة والحادة هو الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد، وذلك لسببين اثنين، أولهما لأنها لم تتمكن من إيجاد حل جذري للمظالم الاجتماعية، وثانيهما لأنها لجأت إلى أخطر الحلول، أي استخدام المسكنات والمهدئات لمواجهة تلك المظالم. صحيح أن هذه المسكنات قد تخفف مؤقتا من مظاهر المرض، ولكنها ـ وهذا هو أخطر ما فيها ـ تزيد دائما من تفاقمه في المستقبل.

فإذا ما عدنا بالذاكرة قليلا إلى الوراء، إلى العقدين الماضيين، فسنجد أن أصحاب الخطابات المتطرفة، كانوا يحظون دائما من دوائر السلطة بمعاملة إيجابية تختلف عن المعاملة السلبية التي يحظى بها أصحاب الخطابات المعتدلة.

فالسلطة أو بعض دوائرها ترى دائما في صاحب الخطاب المتطرف خطرا يجب اسكاته، إما بالترهيب أحيانا، وإما بالترغيب في أحايين أخرى. أما صاحب الخطاب الجامع المعتدل، فهو مأمون الشر، ولذا فيتم في كثير من الأحيان تجاهله، ولا شيء أخطر على المهتم بالشأن العام، سياسيا كان أو إعلاميا أو حقوقيا، من التجاهل المزدوج من الحكومة والشعب.

 فبدلا من العمل على الحل الجذري للمظالم المجتمعية، عملت بعض دوائر السلطة على احتواء من يعبر عن تلك المظالم بخطاب حاد ومتطرف من خلال منحه وظيفة أو مال أو أي امتياز آخر لإسكاته، بل ولدفعه على تبديل خطابه الحاد المتطرف بخطاب متطرف في الاتجاه الآخر، يبالغ كثيرا في تمجيد السلطة وإنجازاتها، وينفي في الوقت نفسه وجود أي مظالم مجتمعية.

قد ترى دوائر السلطة في احتواء ذلك الصوت المتطرف بتلك الطريقة، أنها حققت نجاحا تكتيكيا كبيرا، ولكنها في حقيقة الأمر تكبدت استراتيجيا خسارة فادحة، وذلك لأنها لم تعالج المظالم، وتركت البيئة مناسبة لظهور المزيد من الخطابات المتطرفة، ولأنها ـ بالإضافة إلى ذلك ـ أرسلت بما  منحت لصاحب الصوت المتطرف من إغراءات، رسالة واضحة جدا، وصريحة جدا، وفي منتهى الخطورة، مفادها أن "المناضل" الأكثر تطرفا، والصوت الأعلى حدة، سيكون في الغالب الأعم هو الأسرع في الحصول على الوظائف والمكاسب والامتيازات التي تمنحها السلطة لإسكات معارضيها.  

فالسلطة عندما تمنح امتيازات مغرية لصاحب خطاب متطرف، فإنها بذلك التصرف لا تشتري صمت ذلك المتطرف، بل إنها تعلن ـ قصدت ذلك أم لم تقصد ـ عن عشرات "الامتيازات الشاغرة" لكل من يسلك مستقبلا نهج صاحب ذلك الخطاب المتطرف.

فهل هناك تشجيع للخطابات المتطرفة والحادة أكثر فعالية من هذا الأسلوب الذي تعتمده بعض دوائر السلطة؟

وكمثال على الامتيازات التي يمكن أن تعرضها بعض دوائر السلطة على أصحاب الخطابات المتطرفة، ما ذكره مؤخرا أحد النواب في مقابلة تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي، قال فيها إن أحد الوزراء استدعاه في العام 2024، وقال له إن النظام على استعداد لمنحه نصف مليار أوقية لمساعدته في السياسة. اللافت في الأمر أن هذا النائب هو نفسه الذي تهجم قبل فترة على الدولة الموريتانية ـ لا على النظام الحاكم فقط ـ في منابر دبلوماسية وإعلامية في أوروبا والسنغال، وهو نفسه الذي جاهر بالتضامن والتعاطف مع مجرم أجنبي قتل مواطنا موريتانيا في جريمة تُعَدُّ من بين أبشع الجرائم المسجلة في السنوات الأخيرة.

لستُ بطبيعة الحال من الذين يصدقون هذا النائب في كل ما يقول، فلدي من أقواله المتناقضة ما يكفي للتشكيك في كل ما يقول، ولكن ومع ذلك، فإن ما قاله في تلك المقابلة، يبقى له ما يدعمه، حتى وإن لم نتأكد من صحته، فكم من امتياز ووظيفة وصفقة عمومية منحتها بعض دوائر السلطة خلال العقدين الأخيرين لأصحاب الخطابات المتطرفة؟ 

يمكنكم أن تشغلوا العداد، وسيوصلكم مهما ضعفت ذاكرتكم، إلى رقم مقلق.

وفي المقابل، فإنكم لن تسمعوا عن وزير استدعى نائبا معارضا، من أصحاب الأصوات المعتدلة، ليقول له إن النظام على استعداد لدعمه بالمال، مكافأة له على معارضته الوطنية المسؤولة، والتي يفرق فيها بين النظام الذي يجوز للمعارض أن ينتقده كما يشاء، والدولة التي يجب أن تبقى دائما فوق التجاذبات السياسية بين الأغلبية والمعارضة.

وإذا ما تركنا الترغيب جانبا، وذهبنا إلى أسلوب الترهيب، والذي قد تستخدمه الأنظمة ضد بعض أصحاب الخطابات المتطرفة، فسنجد أن استخدامها لهذا الأسلوب لا يختلف كثيرا عن استخدامها لأسلوب الترغيب، فهي تستخدم أيضا هذا الأسلوب بشكل خاطئ، ذلك أنها قد تتجاوز في أحايين كثيرة بعض الإجراءات القانونية عندما تقرر معاقبة أصحاب الخطاب المتطرف، وفي أحايين أخرى فإنها إذا عاقبت لا تعاقب بصرامة، وقد تطلق سراح من اعتقلته عقابا على تطرفه قبل انتهاء فترة عقابه، فتكون النتيجة في المحصلة النهائية هي أن يحظى صاحب الخطاب المتطرف بتضامن واسع مبرر أو غير مبرر، فيكسب بذلك المزيد من الحضور في المشهد السياسي والإعلامي والحقوقي، وهذا هو ما كان  يسعى إليه أصلا. 

ثانيا/ منصات التواصل الاجتماعي.

إن الخوارزميات في مواقع التواصل الاجتماعي لا تختلف كثيرا عن بعض دوائر السلطة، فهي تتجاهل الخطاب العقلاني والمتزن، وتكافئ أصحاب الخطابات القائمة على الإثارة والتفاهة والتطرف. ولعل من أخطر ما يجهله الكثير من "الطيبين" في مواقع التواصل الاجتماعي، أن كل تعليق غاضب، وكل حملة ضد صاحب الخطاب المتطرف، ستتحول تلقائيا إلى تفاعل، وإلى المزيد من الانتشار لصاحب الخطاب المتطرف. 

وعلى العكس من ذلك، فإن أصحاب الخطاب المعتدل، لا يجدون تفاعلا من الجمهور الذي لا يهتم إلا بالصراعات والخطابات المسيئة وتوافه الأمور، فتغيبهم الخوارزميات لعدم اهتمام الجمهور بهم، وبذلك يقل مستوى تأثيرهم في توجيه الرأي العام، ومع مرور الوقت يبدؤون بالانسحاب، ليتركوا منصات التواصل الاجتماعي للرعاع يتهارجون فيها كيف ما شاؤوا.

إن صاحب الخطاب المعتدل، لا يحصد الإعجابات في منصات التواصل الاجتماعي، ولا يجد اهتماما لائقا من المواطنين، ولا تمنحه السلطة أي اعتبار لأنه مأمون الشر، فتكون نتيجة ذلك، أنه يصاب بالإحباط فينسحب من المعركة مبكرا، كما انسحب إخوة له من قبل، بل إنه قد لا يكتفي بالانسحاب، فربما تستهويه الخطابات الحادة والمتطرفة التي تجد تفاعلا في منصات التواصل الاجتماعي، ويتم تداولها في الصالونات، وتوليها السلطة اهتماما، فيميل إليها ميلا، فيصبح من الذين "يتعاطون" الخطابات ذات الضرر الكبير على الوطن.  

ثالثا / ما الحل؟

يمكن أن نجمل الحل لمواجهة الخطابات الضارة بمختلف أشكالها وأنماطها في أربع نقاط:

1 ـ أن تدرك السلطة وبمختلف دوائرها أن هناك ملفات شائكة لم يعد بالإمكان التعامل معها بالمسكنات أو المهدئات، ولا بأنصاف الحلول، فلا بد لها من حلول جذرية، وعلى رأس تلك الملفات الشائكة تأتي المظالم الاجتماعية والفساد.

2 ـ أن تتوقف بعض دوائر السلطة، وبشكل نهائي، عن منح أي امتيازات من أي نوع لأصحاب الخطابات الضارة بمختلف أشكالها وأنماطها، قصد استقطاب أصحاب تلك الخطابات إلى صفوفها.

