الاثنين، 13 يوليو 2026

من سيكون رئيس موريتانيا في العام 2029؟


كثيرا ما يُطرح عليَّ سؤال سابق لأوانه بثلاث سنوات على الأقل، وهناك من يذكرني ـ عند طرحه لهذا السؤال ـ بمقال استشرافي نشرته في العام 2018 عن رئيس موريتانيا القادم في العام 2019، ووفقتُ فيه ـ بفضل الله ـ إلى حد كبير. فهل التوفيق في ذلك المقال يسمح لي بإعادة التجربة، والمجازفة بمحاولة الإجابة في وقت مبكر جدا على أولئك الذين طرحوا عليَّ السؤال السابق لأوانه: من سيكون رئيس موريتانيا في العام 2029؟

في العام 2018 لم يكن يفصلنا عن الانتخابات الرئاسية إلا عام واحد، وكانت معالمها في تلك السنة قد أصبحت واضحة إلى حد بعيد، ولذلك فلم يكن من الصعب استشراف رئيس موريتانيا القادم، فالراجح حينها أن المعارضة لن تتقدم بمرشح توافقي قوي مما يعني أنها لن تكسب رئاسيات 2019. أما بخصوص النظام، فعلى طول فترة حكم الرئيس السابق، كان هناك دائما "الرجل الثاني"، وهو الرئيس الحالي الذي تُجمع الأغلبية على أنه هو الأحق بالرئاسة في العام 2019، فهو خيار المؤسسة العسكرية الأول بل الوحيد، وهو محل اطمئنان دبلوماسي لدى دول المنطقة ولدى الدول الغربية أيضا، وهو بالإضافة إلى كل ذلك يحظى بثقل ودعم شعبي واسع، حتى خارج الأغلبية، وبالتالي فقد كان احتمال ترشيحه من أقوى الاحتمالات، وكان احتمال فوزه في الانتخابات ـ إن ترشح ـ شبه مؤكد، ولذلك فلم أكن بحاجة للكثير من القدرات الاستشرافية، لأن أتوقع في العام 2018 أن رئيس موريتانيا في العام 2019 سيكون على الراجح فخامة الرئيس محمد الشيخ الغزواني.  

وعلى العكس مما كان قبل العام 2019، فإن الأمور لن تكون سهلة بالنسبة للأغلبية في الانتخابات الرئاسية القادمة، فإذا كان النظام قد وُجِد به منذ العام 2008 من يمكن أن نصفه ب "الرجل الثاني"، والذي لن يطرح ترشيحه أي إشكال داخل الأغلبية، لأن الجميع كان يتفق على أنه هو الأجدر بتولي الرئاسة في العام 2019، فإن الحاصل حاليا، هو أنه لم تظهر حتى الآن داخل النظام القائم حاليا، أي شخصية يمكن أن نمنحها صفة الرجل الثاني في النظام الذي يسلم له الجميع داخل الأغلبية بأحقيته في الترشيح، وتولي الرئاسة في العام 2029. 

صحيح أنه توجد حاليا شخصيات في النظام يمكن أن نصفها بأنها تشكل أركانا قوية فيه، وقد يكون من بينها من يطمح للترشيح أو الترشح في العام 2029، ولكن الصحيح أيضا أنه لا أحد من تلك الشخصيات ارتقى إلى مرتبة الرجل الثاني في النظام، وهي المرتبة التي تؤهله لأن يكون مرشحا توافقيا للنظام، وفي ظل غياب ذلك المرشح التوافقي، فإن مرشح النظام في العام 2029 قد لا يحصل على إجماع داخل الأغلبية، بل إنه قد يجد منافسين جديِّين من داخل الأغلبية نفسها مما قد يصعب فوزه.

كان النظام في العام 2019 يمتلك جوابا واضحا على سؤال الخلافة، ولكني لا أعتقد أنه سيمتلك جوابا بنفس الوضوح في العام 2029، لغياب "الرجل الثاني"، وهذا وحده يصنع فارقا كبيرا بين رئاسيات 2019 ورئاسيات 2029، ولن يكون هذا هو التحدي الوحيد الذي سيواجهه النظام في العام 2029، بل إن هناك تحديا آخر لم يكن مطروحا في العام 2019. 

فإذا ما بقي الوضع القانوني للرئيس السابق على ما هو عليه حتى الانتخابات الرئاسية القادمة، فسيعني ذلك أنها ستجري في ظل وجود رئيس سابق في السجن، على العكس مما كان حاصلا في العام 2019، وبطبيعة الحال، فإن ذلك سيلقي بظلاله الثقيلة على تلك الانتخابات، وسيجعل من سلاسة التناوب السلمي على السلطة، أكثر تعقيدا مما كانت عليه في العام 2019.

وفي الجانب الآخر، وعلى مستوى المعارضة، فإن أمورها ستزداد سوءا عما كان عليه حالها في العام 2019، وستكون حظوظها في الفوز في انتخابات 2029 أضعف بكثير مما كانت عليه حظوظها الضعيفة أصلا في العام 2019، فالمعارضة قبل العام 2019 كانت قادرة دائما على أن تتوحد في تكتلات كبرى (الجبهة، المنسقية، المنتدى..إلخ)، ولم تكن هذه التكتلات الكبرى تتفكك إلا قبيل الحوارات، أو خلال المواسم الانتخابية. ومنذ العام 2019، أي منذ وصول الرئيس الحالي للسلطة، ظلت المعارضة تعاني من التفكك والتشظي حتى من قبل أن يعلن عن حوار أو أن تكون هناك انتخابات، فهي منقسمة اليوم إلى ثلاثة تكتلات في غاية الهشاشة، وعاجزة حتى الآن عن إصدار بيانات أو تنظيم مهرجانات ومسيرات تحت عنوان واحد وموحد، وذلك مما يعكس تراجعا كبيرا في قدرتها على التنسيق والعمل المشترك. 

فإذا كانت المعارضة قد عجزت عن التقدم بمرشح توافقي أو رئيسي على الأقل في العام 2019، وهذا أحد أهم الشروط التي لابد من توفرها لوصولها إلى السلطة (سأتحدث ـ إن شاء الله ـ في حلقة من هذه السلسلة عن بقية الشروط)، فإنها ـ أي المعارضة ـ ستكون أكثر عجزا عن التقدم بمرشح توافقي أو حتى رئيسي في العام 2029، وذلك حسب ما تقوله كل المؤشرات المتاحة حاليا، مما يعني أن احتمال وصولها إلى الرئاسة سيكون أكثر استبعادا في العام 2029 مما كان عليه حالها في العام 2019.

خلاصة القول، للإجابة على السؤال العنوان، هي أن غياب الرجل الثاني في النظام، وضعف احتمال ـ إن لم أقل استحالة ـ أن تتقدم المعارضة بمرشح توافقي، هما ملمحان بارزان سيُصَعِّبان كثيرا من تقديم استشراف يتسم بالموضوعية والدقة، في مثل هذا الوقت المبكر جدا، عن رئيس موريتانيا في العام 2029. حتى الآن ما زالت مساحة المجهول أكبر بكثير من مساحة المعلوم في كل ما يتعلق برئاسيات 2029.

في الحلقة القادمة من هذه السلسلة، سنبدأ ـ إن شاء الله ـ في الحديث عن المعارضة، وأسباب فشلها في الوصول إلى السلطة، وسأكشف عن بعض محطات فشلها التي كنتُ شاهدا عليها، لأختم الحديث عنها بتقديم جملة من الشروط التي لابد من أن تتوفر فيها إذا ما أرادت أن تكون منافسا قويا في رئاسيات 2029. وبعد الانتهاء من الحديث عن المعارضة، سنفتح كتاب النظام وأغلبيته، وفي ذلك الكتاب الكثير مما يُقال. 

وأختم بالقول إني قررتُ كتابة ونشر هذه السلسلة، نظرا لعدم تمكني من إصدار الجزء الثاني من كتب سلسلة الإصلاح في موريتانيا الذي كان سيخصص للمعارضة، والجزء الثالث الذي كان سيخصص للأغلبية، وذلك بسبب انشغالات ضاغطة حالت دون إعداد محتواهما وإصدارهما بعد ذلك.

سأحاول أن أقدم خلاصات ما كنتُ سأنشره في الكتابين عن المعارضة والأغلبية، من خلال هذه السلسلة، والتي أرجو أن تكون مفيدة للطرفين في الأغلبية والمعارضة.   

يتواصل إن شاء الله..

حفظ الله موريتانيا..

السبت، 11 يوليو 2026

عشر سنوات بلا مقر (الحلقة الثالثة: ماذا حققت الحملة؟)


هذا سؤال يجب أن يطرح بعد عقد من الانطلاقة والأنشطة المستمرة، فالأنشطة في حدّ ذاتها ليست هدفا ولا غاية، وإنما هي وسيلة لتحقيق هدف ما أو غاية ما، ولذا فإن تقييم عمل الحملة بعد اكتمال عقدها الأول لن يكون باستعراض ما راكمته من أنشطة، وهي بالمناسبة أنشطة كثيرة ومتنوعة، وإنما سيكون بقياس أثر تلك الأنشطة، وما أحدثت من تغيير على أرض الواقع، وسنقتصر في هذه الحلقة على الإنجازات التي نفذتها الحكومة استجابة للمطالب والعرائض التي تقدمت بها الحملة.

 وكما قلنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، وهو ما ثبتناه في عنوانها، فإن الحملة لم تمتلك منذ تأسيسها مقرا، وكانت تعمل في أغلب الأحيان في ظروف صعبة جدا، معتمدة في تمويل أنشطتها على تبرعات أعضائها، وأغلب أعضائها هم شباب عاطلون عن العمل، ورغم كل ذلك فقد استطاعت أن تحقق التالي:

1 ـ نجاحها في أن تجعل من حوادث السير وما تخلف من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات قضية رأي عام وطني، وكان هذا هو هدفها الأبرز عند انطلاقها في يوم 7 أغسطس 2016، وقد نجحت إلى حد كبير في تحقيق هذا الهدف؛

2 ـ إعداد عريضة مطلبية من 7 مطالب، وتسليمها في يوم 28 مايو 2019 لفخامة رئيس الجمهورية محمد الشيخ الغزواني، وكان حينها مترشحا للرئاسة، وقد تبنى الرئيس كل مطالب العريضة، وتعهد بتنفيذها في حال انتخابه رئيسا للجمهورية؛

3 ـ مناقشة ملف السلامة الطرقية في أول اجتماع مجلس وزراء ينعقد تحت رئاسة محمد ولد الشيخ الغزواني بعد انتخابه رئيسا في العام 2019، هذا إذا ما استثنينا اجتماع التعارف الذي سبق ذلك الاجتماع، والذي خُصّص حصرا للتعارف، ولم يناقش فيه أي ملف.

فأن يكون ملف السلامة الطرقية، لا أي ملف آخر، هو أول ملف يناقشه مجلس الوزراء بعد تنصيب رئيس الجمهورية، فذلك مما يؤكد أن التزامات الرئيس لوفد الحملة الذي سلمه العريضة المطلبية، لم تكن مجرد التزامات انتخابية؛ 

4 ـ نشر أول ثلاث سيارات إسعاف خاصة بضحايا حوادث السير على المقطع (نواكشوط ـ ألاك) بعد 130 يوما فقط من تنصيب رئيس الجمهورية، وكان نشر سيارات الإسعاف على الطرق من بين أهم مطالبنا في العريضة، وقبل هذا التاريخ لم تكن توجد سيارة إسعاف واحدة خاصة بضحايا حوادث السير، على كافة أراضي الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وكان المصابون ينقلون في الغالب في أول سيارة يقبل صاحبها بنقلهم، وكانوا في بعض الأحيان ينقلون كما تنقل البضائع، مما كان يزيد من تفاقم إصاباتهم، بل ويتسبب في وفاة بعضهم.

لقد تم نشر سيارات الإسعاف الثلاث كخطوة أولى من مشروع كبير، سيعرف فيما بعد بالعون الطبي الاستعجالي، وجرت عملية النشر ضمن سلسلة من الأنشطة على طريق الأمل أطلقها الوزير الأول الأسبق إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا، ودعيت لها الحملة بشكل رسمي، وقد ثمَّن الوزير الأول ـ أمام الوفد المرافق وأمام الإعلام ـ جهود الحملة، مؤكدا أن نشر سيارات الإسعاف على الطرق كان من مطالبها، ومتعهدا في الوقت نفسه بأن الحملة ستبقى شريكا للحكومة في كل الأنشطة ذات الصلة بالسلامة الطرقية.

