الجمعة، 2 أكتوبر 2026

ركلة الجاهل.. من ضفاف النيل إلى منصات التواصل الاجتماعي!


في يوم السبت الموافق، 5 ذو الحجة من العام 338 هجري، كان أبو جعفر النحاس في جلسة تأملية على ضفاف النيل، عند درج قياس منسوب المياه، وكان يقوم بتقطيع أبيات من الشعر، وربما تمتم أثناء تقطيع تلك الأبيات بكلمات قد تبدو طلاسم للعامة، وربما رفع بها صوته مرددا: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعل. 

أثناء جلسته تلك، مرَّ به شخص من عامة الناس، ظن أنه يسحر النيل، فركله، فسقط في النيل، فغرق، فمات.

هذا المشهد ليس تخيليا، حتى وإن كان من صياغتي أنا، فهو مأخوذ من مضامين القصة كما وردت في كتب السير والتراجم، فقد جاء في البداية والنهاية لابن كثير: "وكان سبب وفاته أنه جلس عند المقياس يُقَطّع شيئًا من العروض، فظنه بعض العامة يسحر النيل، فرفسه برجله فسقط فغرق، ولم يدر أين ذهب". وبصياغة مشابهة، وردت القصة نفسها في "سير أعلام النبلاء" و "تاريخ الإسلام" للإمام الذهبي، وفي "وفيات الأعيان" لابن خلكان، وفي "إنباه الرواة على أنباه النحاة" للقفطي، وفي "بغية الوعاة" للسيوطي.

هكذا ـ وبكل بساطة ـ قُـُتل أحد علماء الأمة الكبار في اللغة والأدب والتفسير، ممن كانت له تصانيف كثيرة، وإسهامات عديدة في مجالات شتى. ولو كان الجاهل الذي قتل هذا العالم الكبير، يعيش بيننا في زمن "التواصل الاجتماعي"، لأعدَّ بثا مباشرا من ركلته لأبي جعفر النحاس، ولحُظي بثته المباشر بسيل عارم من الإعجابات والتعليقات، ولصدَّق كثير من "النشطاء" في منصات التواصل الاجتماعي تهمة سحر النيل التي ألصقها هذا الجاهل بالعالم الجليل أبي جعفر النحاس. 

إن هذه القصة المأساوية تتكرر كثيرا في أيام الناس هذه، وبصور مختلفة، حتى وإن اختلفت في بعض التفاصيل، فالركلة قد لا تكون اعتداءً بالقدم، وإنما قد تكون بمنشور أو صوتية أو بث مباشر مليء بالأكاذيب والتلفيقات، والقتل قد لا يكون جسديا، وإنما معنويا، من خلال تشويه السمعة وتلطيخ المصداقية، وتهمة المقتول قد لا تكون "السحر"، فربما كانت تهمة تتعلق بالفساد أو الفشل في الأداء.

فكم من موظف نزيه وسياسي صادق ومهتم بالشأن العام جاد، تم اغتياله معنويا، من طرف مدون لأنه لم يدفع له؟ وكم من موظف فاشل وسياسي فاسد ومتظاهر بالاهتمام بالشأن العام رَفَع المدونون من شأنه لأنه كان ينفق عليهم بسخاء من ماله الحرام؟

إن من سلبيات عصر "التواصل الاجتماعي" أن التفاعل والإعجاب والتعليق يزداد كلما كان المحتوى تافها أو سطحيا أو مسيئا أو رديئا، وينقص ـ بل ويكاد ينعدم ـ إن كان المحتوى جادا ونافعا وهادفا. 

وليتَ الأمر توقف عند التفاعل، فالمحتوى التافه والسطحي والرديء والمسيء، هو الذي يجلب مع الإعجابات أموالا كثيرة تنفق ـ بكرم ـ على المدون، تنفق عليه من بند "التسويق" و"الترويج" و"التلميع" وتشويه سمعة المنافسين والخصوم، ويبدو أن هذه البنود أصبحت تخصص لها مبالغ معتبرة، معلنة أو غير معلنة، لدى المؤسسات، عامة كانت أو خاصة، ولدى الأشخاص كذلك موظفين كانوا أو ساسة أو رجال أعمال.

فبأي منطق تعتقدون أن جاهلا ـ عفوا مؤثرا ـ سيغلق "منجما" من ذهب يمنحه قيمة مجتمعية عالية من خلال التفاعل، ويُدِرُّ عليه في الوقت نفسه أموالا طائلة مقابل ما يقوم به من تسويق وتلميع وابتزاز وتشويه للخصوم والمنافسين؟

إن أغلب المدونين الذين هاجروا إلى أمريكا وغيرها من دول الغرب، لم يهاجروا دعاة في سبيل الله، وإنما هاجروا طلبا للمال، فهل تعتقدون أن جميع هؤلاء سيتورعون عن جمع المال السهل الذي يأتي مدرارا من خلال فتح حسابات في منصات التواصل الاجتماعي، وتخصيصها لتقديم "خدمات إعلامية" أصبحت مطلوبة كثيرا من "قادة المجتمع"، وهي خدمات تتعلق بتلميع الفاشلين في أداء مهامهم، وتشويه خصومهم ومنافسيهم. فإن تورعت طائفة من هؤلاء عن تقديم هذا النوع من الخدمات المربح والرائج، فإن طوائف كثيرة أخرى لن تتورع عن تقديم تلك الخدمات.