3 ـ أن تعاقب وبصرامة ـ دون أي تجاوز للقانون ـ كل من يهدد استقرار البلد والتماسك الاجتماعي بين مكوناته، وألا تلقي بالا لموجات التضامن الغبي التي تُحاول عرقلة أي تطبيق للقانون.

4 ـ توقف انسحاب أصحاب الخطابات المعتدلة والآراء الراشدة من منصات التواصل الاجتماعي. صحيح أن البقاء في هذه المنصات التي سيطر عليها التافهون والمتطرفون والمبتذلون أصبح في غاية الصعوبة، ولكن الحل ليس بالانسحاب ولا برفع الراية البيضاء. اصمدوا واصمدوا ثم اصمدوا، وهذا هو كل ما لديَّ لأقوله لكم إذا ما كنتم تريدون فعلا إيقاف تصاعد مستوى التخصيب الشرائحي والعرقي قبل أن يصل إلى المستوى الحرج.

حفظ الله موريتانيا..

تقرير: 5 وفيات والعديد من الجرحى خلال الأسبوع الأخير


وثَّقت حملة “معا للحد من حوادث السير” خلال الأسبوع الأخير العديد من حوادث السير، أسفرت في المجمل عن وفاة 5 أشخاص على الأقل، وإصابة عدد آخر بإصابات متفاوتة الخطورة، إضافة إلى خسائر مادية معتبرة.

أولا: الحصيلة

• حادث سير على طريق الأمل (الكلم 60)، وقع فجر الخميس 14 مايو 2026، وتسبب في وفاة 3 أشخاص، وإصابة 3 آخرين، والسبب المرجح للحادث السرعة المفرطة.

• حادث سير في مدينة سيلبابي، يوم الجمعة 15 مايو 2026، تسبب في عدة إصابات وأضرار بمنزل، والسبب السرعة المفرطة.

• حادث سير في مدينة لعيون، يوم الأحد 17 مايو 2026، أدى إلى وفاة طفلة صغيرة من مواليد العام 2017، وذلك بعد أن دهستها سيارة متهالكة تُستخدم لنقل الحصى والحجارة، يقودها سائق أجنبي، والسبب المرجح للحادث السرعة المفرطة.

• حادث سير على طريق أكجوجت (الكلم 65)، يوم الثلاثاء 19 مايو 2026، تسبب في 4 إصابات، بينها إصابات بالغة وحرجة.

• حادث سير بمدينة نواذيبو (منطقة كبانو)، مساء الثلاثاء 19 مايو 2026 تعرضت له فتاة كانت تتدرب على قيادة السيارة، والخسائر مادية فقط.

• حادث سير عند مدخل مدينة النعمة الشرقي، وقع ليلا (الثلاثاء 19 مايو 2026) عند معبر “البهكة”، وأدى إلى وفاة شخص وإصابة آخرين.

ثانيا: ملاحظات ومطالب

تؤكد حملة “معا للحد من حوادث السير” أن هذه الحصيلة الثقيلة تمثل فقط ما تمكنت الحملة من جمعه والتأكد من صحته بوسائلها التقليدية، ومن الراجح أن يكون عدد الحوادث أكثر والخسائر أكبر من المنشور في هذا التقرير.

وفي هذا السياق، تجدد الحملة دعوتها للجهات الحكومية والأمنية لنشر المعطيات الدقيقة المتعلقة بحوادث السير بشكل فوري، أو تزويد الحملة بتلك المعطيات لنشرها. وتبقى التفاصيل المتعلقة بأماكن وقوع الحوادث، وتوقيت وقوعها، وأسبابها، وعدد الضحايا من المعلومات المهمة التي تمكن من إطلاق حملات توعوية جادة وفعالة تستند إلى معلومات ومعطيات دقيقة.

ثالثا: التحذير من السباقات والقيادات المتهورة

رصدت الحملة خلال الأيام الماضية عودة السباقات المتهورة التي يقوم بها بعض الشباب، وهو ما يستلزم التذكير من جديد بمخاطر تلك السباقات، وخصوصا في فترة الأعياد، والتي يكثر فيها تأجير واقتناء الشباب للسيارات، كما تكثر فيها كل أنماط السياقة المتهورة.

ونظرا لقرب عيد الأضحى المبارك، فإننا في الحملة ندعو السلطات الأمنية ووكالات تأجير السيارات والأسر إلى مضاعفة الجهود للتصدي للقيادة الاستعراضية والمتهورة التي يقوم بها بعض الشباب، تجنبا للمزيد من الحوادث خلال أيام العيد، والتي هي أيام أفراح، ولا نريدها أن تتحول إلى أيام أحزان ومآسي لدى بعض الأسر.

رابعا: دعوة للمزيد من التوعية

في الوقت الذي تتحدث فيه وزارة التجهيز والنقل عن تخصيص مبلغ 160 مليون أوقية قديمة ضمن ميزانية 2026 للتوعية والتحسيس ضد حوادث السير، نسجل في الحملة استمرار ضعف الأنشطة التوعوية والتحسيسية التي تقوم بها الوزارة أو الأجهزة الأمنية المعنية بالسلامة الطرقية.

ونشير في هذا الإطار إلى غياب أي نشاط توعوي للوزارة بمناسبة الأسبوع العربي للسلامة الطرقية (4 ـ 10 مايو)، أما بالنسبة لتخليد اليوم الافريقي للسلامة الطرقية، واليوم العالمي لتذكر ضحايا حوادث السير، فقد غيرت الوزارة موعد تخليدهما مما يعكس مستوى من عدم الجدية بخصوص التوعية والتحسيس في مجال السلامة الطرقية.

أخيرا، تجدد الحملة دعوتها للحكومة إلى تبني "نداء جوك للسلامة الطرقية"، باعتباره خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا، كما تدعو جميع الفاعلين، من سلطات عمومية، وأجهزة أمنية، وأئمة، ومنظمات مجتمع مدني، وإعلام، وفاعلين تربويين، إلى التعامل مع حوادث السير باعتبارها قضية وطنية كبرى تستنزف الأرواح والطاقات والموارد بشكل يومي.

نواكشوط بتاريخ: 21 مايو 2026

حملة معا للحد من حوادث السير.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

الثلاثاء، 19 مايو 2026

بأي منطق يُغَيَّبُ التمييز الإيجابي القطاعي؟


أستغرب دائما من عدم مطالبة من يرفعون شعار الدفاع عن الفئات الهشة والمغبونة بتمييز إيجابي على مستوى القطاعات الإنتاجية والخدمية، وذلك في وقت يركزون فيه على المطالبة بتمييز إيجابي في التوظيف. فلماذا التركيز على هذا المطلب دون غيره، وهل ستشكل الاستجابة لهذا المطلب حلا سحريا لكل مشاكل وهموم الفئات الهشة في بلادنا؟

إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي التوقف عند جملة من النقاط لعل من أبرزها:

الأولى: التوظيف مجرد حل فردي لأزمة شاملة

إن الوظائف في القطاع العمومي محدودة أصلا، ورواتبها متدنية، ومن الصعب جدا أن يتحسن حال الموظف في القطاع العمومي بشكل ملموس من خلال راتبه فقط. فحتى ولو افترضنا تخصيص كل الوظائف في القطاع العام للفئات الهشة، وهي وظائف محدودة أصلا، وهذا يستحيل عمليا، فحتى ولو افترضنا ذلك، فإن حال من تم توظيفهم لن يتغير كثيرا، اللهم إلا إذا نهبوا المال العام، وتلك قصة أخرى.

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن التمييز الإيجابي في التوظيف قد يحل ـ وبصعوبة ـ مشاكل فردية، لكنه لن يحل مشاكل الغبن والتهميش بشكل عام، والتي تعاني منها فئات واسعة في المجتمع. 

الثانية: خدعة المناصب السامية

إذا ما تجاوزنا الوظائف العادية، إلى الوظائف العليا والسامية، فسنجد أن الأمر لن يختلف كثيرا. ولتبيان ذلك، فسأكتفي بتقديم أمثلة محددة عن انعدام الأثر الإيجابي على شرائح ومكونات ومناطق من مُنِحوا تلك الوظائف السامية.

فإذا كنتم تريدون أمثلة محددة من الواقع، فخذوا هذه الأمثلة السريعة: هل تذكرون أول رئيس للبرلمان الموريتاني في عهد نظام ولد الطايع، فبماذا استفادت شريحته ـ وهي قليلة العدد نسبيا ـ خلال فترة رئاسته للبرلمان؟ يمكنني أن أقول ـ وبكل اطمئنان ـ إجابة على هذا السؤال: لا شيء، لا شيء إطلاقا. وبماذا استفادت ولاية الحوض الشرقي من احتكار الوزارة الأولى لربع قرن تقريبا، فهل استفادت الولاية تنمويا، وهل تحسنت وضعية ساكنتها، أم أن التحسن اقتصر فقط على الأسر الضيقة للوزراء الأول المنحدرين من تلك الولاية؟ لا أظنني بحاجة لأن أجيب على هذا السؤال.