إننا في الحملة فخورون بما تحقق في العهد الحالي على مستوى منظومة التدخل الطبي الاستعجالي، ولكي تكتمل هذه المنظومة، فستبقى هناك ضرورة لاستحداث نقاط تدخل ثابتة أو متحركة، مزودة بآليات ثقيلة لإزاحة الشاحنات عند سقوطها على الطرق مما يمكن من فتح الطرق بشكل سريع، أو عند سقوطها على سيارات صغيرة، مما يمكن من الوصول إلى الضحايا لإنقاذهم قبل فوات الأوان.

هذا فضلا عن ضرورة اقتناء مروحية إسعاف طبي، للتدخل السريع في الحوادث التي تقع في أماكن بعيدة، أو تلك التي تؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا.

5 ـ من المطالب التي تضمنتها العريضة: ترميم طريق الأمل بشكل كامل، وتوفير نظام صيانة مستدام، مع تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت). لقد تم ترميم طريق الأمل بشكل كامل، وهذا إنجاز كبير لا يدرك أهميته إلا من اعتاد سلوك هذا الطريق خلال العقود الماضية، فخلال تلك العقود كان كلما رُمّم مقطع من هذا الطريق الحيوي، تهالكت مقاطع أخرى، وهكذا.. الجديد في هذا العهد هو أن عملية الترميم هذه المرة جاءت شاملة للطريق بأكمله.

ونأمل في الحملة أن يتم تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت) في أسرع وقت ممكن، وعندها يكون هذا المطلب قد تحقق بشكل كامل. 

ولن أختم الحديث عن مطالب الحملة التي تحققت، دون الحديث عن مطلب مهم، تمت الاستجابة له، ولكن في وقت متأخر جدا، ويتعلق الأمر بإلزام حافلات النقل العمومي باقتناء مثبتات السرعة، وكانت وزارة التجهيز والنقل قد وجهت للحملة رسالة بتاريخ 3 يناير 2020 ردت فيها على رسالة سابقة للحملة، وتعهدت بموجبها أنها ستلزم حافلات النقل باقتناء مثبتات السرعة. 

لم يتم البدء في تنفيذ هذا التعهد إلا بعد مرور ست سنوات على الالتزام به، وفي وقت لم تعد فيه مثبتات السرعة هي الخيار الأفضل لإجبار حافلات النقل العمومي على سرعة محددة، فالعالم قد عرف خلال السنوات الأخيرة تطورا هائلا في مراقبة السرعة عن طريق الرادارات والشرائح الذكية، ولذا فإن أي مراقبة للسرعة دون الاعتماد على التقنيات الجديدة ستكون إضاعة للوقت والجهد والمال.

ورغم أهمية ما تحقق من مطالب، ونحن فخورون بما تحقق، فما تزال الحملة ترى أن بلوغ مستوى متقدم من السلامة الطرقية، يتطلب الاستجابة لمطلبين استراتيجيين رفعتهما الحملة بعد تسليم عريضتها المطلبية: 

المطلب الأول: تبني الحكومة لنداء جوك للسلامة الطرقية الذي أعدته الحملة بعد سنوات من العمل الميداني، واعتباره خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا؛

المطلب الثاني: اعتماد تطبيق "سلامتي" المعد أيضا من طرف الحملة، والذي يمكن أن يشكل الخطوة الأولى في بناء منظومة رقمية متكاملة في مجال السلامة الطرقية، تعتمد على الشرائح الذكية، وخرائط تحديد المواقع، وتقنيات الاتصال، وأدوات الذكاء الاصطناعي. 

وتبقى كلمة أخيرة: إن النتائج التي تحققت تثبت أن الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني هي شراكة في غاية الأهمية، ولو استمرت الحكومة في التعامل مع حملة معا للحد من حوادث السير كشريك أساسي من المجتمع المدني، كما حصل في السنة الأولى من المأمورية الأولى، لكان حجم الإنجازات في مجال السلامة الطرقية أكبر وأعمق أثرا.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير 

#الذكرى_العاشرة.

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

20 يوليو... يومٌ توعوي مفتوح لتذكر ضحايا حوادث السير في موريتانيا


إن ضحايا حوادث السير في بلادنا ليسوا مجرد أرقام نستعرضها في الإحصاءات، فنقول توفي في هذا الحادث ثلاثة اشخاص، وتوفي في ذلك الحادث سبعة أشخاص، والحصيلة السنوية لهذا العام بلغت مئات القتلى وآلاف الجرحى، وهكذا... إنهم ليسوا مجرد أرقام إحصائية، بل هم آباء وأمهات وأطفال وشباب تركوا خلفهم أسرا لا تزال تعيش ألم فراقهم حتى اليوم.

وراء كل رقم يذكر في تلك الإحصاءات دموع وأحزان وآلام وقصص إنسانية مؤثرة تستحق أن تُروى، فمن حق أسر الضحايا أن يتذكروا ضحاياهم، ويجددوا المطالبة ـ وهذا هو الأهم ـ ببذل المزيد من جهود الوقاية، حتى لا تعيش أسر موريتانية أخرى ما عاشوا هم من أحزان وآلام، فالموت صعب وصادم في كل الأحوال، ولكنه في حوادث السير يكون أكثر صدمة وقسوة، بسبب عنصر المفاجأة، فالحادث يقع في لحظة، وتلك اللحظة قد تنقل أحباء أعزاء من الحياة إلى الموت.

وفي إطار سعيها لتخصيص يوم وطني لتذكر ضحايا حوادث السير، على غرار اليوم العالمي المخصص لتذكر ضحايا حوادث السير، فقد قررت حملة "معا للحد من حوادث السير" ان تبدأ ذلك المسعى من يوم 20 يوليو القادم، لتجعل من هذا اليوم يوما وطنيا لتذكر ضحايا حوادث السير في موريتانيا.

ولقد اختارت الحملة هذا اليوم، ليكون يوم تذكر ضحايا حوادث السير، لعدة أسباب منها:

1 ـ أنه من الأيام الحزينة التي فقدنا فيها أسرة كاملة بسبب حادث سير، ففي فجر هذا اليوم اشتعلت سيارة صغيرة بسبب حادث سير وقع عند الكلم 75 على طريق الأمل، وكانت الحصيلة ثقيلة جدا، وفاة 6 أفراد من أسرة واحدة.

2 ـ أن ذكراه الأولى ستحل هذا العام، وأن الحملة استخدمت هيكل السيارة المشتعلة في ذلك الحادث في أول مجسم توعوي يُشََّيد في موريتانيا.

3 ـ أن هذا الحادث وقع على طريق الأمل، الطريق الأكثر حيوية في موريتانيا، وعلى المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت)، المقطع الأعلى تسجيلا لحوادث السير في شبكتنا الطرقية، ووقع تحديدا عند الكلم 75، أي تماما على منتصف هذا المقطع الأكثر خطورة.

4 ـ أن والد الأسرة الضحية ينتمي إلى قطاع الدرك الوطني، وهو قطاع من اكثر القطاعات احتكاكا بحوادث السير، خصوصا عند اللحظات الأولى من وقوعها.

5 ـ التعاون الإيجابي الذي تلقته الحملة من ذوي ضحايا الحادث، حيث أنهم منحوها هيكل السيارة لتستخدمه في المجسم التوعوي، كما أنهم شاركوا في الأنشطة التي نظمتها الحملة بمناسبة هذه الفاجعة الأليمة. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الكثير من ذوي ضحايا الحوادث، ومن الذين أصيبوا إصابات مستديمة في حوادث سير ما زالوا يرفضون المشاركة في الأنشطة التوعوية للحد من حوادث السير. 

وستفتح الحملة على هامش تخليد الذكرى الأولى لهذه الفاجعة الأليمة المجال أمام جميع أسر ضحايا حوادث السير للمشاركة في هذا التخليد من خلال تذكر أحبائها، والتعبير عن مشاعرها، والمشاركة في توجيه رسالة مجتمعية تدعو إلى المزيد من الاهتمام بالسلامة الطرقية، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي.

إننا لا نريد أن يكون هذا اليوم مناسبة للحزن فقط، بل نريده أن يكون يوم عزيمة وإصرار نجدد فيه العهد جميعا على بذل كل ما نستطيع حتى لا تفقد أسر أخرى أحباءها على الطرق.

وتدعو الحملة ذوي الضحايا الراغبين في المشاركة في هذا اليوم الذي نريده أن يكون يوما وطنيا لتذكر ضحايا حوادث السير في موريتانيا، يتجدد تخليده كل عام، أن يتواصلوا مع الحملة لبرمجة مشاركتهم لتكون ضمن المشاركات التي سنخلد بها هذا اليوم.

وسيخصص جزء من فعاليات هذا اليوم لسماع وتوثيق شهادات عدد من ذوي الضحايا، واستذكار أحبائهم، وفاءً لذكراهم، وإسهاما في التوعية والوقاية من حوادث السير، فمن حق الضحايا علينا الا يقتصر وفاؤنا لهم على الحزن عند تذكرهم، بل أن نحول ذكراهم إلى دافع قوي لإنقاذ أرواح أخرى.

كما أن المجال مفتوح لمن أن أراد أن يشارك في التحضير لتنظيم هذا اليوم التوعوي المفتوح. 

للاتصال: رقم الواتساب 33277671  

الموعد: الاثنين 20 يوليو 2026

المكان: عند أول مجسم توعوي للحد من حوادث السير في موريتانيا.

الأخت الشقيقة للدركي المتوفي في الفاجعة مع زوجته وأبنائه.





الاثنين، 6 يوليو 2026

في ذكرى فاجعتين أليمتين...لا نريد أن نفقد أسرة أخرى


في مثل هذا اليوم، 6 يوليو 2018، سقطت شاحنة عند قرية الغشوات على سيارة صغيرة كانت تقل المهندس الشاب إبراهام أحمد خليفة، وزوجته، وابنتهما الرضيعة. وقد توفي أفراد الأسرة الثلاثة في أوقات متفاوتة، فيما استغرقت عملية إخراجهم من السيارة نحو خمس ساعات، بحسب ما رواه لنا سكان القرية عند وصولنا إلى موقع الحادث.

لقد هزت هذه الفاجعة الرأي العام الوطني، وكانت أول فاجعة عند قرية الغشوات تنظم الحملة زيارة ميدانية إلى موقعها.

وبعد أيام قليلة، وتحديدا في يوم 20 يوليو القادم، ستحل الذكرى الأولى لفاجعة أخرى لا تقل ألما، فقدنا فيها أيضا أسرة كاملة من 6 أفراد بعد أن اشتعلت النيران في سيارتهم إثر اصطدامها بحافلة، ولم ينتبه أحد إلى وجودهم داخل السيارة إلا بعد فوات الأوان.

لقد زارت الحملة موقعي الحادثين، ففي موقع الحادث الأول قمنا بردم الحفرة التي يرجح بعض الأهالي أنها كانت من بين أسباب الفاجعة، وفي موقع الحادث الثاني أقمنا، بموافقة أفراد الأسرة، أول مجسم توعوي من نوعه في موريتانيا، تخليدا لذكرى الضحايا، ورسالة تدعو إلى مزيد من الوعي والتقيد بإجراءات السلامة الطرقية.

بين فاجعة الغشوات التي فقدنا فيها أسرة المهندس أبراهام أحمد خليفة، وفاجعة الكلم 75 التي فقدنا فيها أسرة الدركي محمدو ولد إبراهيم، سجلنا في الحملة حوادث سير أليمة أخرى تسببت في فقدان أسر كاملة.

نأمل في الحملة أن نتمكن، من خلال جهودنا وجهود جميع الشركاء، من الحد من حوادث السير عموما، ومن الحوادث التي نفقد فيها أسرا بأكملها على وجه الخصوص.

ونقولها بكل صراحة: ما يزال التفاعل الرسمي والشعبي مع الحملة، ومع الجهود التطوعية المبذولة في مجال السلامة الطرقية، دون المستوى الذي يفرضه حجم النزيف البشري والمادي الذي تشهده طرقنا باستمرار. 

إن حماية الأرواح مسؤولية جماعية، لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا بتضافر جهود الدولة، والمجتمع، والإعلام، والقطاع الخاص، وكل مواطن يعي خطورة ما تشهده طرقنا من نزيف في الأرواح وخسائر في الممتلكات.

قريبا ستخلد الحملة الذكرى العاشرة لانطلاقها ( 7 أغسطس)، ونرجو أن نتمكن في هذا الموسم العاشر من تشييد مجسمات توعوية جديدة على محاور طرقية أخرى، وإطلاق نسخة جديدة من قافلة معا من أجل خريف آمن. وتفعيل تطبيق سلامتي، الذي نأمل أن يشكل خطوة أولى لمنظومة رقمية متكاملة في مجال السلامة الطرقية.