وحتى تكتمل الصورة أكثر، فلابد من القول كذلك، إن غالبية المدونين الذين لم يتمكنوا من الهجرة، فبقوا في الديار، وقعدوا مع القاعدين، لم يبقوا للانشغال بالدعوة في سبيل الله، وكثير من هؤلاء لا يختلف عن كثير من أولئك في عدم التورع عن جمع المال السهل الذي يأتي مدرارا من خلال فتح حسابات في منصات التواصل الاجتماعي، تلمع وتلطخ وتبتز وتلفق حسب ما يدفع من مال.

ولكن، وحتى لا نظلم المدون الذي جعل من التدوين مصدرا مدرا للدخل، من خلال تقديم خدمات التلميع والتلطيخ والابتزاز، فإن المسؤول الأول في رواج تلك الخدمات، هو من يدفع مقابل تقديم تلك الخدمات، وإذا ما حاولنا أن نرتب مسؤوليات الضالعين في هذه التجارة القذرة التي أفسدت القيم، وزادت من انتشار المحتوى الهابط والتافه والمسيء، فسيكون من يدفع الأموال هو المسؤول الأول الذي يجب أن يُحاسب أولا، ومن يتلقى الأموال، أي المدون، هو المسؤول الثاني الذي يجب أن يُحاسب ثانيا.

ليس من المقبول إطلاقا، أن يتوقف التحقيق الجاري حاليا في نصف الطريق، ولا أن يقتصر العقاب على المدونين الذين كانوا يستلمون أموالا مقابل خدمات غير مشروعة، سواء كانوا في الداخل أو الخارج، دون أن يُعاقب معهم ـ بل وقبلهم ـ كل أولئك الذين كانوا يرسلون لهم تلك الأموال مقابل تقديم خدمات غير مشروعة.

إن من المسؤولين الذين يجب أن يطالهم التحقيق:

1 ـ الموظف الذي لا يؤدي عمله على الوجه المطلوب، فينفق من مال الشعب على المدونين لتلميعه؛

2 ـ السياسي الفاشل في أداء مهامه السياسية، فينفق لتلميع نفسه وتشويه خصومه السياسيين؛

3ـ الموظف الذي يفشي معلومات للإضرار بخصومه ومنافسيه، أو يفشي معلومات سرية للدولة من أجل كسب ثقة مدون للاستفادة من خدماته مستقبلا؛

4 ـ التطبيقات البنكية: رغم الإيجابيات العديدة للتطبيقات البنكية، إلا أنه ظهر معها تنافس قوي لكسب الزبناء، كانت له نتائج كارثية على القيم المجتمعية، فلجأت هذه التطبيقات البنكية في منافستها على الإنفاق بكرم على أصحاب المحتوى التافه والسطحي مما عزز من قيمتهم، ورفع من شأنهم، وزاد من قدرتهم على التأثير في المجتمع. يحدث ذلك في وقت لا تتحمس فيه هذه التطبيقات على التسويق من خلال الإنفاق على أنشطة ذات نفع عام، تفيد المجتمع، ولدي الأدلة القوية على ذلك.

ولعل المفارقة الغريبة هنا، أن بعض التدوينات أو المقاطع المنفق عليها ـ بسخاء ـ من طرف تطبيقات أو مؤسسات تجارية أخرى كانت تسيء إلى المدرس والمحظرة وإلى مدن موريتانية عريقة، بل إن بعضها روج صراحة للسرقة من خلال "السارق الأنيق".

وتبقى هناك ظاهرة ذات صلة قوية بهذا الموضوع، تستحق هي الأخرى اهتماما خاصا، وأقصد هنا، "ظاهرة الزيدنة"، فمن المخجل حقا، أن تشاهد "قادة المجتمع" من سياسيين وموظفين ومثقفين ورجال أعمال ينتظرون "شهادات تزكية" من زيدان، وينفقون مبالغ مالية كبيرة للحصول على تلك التزكيات، والراجح أن تلك الأموال المنفقة على التزكيات الزيدانية منهوبة ومسروقة من أموال الشعب الموريتاني.

المخجل أكثر، أن يكون زيدان، هو من يُقدم ويؤخَر في المجالس والانشطة العامة، فيقول لهذا الموظف أجلس هنا في هذا المكان المتقدم، ويقول لذلك الموظف تأخر قليلا، فربما تكون قلة عطائه لزيدان هي التي أخرته في المجالس العامة.

أذكر في هذا المقام أن صديقا دعاني لمناسبة اجتماعية، وعندما قدمتٌ إليها، كان أول من صادفني زيدان، فعدت مسرعا، ولم أعتذر لذلك الصديق عن الحضور. وأذكر أيضا أن صديقا آخر أو أخا أكبر على الأصح، مر بحالة تستدعي زيارته، ولكني لم أزره، وقلتُ له ـ معتذرا عن الزيارة ـ بأني اتخذتُ قرارا بأن لا أدخل في مكان يوجد به زيدان.