سؤال آخر: هل لاحظتم تحسنا ما ـ حتى ولو كان ضعيفا ـ في أوضاع الفئات الهشة حدث في عهد الوزير الأول السابق، ولم يحدث في عهد الوزير الأول الحالي أو الأسبق؟

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة، هي أن الوظائف السامية قد تمتص قليلا من عدم رضا قبيلة أو شريحة أو جهة، ولكنها لا تترك اثرا تنمويا على تلك القبيلة أو الشريحة أو الجهة.

الثالثة: المحاصصة ليست حلا

كثيرا ما تقود المحاصصة إلى كوارث، فهذا ما تقوله تجاربها في لبنان والعراق وفي دول أخرى. ومع ذلك أجدد القول: إني لستُ ضد التمييز الإيجابي في التوظيف، ولكن إن خُيِّرتُ بين حكومة من الموظفين الأكفاء والمستقيمين، لا تربطني بهم أي صلة قبلية أو جهوية أو عرقية، وحكومة من الفاسدين ينتمون إلى قبيلتي أو جهتي، لاخترت الأولى دون تردد.

 خلاصة القول بخصوص هذه النقطة، هي أن الموظف الكفء والمستقيم سيصل نفعه إلى الجميع عندما يُعَيََّن، أما الموظف الفاسد أو غير الكفء فإن ضرره سيعمُّ الجميع، بمن في ذلك أبناء قبيلته أو شريحته أو مدينته.

الرابعة: القطاع غير المصنف هو شريان الحياة للفئات الهشة

إن ما يمكن أن يُحَسِّن وبشكل ملموس من واقع الفئات الهشة هو التمييز الإيجابي على مستوى القطاعات الإنتاجية والخدمية، وخاصة منها القطاع غير المصنف الذي يعتبر شريان حياة لآلاف الأسر الهشة.

 هناك آلاف الأسر الهشة التي أصبحت مهددة في مصادر رزقها، نتيجة للتطور الحاصل في المدن الكبرى، ونتيجة كذلك لتدفق المهاجرين إلى بلادنا. فعندما تظهر مثلا "مجزرة عصرية" في حيّ ما، افتتحها موريتاني متوسط الحال، أو افتتحها أجنبي مقيم في البلاد، فإن ذلك سيعني أن عددا ليس بالقليل من الجزارين الصغار في ذلك الحي ممن لا يملكون إلا طاولات من الخشب يتجمع حولها الذباب سيضطرون في النهاية إلى البحث عن مصادر أخرى للرزق. نفس الشيء يحدث عندما تُفتح "مغسلة عصرية في الحي"، أو محل عصري لبيع الخضروات.

إن توفير التمويل لصغار الجزارين، وبائعات الخضروات، والعاملين في غسل الثياب وغيرهم من أصحاب المهن الصغيرة، سينقذ آلاف الأسر الهشة من منافسة غير متكافئة.

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن المطالبة بإنشاء وكالة خاصة بالقطاع غير المصنف، يجب أن تكون من أهم المطالب التي يرفعها من يهتم حقا بالفئات الهشة.

الخامسة: محاربة التهميش تبدأ من إصلاح التعليم

إن تطوير المدرسة الجمهورية، وتحسين جودة التعليم العمومي، وتوسيع برامج الكفالات والمنح والإطعام المدرسي في المناطق الأكثر هشاشة، والاهتمام بالتكوين المهني للمتسربين من المدارس، أو الذين لم يدرسوا أصلا، ستبقى هي الوسائل الأكثر فعالية لكسر دائرة الفقر والتهميش والغبن. يمكن أن نضيف للتعليم توفير الصحة، والماء، والكهرباء إلى غير ذلك من الخدمات الأساسية في المناطق الهشة، فغياب هذه الخدمات عن المناطق الهشة يعتبر من أخطر أشكال التهميش.

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن التعليم سيبقى هو الوسيلة الأكثر فعالية لمواجهة الغبن والتهميش، حتى وإن كانت ثماره لا تحصد بشكل فوري ومباشر.

السادسة: من يحارب الفساد يقضي على التهميش

إن على من يرفع شعار الدفاع عن المهمشين، أن يكون من أول المطالبين بمحاربة الفساد، فالحكومات عندما تخصص موارد ضخمة للتعليم أو لتمويل المشاريع الصغيرة في القطاع غير المصنف مثلا، دون أن تحارب الفساد، فسيعني ذلك أن المهمشين لن يستفيدوا من تلك الموارد المخصصة لهم نظريا في تبويبات الميزانية، فكل مبلغ يُنهب من المال العام، وكل مشروع يُنفذ بطريقة سيئة، وكل توظيف عن طريق الزبونية والمحسوبية، إنما يُقتطع في النهاية من حق الفقير المهمش في التعليم والصحة والماء والكهرباء والعمل، ولهذا، فإن أي حديث عن إنصاف الفئات الهشة لن يكون جادا إذا لم تصاحبه حرب حقيقية وصارمة على الفساد.

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن القضاء على التهميش يبدأ وينتهي بمحاربة الفساد. 

السابعة: لنطرح السؤال مرة أخرى

فلماذا يركز كثير من الذين يرفعون شعار الدفاع عن الفئات الهشة على المطالبة بالتمييز الإيجابي في الوظائف، ويتجاهلون ما هو أهم: المطالبة بالتمييز الإيجابي على مستوى القطاعات الإنتاجية والخدمية؟ فهل السبب يعود إلى أن التمييز الإيجابي في التوظيف ستعود ثماره على المطالبين به دون غيرهم وهم فئة قليلة جدا، في حين أن التمييز الإيجابي في القطاعات الإنتاجية والخدمية ستنعكس آثاره على أعداد كبيرة جدا من الفئات الهشة.

وبعبارة أكثر وضوحا، فإن ثمار التمييز الإيجابي في الوظائف ستعود حصرا على نخبة الفئات الهشة، وثمار التمييز الإيجابي في القطاعات ستعود على عامة الفئات الهشة، ونحن في هذه البلاد قد تعودنا من مختلف نخبنا أن تتاجر بقضايا جماهيرنا الكادحة.

إن تركيز قادة وواجهات الحركات التي ترفع شعارات حقوقية أو أيديولوجية أو سياسية على المطالبة بالتوظيف والامتيازات الشخصية ليس بالأمر الجديد في بلادنا، فالحركات الإيديولوجية من كادحين وناصريين وبعثيين وإسلاميين لم تتمكن من تحقيق الكثير من مطالبها، بسبب أن العديد من قادتها كانوا يبحثون عن وظائف وامتيازات شخصية على حساب "الشعارات المرفوعة"، ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن حركة الحر في مرحلة لاحقة، وعن الكثير من الأحزاب السياسية التي رفعت شعارات مطالبة بالتغيير.

ختاما، وبكلمة واحدة: عندما تنحصر المطالب، حقوقية كانت أو سياسية أو إيديولوجية في التوظيف والامتيازات الشخصية والمحاصصة، فلتعلموا حينها، أن ذلك سيكون على حساب "القضية"، أيًّا كانت تلك القضية.

حفظ الله موريتانيا..

الاثنين، 18 مايو 2026

نداء ميثاق المواطنة لوقف خطاب الكراهية وتعزيز اللحمة الوطنية


تشهد منصات التواصل الاجتماعي منذ فترة نقاشات حادة وبالغة الخطورة، تصل في بعض الأحيان إلى خطابات كراهية، وقد تصاعدت حدة تلك النقاشات بعد سجن نائبتين من حركة إيرا، طرح سجنهما إشكالات قانونية وسياسية؛ فمن جهة، هناك خطاب كراهية يمس السلم الاجتماعي، لا بد أن يتوقف، ولم يعد إفلات مروجي ذلك الخطاب من العقوبة مقبولا، ومن جهة أخرى، هناك تجاوز واضح للمساطر القانونية الناظمة للحصانة البرلمانية، حسب تقدير العديد من القانونيين.

وإذا ما استمر هذا الخطاب المنفلت من أي ضوابط قانونية أو أخلاقية بين المتطرفين من كل الشرائح والمكونات، وإذا لم تُتَّخذ إجراءات حازمة وصارمة لوقف نشره وبثه في مواقع التواصل الاجتماعي، فإننا سنجد أنفسنا أمام مخاطر جدية وحقيقية تهدد الانسجام المجتمعي والسلم الوطني. وللتذكير فإن حرب الإبادة التي عرفتها رواندا ـ والتي تُستحضر اليوم في بعض الخطابات ـ بدأت بخطابات كراهية، مجرد عبارات كانت تبث عبر إذاعة محلية، قد تبدو للبعض بسيطة، من قبيل: " اقطعوا الأشجار الطويلة”، و“الصراصير التي تزحف بيننا، يجب سحقها” قادت إلى واحدة من أكثر الحروب الأهلية وحشية في عصرنا الحديث، تحولت فيها المعاول والفؤوس إلى أسلحة قاتلة، فقتل الجار جاره، والزوج زوجته، بل وأبناءه أحيانا، فكانت الحصيلة مقتل 800 ألف رواندي خلال 100 يوم فقط.