الصور المرفقة:

- صورة المجسم التوعوي؛

- صورة سيارة الدركي محمدو  أبراهيم بعد اشتعالها في موقع الحادث؛

- صورة سيارة المهندس أبراهام في موقع الحادث؛

- أعضاء من الحملة يرممون حفرة في موقع الحادث، ولأني أدرك بأن البعض قد يسخر من عملية الترميم، فأقول له إن من يقوم بعملية الترميم مهندس متخصص، وفق الضوابط العلمية، والمادة المستخدمة مع الإسمنت هي مادة خاصة تستخدمها إحدى الشركات الأجنبية العاملة في البلد. وعموما فإننا نظمنا زيارات ميدانية لأغلب الحفر التي رممنا في تلك السنوات، وكنا نجدها دائما على أحسن حال.

رحم الله أفراد الأسرتين وكل ضحايا حوادث السير. 






من ردود الأفعال المؤقتة.. إلى الحلول الذكية المستدامة


تابعنا في "حملة معا للحد من حوادث سير" خلال الأعوام 2016 و2018 و2022 إجراءات صارمة اتخذتها القطاعات المعنية ضد الحمولة الزائدة كردة فعل مؤقتة، ولكن تلك الإجراءات سرعان ما توقفت، وبشكل مفاجئ، مثلما بدأت.

وتابعنا في العام الماضي إجراءات أكثر صرامة وتشددا اتخذتها السلطات لفرض اقتناء قنينات إطفاء على أصحاب السيارات، بعد الفاجعة الأليمة التي وقعت فجر يوم الأحد 20 يوليو 2025 عند الكلم 75 على طريق الأمل، والتي توفي فيها ستة أفراد من عائلة واحدة، اشتعلت عليهم سيارتهم في حادث أليم صدم الشعب الموريتاني.

تم بموجب تلك الإجراءات إيقاف عدد كبير من السيارات، وشهدت أسعار قنينات الإطفاء مضاربات غير مسبوقة، ثم توقف كل شيء فجأة، ولم يعد يُسأل اليوم في نقاط التفتيش عن قنينة الإطفاء، ولا يسأل كذلك عن الحمولة الزائدة.

وإذا كانت ردة الفعل على فاجعة الكلم 75 على طريق الأمل، اقتصرت على حملة مؤقتة لإجبار سائقي السيارات على اقتناء قنينات إطفاء، فمن حقنا أن نقلق اليوم، من أن تكون ردة الفعل على فاجعة الغشوات، والتي أدت إلى وفاة 10 أشخاص في يوم الثلاثاء 2 يونيو 2026 بسبب تصادم حافلتين، أن تكون هي الأخرى مجرد ردة فعل مؤقتة توقف فيها الحافلات غير المزودة بمثبتات السرعة لأيام معدودة، قبل أن يعود سائقو تلك الحافلات إلى القيادة بسرعة مفرطة، في انتظار أن تقع فاجعة جديدة لتتخذ إجراءات مؤقتة جديدة ضد السرعة المفرطة. 

إن إطلاق مثل هذه الحملات المؤقتة، كردود أفعال غير مدروسة بشكل جيد، هي التي ستشجع السائقين على المزيد من التهور والاستهتار بحياة الناس، وذلك لأنها تشعرهم بأن الجهات الرسمية غير جادة فيما تتخذ من إجراءات، وأن الصرامة التي تتعامل بها في الأيام الأولى مع مخالفي الإجراءات المتخذة لن تستمر طويلا.

لقد ظهر بعد اتخاذ الإجراءات الأخيرة أن مثبتات السرعة غير متوفرة في السوق، وأن عددا كبيرا من الحافلات القديمة يواجه صعوبات فنية في تركيبها، وأن ما يستخدم حاليا من طرف الحافلات التي بدأت في تنفيذ الإجراءات المتخذة مؤخرا، لا يمكن اعتباره تقنيا بمثبتات للسرعة، وإنما هو إجراء تقليدي يمكن لسائق الحافلة أن يتخلص منه عند تجاوز أول نقطة مراقبة.

إننا في الحملة لنجدد الطلب باتخاذ إجراءات صارمة ودائمة لا رجعة فيها ضد السرعة المفرطة، ونرى أن تلك الإجراءات لن تكون صارمة ودائمة إلا من خلال اعتماد الحلول الرقمية الذكية.

لقد سبق للحملة أن أوضحت في بيانات سابقة، أن مطلبها القديم الذي رفعته في العام 2018 بإجبار حافلات النقل العمومي على اقتناء مثبتات السرعة، لم يعد في العام 2026 يمثل أفضل الخيارات المتاحة، وذلك نظرا لما شهده العالم من تطور هائل في أنظمة التتبع والاتصال والذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة.

ونظرا لذلك، فإننا ندعو مجددا إلى البدء المتدرج في اعتماد منظومة رقمية متكاملة، تكون قادرة على الرقابة والرصد بكفاءة أعلى، مع تقديم خدمات للسائقين تشعرهم بأن هذه المنظومة الرقمية ليست فقط من أجل رصد مخالفاتهم وفرض غرامات عليهم بسبب تلك المخالفات، وإنما هي كذلك من أجل أن تقدم لهم خدمات في غاية الأهمية هم بأمس الحاجة إليها، وخاصة ما يتعلق منها بوضعية الطريق الذي يسلكونه، وما يوجد عليه من مخاطر، فهذه الأنظمة بإمكانها أن توجه تنبيهات صوتية للسائق، ودون الحاجة للإنترنت، لتشعره باقترابه من حفرة، أو لسان رملي، أو مطب، أو مقطع متهالك، أو أي خطر آخر من أي نوع. كما أنها يمكن أن تحول له إرشادات وتنبيهات الشواخص التي قد لا تكون موجودة على الطريق أصلا، وإن وُجدت فإنه قد لا يفهم لغتها، تحولها له إلى لغة مسموعة يفهمها، كأن تقول له مثلا: هنا يمنع التجاوز، وهنا يجب أن تخفض السرعة، وهكذا. 

لقد استشعرت الحملة في وقت مبكر أهمية استخدام التقنيات الجديدة في مجال السلامة الطرقية، ويعمل فريق المهندسين المتطوع لها منذ فترة على تطبيق "سلامتي"، والذي سيكون بإمكانه مراقبة السرعة، بل ورصد عدد الساعات التي قضاها السائق دون توقف، فالعديد من الحوادث يكون بسبب القيادة أثناء التعب والنعاس، هذا فضلا عن تقديم خدمات أخرى يحتاجها السائق، وقد ذكرناها سابقا.

 وفي الأخير، تعلن الحملة عن استعدادها الكامل لوضع هذا المشروع، وخبرة فريقها، تحت تصرف السلطات العمومية، مساهمة منها في بناء منظومة رقمية متكاملة في مجال السلامة الطرقية، تحمي الأنفس وتصون الممتلكات، وتنسجم مع توجه الدولة نحو الرقمنة.

نواكشوط بتاريخ: 6 يوليو 2026


الأحد، 5 يوليو 2026

عن وصية أوصي بها...وأعجز عن تطبيقها!


ينتقدني كثيرون بسبب انشغالي بعدة مجالات في وقت واحد، ويرى هؤلاء المنتقدون بأن في ذلك تشتيتا للجهد والوقت والتركيز، ولكي أعطي لهؤلاء المنتقدين حجة أقوى، فسأكشف لهم في هذه السطور عن نصيحة كثيرا ما أوجهها للشباب في الدورات التدريبية التي أقدمها، أطالبهم فيها بأن يتخصصوا في مجال واحد، حتى يراكموا فيه خبرة، وينجحوا فيه، بل ويتميزوا، وأحذرهم دائما من تشتيت الجهد والوقت والتركيز في عدة مجالات، لأن ذلك التشتيت قد يحرمهم من النجاح في أي مجال، وقد يقلل ـ بالتالي ـ من مستوى تأثيرهم في توجيه الرأي العام، إن كانوا من المهتمين بالشأن العام.

تكرر تلك النصيحة، جعلني أتوقع مع كل دورة تدريبية أن يربكني أحد المشاركين بسؤال يقول فيه: لماذا توصينا دائما بوصية أنت آخر من يطبقها في حياته؟
في الحقيقة، لا أدري كيف غابت عن منتقدي فكرة، تنفيذها في غاية البساطة، ولو أنها نفذت لأضعفت حجتي إن حاولتُ الرد على المنتقدين، بل إنها قد تقطع لساني.
أذكر أني قرأتُ مرة عن قصة في غاية الغرابة، مفادها أن محاميا شهيرا قرر أن يتطوع بالدفاع عن شخص متهم بمحاولة قتله. ومع أني لستُ متأكدا من دقة الواقعة، إلا أني، وعلى طريقة المحامي المذكور في القصة، سأهدي لمنتقدي "فكرة انتقادية إبداعية" تبين بشكل قاطع حجم التناقض بين ما أنصح به الآخرين، وما أمارسه أنا على أرض الواقع. تتلخص الفكرة بإعداد مقطع مرئي قصير ـ على طريقة "الكيطاعة" ـ أظهر فيه وأنا أوجه نصائح للشباب بضرورة التخصص، ثم تظهر بعد ذلك لقطات في المقطع تناقض ما كنتُ أقول، حيث أظهر مرة وأنا في نشاط لحملة معا للحد من حوادث السير، ومرة في نشاط للحملة الشعبية للتمكين اللغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية، ومرات أخرى، وأنا في نشاط لميثاق المواطنة، أو في نشاط للائتلاف الوطني لمحاربة الفساد، أو في نشاط لاكتشاف المواهب الشبابية وتنميتها، تنظمه جمعية خطوة للتنمية الذاتية.
قطعا، لا أملك أي حجة لأبرر بها أهمية تشتت الجهود، أو لأبين من خلالها فوائد عدم التركيز على مجال واحد، وكل ما أستطيع أن أقوله في هذا المجال، هو أنني أعاني بالفعل من "حالة مرضية" يبدو أنها ستصاحبني طويلا، وأني ـ وبالإضافة إلى الحالة المرضية ـ قد اتخذت التزاما شخصيا، أرهقني في الماضي كثيرا، وسيرهقني أكثر في المستقبل، إن كان في العمر بقية.
حالة مرضية
إني من الذين يعانون من حالة مرضية نادرة، تجعلهم غير قادرين على الاكتفاء بالتفرج، والاستمرار فيه، عندما يشاهدون خللا ما لا يجد من يهتم بتصحيحه، أو مشكلة ما لا تجد من يحاول حلها. فهل يعقل مثلا أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا نزيف الطرق؟ وهل يعقل أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا انتهاك مادة من دستور بلاده المصادق عليه منذ أكثر من ثلث قرن؟
وهل يعقل أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا جرائم يرتكبها أطفال قصر أو شباب في مقتبل العمر تسربوا من المدرسة، ويتعاطون في الغالب المخدرات؟ وهل يعقل أن يُفعّل شخص ما، مهتم بالشأن العام، تقنية التفرج، ويستمر في تفعيلها، وهو يتابع يوميا تآكل قيم المواطنة الجامعة، وتصاعد الخطابات القبلية والفئوية والجهوية والعرقية، ثم لا يفعل شيئا على أرض الميدان ـ ولو قلَّ ـ لمواجهة كل هذه التحديات، والتي تكفي واحدة منها لتدمر بلدا بكامله، فكيف بها إذا اجتمعت في وقت واحد؟
لو أن من يوجه لي النقد بسبب تشتت الجهود، نزل إلى الميدان، واشتغل بواحد من هذه الملفات أو غيرها، لساعدني كثيرا، ولأغلق في وجهي بابا من أبواب تشتت الجهد.
التزام مرهق
لقد دفعني اهتمامي بالشأن العام إلى اتخاذ التزام شخصي أرهقني كثيرا خلال السنوات الماضية، والراجح أنه سيرهقني أكثر في المستقبل. يتلخص هذا الالتزام الشخصي في تقسيم التفاعل أو التعامل مع قضايا الشأن العام إلى ثلاثة مستويات، تتفاوت كثيرا من حيث الأهمية، كما أنها تتفاوت كذلك من حيث المشقة وحجم الجهد المبذول.’
أول هذه المستويات، وهو الأهم والأصعب، وأبدأ به عادة كلما قررتُ أن اهتم بقضية ما، يتمثل هذا المستوى في النزول إلى الميدان، وبذل الجهد والوقت وربما المال إن وُجد، لإصلاح خلل قائم، بما توفر من وسائل مهما كانت بساطتها. وعندما تتعذر إمكانية النزول إلى الميدان، ألجأ إلى المستوى الثاني، والذي يتمثل في بذل جهد فكري لإيجاد مقترحات وحلول نظرية للقضية أو الملف محل الاهتمام، على أن يتم تقديم تلك المقترحات والحلول إلى الجهات المعنية القادرة على تنفيذها، سواء كانت تلك الجهات حكومية أو حزبية أو جمعوية، أو كانت مجرد أشخاص يمتلكون من الوسائل ما يكفي لمعالجة ذلك الخلل أو حل تلك المشكلة.
وإن تعذر النزول جسديا إلى الميدان، وعجزت القدرات الذهنية عن إيجاد مقترحات وحلول نظرية يمكن تقديمها للجهات المعنية لعلاج خلل قائم، يتم حينها اللجوء إلى المستوى الثالث، وهو المستوى الأدنى، أي مزاحمة نخبتنا في الساحة التي تجيد اللعب فيها (منطقة الراحة بلغة خبراء التنمية البشرية)، والتي يندر أن تخرج منها. إنها ساحة الاكتفاء بتوجيه النقد للآخر، سواء كان ذلك الآخر حكومة، وفي الغالب يكون حكومة، أو أحزابا أو منظمات مجتمع مدني أو شخصيات عامة.
إن التشتت الذي أعيشه ليس ناتجا عن عدم الاقتناع بأهمية التخصص، وإنما هو محاولة لسد بعض الثغرات أو الثغور إذا شئتم، بالحد الأدنى مما يُتاح لي القيام به، في ظل غياب من يحاول سد تلك الثغرات بما لديه من وسائل وإمكانات.
إن المشكلة لا تكمن في أن لدي عشر قضايا أو ملفات أشتغل عليها في وقت واحد، بل إنها تكمن في أن الوطن يعاني من مئات المشاكل، وأن الكثير من أبنائه لا يفعل شيئا لحل تلك المشاكل، فلو كان في كل ثغر مرابط، لما اضطر أيٌّ منا للتنقل بين الثغور.
ختاما
سأبقى ـ رغم كل ما سبق ـ أكرر أمام الشباب النصيحة نفسها: لا تشتتوا جهودكم، وتخصصوا في مجال واحد، ولا تجعلوا من تجربتي الشخصية نموذجا يحتذى به؛ فما أعيشه ليس نموذجا يحتذى به، وإنما هو استثناء فرضته ظروف معينة اختلطت فيها حالة مرضية بالتزام شخصي قاس ومرهق.
حفظ الله موريتانيا...