إني على يقين، بأن زيدان لن يتضرر من هذا القرار، وإن كان هناك من متضرر فهو أنا، وأدرك أيضا أن زيدان ـ ومن سار على نهجه ـ يزن في مجتمعنا المصاب بلوثة في ذائقته العشرات إن لم أقل المئات من أمثالي، فنحن مجتمع لم يعد يقدر إلا المال، حلالا كان أو حراما، وأنا أعلم أنه لو تصادف أن طلبتُ أنا وزيدان لقاء موظف سام، وجئت أنا بفكرة تخدم المجتمع، وجاء هو لأخذ "غرامته" من ذلك الموظف، لقدّم هو وأخرتُ أنا، بل الراجح ألا يسمح لي أنا ـ ولا لأمثالي ـ بالدخول أصلا.

اليوم عندما تأتي لموظف سام حاملا فكرة أو مقترح يفيد المجتمع ولا يحقق لك أنت، ولا له هو مصلحة خاصة، ففي أحسن الأحوال سينظر إليك نظرة شفقة، وينهي اللقاء مبكرا بنية ألا يستقبلك مرة أخرى، أما إذا جئته عارضا عليه فكرة لتلميعه أو لتشويه خصومه ومنافسيه، انبسط وانشرح واستقبلك بالأحضان وأنفق عليك الأموال، ولا تسألني عن المصلحة العامة في ذلك، فالغالب أن المصلحة لا تهمه أصلا، ولا تهم كذلك أغلب أولئك الذين يطرقون باب مكتبه طلبا للقائه.

ختاما

إني من الذين يشجعون فتح الملف الذي بات يعرف "بملف مدوني الخارج"، وإني من الذين يطالبون بمعاقبة كل الضالعين فيه، من دفع منهم المال ومن أخذه، ولكن لابد من أقول إن المخاطر التي تواجهنا أكبر بكثير من هذا الملف، ونحن إن لم نع تلك المخاطر، ونبدأ في مواجهتها بحزم، فإن بلادنا ستجرفها التفاهة والشعبوية و"قيم الرداءة" بمختلف أصنافها وأشكالها وألوانها، والمؤسف حقا، أن الدولة وقادة المجتمع ونخبه قد انقسموا إلى فسطاطين: فسطاط يشجع قيم الرداءة، وفسطاط آخر، حتى وإن لم يكن يشجع تلك القيم، فإنه أجبن من أن يعلن عن مواجهتها بلا تردد.

حفظ الله موريتانيا...

الخميس، 1 أكتوبر 2026

تعهد شخصي


 تعهد شخصي باحترام الحياة الخاصة للأشخاص، مع الالتزام بأخلاقيات النقد السياسي والحقوقي والإعلامي

دعا النائب بيرام الداه اعبيد، في مقطع مرئي متداول، المدونين والفاعلين في المجال العام إلى الالتزام بأخلاقيات النقد السياسي واحترام الحياة الخاصة للشخصيات العامة. وطالب في المقطع ذاته بأن يقتصر النقد على الشأن العام، بعيدا عن الإساءة إلى الأشخاص أو التطرق لحياتهم الخاصة التي لا علاقة لها بالمجال العام.

لقد استوقفتني هذه الدعوة التي تأخرت كثيرا، وقد أعجبني ما تضمنته من مطالبة للمهتمين عموما بالشأن العام، ولنشطاء "إيرا" خصوصا، بضرورة الارتقاء بمستوى الخطاب السياسي والحقوقي والإعلامي في بلادنا.

صحيح أن لي ملاحظات موثقة على خطابات الرئيس بيرام، ولكني مع ذلك لا أستطيع إلا أن أتعامل مع هذه الدعوة بإيجابية وجدية وتفاؤل، وأتمنى أن تكون هذه الدعوة دعوة صادقة تولدت عن قناعة مستجدة بأهمية احترام خصوصيات الأفراد التي لا صلة لها بالشأن العام، والابتعاد عن الإساءة والتجريح.

وانطلاقًا من كل ذلك، فإني أتعهد باسمي الشخصي بالآتي:

■ أولا: أتعهد بأن يقتصر نقدي للسياسيين والمسؤولين، في الأغلبية والمعارضة، على الشأن العام وأدائهم ومسؤولياتهم ومواقفهم في القضايا المستجدة، بعيدا عن الإساءة الشخصية، أو التطرق إلى حياتهم الخاصة، أو تناول ما يمس أعراضهم أو يخدش الحياء.

■ ثانيا: بما أن هذا التعهد جاء استجابة للدعوة التي وجهها النائب بيرام الداه اعبيد في المقطع المذكور، فإنني أدعوه في المقابل إلى أن يكون أول الملتزمين بما دعا إليه، وأن يحافظ على هذا الالتزام بشكل مستمر، وأن يجدد مع كل مناسبة دعوته لأنصاره وداعميه إلى الالتزام بمضامين دعوته.