فلنأخذ الدروس والعبر من الدول التي أوصلتها خطابات الكراهية إلى فتن وحروب داخلية، ولنسارع في اتخاذ كل الإجراءات التي من شأنها أن توقف تلك الخطابات، ولنطالبَ الحكومة بالمسارعة في وتيرة مكافحة آثار كل أشكال الغبن والتهميش، ولنطالبها كذلك بوقف خطابات الكراهية، وفرض هيبة الدولة وسيادة القانون، دون المساس بالحريات العامة؛ إيماناً منا بأن قوة الدولة وهيبتها لا تقاس فقط بالصرامة في معاقبة من يتجاوز القانون، بل تقاس أيضاً بمدى احترام حقوق المتهمين، من خلال الالتزام بالإجراءات القانونية، وتوفير كل الضمانات لمحاكمات عادلة.

ولتحقيق ذلك، فإننا نقترح في ميثاق المواطنة خطة من ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: إصدار عفو شامل

يتم في هذه المرحلة إصدار عفو يشمل جميع المسجونين من مختلف الشرائح والمكونات على خلفية قضايا مرتبطة بخطابات الإساءة والكراهية، وذلك بهدف تهدئة المناخ العام، وفتح صفحة جديدة لا تسامح فيها مع خطابات الكراهية. إن هذا العفو يجب ألا يفهم على أنه تبرئة لخطابات التحريض والكراهية، وإنما يأتي في إطار مواجهة هذه الخطابات على أسس قوية وصلبة تحظى بدعم مجتمعي واسع.

المرحلة الثانية: إطلاق حملة وطنية كبرى ضد الخطابات المسيئة

بعد العفو عن السجناء يتم إطلاق حملة وطنية كبرى حول مخاطر خطابات الإساءة والكراهية، تهدف إلى:

ترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيز احترام المكونات الوطنية كافة.

تسريع وتيرة تنفيذ البرامج المتعلقة بمكافحة آثار الغبن والتهميش.

محاصرة كل أشكال خطابات التمييز العنصري والإساءة والكراهية. 

المرحلة الثالثة: الصرامة في تطبيق القانون

بعد مرحلة التهدئة والتوعية، تدخل البلاد في مرحلة جديدة يطبق فيها القانون بشكل صارم وحازم على الجميع دون أي تسامح أو تمييز، مع التأكيد على أن ذلك يجب أن يتم وفق الضوابط القانونية للمحاكمة العادلة، دون أي انتقائية أو توظيف سياسي، لضمان التمييز بين النقد المشروع الذي يكفله القانون للجميع، والمساس بأعراض الناس أو التحريض على المكونات، وهو ما يحرمه القانون على الجميع.

وفي الختام، فإننا نجدد الدعوة إلى تبني “ميثاق المواطنة”، واعتماده كوثيقة وطنية لترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز التماسك المجتمعي.

نواكشوط بتاريخ: 17 مايو 2026

لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة.

الأربعاء، 13 مايو 2026

هل المحاصصة هي الحل السحري لمشاكل التهميش؟


لا أظن أن هناك رئيسا من الرؤساء الذين عشتُ فترة حكمهم بوعي وإدراك، اهتم بالفئات الهشة كما اهتم بها الرئيس الحالي، وفي اعتقادي أنه يمكننا أن ننتقد النظام القائم ـ صدقا أو كذبا ـ في مجالات عديدة، ولكن من الصعب جدا أن ننتقده بموضوعية لعدم اهتمامه بالفئات الهشة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن نطرحه في أيام الناس هذه: لماذا تصاعدت الانتقادات لهذا النظام، ممن يرفع شعارات الدفاع عن الفئات الهشة، بحجة أن النظام لم يهتم بتلك الفئات؟

إن أسباب ذلك متداخلة، فبعضها يتحمله النظام، وبعضها الآخر يتحمله المتاجرون بقضايا الفئات الهشة، وفي المجمل فإن هذه الأسباب يمكن أن نتلمسها في النقاط التالية:

1 ـ الإنجاز لا يصبح إنجازا إلا إذا شعر به المستهدف

إن أي إنجاز، مهما كان حجمه، سيبقى ناقصا إذا لم يشعر به المواطن المستهدف. وفي هذه النقطة، فإن أكثر من يستحق النقد هو الأذرع السياسية والإعلامية للنظام، لأنها فشلت ـ وخاصة المؤسسات الإعلامية الرسمية التي تُنفق عليها ميزانيات ضخمة ـ في تسويق ما تحقق لصالح الفئات الهشة خلال السنوات الأخيرة، وفشلت كذلك في تحويل المنجز إلى شعور إيجابي لدى المستفيدين.

2ـ ضعف أداء بعض المؤسسات المعنية بالفئات الهشة

هناك مؤسسات حُظيت في هذا العهد بدعم مالي ومعنوي كبير، مثل "تآزر"، ورغم ما حققت تآزر من نتائج ملموسة، فقد بقي أداؤها في المجمل بعيدا عن حجم الأموال التي صُرفت عليها، والآمال التي عُلِّقت عليها. فالفارق ما زال كبيرا بين الإمكانات الهائلة المتاحة لتأزر ولغيرها من المؤسسات المعنية بالفئات الهشة، وحجم الأثر الملموس في حياة المواطنين المستهدفين.

3ـ اختلال الأداء في بعض القطاعات الخدمية والإنتاجية المرتبطة بشكل مباشر بحياة الفئات الهشة، والتي كان يفترض أن يخضع القائمون عليها لرقابة صارمة ومحاسبة قاسية، لأن أي فساد أو تقصير فيها سيدفع ثمنه الفقراء بشكل مباشر. فالموظف الذي يفسد أو يهمل عمله في قطاع خدمي حساس يجب أن يُحاسب حسابا عسيرا، حتى يكون عبرة لغيره، وحتى يشعر المواطن الفقير بأن الدولة لا تجامل من يتهاون في خدمته.

4  ـ المتاجرة بمعاناة الفئات الهشة

هناك بالفعل أصوات تريد نصيبا من موارد الدولة بوجه حق أو بغير حق، على حساب المهمشين، وهي لا تتردد في المتاجرة بقضايا المهمشين للحصول على نصيب من تلك الموارد. هذه الأصوات تحاول إقناع الرأي العام الوطني بأن التهميش سببه غياب أفراد من مكونات أو قبائل أو جهات معينة عن المناصب، مع أن التجربة أثبتت أن تعيين أشخاص باسم القبيلة أو الجهة أو الشريحة لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع تلك القبيلة أو الجهة أو الشريحة.

فعندما يُعيَّن شخص باسم قبيلته، فإن المستفيد الحقيقي يكون أسرته الضيقة فقط، بل إن بعضهم قد يعمل على إقصاء أبناء قبيلته الآخرين، حتى لا ينافسوه لاحقا في الامتيازات التي تمنحها الدولة. ويمكن أن نقول هذا الكلام عن الذي يُعين باسم شريحته، أو مكونته، أو جهته، وهناك أمثلة عديدة تبيّن بشكل واضح جدا، أن التعيين على أساس القبيلة أو الشريحة لا يفيد القبيلة ولا الشريحة، وهي أمثلة حاضرة في ذهني الآن، ولكن المقام لا يسمح بذكرها.

سأكتفي على السريع بذكر أمثلة تتعلق بانعكاس الوظائف على المناطق والجهات، فمثلا ولاية إنشيري هي الولاية الوحيدة في بلادنا، التي ينتسب إليها رئيسان حكما البلد، هذا بالإضافة إلى كونها ولاية معدنية، ومع ذلك فحالها اليوم لا يمكن أن تحسدها عليه ولاية أخرى، وولاية الحوض الشرقي احتكرت الوزارة الأولى لما يقارب ربع قرن، فهل انعكس ذلك إيجابيا على واقع الولاية أو على ساكنتها؟ ألا تعدُّ مدينة تجكجة من المدن الأكثر أطرا في البلاد، أوَ ليست كذلك هي المدينة الأكثر فقرا والأكثر عزلة في البلاد؟

لو خُيِّرتُ شخصيا، بين حكومة من الموظفين الأكفاء والمستقيمين، لا تربطني بهم أي صلة قبلية أو جهوية أو عرقية، وحكومة من الفاسدين ينتمون إلى قبيلتي أو جهتي، لاخترت الأولى دون تردد. فالموظف الكفء والمستقيم سيصل نفعه إلى الجميع، أما الموظف الفاسد أو غير الكفء فإن ضرره سيعم الجميع، بمن في ذلك أبناء قبيلته أو مكونته.