السبت، 4 يوليو 2026

جلسة مع خبير عن التدخل لإسعاف الضحايا


 نظمت حملة "معا للحد من حوادث السير"، مساء اليوم الجمعة، جلسة نقاشية حول الإسعافات الأولية لضحايا حوادث السير، استضافت خلالها جراح الأعصاب الإسباني من أصل لبناني الدكتور هاني أمحيدلي، الذي يزور موريتانيا حاليا لتقديم دورات تكوينية للأطباء والمسعفين في مجال جراحة الأعصاب وإسعاف ضحايا حوادث السير.

وافتُتحت الجلسة بكلمة ألقاها منسق الحملة محمد الأمين الفاضل، رحب فيها بالضيف، شاكرا له تلبية الدعوة،  ومبينا أن نشطاء المجتمع  المدني في أمس الحاجة إلى التكوين في مجال الإسعافات الأولية، حيث أن  60% من وفيات حوادث السير تقع أثناء نقل المصابين أو داخل المستشفيات، وهو ما يبرز الأهمية الكبيرة للإسعافات الأولية في إنقاذ الأرواح والحد من مضاعفات الإصابات.

وأضاف أن روح المبادرة وحسن النية اللذين يتحلى بهما نشطاء المجتمع المدني في مساعدة ضحايا الحوادث لا يكفيان وحدهما، إذا لم يقترنا بالمعرفة والتكوين اللازمين، بل قد يؤدي التدخل غير الصحيح، في بعض الحالات، إلى تفاقم الإصابات أو التسبب في مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.

ولهذا السبب يضيف منسق الحملة فقد حرصنا في الحملة على تنظيم هذه الجلسة.للاستفادة من خبرات الدكتور هاني أمحيدلي في مجال الإسعافات الأولية. وقد استعرض الدكتور  جانبا من خبراته في مجال التكوين بعدد من الدول العربية، كما تحدث عن التجربة الإسبانية والتطور الذي بلغته منظومة الإسعاف في بلده.

كما قدم الدكتور خلال الجلسة مجموعة من النصائح والإرشادات العملية لأعضاء الحملة والمشاركين في الندوة، تناولت المبادئ الأساسية للتعامل مع ضحايا حوادث السير قبل وصول الفرق الطبية المختصة.

وقد احتضنت قاعة التكوين بمصالح العون الطبي الاستعجالي فعاليات الجلسة، واستفاد المشاركون على هامشها من جولة ميدانية داخل إدارات وأقسام مصالح العون الطبي الاستعجالي، اطلعوا خلالها على طبيعة العمل داخل هذه المؤسسة الهامة، وآلياتها للتدخل في الحالات الاستعجالية.

يُذكر أن زيارة الدكتور هاني لمحيدلي إلى موريتانيا تأتي بدعوة من جمعية خريجي دولة الكويت في موريتانيا وحملة معا للحد من حوادث السير، وبرعاية من مصالح العون الطبي الاستعجالي. 




الخميس، 2 يوليو 2026

بيان توثيقي: كيف تحول مطلبنا من مثبتات السرعة إلى الشرائح الذكية؟


مطلبنا في العام 2018 لم يعد مطلبنا في العام 2026!

▪ في يوم 7 نوفمبر 2018 تعرضت إحدى حافلات شركة "سونيف" لحادث سير أليم عند الكلم 7 شرق أغشوركيت، وكان سبب الحادث ـ حسب ما توصلت له الحملة آنذاك ـ أن السائق كان يقود الحافلة بسرعة مفرطة، ففاجأته حيوانات على الطريق، حاول أن يتفاداها، ففقد السيطرة على الحافلة التي انقلبت عدة مرات، فكانت الفاجعة: 11 وفاة فورية، وما يقارب 30 جريحا، وصفت إصابات العديد منهم بالحرجة؛  

▪ في يوم 13 نوفمبر 2018، زار وفد من الحملة مقر شركة سونيف في نواكشوط، وبعد انتظار طويل استقبلنا أحد مسؤولي الشركة، فقدمنا له التعازي باسم الحملة، ثم طلبنا منه أن يلزم سائقي الشركة بسرعة قصوى لا تتجاوز 90  كلم/ للساعة حفاظا على أرواح المسافرين، ولكنه لم يستجب لهذا الطلب؛

▪ في يوم 26 نوفمبر 2018، سلمنا رسالة من الحملة إلى وزارة التجهيز والنقل تطالب بإلزام حافلات النقل العمومي باقتناء مثبتات السرعة. ووجهنا هذه الرسالة إلى الوزارة، بعد أن رفضت أغلب شركات النقل طلباتنا باقتناء مثبتات السرعة لحافلاتها. 

▪ في يوم 27 نوفمبر 2018، وجهنا دعوة للمسافرين، طالبناهم فيها، بالسفر في حافلات ثلاث شركات اقتنت في تلك الفترة مثبتات السرعة، وذلك تشجيعا لها، والشركات هي: شركة مكة للنقل، شركة المسافر، شركة الأندلس؛

▪ في يوم 27 ديسمبر 2019، وجهت الحملة رسالة إلى وزارة التجهيز النقل، طالبت فيها من جديد بإلزام حافلات النقل العمومي باقتناء مثبتات السرعة؛ 

▪ في يوم 3 يناير 2020، تسلمت الحملة ردا من الوزارة تضمن تعهدا مكتوبا بإلزام شركات النقل بتركيب مثبتات السرعة؛

▪ في يوم 29 سبتمبر 2022، أي بعد مرور سنتين، وثمانية أشهر، وستة وعشرين يوما على تعهد الوزارة الذي لم ينفذ، قمنا من جديد بتوجيه رسالة إلى وزير التجهيز والنقل، ذكرناه فيها بالتعهد السابق، وطالبناه بالإسراع في تنفيذه.

▪ في يوم 1 يوليو 2026، أعلنت سلطة تنظيم النقل الطرقي عن البدء في تنفيذ إجراء يقضي بعدم منح حافلات النقل العمومي إذن خروج إذا لم تكن مزودة بمثبتات السرعة، وجاء هذا الإجراء بعد جهد كبير بذلته الحملة، استمر ل7 سنوات، و7 أشهر، و18 يوما.

لقد رحبنا في الحملة بهذا الإجراء الذي طال انتظاره، ولكن من واجبنا أن نقول اليوم وبوضوح: ما كنا نطالب به في العام 2018 لم يعد هو ما نطالب به اليوم في العام 2026.هذا لا يعني أن مطلب الأمس كان خاطئا، بل كان يمثل آنذاك أفضل الحلول المتاحة، ولكن المسؤولية تقتضي منا أن نُطور مطالبنا كلما تطورت وسائل وتقنيات السلامة.

إن الفجوة الزمنية الكبيرة (8 سنوات تقريبا) بين تقديم المطلب وتطبيقه، كانت كافية لأن يتغير العالم، وأن تظهر حلول وتقنيات أكثر كفاءة وأقوى فعالية من الحلول والتقنيات التقليدية.  لقد دخل العالم عصر الرقمنة الشاملة والذكاء الاصطناعي، وأصبحت أنظمة السلامة الطرقية الحديثة تتجاوز فكرة "مثبت السرعة" إلى منظومات رقمية ذكية أكثر شمولًا وكفاءة.

فبدل الاكتفاء اليوم بجهاز يراقب السرعة فقط، وفي محاور طرقية محددة، فقد أصبح بالإمكان الاعتماد على شرائح ذكية مرتبطة بتقنيات تحديد المواقع والاتصال، تراقب السرعة، وتحدد الموقع، وترصد ساعات القيادة، وترسل تنبيهات متعددة، وتبني قاعدة بيانات تساعد أصحاب القرار في اتخاذ القرار الأسلم.

ولذا، فإننا نرى أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة التحول من الأجهزة التقليدية إلى المنظومات الرقمية الذكية، لأنها أكثر فاعلية، وأوسع قدرة على حماية الأرواح، وأقل كلفة على المدى البعيد، كما أنها تنسجم مع توجه الدولة نحو الرقمنة والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ختاما 

إن الحملة لا تتمسك بالأدوات، وإنما تتمسك بالغاية والتي هي إنقاذ الأرواح وصون الممتلكات، ولذا، فقد كان مثبت السرعة التقليدي هو مطلبنا في الحملة بالأمس... أما اليوم، فالرقمنة والشرائح الذكية هي مطلبنا، وهي رهاننا لمراقبة فعالة تعزز من السلامة الطرقية، وتقلل من حجم الخسائر البشرية والمادية التي نتكبدها باستمرار بسبب حوادث السير.

نواكشوط: 2 يوليو 2026

حملة معا للحد من حوادث السير.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع

#معا_للحد_من_حوادث_السير.

الأربعاء، 1 يوليو 2026

بيان من حملة معا للحد من حوادث السير


تُثمن حملة "معا للحد من حوادث السير" الإجراء الذي أعلنت عنه سلطة تنظيم النقل الطرقي، والقاضي بعدم منح إذن خروج لحافلات النقل العمومي غير المزودة بمثبتات السرعة، ابتداءً من فاتح يوليو 2026. وتعتبر الحملة أن هذا الإجراء يشكل خطوة مهمة في اتجاه تعزيز السلامة الطرقية، والحد من حوادث السير الناجمة عن السرعة المفرطة.

وتذكِّر الحملة بأن إلزام الحافلات بمثبتات السرعة شكَّل أحد أبرز مطالبها منذ أواخر العام 2018، بعد حادث أغشوركيت الأليم الذي تعرضت له إحدى حافلات أكبر شركة نقل في البلاد يوم 11 نوفمبر 2018، وأدى إلى وفاة 11 راكبًا بشكل فوري. وفي يوم 27 ديسمبر 2019، تقدمت الحملة برسالة إلى وزارة التجهيز والنقل تطالب فيها بإلزام حافلات النقل العمومي بين المدن بتركيب مثبتات السرعة، وقد تلقت بشأنها ردا رسميا بتاريخ 3 يناير 2020، تضمن تعهد الوزارة بإلزام شركات النقل بتركيب هذه الأجهزة. ولأن التعهد لم ينفذ، وجهت الحملة رسالة إلى وزير التجهيز والنقل في يوم 29 سبتمبر 2022، ذكّرت فيها بالتعهد السابق، وطالبت بالمسارعة إلى تنفيذه.