■ ثالثا: أدعو النائب بيرام الداه اعبيد إلى تحويل دعوته هذه إلى مبادرة مفتوحة أمام جميع الموريتانيين المهتمين بالشأن العام، في الأغلبية والمعارضةوخارجهما، بهدف المساهمة في بناء خطاب سياسي وحقوقي وإعلامي يحترم الأشخاص، ويبتعد عن الإساءة والتجريح والخوض في الخصوصيات.

■ رابعا: إذا أطلق النائب بيرام هذه المبادرة المفتوحة، فسأكون من أوائل المنخرطين فيها والداعمين لها؛ لأنني أعتقد أن بلادنا بحاجة فعلا إلى تخفيف حدة الخطاب، والانتقال من التجريح الشخصي إلى نقد السياسات والأفكار والأداء والمواقف.

وأعتقد كذلك أن أفضل من يمكنه أن يطلق مبادرة من هذا النوع هو النائب بيرام، وأنه إذا التزم بها باستمرار ودعا إليها بصدق وجدية فإنها قد تشكل خطوة مهمة نحو خطاب عام أكثر احتراما ومسؤولية.

كتبه: محمد الأمين الفاضل، بتاريخ: 1 أكتوبر 2026.

أنت أيضا يمكنك أن تلتزم بهذا التعهد من خلال نشره وتوقيعه باسمك.

توقفوا عن التنافس في مجالات محددة


 لماذا يتنافس نشطاء المجتمع المدني في مجالات محددة، قد تكون أقل إلحاحا، بينما تُترك مجالات أكثر أهمية دون اهتمام كاف؟

ولماذا يستمر تجاهل بعض الضحايا، فلا يجدون من يتحدث عنهم أو يطلق حملات لحمايتهم؟

أتحدث هنا، على وجه الخصوص، عن ضحايا التنقيب عن الذهب، وضحايا الغرق خلال موسم الخريف.

لقد فقدنا، خلال السنوات الماضية، عددا كبيرا من الأرواح في حوادث مرتبطة بالتنقيب عن الذهب، كما فقدنا أعدادا أخرى في حوادث الغرق خلال مواسم الخريف، وكان أغلب الضحايا من الأطفال.

ومع ذلك، لم تتحرك ــ حسب علمي ــ جمعية واحدة بشكل منتظم لحماية هؤلاء الضحايا المنسيين، من خلال العمل على الوقاية من وقوع تلك الحوادث.

لقد مرّ موسم الخريف لهذا العام، رغم الحصيلة الثقيلة لحوادث الغرق، دون أن تظهر، حسب علمي، جمعية أو حملة توعوية متخصصة في حماية الأطفال من الغرق.

فهل سيستمر الحال على ما هو عليه؟

هذه دعوة للتحرك مبكرا، والاستعداد من الآن لموسم الخريف القادم، حتى لا ننتظر وقوع الفاجعة ثم نكتفي بتعداد الضحايا.

وهذا مقترح من خمس خطوات وقائية يمكن أن تشكل أساسا لحملة وطنية لحماية الأطفال من الغرق:

1. إعداد خريطة وطنية لمواقع الخطر

تُحدد المدن والقرى والبرك ومجاري السيول والمستنقعات التي سبق أن شهدت حوادث غرق، حتى تُوجَّه جهود التوعية والوقاية إلى المناطق الأكثر عرضة للخطر.

2. تنظيم حراسة مجتمعية في مواقع الخطر

في كل قرية أو حي سبق أن شهد حوادث غرق، يمكن تنظيم حراسة تطوعية أو مجتمعية لأماكن تجمع المياه الخطرة خلال موسم الخريف، لمنع الأطفال من السباحة والاقتراب من أماكن الخطر.

3. إشراك الأئمة والدعاة

دعوة الأئمة في القرى والمناطق المعرضة للخطر إلى تخصيص بعض خطب الجمعة والدروس والمواعظ للتحذير من مخاطر السباحة في البرك ومناطق السيول، وحث الأسر على تشديد الرقابة على الأطفال خلال موسم الأمطار.

4. إطلاق حملات توعوية ميدانية

حث الجمعيات والنوادي الشبابية في المناطق الأكثر عرضة للخطر على تنظيم حملات ميدانية، تشمل زيارة الأحياء، والتواصل المباشر مع الأسر، وتوزيع رسائل توعوية حول مخاطر الغرق وطرق الوقاية منه.

5. وضع لافتات تحذيرية في مواقع الخطر

وضع لافتات واضحة عند البرك ومجاري السيول والمستنقعات التي تشكل خطرا على الأطفال، بالتعاون مع البلديات والسكان والجمعيات المحلية، لتنبيه الأسر والأطفال إلى خطورة الاقتراب منها.

أتمنى أن تظهر جمعية أو حملة توعوية تتخصص في هذا الموضوع بالذات، وأن تبدأ عملها مبكرا، قبل حلول موسم الخريف القادم.