ما الذي تحتاجه الفئات الهشة فعلا؟

إذا كنا جادين فعلا في السعي إلى تحسين أوضاع الفئات الهشة، فإن التركيز يجب أن يكون المطالبة بتمييز إيجابي لصالح بعض القطاعات الخدمية والانتاجية التي ترتبط بها أرزاق تلك الفئات الهشة، أكثر من المطالبة بتمييز إيجابي في التوظيف لأبناء تلك الفئات، فالتمييز الإيجابي في الوظائف ـ وأنا لستُ ضده ـ سيبقى ضعيف الأثر، ذلك أن وظائف الدولة محدودة أصلا، ثم إن الرواتب التي تمنحها الدولة متدنية في مجملها، ولن تُحَسّن من حال المستفيد منها، اللهم إلا إذا كان عازما على النهب والفساد، وتلك قصة أخرى.

فإذا كنا جادين فعلا في تحسين أوضاع الفئات الهشة، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر المحاصصة وتقاسم المناصب، وإنما عبر سياسات عمومية ذكية وعادلة، تستهدف القطاعات التي تستوعب أكبر عدد من الفقراء والمهمشّين، ومن أبرز تلك السياسات:

1 ـ الاستثمار المكثف في التعليم النوعي

وذلك من خلال المسارعة في وتيرة تطوير المدرسة الجمهورية، وتحسين جودة التعليم العمومي، وتوسيع برامج الكفالات والمنح والإطعام المدرسي في المناطق الأكثر هشاشة، لأن التعليم الجيد سيبقى هو الوسيلة الأكثر عدالة وفعالية لكسر دائرة الفقر والتهميش.

2 ـ المزيد من الاهتمام بالتكوين المهني وربطه بسوق العمل

إن الكثير من أبناء الفئات الهشة يغادرون المدرسة مبكرا، وهؤلاء يحتاجون إلى مراكز تكوين مهني حقيقية تمنحهم مهارات مطلوبة في سوق العمل، بدل تركهم ضحية للبطالة والجريمة.

3 ـ إصلاح عقاري عادل ومنتج

ويكون ذلك بتمكين المواطنين الفقراء من النفاذ إلى الأرض، ومنح الأراضي لمن يستغلها فعليا، مع تشجيع الزراعة المطرية والريفية، لأن الأرض المنتجة يمكن أن تتحول إلى مصدر استقرار اقتصادي واجتماعي دائم.

4 ـ دعم التعاونيات والاقتصاد الريفي

دعم التعاونيات النسوية والشبابية، عبر التمويل والتأطير وتسويق المنتجات، حتى تنتقل إلى أدوات إنتاج حقيقية توفر دخلا مستقرا للأسر الهشة.

5 ـ حماية القطاع غير المصنف وتطويره

تعيش آلاف الأسر من المهن الصغيرة والهشة، مثل الباعة الصغار، والحرفيين، والعاملين في الخدمات البسيطة. وهؤلاء يحتاجون إلى برامج تمويل صغيرة، وتأمين صحي، وتسهيلات مهنية، حتى لا يصبحوا خارج الدورة الاقتصادية، بفعل منافسة المهاجرين، والتطور الحاصل في تلك المهن.

6 ـ تحسين الخدمات الأساسية في الأحياء والقرى الهشة

إن الفئات الهشة لا تحتاج فقط إلى الوظائف، بل تحتاج أيضا إلى مدارس جيدة، ومراكز صحية فعالة، ومياه، وكهرباء، وطرقات، ونقل عمومي. فغياب هذه الخدمات هو أحد أخطر أشكال التهميش.

7 ـ تغيير العقليات وترسيخ ثقافة العمل والكفاءة

لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض إذا ترسخت فيه عقلية انتظار الدولة أو البحث عن الامتيازات على أساس الانتماء. المطلوب هو إطلاق حملات توعوية واسعة لترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والاعتماد على الذات، وربط النجاح الشخصي بالكفاءة والجدارة لا بالقبيلة أو الشريحة أو الجهة.

8 ـ المحاربة الجادة للفساد، وهذه أهم من كل ما سبقها

إن الفساد هو العدو الأول للفئات الهشة، وهذا ما يتجاهله الكثيرون ممن نصبوا أنفسهم متحدثين باسم الفئات الهشة، فكل مبلغ يُنهب من المال العام، وكل مشروع يُنفذ بطريقة فاسدة، وكل توظيف يتم بالمحسوبية، إنما يُقتطع في النهاية من حق الفقير في التعليم والصحة والماء والكهرباء والعمل ولهذا، فإن أي حديث عن إنصاف الفئات الهشة لن يكون جادا إذا لم يترافق مع حرب حقيقية وصارمة على الفساد.

ختاما: إن إنصاف الفئات الهشة لا يتحقق بالشعارات، ولا بالمتاجرة السياسية، ولا بتوزيع المناصب على أساس الانتماءات، وإنما يتحقق ببناء دولة عادلة، تحارب الفساد بجد، وتولي الاهتمام بالكفاءات، وتمنح فرصا متساوية في التعليم والصحة والتشغيل لجميع أبنائها.

حفظ الله موريتانيا..

الاثنين، 11 مايو 2026

تعليق سريع على مهرجان أقطاب المعارضة


نجحت أقطاب المعارضة الموريتانية، في اختيار التوقيت المناسب لمهرجانها، والتوقيت في العمل السياسي لا يقل أهمية عن الحشد، ولا عن قوة الخطاب السياسي. لقد جاء توقيت المهرجان في لحظة سياسية واجتماعية تبدو مناسبة أكثر لتحريك الشارع واستعادة المبادرة.

فالمهرجان نُظّم في ظل أزمة اقتصادية عالمية مرتبطة بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وهي أزمة دفعت الحكومة الموريتانية ـ كما دفعت حكومات أخرى ـ إلى رفع أسعار المحروقات، وهو ما انعكس سلبا على الظروف المعيشية للمواطنين.

كما جاء هذا المهرجان بعد الحكم على نائبتين من حركة “إيرا” بالسجن النافذ لأربع سنوات، وضمن ذلك انخراط الحركة وزعيمها في النشاط المعارض. ومن المعروف أن العلاقة بين “إيرا” وبقية أطراف المعارضة ظلت، خلال السنوات الماضية، علاقة متذبذبة؛ إذ نادرا ما حدث تنسيق قوي ومستمر بين الطرفين، بل إن الحركة وُجهت إليها في بعض المحطات اتهامات بإرباك العمل المعارض في اللحظات الحساسة، كما حدث عند حرق بعض الكتب الفقهية، في أوج احتجاجات المعارضة في تلك الفترة، أو خلال المشاركة في رئاسيات 2014 التي قاطعتها في ذلك الوقت المعارضة عن بكرة أبيها.

ثم إن المهرجان ـ وهذا مما يجعل توقيته مناسبا ـ أتى في وقت يشهد فيه مسار الحوار السياسي تعثرا واضحا، وتعثر الحوار يدعم حجة المعارضين الداعين للاحتجاج، فتحريك الشارع يصبح هو الخيار البديل للمعارضة عندما يتعطل الحوار، وتغيب مظاهر التهدئة السياسية.

لهذه الأسباب الثلاثة، يمكن القول إن المعارضة وُفقت كثيرا ـ من الناحية السياسية لا الأخلاقية ـ في اختيار التوقيت المناسب لمهرجانها. غير أن الحديث عن التوقيت المناسب يفرض التوقف عند ملاحظة لا تقل أهمية، وهي أن هذا المهرجان يُعد أول مهرجان تنظمه المعارضة مجتمعة منذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، أي بعد أكثر من ست سنوات كاملة. ومن هذه الزاوية تحديدا، وحسب توقيت ساعة جمهور المعارضة، فإن المهرجان قد تأخر لسنوات عن توقيته المناسب.

وإذا ما تركنا التوقيت جانبا، وقارنا هذا المهرجان بمهرجانات المعارضة في الفترات السابقة، فسنجد أن هناك عناصر ثابتة في المشهد المعارض، وأخرى جديدة تستحق أن نتوقف عندها بشكل سريع.

أولى هذه الملاحظات أن المعارضة الموريتانية كانت، في العهود السابقة، تنجح غالبا في الحفاظ على حد أدنى من الوحدة والتنسيق، خاصة في القضايا المتعلقة بالمهرجانات الجماهيرية والبيانات السياسية الموقعة من كل أطيافها، ولم تكن الانقسامات الحادة تظهر عادة إلا عند اقتراب الانتخابات أو عند طرح السلطة لمبادرات حوار تقبلها بعض الأطراف وترفضها أخرى.

أما الجديد خلال السنوات الست الأخيرة، فهو أن المعارضة عاشت حالة انقسام غير مسبوقة في ظروف ما كان لها أن تنقسم فيها، واستمر هذا الانقسام حتى في الفترات التي لم تكن فيها انتخابات ولا حوارات فعلية، رغم أن الحديث عن الحوار ظل حاضرا بقوة في الخطاب السياسي العام خلال السنوات الست الماضية.

ومن المؤشرات على هشاشة التنسيق القائم حاليا في صفوف المعارضة، أن المعارضة لم تستطع تنظيم مهرجانها تحت شعار موحد، وهذا تفصيل قد يبدو بسيطا في الظاهر، لكنه يحمل دلالة سياسية واضحة على أن التنسيق بين مكونات المعارضة ما يزال ضعيفا، وأن بناء جبهة معارضة متماسكة مازال بعيد المنال.