ويسرُّ الحملة ـ وهي تُحَضِّر لتخليد ذكرى تأسيسها العاشرة ـ أن ترى أحد مقترحاتها الرئيسية يجد طريقه إلى التنفيذ، بعد سنوات من المتابعة والمراسلات والدعوة المتواصلة إلى العمل به.

والحملة إذ تجدد ترحيبها بهذا الإجراء المهم الذي طال انتظاره لست سنوات، فإنها تنبه إلى أن التطور الكبير الذي شهدته السنوات الأخيرة في أنظمة التتبع والرقابة الذكية المعتمدة على الشرائح وتقنيات تحديد المواقع، يدعو إلى التفكير في اعتماد هذه الأنظمة باعتبارها حلا أكثر شمولا وملاءمة لعصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وهي ـ بالإضافة إلى ذلك ـ تنسجم مع توجه الدولة نحو التحول الرقمي. فهذه الأنظمة لا تقتصر على مراقبة السرعة فحسب، بل تتيح كذلك رصد ساعات القيادة، وإرسال تنبيهات فورية عند المخالفات، وبناء قواعد بيانات دقيقة تسهم في تحسين جودة القرارات، وتعزيز فعالية الرقابة، والحد من حوادث السير على مختلف محاور الشبكة الطرقية.

وفي هذا السياق، تعلن الحملة أن فريق المهندسين المتطوع لديها يواصل العمل منذ فترة على تطوير منظومة رقمية متكاملة للسلامة الطرقية من خلال "تطبيق سلامتي"، الذي يهدف إلى توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الوقاية من حوادث السير، وتوفير حلول رقمية عملية تدعم جهود السلطات العمومية وكافة الفاعلين في مجال السلامة الطرقية.

وتؤكد الحملة، في ختام هذا البيان، استعدادها الكامل للتعاون مع الجهات الحكومية وكافة الشركاء في كل ما من شأنه أن يحدَّ من حوادث السير، ويقلل من خسائرها البشرية والمادية الجسيمة، حفظا للأروح وصونا للممتلكات.

نواكشوط، بتاريخ: 1 يوليو 2026

حملة معا للحد من حوادث السير

عشر سنوات بلا مقر ( الحلقة الثانية: حملات معا)


في ضحى يوم الأحد الموافق 7 أغسطس 2016، ومن حفرة بالغة الخطورة تقع على الكلم 29 من طريق الأمل، أطلق ثمانية أشخاص أول نشاط ميداني لحملة معا للحد من حوادث السير، وتمثل هذا النشاط في ردم وترميم تلك الحفرة. 

هكذا ظهرت حملة معا للحد من حوادث السير في أول إطلالة ميدانية لها، وقبل ذلك بأيام،  قرر ستة أشخاص، يمكن وصفهم بالأعضاء المؤسسين، أن يطلقوا أنشطة للحد من حوادث السير، وذلك بعد أن سُجِّل في تلك الفترة عدد من الحوادث الأليمة، كانت من بينها حوادث راحت ضحيتها أسر كاملة.

مرَّت عشر سنوات تقريبا على الانطلاقة، والتحق بالحملة عدد كبير  من النشطاء، غالبيتهم شباب، فتباينت مساهمات المنخرطين بين من يشارك في نشاط أو نشاطين، ومن يُشارك في موسم أو موسمين ثم  تشغله مشاكل الحياة. ومن بين كل الذين مروا بالحملة صمدت ثلة من الشباب، يمكن أن نصفها بفريق العمل الميداني للحملة. ومن أبرز ما يميز هذا الفريق أنه على استعداد تام للنزول إلى الميدان في أي وقت، والعمل في ظروف بالغة الصعوبة، حيث لا يوجد مقر، ولا موارد، ولا شركاء داعمين، ورغم ذلك فقد استطاع هؤلاء الشباب أن يتركوا أثرا طيبا، خلال عقد من الزمن قضته الحملة بلا مقر.

من التصور إلى الميدان

عزيزي القارئ والمتابع لأنشطة حملة معا للحد من حوادث السير، إن كل ما تريد أن تعرفه عن رؤية الحملة، ورسالتها، وفلسفتها في العمل، ستجده في تسميتها وأنشطتها الميدانية، ويكفي هنا أن نجيب على سؤال واحد لتعرف كل شيء عن الحملة.

لماذا "حملة" ولماذا "معا"؟

يندر في بلادنا إطلاق اسم "حملة" على الأنشطة غير السياسية ذات الطبيعة الانتخابية، ولذلك، ورغم مرور عشر سنوات تقريبا على اختيارنا لهذه التسمية، فما زال الإعلام يرفض تسميتنا بالحملة، فهناك من يطلق علينا جمعية أو منظمة معا للحد من حوادث السير، وهناك من يطلق علينا مبادرة معا للحد من حوادث السير. لقد اخترنا تسمية هذا المشروع التوعوي الطموح بالحملة ليبقى مفتوحا في كل الأوقات أمام الجميع، فالحملات ليست حكرا لأصحابها، ويمكن لكل مهتم أن يشارك فيها بما يشاء وكيفما شاء، هذا أولا. أما ثانيا فإن لكل حملة مواسم، تكثف فيها الأنشطة، ومواسم حملتنا معروفة، فهي المواسم التي تكثر فيها الحوادث: فصل الخريف، أيام الأعياد، فترات الانتخابات والمهرجانات.

وبخصوص كلمة "معا"، فإن الرسالة أوضح وأفصح، وقد اخترنا كلمة "معا" لسببين اثنين:

الأول: إن المسؤولية فيما يقع على شبكتنا الطرقية من مجازر يومية، لا تتحمله جهة واحدة. صحيح أن السلطة تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية، لكن الصحيح أيضا أن السائق، والراكب، والمشاة، والمسجد، والإعلام، والمدرسة، والأسرة، والمجتمع بكامله، يتحملون هم كذلك جزءا من المسؤولية. لقد أردنا أن تكون كلمة "معا" إقرارا بالمسؤولية المشتركة، قبل أن تكون دعوةً للعمل المشترك، ولذا فقد رفعنا في أحد مواسمنا التوعوية شعار "حوادث السير: الكل متضرر.. الكل مسؤول". لقد رفضنا رفع شعارات جذابة ومريحة لنا من قبيل "أوقفوا حوادث السير" أو "أوقفوا مجازر الطرق"، لأن من يطلق تلك الشعارات يحمل المسؤولية لجهة واحدة، ويوهم نفسه أنه بريء مما يحدث ، وأنه بالتالي غير معني بالمشاركة والمساهمة في الحل.

الثاني: أننا كنا نستحضر عند الانطلاقة بصفتنا أعضاء مؤسسين، منظومة متكاملة من المبادرات التوعوية. كان التصور لدينا في ذلك الوقت أننا سنطلق في كل عام حملة توعوية جديدة للمساهمة في حل واحدة من "كبريات المشاكل" التي تعاني منها بلادنا. وعلى هذا الأساس فقد خصصنا العام 2016 للتوعية ضد حوادث السير، فأطلقنا حملة "معا للحد من حوادث السير"، وكنا نخطط لأن نخصص العام 2017 للتوعية ضد الجريمة مثلا، فنطلق حملة "معا للحد من الجريمة"، وفي العام 2018 نشتغل على التوعية ضد المخدرات، فنطلق حملة "معا ضد المخدرات"، وفي العام 2019 نطلق حملة ضد الأغذية الفاسدة والأدوية المزورة، فنطلق حملة "معا لحماية المستهلك"، وهكذا...

لقد اكتشفنا مبكرا أن ملف حوادث السير أخطر وأكثر تعقيدا من أن تكفيه سنة واحدة، ولا حتى عقد واحد، فالتوعية ضد حوادث السير، تحتاج إلى عمل متواصل، ونفس طويل، وجهد يتراكم لسنوات وربما لعقود، ولذا فقد استمرت حملتنا للحد من حوادث السير لعشر سنوات دون إطلاق حملة أخرى، وتمكنتُ أنا من بين كل الأعضاء المؤسسين من الصمود لعقد كامل مع الشباب في الميدان، ومع ذلك، فلا أخفيكم أني بدأتُ أفكر فعلا في تخفيف حضوري في الحملة بعد موسمها العاشر، وسأكتفي في العقد القادم، إن كتب الله لي الحياة، وإن راى الشباب ذلك، أن ألعب دورا استشاريا أو إشرافيا عن بعد، فمأموريتين من خمس سنوات لكل مأمورية تكفيان، وأنا سأكمل مأموريتي الثانية كمنسق للحملة في السابع من أغسطس القادم.

لقد أصبح للحملة شبابها الرائع، وربما يكون أداؤه أفضل من أدائنا نحن الجيل المؤسس، ثم إننا في الحملة نشتغل حاليا على إطلاق منظومة رقمية متكاملة في السلامة الطرقية، تماشيا مع عصر الرقمنة، إن وجدنا دعما لذلك، وجيل الحملة من الشباب المتطوعين سيكون أكثر قدرة على تطويع الرقمنة في مجال السلامة الطرقية من مؤسسيها الكهول.

لن أترك الحملة بشكل كامل، ولكن لدي العديد من المجالات الأخرى التي أتطوع فيها، والتي تستحق اهتماما أكبر، وفي خطتي الشخصية للسنوات القادمة، سيكون تركيزي بإذن الله، على ترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيزها أكثر من أي مجال آخر، وذلك نظرا للحاجة الكبيرة لتأسيس دولة المواطنة.

تشتيت الجهود أم محاولة لسد الثغور؟

ينتقدني البعض بسبب انشغالي بعدة مجالات في وقت واحد، ويرى أولئك المنتقدين أن في ذلك تشتيتا للجهد والوقت. بكل تأكيد إن التركيز على ملف واحد سيكون هو الأنجع والأعمق أثراً. ويمكنني أن أزيد منتقدي ببيت من الشعر، فأنا من الذين ينصحون الشباب في الدورات التدريبية بضرورة التخصص في مجال واحد، حتى يراكموا فيه خبرة، ويتميزوا فيه. وأنصحهم دائما بعدم تشتيت الجهد والوقت والتركيز. إن المشكلة التي تجعلني لا أتقيد بما أنصح به الآخرين من عدم تشتيت الجهد، هي أني أعاني من "حالة مرضية" يبدو أنها سترافقني طويلا، مع أنها ترهقني كثيرا، تجعلني لا أستطيع أن أبقى متفرجا على خلل ما، لا يجد من يهتم بتصحيحه أو إصلاحه. لم يكن بإمكاننا كأعضاء مؤسسين أن نواصل التفرج على مجازر الطرق اليومية دون أن نتحرك توعويا على الأقل، وضمن دائرة المتاح التي تحدثنا عنها في الحلقة الأولى من هذه السلسلة.

إن هذا التشتت ليس ناتجا عن عدم الاقتناع بأهمية التخصص، وإنما هو محاولة لسد بعض الثغرات أو الثغور إذا شئتم، والتي لا تجد من يهتم بها، سدها بالحد الأدنى مما يُتاح لي القيام به.

إني اشتغل منذ سنوات في عدة مجالات:

1. التنمية البشرية: عبر "برنامج خطوة التدريبي" لاكتشاف وتنمية المواهب الشبابية.

2. محاربة الفساد:  من خلال "الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد".

3. التمكين للغة العربية:  تحت عنوان"الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية".

4. تعزيز قيم المواطنة: ضمن بنود "ميثاق المواطنة"، وهذا الملف الأخير أي تعزيز قيم المواطنة هو الذي سيرتكز عليه جهدي الأكبر في خطتي الخمسية الحالية.

إني من الذين يرون أن للاهتمام بالشأن العام ثلاثة مستويات تتفاوت كثيرا من حيث الأهمية والجدوى.

المستوى الأول: وهو الأهم والأصعب، أن تنزل إلى الميدان، وتبذل وقتك وجهدك ومالك لإصلاح خلل قائم بما تملك من وسائل، مهما كانت تلك الوسائل بسيطة.

المستوى الثاني: أن تنتج الأفكار، وتقدم المقترحات والحلول لمن يمتلك القرار والقدرة على القيام بالإصلاح.

المستوى الثالث: في حالة عدم التمكن من الاشتغال في المستوى الأول والثاني يتم الاكتفاء بنقد الواقع، والكتابة 

 والحديث عنه في وسائل الإعلام والفضاءات العامة. وهذا هو أضعف مستويات التدخل، وأقلها أثرا.