وأتمنى، على وجه الخصوص، أن تكون مدينة أغشوركيت نقطة انطلاق هذه الحملة، فقد شهدت في موسم الخريف لهذا العام فاجعة مؤلمة، راح ضحيتها أربعة أطفال في حادث واحد.

الصورة من موقع الحفر في أغشوركيت، والذي غرق فيه الأطفال الأربعة يوم 21 يوليو 2026.

عن الدركي المستلقي على ظهر حمار!


قبل أن أدخل في تفاصيل هذا العنوان، اسمحوا لي أن أرد، بدءاً، على تعليقات عدد قليل من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، ثمّنوا ما قمنا به من عمل بخصوص صباغة بعض المطبات، لكنهم وجّهوا إلينا، في الوقت نفسه، نقدا لاذعا وغير مؤسس، مفاده أنه كان علينا أن نتقيد بالألوان المستخدمة في طلاء المطبات، بدلا من استخدامنا اللون الأبيض فقط، وأن استخدامنا لهذا اللون يدل على جهلنا الكبير بما يجب أن تكون عليه المطبات.

ولهؤلاء المتسرعين والجريئين في النقد، نقدم التوضيحات التالية:

1- لا يوجد، بحسب علمنا، نص قانوني موريتاني يتعلق بالتشوير الطرقي، ويحدد، بالتالي، طبيعة ألوان المطبات على الطرق الوطنية.

2- جرت العادة، بالنسبة إلى المؤسسات الرسمية المعنية بالمطبات، أن تكتفي باللون الأبيض في صباغة المطبات التي تشيدها على الطرق الوطنية، ونحن في هذا العمل قلدنا المؤسسات المعنية.

3- كنا سنرتكب خطأ فادحا لو خالفنا، في الحملة، الألوان التي تعتمدها شركة أشغال صيانة الطرق (ETER)، فمثل هذه المخالفة ستشوش على سالكي الطرق، وعلى الهوية البصرية للمطبات، من دون أن تضيف أي قيمة فنية إلى المطب.

4- في مثل هذه الأمور، فإننا في العادة نقلد، في هذه البلاد، فرنسا، البلد المستعمر سابقا، والنص الوارد في التعليمات الوزارية الفرنسية الخاصة بالتشوير الطرقي، في مادته 118-9، ينص، بالنسبة إلى المطب، على ما يلي: "يُشار إلى وجود مطب من نوع dos-d’âne بواسطة علامات أرضية تتكون من مجموعة من ثلاثة مثلثات بيضاء، توضع فوق المطب في محور كل مسار من مسارات حركة المرور، وتكون رؤوسها موجهة في الاتجاه الطبيعي لحركة السير.".

وهذا هو، بالتمام والكمال، ما تقيدت به شركة أشغال صيانة الطرق في مطباتها، وهو ما تقيدت به كذلك الحملة في المطبين اللذين قامت بطلائهما في قرية أكيمي.

5- بحثت عن نصوص قانونية تتعلق بالتشوير الطرقي في بعض الدول المجاورة، كالمغرب والسنغال ومالي، فلم أجد، في حدود ما تمكنت من الوصول إليه، نصوصا مماثلة تحدد ألوان طلاء المطبات. أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن النص القانوني قريب جدا من النص الفرنسي، ويتحدث عن ثلاثة مثلثات بيضاء على الجزء الصاعد من المطب.

والآن، وبعد الرد على هذه الانتقادات غير المؤسسة، فلنعد إلى العنوان، الذي ربما تكون صياغته قد تمت بهذا الشكل لجلب المزيد من القراء، مع أنه، وهذا مهم جدا، تبقى له صلة واضحة بالنص؛ أي إن صياغته بهذا الشكل لم تكن مجرد تحايل على القراء لدفعهم إلى قراءة المنشور.

هناك تسميات متداولة عندنا في موريتانيا للمطبات، أخذنا بعضها من اللغة الفرنسية، وأجرينا عليها تحويرات بسيطة لتكون أقرب إلى الحسانية، ومن تلك التسميات:

• "دودان"، وهي مأخوذة من العبارة الفرنسية Dos d’âne، أي "ظهر الحمار". وقد أطلق الفرنسيون على المطب عبارة "ظهر الحمار" للتشابه الحاصل بين ظهر الحمار وشكل المطب.

• والعبارة الثانية التي نستخدمها عند الحديث عن المطب هي: Gendarme couché، والمقصود بها أن هناك دركيا حقيقيا يوقف السيارات في نقاط معينة وهو واقف، وهناك "دركي آخر" مستلق على قفاه، يوقف، بشكل أو بآخر، السيارات، وهو المطب.

ويبقى السؤال: لماذا نستخدم، نحن الموريتانيين، هذه العبارات الأجنبية الثقيلة لوصف المطب: "ظهر الحمار" و"الدركي المستلقي"؟ ولماذا لا نستخدم بدلا منها كلمة "مطب"، وهي كلمة عربية قصيرة، لا تتجاوز ثلاثة أحرف، وتعبّر، في الوقت نفسه، عما نريد وصفه أحسن تعبير؟

السبت، 26 سبتمبر 2026

هديةٌ لم نُسلِّمْها..