ومن بين المظاهر الثابتة في العمل المعارض الموريتاني، الحضور المتكرر لشخصيات محسوبة على أنظمة سابقة في أنشطة المعارضة، وهذا ما حدث في مهرجان المعارضة الأخير، فقد ظهر في هذا المهرجان أنصار الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.

لقد بدأ حضور شخصيات من أنظمة سابقة في أنشطة المعارضة، وتصدر البعض منهم لتلك الأنشطة، منذ الإطاحة بالرئيس السابق معاوية ولد الطايع، واستمر ذلك خلال العهود اللاحقة، ولذا فلم يكن غريبا ظهور أنصار الرئيس السابق في مهرجان المعارضة الأخير.

إن هذه التحالفات قد تكون مفيدة من الناحية التكتيكية للمعارضة، فهي قد تساعد في زيادة الحضور للأنشطة، لكنها من الناحية الاستراتيجية تربك الجمهور، وتُضعف من قوة الخطاب المعارض.

ومما يجب التوقف عنده في ختام هذا التعليق السريع على مهرجان المعارضة، أن هذا المهرجان جاء بعد يوم واحد فقط من نشاط نظمه حزب الإنصاف. إن هذا التزامن بين النشاطين المنظمين من طرف حزب الإنصاف وأقطاب المعارضة، بعد طول انتظار، يعبر عن “توازن في الضعف” تعيشه الأغلبية والمعارضة على حد سواء.

ومن الواضح أن هناك محاولات داخل الأغلبية والمعارضة للخروج من توازن الضعف هذا، ويبقى السؤال: أي الفريقين سيكون أكثر قدرة على تجاوز نقاط ضعفه، ليحتل صدارة المشهد السياسي خلال السنوات القادمة، والتي هي سنوات حاسمة ـ وبلا شك ـ في تحديد مصير كليهما؟

ذلك سؤال سأتركه مفتوحا لمن أراد أن يجيب عليه.

حفظ الله موريتانيا...

الأحد، 10 مايو 2026

هل كان مهرجان المعارضة حاشدًا أم ضعيف الحضور؟


طالعتُ العديد من التعليقات على مهرجان المعارضة مساء اليوم، وكانت ــ كما جرت العادة في هذا النوع من الأنشطة ــ تنقسم إلى قسمين:

■ تعليقات بمزاج معارض قالت إن المهرجان كان حاشدًا، وإن الحضور كان غير مسبوق؛

■ تعليقات بمزاج موالٍ قالت إن المهرجان كان ضعيفًا جدًا، وإن الحضور جاء دون التوقعات.

لم يقل أحد، في المنشورات التي طالعتُ، إن الحضور كان متوسطًا؛ فكل المنشورات التي قرأتُها توزعت بين فسطاطين: فسطاط أصحاب الرأي القائل بالحشد الكبير جدًا، وفسطاط أصحاب الرأي القائل بالحضور الضعيف جدًا.

هذا التناقض في تقييم المهرجان أصبح ظاهرة مألوفة عندنا، بسبب غياب الموضوعية والنزاهة الفكرية والاستقلالية عند التعليق على هذا النوع من الأنشطة.

وأمام هذا التناقض، وسعيًا إلى الوصول إلى تقييم أقرب إلى الدقة، فإنه يمكننا اللجوء إلى واحد من ثلاثة خيارات:

الخيار الأول: لغة المتوسطات الحسابية

هذا الخيار يجذبني بسبب خلفية قديمة تتعلق باهتمامي بالرياضيات في المرحلة الثانوية، وبالإحصاء في الجامعة.

حسابيًا، إذا جمعنا “حاشد” و”ضعيف” ثم قسمنا النتيجة على اثنين، فسنجد أن المهرجان كان متوسط الحضور.

الخيار الثاني: مقارنة الصور

في المكان نفسه نظّم حزب تواصل مهرجانًا، ونظّم حزب “جَمْع” مهرجانًا آخر، ويمكننا ــ لتقييم مهرجان المعارضة ــ أن نقارن بين صور المهرجانات الثلاثة، مع ضرورة استحضار أن مهرجان المعارضة جمع أطراف المعارضة كلها، بينما يتعلق مهرجانا “تواصل” و”جَمْع” بحزبين منفردين.

الخيار الثالث: الذكاء الاصطناعي

نحن نعيش في زمن الذكاء الاصطناعي، ويمكننا أن نلجأ إليه لتقييم مهرجان المعارضة، وربما يكون ذلك هو الخيار الأفضل، وعلى الساعين إلى تقييم أقرب إلى الموضوعية والدقة أن يستعينوا به.

قد تكون لي قراءة سياسية للمهرجان، وبغض النظر عن مستوى الحضور،  مع أني في هذه الفترة لا أحب الخوض في السياسة ولا الكتابة عنها.

السبت، 9 مايو 2026

كيف نجمع بين الأفكار والوسائل؟


كم من عقلٍ ثاقب ابتدع فكرة لامعة، لكنه عجز عن تجسيدها على أرض الواقع لغياب الوسائل، وكم من شخص امتلك المال، والجاه، والنفوذ، ولكنه ظل عاجزا عن استثمار كل ذلك فيما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وذلك لغياب الأفكار القادرة على صهر تلك القدرات من مال وجاه ونفوذ، وتوجيهها في الاتجاه الصحيح.

عندما أتأمل حال هؤلاء وأولئك، استحضر ـ أول ما استحضر ـ توزيع الأرزاق بين الناس، فمن الناس من يرزقه الله عقلا راجحا، ويُضَيّق عليه في المال، ومنهم من يوسع له في المال، ويضيق عليه في القدرة على إنتاج أفكار هو في أمس الحاجة إليها.
هذه الثنائية في توزيع الأرزاق لا تتوقف على المال والأفكار، بل تمتد لتشمل ثنائيات عديدة أخرى، وقد خصصت في وقت سابق حلقة من "ومضة في دروب الحياة" لثنائية المال والصحة، وقدمتُ فيها مثالا من الواقع، يساعد كثيرا في فهم واستحضار هذه الثنائية. (الحلقة توجد مكتوبة في أول تعليق)
أقول، عندما أتأمل هذه الثنائيات، أستحضر ـ أول ما أستحضر ـ توزيع الأرزاق بين الناس، ثم استحضر بعد ذلك حاجة الناس بعضهم لبعض، وأهمية تكامل الأدوار بينهم، فصاحب الفكرة يحتاج إلى صاحب الوسيلة، وصاحب الوسيلة يحتاج إلى صاحب الفكرة، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، وهما عندما يجتمعان، ويكمل كل واحد منهما الآخر ـ وقليلا ما يحدث ذلك ـ تكون النتائج مبهرة، فيستفيد كلاهما، كما يستفيد المجتمع من ذلك التكامل.
إن التحدي الحقيقي، يكمن في بناء جسور بين الطرفين تضمن لقاءهما في أعمال ومبادرات ذات نفع عام، فكيف يمكننا تشييد تلك الجسور؟
إن الفكرة التي لا تجد وسيلة، ستبقى كالبذرة التي يلقى بها في صحراء جدباء قاحلة، فأنى لها أن تثمر؟ إن البذرة خلقت أصلا لتثمر، ولكن بشرط أن يلقى بها في تربة صالحة، لا في أرض قاحلة جرداء. فكم من فكرةٍ عظيمة بقيت خاطرةً في عقل صاحبها، لأنها لم تجد اليد القادرة على زرعها في تربة صالحة، ورعايتها حتى تثمر.
وفي المقابل فإن الوسيلة، سواء كانت مالا أو جاها أو نفوذا، إن لم تهتدِ بفكرة، تظل طاقة حبيسة غير مستغلة، أو في أحسن الأحوال طاقة مهدورة: مشاريع سطحية، ومبادرات فارغة، والأخطر أن هذه الوسائل قد تتحول إلى أدوات تدمير للمجتمع.
فإذا كانت الوسيلة هي السيارة، فإن الفكرة هي المحرك، فالسيارة بلا محرك مجرد هيكل ساكن، ومحرك بلا سيارة سيبقى طاقة معطلة بلا فائدة.
الحل في أن يجلس صاحب الفكرة بجانب صاحب الوسيلة، ويتبادلان الثقة والرؤية، فعندها تولد المشاريع الكبرى، وتُبنى المؤسسات الرائدة، وتنبثق المبادرات التي تصنع الفارق، ولهذا على أصحاب الأفكار أن يخرجوا من عزلتهم، وأن يتقنوا فن عرض أفكارهم بأسلوب جذاب يغري الشريك المحتمل. وعلى أصحاب الوسائل أن يقدّروا العقول المبدعة، وأن يفتحوا أبوابهم للفكرة الملهِمة قبل أن ينشغلوا بمشاريع عابرة بلا قيمة مضافة.
عرض أقل

رئيس حركة "أفلام" يوقع ميثاق المواطن


ا
لتقى مساء اليوم الجمعة 8 مايو 2026، أعضاء من لجنة الإشراف على "ميثاق المواطنة" : الوالي السابق صيدو حسن صال، والناشط الحقوقي محمد أمبارك ماغه، والكاتب محمد الأمين الفاضل برئيس حركة "أفلام"، السيد حبيبو صال، رفقة ممثل الحركة في موريتانيا السيد با ماليك.