ختاما

نذكر بأن موسمنا التوعوي العاشر سيبدأ يوم السابع من أغسطس 2026، ونخطط إن وجدنا شراكات لتثبيت المزيد من المجسمات التوعوية على أهم المحاور الطرقية خلال هذا الموسم، وإطلاق منظومة رقمية متكاملة في السلامة الطرقية، وتنظيم نسخة جديدة من قافلة معا من أجل خريف آمن، هذا فضلا عن عقد ندوات ونقاشات حول نداء جوك للسلامة الطرقية والذي نعتبره يشكل خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا إن تم العمل به.

حفظ الله موريتانيا..

عشر سنوات بلا مقر (الحلقة الأولى: تحديات الانطلاقة)


بعد أربعة وأربعين يوما فقط، وتحديدا في السابع من أغسطس 2026، ستكمل حملة "معا للحد من حوادث السير" عشر سنوات من العمل التطوعي المتواصل خدمة للسلامة الطرقية في موريتانيا.

عشر سنوات كاملة من الأنشطة التوعوية، والوقفات التحسيسية، والزيارات الميدانية لمواقع الحوادث، وإطلاق القوافل، وتنظيم الندوات، وتقديم المقترحات، والمتابعة اليومية لحوادث السير والنشر عنها، وفي حالات نادرة جدا عقد شراكات أو تعاون، كل ذلك كان من أجل إنقاذ الأرواح وصيانة الممتلكات، من خلال الحد من حوادث السير في موريتانيا. 

عشر سنوات من العمل الميداني، استطعنا خلالها ـ وإلى حدٍّ ما ـ أن نجعل من ملف السلامة الطرقية قضية رأي عام وطني يتحدث عنها الجميع، وكان ذلك أحد أهدافنا الأساسية، فقد انطلقنا في فترة لم يكن فيها هذا الموضوع البالغ الأهمية يجد ما يستحق من اهتمام لدى الرأي العام الوطني.

عشر سنوات من العمل الميداني، في ظروف بالغة الصعوبة، لم نجد فيها من يدعمنا في أنشطتنا التوعوية الهادفة إلى الحد من نزيف الطرق الذي تضرر منه الجميع، فيصعب أن تجد اليوم أسرة موريتانية إلا ولها ذكريات أليمة مع حوادث السير، ومع ذلك ظل الإسهام المجتمعي في هذا الجهد محدودا للغاية، فنحن في الحملة لم نتمكن من عقد تعاون أو شراكة مع أي مؤسسة عمومية أو خصوصية إلا في حالات نادرة جدا، وفي نطاق محدود جدا.

 عشر سنوات من العمل في ظل تحديات قاسية، من حيث توفر الوسائل، ومن حيث تعاون الجهات المعنية بالسلامة الطرقية، وسأكتفي هنا بأن أكشف لكم أن الحملة منذ انطلاقها وحتى كتابة هذه السطور، لم تمتلك مقرا، ولكنها مع ذلك حاولت بوسائلها الذاتية أن تترك أثرا. 

إن هذه الحملة التي أصبح يعرفها آلاف الموريتانيين، والتي نزلت إلى الميدان في فترة كان الحديث فيها عن السلامة الطرقية محدودا جدا، لا تمتلك منذ تأسيسها وحتى اليوم، مقرا ـ حتى ولو متواضعا ـ يجتمع فيه أعضاؤها، ويحفظ أرشيفها، وتُحضر فيه أنشطتها.

الراجح أننا لو وجدنا خلال السنوات العشر الماضية دعما أكبر، وشراكات أوسع، ووسائل أكثر، لكانت نتائج الحملة أكبر بكثير مما تحقَّق على أرض الواقع. ومع ذلك، فإننا على قناعة تامة بأن للنجاح الذي يتحقق في ظل شح الوسائل طعما خاصا لا يعرفه إلا من عاش التجربة. فحين تنجح في تحقيق أثر ملموس رغم قلة الإمكانات، فإنك ستشعر بأنك انتصرت مرتين: مرة على المشكلة التي كنت تسعى لمعالجتها، ومرة على الظروف التي كانت تحاول أن تمنعك من القيام بواجبك.

لم يكن غياب المقر هو التحدي الأصعب الذي واجهته الحملة، بل كانت هناك تحديات عديدة أخرى، سنتوقف مع اثنين منها في هذه الحلقة الأولى، من هذه السلسلة التي سأنشرها بمناسبة التحضير لتخليد الذكرى العاشرة لانطلاق الحملة، وإطلاق موسمها التوعوي العاشر.

لم يكن بإمكان التحديات أن توقفنا مهما تنوعت وتزاحمت عن مواصلة هذا العمل العظيم، فكيف نتوقف، ونحن نعلم يقينا بأن حوادث السير لن تتوقف عن حصد الأرواح وإتلاف الممتلكات بشكل يومي؟

إن من أصعب تحديات الانطلاقة، أن العديد من السائقين كان يتعامل معنا بسلبية كبيرة، بل وبغضب في بعض الأحيان، عندما نسلمه قصاصة إرشادية أو نتحدث معه عن إجراءات السلامة الطرقية. كان العديد من السائقين، يطلب منا ترميم وإصلاح الطرق المتهالكة، بدلا من انشغالنا بالتوعية، بحجة أن تهالك الطرق هو السبب الأول في حوادث السير.

كان يطلب منا ذلك، معتقدا أن لنا صلة بالقطاعات الحكومية المعنية، وخاصة منها وزارة التجهيز والنقل، وفاته أن وزارة التجهيز والنقل ـ وهذا هو التحدي الثاني الذي واجهناه عند الانطلاقة ـ حاولت أكثر من مرة، أن توقف أنشطتنا عند نقطة تفتيش الدرك بتيفيريت (طريق الأمل)، وطلب بعض موظفيها من عناصر الدرك أن يطردونا ويوقفوا أنشطتنا التوعوية عند تلك النقطة، بحجة أن التوعية في مجال السلامة الطرقية يجب أن تبقى عملا رسميا حكرا للوزارة المختصة، والجهات الحكومية ذات الصلة بالملف.

العمل في دائرة المتاح

إن من أهم الدروس التي تعلمنا في الحملة بعد عشر سنوات من العمل الميداني في ظروف غير مواتية، هي أن العمل في دائرة المتاح سيبقى هو الطريق المضمون لتحقق إنجازات ملموسة. وهنا أود أن أوجه رسالة إلى نشطاء المجتمع المدني، مفادها أن الوسائل مهمة، ولكنها إذا غابت فذلك لا يبرر الانسحاب من الميدان، فنحن في الحملة لم ننسحب رغم غياب المقر وشح الوسائل، بل على العكس، واصلنا العمل في دائرة المتاح. وكما أقول دائما للشباب في الدورات التدريبية، إن من يشتغل منهم في دائرة المتاح، سيجد أن هذه الدائرة ستتسع أمامه شيئا فشيئا مع مرور الوقت، ومع بذل المزيد من الجهد، إلى أن يصل اتساعها إلى ما كان يعتقد عند الانطلاقة بأنه يدخل في دائرة المستحيل، وحينها سيجد أنه أصبح قادرا على التأثير في المجتمع، وبأنه قد أصبح بإمكانه أن يطرق باب المستحيل.

وفي المقابل، فإن عدم استغلاله للمتاح حاليا، اعتقادا منه بأن دائرته أصغر من طموحه، ومن الحد الأدنى المطلوب، فإن ذلك سيؤدي مع الوقت إلى انكماش دائرة المتاح، والتي ستظل تضيق وتنكمش حتى تختفي تماما، وحينها سيجد بأنه لم يعد له أي دور أو أي قدرة على التأثير في المجتمع، وأنه لم يعد من المتاح له إلا أن يبقى داخل دائرة العجز الكامل، يندب حظه، ويتفرج على ما يدور حوله دون أبسط تأثير.

وحتى لا أطيل عليكم، فسأكتفي بهذا القدر في الحلقة الأولى من هذه السلسلة التي ارتأيت أن أنشرها في إطار تخليد الذكرى العاشرة لانطلاق الحملة، والتي نحلم بأن نخلدها بأنشطة نوعية، إن وجدنا دعما أو شراكات تمكن من ذلك:

تثبيت ثلاثة مجسمات توعوية جديدة على المحاور الطرقية: نواكشوط – روصو، ونواكشوط – نواذيبو، ونواكشوط – أكجوجت، على غرار المجسم التوعوي المقام على طريق الأمل قرب واد الناقة.

إطلاق تطبيق في السلامة الطرقية يوفر للسائق تنبيهات صوتية عن الحفر والمطبات والألسنة الرملية والأشغال والمقاطع المتهالكة، التي تواجهه في طريقه، وهذا التطبيق يعمل دون الحاجة إلى الإنترنت.

إطلاق نسخة جديدة من قافلة "معا من أجل خريف آمن" تجوب مختلف ولايات الوطن، وتمر بمختلف المحاور الطرقية طوال شهر كامل من التوعية الميدانية.

تنظيم سلسلة ندوات حول "نداء جوك للسلامة الطرقية" باعتباره خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا.

عشر سنوات مضت على الحملة بلا مقر، وبإمكانات محدودة، وبشراكات نادرة جدا، ولكنها مع ذلك تركت أثرا طيبا، ونعتقد أن ذلك الأثر كان يمكن أن يتسع أكثر لو حصلنا على شراكات ودعم. ما نرجوه اليوم هو شراكات ذات نفع عام، ودعما لرسالة توعوية هدفها، أن يعود المسافر إلى أهله سالما، وأن لا تفجع أسرة في أحد أفرادها، وأن يتناقص عدد حوادث السير في بلادنا بنسبة كبيرة جدا. 

يتواصل إن شاء الله..

السلامة الطرقية مسؤولية الجميع..

معا للحد من حوادث السير..

حفظ الله موريتانيا...

الجمعة، 26 يونيو 2026

فوضى خلف المدرسة


بكل تأكيد، نحن مجتمع يحتاج إلى معركة جادة لتغيير العقليات، والانتقال من الفوضى العارمة إلى ثقافة النظام والانضباط.

قُدِّر لي اليوم أن أمرَّ من خلف إحدى المدارس التي كانت تُجرى فيها مسابقة أو امتحان، فإذا بي أمام مشهد من الفوضى العارمة في الشارع الواقع خلفها. 

سيارات تتدافع من كل الاتجاهات داخل مساحة ضيقة للغاية، حتى بدا من المستحيل أن تتمكن أي سيارة من الخروج من تلك الزحمة المصطنعة، أو بالأحرى من تلك "الخلبطة" المقصودة.

حاولت أن أستكشف سبب هذه الفوضى، ومن أين بدأت، وكيف بدأت؟

 فتبين لي بعد التقصي أن هناك سيدة أوقفت سيارتها وسط الشارع كانت هي السبب فيما حصل. 

توقفت بحجة أنها تنتظر أحد التلاميذ المشاركين في الامتحان، ولأنها لم تجد مكانا مناسبا بالقرب من المدرسة تركن فيه سيارتها، اختارت أن تتوقف في وسط الطريق، هكذا وبكل بساطة، لتبدأ بعد ذلك سلسلة من التصرفات وتغيير الاتجاهات والتوقفات  العشوائية التي أدت في المحصلة النهاية  إلى اختناق مروري يصعب أن يخرج منه أحدا.

عندما تلقي نظرة على السيارات المتكدسة، وقد اتجهت كل واحدة منها في مسار مختلف، يصعب عليك أن تصدّق أن من يقود هذه السيارات هم أشخاص راشدون وأسوياء. 

كل واحد كان يوجه سيارته في الاتجاه الذي يرى أنه قد يساعده في الخروج. دون النظر إلى التعقيدات التي سيتسبب فيها. كل سائق قرر أن يبحث عن مصلحته الخاصة بمعزل عن الآخرين، ودون أن يدري أنه بذلك التصرف سيشلُّ حركة الجميع، وهو بطبيعة الحال من الجميع الذي ستشل حركته.

مشكلتنا في كثير من الأحيان ليست ضيق الشوارع فقط، بل ضيق مساحة احترام النظام. فحين يقرر كل شخص على الشارع أن يتصرف طبق هواه خارج النظام، وأن يكون استثناء، تتحول حينها الشوارع إلى فوضى عارمة.

الصورة من توليد الذكاء الاصطناعي.