لا أخفيكُمْ أننا فكرنا بجدٍّ في تسليمِ أحد العُمد - على طريقِ رحلةِ الرصدِ والتوثيقِ الممتدةِ من نواكشوط إلى لعيون - هدية. عبارة عن إحدى علبة الدهان التي اشتريناها عند انطلاق الرحلة ب 2800 أوقية قديمة.

فكرنا - بالفعل -  في تسليمِ تلك الهديةِ لأحد عمد البلديات الواقعة على طريق فريق الحملة للرصد والتوثيق، وأن يكون التسليم في اليومِ العالمي للمسؤوليةِ الاجتماعية، الذي يُخلد في يوم 26 من سبتمبر من كل عام، وذلك للفتِ انتباهِ العمد إلى تقصيرِهم في تحملِ المسؤوليةِ الاجتماعيةِ تجاهَ زملائِهم الذين فقدوهم في حوادثِ سير.

لا علم لي بعمدة رفع لافتة توعوية على واجهة مقر بلديته، أو وضعَ لافتة عند مدخلِ بلديتِه تحذر من السرعةِ المفرطة مثلا.

حتى المطبات الموجودة في النطاقِ الجغرافي لبلدياتهم لم يتطوعوا بتوفير طِلائها (صباغتِها)، لتتحول من مطبات للحدِّ من حوادث السير إلى مطبات تتسببُ في حوادثِ السير!

في الحقيقة، يعاني عُمدُنا -كغيرِهم من المهتمين بالشأن العام - من سلبيةٍ كبيرة وغيابٍ لروحِ المبادرة، حتى في أمور بسيطة لا تكلفُ مالا،  ومع ذلك فوائدَها عظيمة، كطلاء المطبات وتثبيتِ لافتاتٍ تحذيريةٍ قربها.

كان على العُمد - حتى وإن لم يهتموا بسلامةِ ناخبيهم - أن يتحملوا المسؤولية الاجتماعية تجاهَ زملائِهم الذين فقدوهم في حوادثِ سير، فيشاركوا في التوعيةِ للحدِّ منها. ومن العُمد الذين توفوا في حوادثِ سير، حسبَ لائحة أولية أعدتْها الحملة :

■ الشريف أحمد ولد عبد الرحمن (عمدة توجنين)

■  سيدي ولد ميلود (عمدة أغشوركيت)

■ السجاد ولد أعبيدنا (عمدة أطار)

■  إبراهيم ولد الرشيد ولد صالح (عمدة أكجرت)

■  أحمد ولد أبنو (عمدة علب آدرس)

■ الحسن ولد الحسين (عمدة عرفات)

■ المصطفى ولد الزين (عمدة تجكجة)

■  جوب عبد الله (عمدة أمبان)

■  لكبيد ولد الطالب (نائب عمدة شكار)

■  يحيى محمد فال مسعود (عمدة تكوبره)

■  بمب ولد محمدو ولد كبد (النائب الأول لعمدة العرية)

■ محمد ولد إبراهيم ولد السيد (رئيس المجلس الجهوي لجهة الترارزة).

وكانت آخرَ من فقدناهم هذا العام السيدة أمنة بنت يوسف (عضوة سابقة وعمدة سابقة في المجلس البلدي بروصو).

نسألُ اللهَ تعالى أن يتغمدَ الجميعَ بواسعِ رحمته، وأن يوفقَ العُمدَ الأحياءَ لكلِّ الأعمالِ التي من شأنِها أن تساهمَ في إنقاذِ الأرواحِ وصونِ الممتلكات، من خلالِ المشاركةِ في الجهودِ الرسميةِ والشعبيةِ الهادفة إلى الحدِّ من حوادثِ السير في بلادِنا.

تظهر في الصورة إحدى علب الدهان التي كنا نفكر في إهدائها لأحد العمد.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع

#معا_للحد_من_حوادث_السير

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

خاطرة من موقع فاجعة الكلم 25 على طريق لعيون - كبني


الموت مؤلم دائما، وصادم في كل الأوقات، حتى وإن كان الميت شيخا طاعنا في السن، قضى عدة أشهر محجوزا في المستشفى بين الحياة والموت.

فكيف تكون صدمة الموت عندما يكون الميت شابا في مقتبل عمره وبكامل طاقته، لا يشكو من أي مرض، وكان  على اتصال بأقاربه وزملائه ومحبيه قبيل وفاته، ثم يأتيهم خبر رحيله بعد ذلك بقليل؟

تصوروا حجم الصدمة..

وتكون الصدمة أكبر وأشد إيلاما عندما يجمع الموت، في لحظة واحدة، أسرة كاملة، الأب الشاب وزوجته وابنتهما الصغيرة.

طالعت في هذا الفضاء أن الأب والأم كانا ذاهبين بابنتهما لتطعيمها؛ كانا ذاهبين بها ليمنحاها أسباب الحياة، من خلال تحصينها من بعض الأمراض، فإذا بهم جميعا يمضون إلى أجلٍ مكتوب، محدد بالساعة والدقيقة والثانية، ومحدد مكانه كذلك لا بد أن يصلونه، ودون أن يتجاوزوه بشبر واحد.