وقد افتتح اللقاء بكلمة ترحيبية من أعضاء اللجنة، عبروا من خلالها عن ارتياحهم لعودة رئيس الحركة إلى أرض الوطن، مؤكدين أن موريتانيا بحاجة إلى جهود جميع أبنائها، وإلى ترسيخ ثقافة الحوار وممارسة العمل السياسي داخل الوطن، في إطار من السلمية والتفاهم الوطني.
وشهد اللقاء قراءة كاملة لنص ميثاق المواطنة، أعقبها نقاش مطول تناول مضامينه وأهدافه. وفي تعليقه على نص الميثاق، أكد رئيس حركة "أفلام" أن البنود الاثني عشر للميثاق تعبر عن قناعاته، وتمثل قيما ينبغي أن يتبناها جميع الموريتانيين، مشددا على أهمية غرس قيم المواطنة في المجتمع عبر مبادرات عملية، مقترحا في هذا الإطار على الميثاق تأسيس معهد خاص بالمواطنة، وإطلاق قوافل وطنية للتواصل المباشر مع المواطنين في مختلف أنحاء البلاد.
كما استعرض رئيس الحركة في حديثه بعض المحطات من تاريخها الممتد لعقود، موضحا أن قيادتها الحالية شبابية، وأن نضالها مستمر في إطار السلمية والعمل السياسي، داعيا النظام إلى دعم هذا المسار بما يخدم الاستقرار والتنمية.
وشهد اللقاء مكاشفة صريحة، حيث طرح أعضاء لجنة الإشراف على الميثاق جملة من التحفظات والانتقادات التي يثيرها بعض الموريتانيين حول الحركة، لا سيما فيما يتعلق بالتسمية، والعلم، والخطاب. وقد رد رئيس الحركة على تلك التحفظات بإسهاب، موضحا موقف الحركة من تلك القضايا، ومؤكداً أن نضالها يرتكز على السلمية والعمل السياسي، معربا عن أمله في أن تساهم السلطة في تهيئة الظروف المناسبة لهذا التوجه.
وتم تنظيم اللقاء في مقر منظمة "نجدة العبيد" في خطوة رمزية اتخذها الميثاق تكريما لرئيس المنظمة الراحل بوبكر مسعود، وتأتي هذه الخطوة الرمزية بعد أن تعذر إطلاق قافلة تحمل اسمه، كان قد وعد بها ميثاق المواطنة سابقا، ولكن الظروف الحالية وما تفرضه من ترشيد الطاقة، حالت دون إطلاق تلك القافلة.
واختتم اللقاء بتوقيع رئيس حركة "أفلام" على ميثاق المواطنة، وسط تأكيد مشترك على أهمية استمرار التواصل والتشاور مستقبلا بين حركة "أفلام" وميثاق المواطنة في كل ما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز التماسك المجتمعي.


الخميس، 7 مايو 2026

شكرا للمملكة العربية السعودية


لقد اتخذت المملكة العربية السعودية مواقف استراتيجية عظيمة ـ رغم صعوبة اتخاد تلك المواقف ـ خلال الحرب الحالية، وذلك تكريسا للأمن القومي المشترك، ورفضا لتحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، وكان آخر تلك المواقف رفضها الحازم لاستخدام مجالها الجوي أو قواعدها العسكرية لضرب إيران، في إطار ما يسميه ترامب "مشروع الحرية" لتحرير السفن العالقة، وفتح مضيق هرمز بالقوة.

إن هذا الموقف النبيل الذي يليق بالمملكة العربية السعودية، كان حاسما في التعليق المفاجئ لمشروع الحرية، حسب بعض التقارير الصحفية، الشيء الذي يستوجب من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أن تُسارع في اتخاذ مواقف إيجابية مماثلة تجاه المملكة العربية السعودية ردا للجميل، وسعيا لبناء المزيد من الثقة بين البلدين، بما يعود بالنفع على المنطقة العربية والإسلامية بكاملها، في هذه الفاصلة الحرجة من تاريخها.

منذ عام تقريبا، وأنا أنشر مقالات تدعو إلى تأسيس حلف عربي إسلامي، بدأتها بمقال نُشِر يوم الثلاثاء الموافق 17 يونيو 2025، ومع مرور الوقت ترسخت قناعتي بوجاهة تلك الدعوة، بل وتعاظمت أكثر مع الحرب الجارية حاليا، والتي تؤكد أننا مقبلون بالفعل على فترة أكثر اضطرابا، وأشد قسوة على الدول والمناطق غير المحصَّنة استراتيجيا.

 وقد تعززت قناعتي بأن القائد الأجدر في المنطقة بإطلاق وقيادة مبادرة عربية إسلامية كبرى من هذا النوع هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وسيبقى ثقل المملكة العربية السعودية في العالمين العربي والإسلامي خيرَ معين له في إنجاح مبادرة من هذا النوع.

في أول مقال من سلسلة المقالات المطالبة بضرورة المسارعة في تأسيس حلف عربي إسلامي، تحدثت عن الظرفية الدولية البالغة الخطورة والتعقيد، التي يمر بها العالم اليوم، والتي يطبعها اللايقين، والتي تتسم كما جاء في المقال المذكور بشلل شبه كامل للأمم المتحدة، وبموت سريري للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وعجزهما البيِّن عن حل قضايا العرب والمسلمين العالقة، وعلى رأس تلك القضايا تحرير فلسطين والمسجد الأقصى من الاحتلال الغاصب.

لم تستفد الدول العربية والإسلامية من النظام العالمي القائم على قطبين قبل انهياره، ولم تستفد من نظام القطب الواحد الذي يُصارع حاليا من أجل البقاء، والذي كانت تقوده أمريكا، بل على العكس من ذلك، فقد تضرر العالم الإسلامي كثيرا من النظام العالمي القائم على قطبين، وتضرر أكثر في ظل النظام العالمي القائم على قطب واحد، وكل المؤشرات تقول بأن الضرر سيبلغ ذروته في ظل رئاسة ترامب لأمريكا.

لقد بات من الملح جدا التفكير في تأسيس حلف إسلامي عسكري واقتصادي قوي، يُشكل قطبا إسلاميا عالميا يحمي مصالح المسلمين في عالم يسير اليوم ـ وبخطى متسارعة ـ في اتجاه نظام متعدد الأقطاب، بعد فشل نظام القطب الواحد، ونظام القطبين قبل ذلك.

من المؤكد أن الدول الإسلامية تمتلك كل المقومات لتشكل قطبا عالميا قويا قادرا على الدفاع عن مصالح المسلمين في العالم، فمن الناحية العسكرية، هناك باكستان التي تمتلك سلاحا نوويا، وهناك إيران التي أثبتت مؤخرا أنها قادرة بمفردها على الصمود في وجه أمريكا وإسرائيل، ومن الناحية الاقتصادية هناك العديد من الدول الإسلامية التي تمتلك اقتصادات قوية، وموارد مالية هائلة، فهناك الطاقة، وهناك الممرات البحرية، كمضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، والتي ثبُتَ خلال الحرب الحالية، أنها شرايين التجارة العالمية، وأنها تشكل سلاحا قويا لا يمكن للعالم أن يواجهه، إذا ما تم استخدامه بذكاء واحترافية.

نعم لقد بات من الملح جدا التفكير في تأسيس حلف إسلامي قوي تنخرط فيه الدول الإسلامية، ويمكن أن تتشكل نواته الأولى من السعودية وباكستان وإيران وتركيا ومصر، لتشمل بعد ذلك بقية الدول الإسلامية، فبحلف كهذا يمكن أن نحرر فلسطين، وبحلف كهذا يمكن أن نحل المشاكل التي قد تحدث بين بعض الدول الإسلامية دون الحاجة لتدخل قوى عظمى، ولتشكيل هذا الحلف وبناء الثقة بين الأطراف المكونة لنواته الصلبة، فلا بد من توفر ثلاثة شروط، تحدثتُ عنها سابقا في المقال المذكور:

1ـ أن تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية، وأن تلتزم التزاما صريحا وقويا باحترام سيادة الدول العربية، وأن لا تعمل مستقبلا ـ تحت أي ظرف ـ على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لتحقيق المزيد من المصالح والنفوذ خارج حدودها؛

2ـ أن تُوقِف المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج الارتهان الاقتصادي والعسكري للسياسات الأمريكية المتذبذبة، مع وقف منح الأموال لترامب، فليس من الحكمة وضع كل البيض في سلة واحدة، وخاصة إذا كان صاحب تلك السلة هو ترامب المتقلب المزاج، على أن توجه تلك الأموال للتعزيز من مكانة الحلف الإسلامي المنتظر، أو توجه لدعم بعض الدول الإسلامية المحتاجة؛

3ـ أن تقطع مصر وتركيا ـ وبشكل فوري ـ علاقاتهما الدبلوماسية مع العدو الصهيوني.