بيان تنبيهي/ حتى لا تتسبب الحاويات غير المثبتة في مجازر بشرية


رصدت حملة "معا للحد من حوادث السير"، خلال الفترة الأخيرة، في إطار متابعتها المستمرة لحركة السير في موريتانيا، ظاهرة بالغة الخطورة، تتكرر بشكل مقلق، وتتمثل في سير شاحنات متهالكة تحمل حاويات مثبتة بطرق غير آمنة في شوارع العاصمة، مما يشكل استهتارا واضحا بأرواح المواطنين ومستخدمي الطريق. 
وكان من آخر ما تم رصده في هذا المجال، شاحنة متهالكة تتحرك على أحد شوارع العاصمة، وهي تحمل حاوية بطول أربعين قدما محملة بالبضائع، ثبتت بحبال مهترئة.
كما وثقت الحملة خلال الفترة الماضية سقوط عدد من الحاويات والشاحنات على سيارات صغيرة كانت متوقفة على جوانب الطرق. ومن لطف الله أن تلك السيارات كانت خالية من الركاب لحظة وقوع الحوادث، وإلا لكنا أمام خسائر بشرية جسيمة.
إن تكرار هذه الحوادث ينذر بإمكانية وقوع مجازر بشرية في أي وقت، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة وحازمة لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة.
وانطلاقا من مسؤوليتنا المجتمعية، فإننا ندعو الجهات المعنية لاتخاذ إجراءات مستعجلة، من أبرزها:
1 ـ التصدي الفوري للشاحنات المتهالكة التي تنقل الحاويات بطرق غير آمنة، ومنعها من السير داخل المدن حتى تستوفي شروط السلامة، وفرض عقوبات رادعة على كل من يعرض حياة الناس للخطر.
2 ـ تجهيز فرق تدخل ثابتة ومتنقلة مزودة برافعات وآليات ثقيلة قادرة على رفع الشاحنات والحاويات وإزاحتها بسرعة عند وقوع الحوادث، بما يسهم في إنقاذ الأرواح وتقليل الخسائر.
3 ـ توفير معدات الإنقاذ الثقيلة اللازمة لفرق التدخل المتخصصة للتعامل مع الحوادث التي تتعرض فيها الشاحنات أو الحاويات للانقلاب أو السقوط، وبما يضمن إعادة فتح الطرق بسرعة عند إغلاقها بسبب الحوادث، وإنقاذ الضحايا المحاصرين في أسرع وقت ممكن إذا ما سقطت شاحنة أو حاوية على مركبة تقل ركابا.
وفي الأخير، فإننا في الحملة، نأمل أن يحظى هذا التنبيه بما يستحقه من اهتمام، من طرف الجهات المعنية، وأن تُتخذ الإجراءات اللازمة قبل أن تقع فاجعة كان بالإمكان تفاديها بإجراءات وقائية بسيطة وحازمة.
الجمعة 26 يونيو 2026
حملة "معا للحد من حوادث السير"
المقطع المرئي المرفق يوثق بعض المخاطر التي ينبه إليها هذا البيان.


الثلاثاء، 23 يونيو 2026

خلف كل حادث سير قصة مؤلمة...


نكتب في حملة "معا للحد من حوادث السير" بشكل شبه يومي عن الحوادث التي تقع هنا وهناك، لكن الحقيقة التي لا ينتبه إليها كثيرون هي أن وراء كل حادث قصة إنسانية موجعة، سواء رُويت تلك القصة أم لم تُروَ.

لقد كتبنا عن حادث الطفل جليس بُعَيد وقوعه، كما نكتب عن غيره من الحوادث، لكن مع مرور الأيام بدأت تصلنا تفاصيل أكثر عن الحادث؛ من شهود عيان، ومن المسعفين، ومن بعض ما نشره أفراد الأسرة. ومع كل تفصيل جديد كان يتكشف لنا حجم الألم الكامن خلف الخبر الذي مرَّ على كثيرين في منشور من خمسة أسطر في صفحة حملة معا للحد من حوادث السير.

ومع ذلك، فإن أكثر ما لفت انتباهنا في هذه القصة هو شجاعة الطفل جليس ما شاء الله، وبارك الله.

فقد روى لنا أحد الشهود العيان أن جليس، رغم صغر سنه ورغم الإصابة البالغة التي تعرض لها، ظل متماسكا بشكل أثار دهشة من كانوا حوله. ولم يذرف دمعة، وهو الذي زوَّد أوائل الواصلين إلى مكان الحادث برقم هاتف أحد أفراد أسرته، وهو الذي طلب منهم، قبل وصول سيارة الإسعاف، أن ينقلوه إلى المستشفى.

علق البعض على المنشورات التي كتبنا عن حادث الطفل جليس عن مسؤولية الأطفال وذويهم في مثل هذا النوع من  الحوادث، وهذا حديث قد يكون له مكانه في النقاشات التوعوية، لكنه ليس هو ما ينبغي أن يتصدر الكتابة عن الحادث  في مثل هذه اللحظة الأليمة التي تمر بها الأسرة، ونمر بها جميعا نحن الذين تابعنا تفاصيل هذا الحادث الأليم أولا بأول.

إن أغلب الذين يتحدثون اليوم عن تسلق الأطفال للسيارات، ويحملون المسؤولية للأطفال وأسرهم، من الراجح أنهم مارسوا هذا السلوك الذي عمت به البلوى في طفولتهم. ولذلك تبقى مسؤولية السائق حاضرة وبقوة عندما يشعر أو يكتشف وجود أطفال يتعلقون بسيارته أو يتسلقونها. فالتعامل الهادئ والحذر في مثل هذه الحالات قد يشكل فارقا بين عودة طفل إلى منزله سالما وإصابته في حادث سير.

إن تحميل المسؤولية للسائق،  لا يعني - بأي حال من الأحوال -  إعفاء الأسر أو الأطفال من نصيبهم من تلك المسؤولية. وتبقى توعية الأسر والأطفال بخطورة تسلق السيارات ضرورة ملحة، لما قد يترتب على هذا السلوك من إصابات بالغة أو وفيات.

وقد سبق لحملة "معا للحد من حوادث السير" أن نظمت أنشطة توعوية في هذا المجال، وسنعمل خلال الفترة المقبلة على تكثيف الجهود الموجهة للأطفال والأسر، لأن الوقاية من هذا النوع من الحوادث تبدأ أولا بالوعي بخطورته.

وفي هذا الإطار، كنا قد طلبنا في الحملة مع افتتاح العام الدراسي الحالي من معالي وزيرة التهذيب الوطني تقديم درس موحد في السلامة الطرقية في كل المدارس على أراضي الجمهورية الإسلامية الموريتانية، ومساعدتنا في تنظيم أنشطة توعوية داخل المدارس، باعتبارها المكان الأنسب للوصول إلى الأطفال، لكن طلبنا لم يجد استجابة حتى الآن.

ومع ذلك، سنواصل العمل، وسننظم - بإذن الله - أنشطة توعوية تستهدف الأطفال والأسر، وسنبحث عن آليات لإشراك الأطفال أنفسهم في هذه الجهود، فالطفل هو الأقدر على مخاطبة الأطفال وإقناعهم بخطورة تسلق السيارات.

لدي شعور قوي بأن الطفل الشجاع جليس، الذي واجه هذه المحنة بكل ذلك الصبر والثبات، سيكون له يوما ما دور مهم في توعية الأطفال بمخاطر تسلق السيارات، وفي المساهمة في حماية غيره من المرور بالتجربة القاسية التي مر بها.

نسأل الله تعالى أن يعوض جليس خيرا، وأن يبارك له في عمره ومستقبله، وأن يجعله مصدر إلهام وتأثير إيجابي في مجتمعه وبلده.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير.

الاثنين، 22 يونيو 2026

محاربة التطرف.. ثبات الهدف وتغير الأساليب


حين يتعلق الأمر بمواجهة الغلو والتطرف والإرهاب، فإن مواقفنا يجب أن تكون ثابتة لا تتغير، والذي يمكن أن يتغير هو فقط الوسائل والأساليب والأدوات التي نستخدمها في تلك المواجهة، فبعض تلك الوسائل قد يكون أكثر نجاعة في هذه الفترة، والبعض الآخر قد يكون أكثر نجاعة في فترة أخرى.

لقد كنتُ شخصيا من أشد الداعمين لمحاربة التطرف والإرهاب، وكنتُ من المطالبين بمواجهتهما بالسلاح عندما كانت الظروف تستدعي ذلك، وما زلتُ أعتقد أن الدولة يجب أن تكون حازمة وقوية في مواجهة كل من يحمل السلاح في وجهها، أو يهدد أمن مواطنيها واستقرارها، كائنا من كان.

ولعلَّ من المهم في هذا المقام التذكير بأني لما كنتُ أُحسب على المعارضة في العهد السابق، فإن ذلك لم يمنعني من دعم النظام في معركته ضد الإرهاب والتطرف، فكنتُ من أوائل المساندين لمعركة "حاس سيدي" التي جرت يوم 17 سبتمبر 2010 بين الجيش الموريتاني وعناصر من تنظيم القاعدة داخل الأراضي المالية.

أثارت تلك العملية جدلا واسعا في ذلك الوقت، وعارض كثيرون ـ خاصة في صفوف المعارضة ـ عبور الجيش الموريتاني للحدود لخوض معركة خارج التراب الوطني، وذهب بعضهم إلى اعتبارها حربا بالوكالة يخوضها الجيش الموريتاني نيابة عن فرنسا. لقد اتخذت حينها موقفا مناقضا لموقف المعارضة من تلك العملية، فاعتبرت أنها تمثل خطوة استراتيجية مهمة لتغيير قواعد المواجهة مع التنظيمات الإرهابية، خاصة في ظل واقع كانت فيه أجزاء واسعة من الأراضي المالية مستباحة للقاعدة، ومفتوحة في الوقت نفسه لمن أراد قتال القاعدة.

لقد دافعتُ عن تلك العملية وعن العمليات التي تلتها بقوة، وهو ما أغضب الكثير من زملائي في المعارضة. وقد بلغ بي الاقتناع بأهمية تلك المعركة إلى أن وصفتُ بعض من كانوا يعتبرونها حربا بالوكالة عن فرنسا، بأنهم هم أيضا يمارسون، من حيث يدرون أو لا يدرون، نوعا من الارهاب بالوكالة لصالح القاعدة. وقد عبرت عن تلك المواقف في عدد من المقالات، ما تزال موجودة على بعض المواقع، وعلى مدونتي الشخصية، من بينها: "الإرهاب بالوكالة"، "سامحونا" و"شكرا للجيش"، و"الكلام المباح".

واليوم، وبعد سنوات من اعتماد موريتانيا لمقاربتها الخاصة في التعامل مع سجناء الغلو والتطرف، أجد نفسي داعما بقوة لهذه المقاربة الموريتانية الأصيلة التي تقوم على الحوار والمراجعة الفكرية ومنح الفرصة لمن تاب ورجع عن أفكاره المتشددة لكي يندمج من جديد في المجتمع ويعيش حياة طبيعية.

إن دعمي لهذه المقاربة ـ والتي أصبحت محل اهتمام دول عديدة ـ لا ينبع من رغبة عاطفية أو من حسن ظن غير مدروس، وإنما يستند إلى نتائج ملموسة ووقائع يمكن ملاحظتها. فمن بين الذين استفادوا سابقا من هذه المقاربة لم يُعرف عن أي واحد منهم أنه عاد إلى التطرف أو انخرط مجددا في أعمال إرهابية، بل إن بعضهم أصبح يؤدي اليوم أدوارا إيجابية في مواجهة الغلو والتطرف والتحذير من مخاطره.

كما أن بلادنا، منذ تبني هذه المقاربة، استطاعت أن تحقق نتائج أمنية لافتة، فلم تشهد أراضيها عمليات إرهابية تذكر، باستثناء ما ارتبط بهروب بعض السجناء وما نتج عنه من أحداث في "لمصيدي". وهذا النجاح لا يمكن فصله عن المقاربة الشاملة التي اعتمدتها الدولة.

ولا تقتصر المقاربة الموريتانية على المراجعات الفكرية، على أهمية تلك المراجعات، وإنما تشمل كذلك أبعادا أمنية واجتماعية وسياسية، وهو ما جعلها مقاربة شاملة ذات أثر إيجابي في تحصين البلاد من خطر التطرف والإرهاب.

وانطلاقا من أهمية المقاربة المعتمدة، فإنني أرحب بإطلاق سراح من ثبتت توبتهم وتراجعهم عن الفكر المتطرف، وأدعم كل خطوة من شأنها أن تساعدهم على الاندماج الإيجابي في المجتمع. وفي الوقت نفسه، فإنني أرى أن أسر شهداء الإرهاب والتطرف تستحق من الدولة كل أصناف الرعاية والمؤازرة والدعم، المعنوي منه والمادي.

إن الوفاء لشهدائنا لا يقتصر فقط على تخليد ذكراهم، وتثمين تضحياتهم، ورعاية أسرهم، بل يشمل أيضا الحرص على تجنيب زملائهم في القوات المسلحة ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ الحروب والمعارك التي قد تزهق فيها أرواح جنود آخرين، فتخلف المزيد من الأرامل والأيتام.