اللهم إنا نسألك أن تبدل عبدك الشيخ النابغة ولد نافع ولد أعل عبد الله شبابه بالجنة، وأن تجمعه بزوجته وابنته في جنانك، فقد شهد له من عرفه بحسن السيرة وطيب الخلق.

ونسألك أن ترحم الشاب إدوم ولد معط الله، الذي توفي معهم في هذا الحادث الأليم، وأن تسكنه فسيح جناتك.

خالص العزاء والمواساة لأسر الضحايا، ولكل أهلنا في مدينة لعيون وضواحيها.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

هذه فاجعة أخرى من فواجع الطرق ستبقى عالقة في ذهني، وهي تلقي علينا في الحملة أعباء أكبر للقيام بالمزيد من التوعية.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

بيان من حملة "معا للحد من حوادث السير"


طالعنا في حملة "معا للحد من حوادث السير" باهتمام بالغ خبر إضافة خدمة جديدة إلى تطبيق "خدماتي"، تتيح للمواطنين الإبلاغ عن المخالفات المرورية التي يرتكبها السائقون؛ من خلال تحديد نوع المخالفة، ورقم لوحة المركبة، ومكان ارتكابها، مع إمكانية إرفاق الصور أو الفيديو، ومتابعة مسار البلاغ عبر التطبيق.

لقد جاء الإعلان عن هذه الخدمة الجديدة بعد أسابيع قليلة من إطلاق الحملة لـ"رادار المواطن"، الذي دعا المواطنين إلى رصد وتوثيق المخالفات التي يرتكبها السائقون على الطرق، ورصد المخاطر التي يواجهونها. ولذا، فإننا نُثَمِّن عاليًا هذه الخطوة، ونرى فيها تطورا مهما في مجال الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لتوثيق المخالفات والحد منها، عبر إشراك المواطن في جهود تعزيز السلامة الطرقية. ولكننا ننبه في الوقت نفسه إلى ضرورة رقمنة الخدمات التي يحتاجها السائق على الطريق؛ ونقصد بالخدمات هنا أن يتم إطلاع السائقين - أولا بأول - على الحفر والمطبات والألسنة الرملية وكل ما قد يواجهونه من مخاطر على الطرق، خاصة وأننا نعلم أن جل شبكتنا الطرقية لا توجد فيه شواخص إرشادية أو تحذيرية، وإن وُجدت فإن العديد من السائقين لا يفهم دلالة الإشارات التي تحملها تلك الشواخص.

إن رقمنة المخالفات ينبغي أن تكون جزءًا من رقمنة شاملة تتضمن أيضا رقمنة الخدمات التي يحتاجها السائق على الطريق. فأن تتاح للمواطن اليوم الفرصة لأن يبلغ عن السائق المخالف، فهذا أمر مهم، ولا تقل عنه أهمية أن تُوَفَّرَ للسائق كل المعلومات التي يحتاجها عن الطريق، والتي قد تساعده في تجنب الخطر قبل الوقوع فيه.

ومن هذا المنطلق، فإننا في الحملة نجدد الدعوة إلى الأخذ بمقترح تطبيق "سلامتي"، الذي سبق لنا أن قدمنا عنه عرضا شاملا ومفصلا لسيادة المدير العام للأمن الوطني في العام 2022، وكان حينها مديرا عاما للتجمع العام لأمن الطرق. كما قدمنا عرضا شاملا عنه لمعالي وزير التحول الرقمي وعصرنة الإدارة قبل سنتين من الآن، وقد تعهد الوزير بتفعيل هذا المقترح بالتعاون مع الحملة، وهو الشيء الذي لم يتم حتى الآن.

إننا في حملة "معا للحد من حوادث السير" نرى أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تكون حاضرة فقط عندما يتعلق الأمر بتسجيل المخالفة وتحصيل الغرامة، بل يجب أن تكون حاضرة كذلك، وبالقدر نفسه، عندما يتعلق الأمر بتقديم المعلومة التي يمكن أن تساعد في إنقاذ حياة سالكي الطرق، وذلك من خلال مدهم في كل رحلة بخريطة مُحَيَّنَة عن المخاطر على الطرق، وهذه هي الفكرة التي يقوم على أساسها تطبيق "سلامتي".

وفي الأخير، فإننا نؤكد أن المجتمع المدني ليس منافسا للحكومة، ولا ينبغي له أن يكون كذلك، وأن دوره ليس مناقضا لأدوارها، بل إنه مكمل لها، ونرجو أن تتفهم القطاعات الحكومية ذلك في تعاملها مع حملة "معا للحد من حوادث السير".

الثلاثاء 22 سبتمبر 2026

حملة معا للحد من حوادث السير

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

داعمون للرئيس أخطر من معارضيه!


كان من الغريب جدا أن ينشغل بعض داعمي فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، في العام الأول من مأموريته الثانية، بالحديث المبكر عن مرشحه المحتمل للرئاسيات في انتخابات العام 2029.