وفي الختام، أجدد شكري مرة أخرى للملكة العربية السعودية، وسأبقى على قناعة، بأن القائد الأجدر في المنطقة، بإطلاق وقيادة مبادرة عربية إسلامية كبرى من هذا النوع، هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وجميع بلاد العرب والمسلمين.

الأربعاء، 6 مايو 2026

نحو مقاربة شاملة للحد من الجريمة في أوساط الشباب


إن أي بحث سريع في القواسم المشتركة بين مرتكبي الجرائم البشعة التي هزت الرأي العام الوطني خلال السنوات الأخيرة، سيُظهر أن نسبة كبيرة من تلك الجرائم ارتكبها شباب أو قُصَّر، تسربوا من المدرسة أو لم يدرسوا أصلا، يتعاطون المـخـدرات، ومن أصحاب السوابق، وكان يُفترض في بعضهم أن يكون خلف القضبان ساعة ارتكابه الجريمة.

فمن المسؤول عن عدم دراسة هؤلاء؟

ومن المسؤول عن تسربهم من المدرسة؟

ومن كان وراء تعاطيهم المخدرات، ومن وفرها لهم؟

ومن المسؤول عن إطلاق سراحهم قبل اكتمال فترة عقوبتهم، ليرتكبوا المزيد من الجرائم؟

كثيرون طالبوا بالبحث عن عصابة الأشرار التي ارتكبت أصنافا صادمة من الجرائم من خلال التعذيب وإهانة الكرامة البشرية، في حق شاب أو شباب آخرين، وهي جرائم وُثِّقت بالصوت والصورة، وتم تداولها بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.

إني أقف مع كل المطالبين بإنزال أقصى العقوبات الرادعة بمرتكبي تلك الجرائم الفظيعة والصادمة، فكل من شارك في تلك الجرائم البشعة، يجب أن يُعاقب بأقصى عقوبة لأنه مسؤول جنائيا عمَّا ارتكب من جرائم.

إني مع كل أولئك في مطلبهم، وعلينا جميعا ألا نتوقف عن رفع ذلك المطلب حتى ينال المجرمون ما يستحقون من عقاب، ولكن دعونا ـ بالإضافة إلى رفع ذلك المطلب ـ نطرح سؤالا جوهريا أصبح لابد من طرحه، بعد تزايد الجرائم الصادمة التي يقف خلفها قُصَّر أو شباب، فهل المسؤولية في ارتكاب تلك الجرائم يتحملها المجرمون الذين ارتكبوا تلك الجرائم وحدهم، أم أن هناك جهات أخرى تتحمل جزءا من المسؤولية؟

بطبيعة الحال، فإن تلك الأسئلة لا يمكن الإجابة عليها بإدانات فردية فقط، فإذا كانت المسؤولية الجنائية يتحملها مرتكبو تلك الجرائم وحدهم، فإن هناك آخرين يتحملون جزءا من المسؤولية، وذلك لأنهم شاركوا ـ من وراء حجاب ـ في ارتكاب تلك الجرائم، ويتحملون أخلاقيا ـ على الأقل ـ جزءا من المسؤولية، فهل تجب محاسبتهم هم أيضا إن كانوا شركاء حقا في الجريمة؟

هذا سؤال كبير وخطير لا أمتلك القدرة ولا الشجاعة للإجابة عليه، ومع ذلك أستطيع أن أقول، وبكل اطمئنان، بأن خلف كل قاصر أو شاب ارتكب جريمة، توجد أسرة فشلت في تربيته حتى تحول إلى مجرم، وهي تتحمل أخلاقيا جزءا من المسؤولية، ومدرسة فشلت في تعليمه، وهي تتحمل أخلاقيا جزءا من المسؤولية، ومجتمع بكامله، بعلمائه ومربيه ومنظماته المدنية وصحافته، يتحمل هو أيضا جزءا من المسؤولية، لأنه فشل في توجيه واحتضان وتحصين ذلك القاصر أو الشاب الذي كان في الأصل طفلا وديعا وبريئا، قبل أن يتحول إلى مجرم من عتاة المجرمين، يرتكب أبشع الجرائم، ويصورها ويتفاخر بها!

ويتحمل أيضا القضاء وإدارة السجون، وكل الجهات الحكومية المعنية، جزءا من المسؤولية، فالسجن قد يأتيه طفل صغير في سنة أولى ابتدائي من مدرسة الإجرام، فيمنحه في أقل من سنة أعلى الشهادات في عالم الإجرام، ولو كانت مدارسنا تُعَلّم وتُكَوّن وتُخرِّج بنفس سرعة تعليم وتخريج السجون للمجرمين، لحدثت في بلادنا ثورة في التعليم.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن القضاء وجهات التحقيق ومصالح السجون مسؤولة كذلك عن الكثير من الجرائم التي يرتكبها مجرمون، كان يفترض فيهم أن يكونوا في السجن لحظة ارتكابهم لجرائم جديدة. فحين يلقى القبض على مجرم متلبس بالجريمة، فيطلق سراحه في اليوم الموالي، أو الشهر الموالي، أو قبل أن ينهي فترة عقوبته، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح لم يعد يتعلق بطبيعة الجريمة الموالية، بل أصبح يتعلق بمن سمح بارتكابها.

قبل خمس سنوات تقريبا، في يوليو2021، وبعد سلسلة من الجرائم البشعة التي عرفتها العاصمة نواكشوط، نظمت جمعية خطوة للتنمية الذاتية جلسة نقاشية حول الجريمة وآليات محاربتها، شارك فيها خبراء ومختصون في القضاء والأمن وعلم الاجتماع، وخلص المشاركون بعد نقاشات معمقة إلى أن الحد من تفشي الجريمة في صفوف الشباب، يتطلب معالجة متعددة الأبعاد، لا تقتصر فقط على الحلول الأمنية، وأصدروا بعد نقاشاتهم توصيات عديدة تدعو في مجملها إلى معالجة جذور المشكلة من خلال التنشئة الصالحة، والتعليم الجيد،  ومكافحة التهميش، والحد من البطالة، ومحاربة الإدمان، بدلا من الاكتفاء بالجانب الأمني وحده.

ويمكن تلخيص تلك التوصيات في خمسة محاور:

1 ـ على المستوى الوقائي (التعليم والتنشئة)

  • فرض إلزامية التعليم، مع تكفل الدولة بالأطفال المنحدرين من أسر محدودة الدخل؛
  • دعم الأسرة ببرامج توجيه وتوعية لتعزيز دورها التربوي؛
  • إنشاء حاضنات ثقافية ورياضية لاستيعاب طاقات الشباب؛

2 ـ على المستوى الصحي والاجتماعي

  • إنشاء مراكز متخصصة لعلاج الإدمان وإعادة التأهيل؛
  • التصدي لمظاهر التهميش والغبن وتعزيز العدالة الاجتماعية؛
  • إطلاق حملات توعية وتحسيس مستمرة يشارك فيها مختلف الفاعلين؛

3 ـ على المستوى الأمني والقانوني

  • إشراك المواطنين في حفظ الأمن عبر آليات مجتمعية فعالة؛
  • إنشاء شرطة الجوار وتعزيز الحضور الأمني القريب من المواطنين؛
  • تحيين الترسانة القانونية وتطوير قدرات القضاة وأعوانهم؛
  •  تنفيذ الأحكام القضائية بصرامة وعدالة؛
  • تعزيز مراقبة الحدود ومراجعة سياسات الدخول؛

4 ـ على مستوى إعادة الإدماج

  • تفعيل المؤسسات الإصلاحية لإعادة إدماج أصحاب السوابق؛
  •  فرض الخدمة المدنية وإطلاق برامج تأهيل إلزامية للشباب المعرضين للانحراف؛

5 ـ على المستوى المؤسسي والاستشرافي

  • إنشاء مرصد وطني للجريمة لتحسين جمع البيانات وتحليلها؛
  • إشراك مراكز البحث في إعداد سياسات استباقية؛
  • إنشاء معهد وطني للطب الشرعي والأدلة الجنائية؛
  • تعزيز التخصص داخل الأجهزة الأمنية ورفع كفاءتها.

ختاما

إن تنامي الجريمة في صفوف القُصَّر والشباب يعود إلى أسباب عديدة ومتداخلة، منها ما يتعلق بالنشأة وغياب دور الأسرة، ومنها ما يرتبط بالتعليم وضعف أداء المدرسة، ومنها ما هو ناتج عن غياب الاحتضان المجتمعي، وارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب.

وعليه، فإن أي سياسة فعالة للحد من الجريمة يجب أن تعتمد على مقاربة شاملة، تعالج كل الأسباب، ولا تتجاوز أي مرحلة من المراحل، بدءا بالتنشئة، وانتهاءً بالتشغيل، مرورا بالتعليم وملء الفراغ بأنشطة ذات نفع عام من خلال حاضنات ثقافية ورياضية قادرة على استيعاب الطاقات الشبابية.

حفظ الله موريتانيا...