ومن هنا فإن التعامل الرشيد مع ملف التطرف والغلو يقتضي السير في مسارين متكاملين: أولهما حفظ حق الشهداء في التكريم وعدم نسيان تضحياتهم، وثانيهما البحث عن كل الوسائل الممكنة لتجنب تكرار المآسي التي دفعوا هم حياتهم ثمنا لها.

لقد أثبتت المقاربة الموريتانية، حتى الآن، أنها مقاربة ناجحة وجديرة بالثقة، ولذلك فمن مصلحتنا أن نواصل الاعتماد عليها ما دامت تحقق أهدافها في حماية البلاد وتجنيبها ويلات المواجهة. وليس من الحكمة أن ندفع المتطرفين إلى حرب معنا ما دام بالإمكان احتواء الخطر بوسائل أخرى أقل كلفة على الوطن والمواطنين.

وبكل تأكيد، فإن ذلك لا يعني أبدا التخلي عن الحزم أو التهاون مع من يختار طريق العنف. فإذا فرضت علينا الحرب، وعاد من يحمل السلاح ليعتدي على أمن بلادنا واستقرارها، فإن لغة الحوار ستفسح المجال حينها للغة أخرى هي لغة السلاح، وهي لغة سبق لجيشنا أن تحدث بها حين اضطر إلى ذلك، وأثبت من خلالها قدرته على حماية الوطن والدفاع عن أمنه واستقراره. وعندما يتحدث الجيش بتلك اللغة سأكون، كما كنت بالأمس، من أوائل الداعمين له، لأن من يختار لغة السلاح لا يمكن أن يُخاطَب إلا بتلك اللغة التي اختار.

أما اليوم، وما دامت بلادنا قد نجحت في وقف العمليات المسلحة داخل أراضيها، مما يعني أن مقاربتها الشاملة بدأت تؤتي ثمارها، وتحقق ما عجزت عنه دول كثيرة، فإن الحكمة تقتضي أن نتمسك بالمقاربة التي نجحت، وأن نمنح الفرصة لمن تاب، وأن نحفظ في الوقت نفسه حق الشهداء وذاكرة تضحياتهم.

وبكلمة واحدة، فإن الحكمة تقتضي التمسك بالمقاربة التي أثبتت نجاعتها في مواجهة التطرف والإرهاب، فالحوار والسلاح ليسا خيارين متناقضين، وإنما هما أداتان مختلفتان لخدمة هدف واحد، وهو حماية موريتانيا وتحصينها من أي اعتداء، خاصة في هذه الفترة العصيبة من عدم الاستقرار التي تمر بها بعض دول المنطقة.

حفظ الله موريتانيا..

السبت، 20 يونيو 2026

ميثاق المواطنة ينظم مؤتمرا صحفيا حول وثيقة "الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني"


نظم ميثاق المواطنة والمنظمات الموقعة عليه مساء الجمعة 19 يونيو 2026 مؤتمرا صحفيا لعرض موقفه من وثيقة "الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني" التي أصدرها مؤخرا منسق الحوار الوطني السيد موسى فال.

وافتتح المؤتمر الكاتب محمد الأمين ولد الفاضل، والذي استعرض في كلمته أبرز محطات تعثر الحوار الوطني خلال السنوات الست الماضية، رغم تعدد المبادرات وتنوع المقترحات الرامية إلى إطلاقه، موضحا أن هذا التعثر كان من بين الأسباب الرئيسية التي دفعت الميثاق إلى تنظيم لقاء تشاوري مفتوح يوم 7 يونيو 2026 حول الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في إزالة العقبات التي تحول دون انطلاق الحوار، والمساهمة في ضمان نجاحه في حال انطلاقه.

وكشف ولد الفاضل عن مبادرة وساطة كان سيطلقها ميثاق المواطنة والمنظمات الموقعة عليه، وصلت إلى مراحلها الأخيرة، تهدف إلى تقريب وجهات النظر وبناء الثقة بين الأطراف السياسية، ولكن قبيل الإعلان عنها، أصدر منسق الحوار الوطني وثيقة الدليل المرجعي لتنظيم الحوار، مما دفع الميثاق إلى تجميد مبادرته مؤقتا، وذلك في انتظار معرفة مواقف الأحزاب السياسية من الوثيقة الجديدة.

وبعد الكلمة الافتتاحية تمت قراءة البيان الصادر عن ميثاق المواطنة والمنظمات الموقعة عليه من طرف رئيس الجمعية الموريتانية لتغيير العقليات الداه أحمد المختار، ورئيسة جمعية صحة الأم والطفل، وعضو لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل زينب منت الطالب موسى.

وقد بدأ البيان بالترحيب بالوثيقة الجديدة، وحث الأطراف السياسية على التعامل معها بشكل إيجابي، والاستعداد بشكل دائم لتقديم التنازلات المتبادلة لضمان إنجاح الحوار. كما دعا البيان الأطراف السياسية إلى المساهمة في تهيئة مناخ من الثقة والتهدئة بما يضمن انطلاق الحوار في أفضل الظروف الممكنة.

وأعلن البيان أن ميثاق المواطنة سينظم أياما تشاورية مفتوحة بشكل أسبوعي حول المحاور الرئيسية الأربعة التي تضمنتها الوثيقة المرجعية، في حالة التوافق عليها، على أن يُصدر في ختام كل يوم تشاوري تقارير مختصرة تتضمن أبرز الآراء والمقترحات والتوصيات، تمهيدا لتسليمها إلى الأطراف المشاركة في الحوار والجهات المشرفة عليه، بما يسهم في إثراء النقاش، وتحسين جودة مخرجات الحوار.

واختُتِم المؤتمر الصحفي بكلمة للوالي السابق صيدو حسن صال، أكد فيها أن هذا المؤتمر يمثل بداية لسلسلة من الأنشطة المقبلة يسعى ميثاق المواطنة من خلالها إلى إرساء قيم المواطنة، وتهيئة الأرضية الملائمة لضمان نجاح الحوار المرتقب.

#ميثاق_المواطنة


الخميس، 18 يونيو 2026

أي دور للمجتمع المدني في إنقاذ الحوار المتعثر؟


نظم "ميثاق المواطنة"، يوم الأحد 7 يونيو 2026، يوما تشاوريا مفتوحا حول الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في تذليل العقبات التي تحول دون انطلاق الحوار الوطني الشامل، وإنجاحه في حال انطلاقه.

وقد شهد هذا اليوم التشاوري حضورا نوعيا، ووُثِّقت خلاله 40 مداخلة، قُدِّمت في جلستين استمرتا لنحو ست ساعات، إحداهما صباحية والأخرى مسائية. وسنعمل ـ بصفتنا جهة منظمةـ على إعداد تقرير شامل يتضمن أهم التوصيات والمقترحات التي قدمها المشاركون، ولكن، وقبل صدور هذا التقرير، فقد يكون من المهم أن نستعرض لكم ـ وبشكل سريع ـ الخيارين المتاحين للمجتمع المدني للمساهمة من خلالهما في إطلاق الحوار وإنجاحه في حالة انطلاقه.

الخيار الأول: التدخل كوسيط نزيه ومستقل

لقد طرحنا في "ميثاق المواطنة" أربعة أسئلة على المشاركين، كان من بينها سؤال يقول: "كيف يمكن للمجتمع المدني أن يساهم في بناء الثقة وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف السياسية؟".

إن الدور الأبرز الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في الوقت الحالي، هو التدخل كوسيط نزيه ومستقل لتعزيز الثقة بين الأطراف السياسية، وتجاوز العراقيل الحالية التي تقف في وجه انطلاق الحوار. فالطيف السياسي بحاجة اليوم إلى "مبادرة وساطة" تأتي من خارجه، من جهة مستقلة لا تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية آنية، وإنما تهدف فقط إلى تذليل العقبات. ولا توجد اليوم جهة مؤهلة للعب هذا الدور أكثر من منظمات المجتمع المدني التي تقودها شخصيات ذات سمعة طيبة ومصداقية مشهودة.

وهنا أستحضر تجربة "نداء 4 دجمبر" التي أطلقناها قبل ثلاث عشرة سنة، خلال الشوط الثاني من انتخابات 2013، في فترة كانت فيها المعارضة في أصعب لحظات انقسامها، فجزء منها شارك في تلك الانتخابات، والجزء الأكبر قاطعها. ولدت هذه المبادرة من خارج أحزاب المعارضة، وفي ذروة انقسامها، ومع ذلك ساهمت في تذليل العقبات وتأسيس "المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة"، والذي تشكّل فيه ـ ولأول مرة ـ قطب خاص بالمجتمع المدني. العبرة من هذه التجربة هي أن المبادرات المستقلة قادرة دائما على المساهمة في تذليل الصعاب، حتى في أشد اللحظات السياسية خلافا وانقساما.

الخيار الثاني: إطلاق حوار مجتمعي موازٍ

في ظل استمرار تعثر الحوار المنتظر منذ أكثر من ست سنوات، وإذا ما فشلت مبادرات الوساطة، فإن المجتمع المدني في هذه الحالة، يجب ألا يبقى متفرجا، وعليه أن يفكر في حلول بديلة، من خلال الخيار الثاني، والمتمثل في إطلاق حوار مجتمعي موازٍ.

يمكن لهذا الحوار المجتمعي الموازي أن يُناقش كبريات القضايا الوطنية وبعض الملفات المهمة التي كان سيناقشها الحوار المتعثر، وبحضور خبراء وسياسيين من مختلف الطيف السياسي، على أن تصدر في ختام هذا الحوار جملة من المقترحات والتوصيات الخاصة بكل ملف، ثم تجمع تلك التوصيات لاحقا، وتُقدّم كخارطة طريق للحكومة والأحزاب السياسية، مع السعي لحشد إجماع وطني حولها باعتبارها طوق نجاة لمواجهة المشاكل والتحديات القائمة.

ختاما

إن المجتمع المدني لا يستطيع أن يحل محل القوى السياسية، لكنه قادر على أن يهيئ لها الأرضية المناسبة للحوار، وأن يساهم في بناء الثقة بينها، وقادر كذلك على أن يساهم في تنظيم الحوارات. وفي كل الأحوال، فإن المجتمع المدني لا يليق به أن يبقى متفرجا، وألا يتحمل المسؤولية في البحث عن توافق وطني، خصوصا في الفترات التي يكون فيها الوضع الإقليمي في غاية التعقيد، وتكون شرارة أزمات دول الجوار قد اقتربت منا كثيرا.

حفظ الله موريتانيا..

رئيس حزب "تواصل" يستقبل وفداً من لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة


استقبل رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)، الدكتور حمادي ولد سيدي المختار، اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026، وفدا من لجنة الإشراف على "ميثاق المواطنة"، بحضور الأمين العام للحزب السيد أبوبكر ولد أحبيبي، ورئيس المنظمة الشبابية النائب المرتضى ولد أطفيل.

​يندرج هذا اللقاء في سياق الجهود التي تبذلها لجنة الإشراف على الميثاق لتحقيق إجماع وطني واسع حول مضامينه، وأهدافه الرامية إلى ترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي.

​وضم وفد لجنة الإشراف كلاً من: الكاتب محمد الأمين ولد الفاضل، والإداري السابق صيدو حسن صال، والناشطين في المجتمع المدني الداه أحمد المختار ومحجوبة سيدي المختار، والطالب الجامعي شعيب موسى جاورا.

​وخلال اللقاء، استمع رئيس الحزب إلى عرض مفصل قدمه أعضاء الوفد حول رؤية الميثاق وأهدافه. وفي رده، عبّر رئيس الحزب عن تثمينه الكبير لهذه المبادرة الوطنية، مؤكدا أنها تأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى تعزيز قيم المواطنة وترسيخ الشعور بالانتماء المشترك.

​كما أوضح رئيس الحزب أنه سيعرض الميثاق على الهيئات القيادية للحزب في أول فرصة تتاح لذلك لدراسته واتخاذ الموقف المناسب بشأنه، متوقعا أن يحظى بتفاعل إيجابي نظرا للتقاطع الكبير بين مضامينه والرؤى السياسية والوطنية التي يتبناها الحزب.

​وفي ختام اللقاء، سلم الوفد نسخة من الميثاق لرئيس الحزب.

​يُذكر أن لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة كانت قد سلمت نسخا منه في وقت سابق لكل من رئيس الجمعية الوطنية ورئيس حزب الإنصاف، كما حظي الميثاق بتوقيع طيف واسع من الشخصيات السياسية والثقافية والإعلامية والحقوقية، وكان من أحدث الموقعين عليه رئيس حركة "أفلام" السيد حبيبي صال.

#ميثاق_المواطنة