ولولا أن فخامة الرئيس وضع حدا لذلك الحديث المبكر عن الخليفة المنتظر، في خطاب حاسم ألقاه في الثاني عشر من نوفمبر من العام 2025 بمدينة تنمبدغة، لكانت الأغلبية منقسمة اليوم طرائق قددا، ولكل طريقة أو فرقة أو طائفة منها مرشحها الرئاسي الخاص الذي تنشغل بالترويج والدعاية له عن أي شيء آخر.

وللأسف، فما كدنا نفرح بغلق "قوس المرشح المنتظر" في العام الأول من المأمورية الثانية، حتى فُتح لنا في عامها الثاني قوسٌ آخر لا يقل خطورة، ويتعلق الأمر هذه المرة بالمطالبة بتعديل الدستور وفتح المأموريات.

فهل نحن بحاجة اليوم إلى خطاب حاسم في إحدى محطات زيارة آدرار، بقوة ونبرة خطاب تنمبدغة، ليوقف نهائيا هذا الحديث المتصاعد المطالب بفتح المأموريات؟

من الضروري جدا أن يعلم كل من يتخذ القرارات أو المواقف، وخاصة إذا ما كانت لها صلة بالشأن العام، أن القرار أو الموقف الجيد عندما يُتَّخذ في توقيت سيئ، يصبح ـ وبشكل تلقائي ـ قرارا أو موقفا سيئًا، وعلى العكس، فعندما يكون ذلك القرار أو الموقف ليس بالجودة المطلوبة، ولكنه اتُّخِذ في توقيت مثالي، فإنه يصبح ـ تلقائيًا ـ قرارا أو موقفا جيدا.

ولعل من أخطر صور المزاوجة بين جودة القرار أو الموقف والتوقيت المناسب، هو أن يكون القرار أو الموقف غير جيد أصلا، وأن يتم اتخاذه في أسوأ الأوقات.

لقد تابعنا في الأيام الأخيرة ارتفاع الأصوات المطالبة بفتح المأموريات، إلى أن وصل الأمر إلى نقاش هذا الملف في الدورة العادية الثالثة للمكتب السياسي لحزب الإنصاف، والذي أحال الملف إلى اللجنة الدائمة، أعلى هيئة في الحزب، لحسم موقف الحزب بخصوص هذا الملف.

لن أناقش في هذه السطور وجاهة أو عدم وجاهة المطالبة بتعديل الدستور وفتح المأموريات، وإنما سأكتفي فقط بالحديث عن التوقيت، وهل التوقيت الحالي هو الأنسب للحديث عن هذا الملف، أم أنه هو التوقيت الأسوأ على الإطلاق للحديث عنه؟

أثناء كتابتي لهذا المقال، طالعتُ بعض التقارير في بعض الصحف الدولية تتحدث عن ارتفاع أسعار النفط، واحتمال ارتفاع أسعاره أكثر في الأيام والأسابيع القادمة، وتحدثت تلك التقارير عن مخاوف جدية من حصول اضطراب في الإمدادات، بعد الهجمات على منشآت الطاقة في المملكة العربية السعودية، وهي هجمات أدت إلى خروج خط أنابيب "شرق ـ غرب" عن الخدمة.


تتصاعد هجمات الحوثيين على المملكة العربية السعودية، ويبسطون سيطرتهم على الساحل الغربي لليمن، ومواقع استراتيجية محيطة بمضيق باب المندب، ولا يظهر في الأفق نجاح أي وساطة بين إيران وأمريكا، مما يعني أن العالم مقبل على أيام صعبة جدا بسبب اضطراب إمدادات النفط وارتفاع أسعاره، وموريتانيا ـ بطبيعة الحال ـ هي جزء من هذا العالم، وربما تكون هي الحلقة الأضعف، في ظل عدم اكتمال تشييد مخازن المحروقات، فيختار بعض داعمي الرئيس هذا التوقيت بالذات ليرفعوا من وتيرة المطالبة بتعديل الدستور وفتح المأموريات الرئاسية.

فأيُّ توقيت أسوأ من هذا التوقيت للمطالبة بتعديل الدستور وفتح المأموريات؟

يعيش المواطن الموريتاني اليوم ظروفا صعبة للغاية بسبب ارتفاع أسعار النفط عالميا، والتي أدت إلى رفع أسعاره محليًا، لتصل إلى مستويات لا تُطاق، وهي قد لا تتوفر أصلا في بعض المحطات في بعض الأوقات بتلك الأسعار المرتفعة، فيواجه بعض داعمي الرئيس هذه الظروف الصعبة التي يعاني منها المواطن بالمزيد من المطالبة بتعديل الدستور وفتح المأموريات الرئاسية.

تصوروا، يرحمكم الله ـ وهذه فرضية محتملة في ظل الأزمة المتصاعدة عالميا ـ كيف ستكون ردة فعل المواطن الموريتاني إذا استيقظ في أحد الأيام القادمة، فلم يجد لتر بنزين في أي محطة، أو استيقظ على زيادة جديدة في أسعار المحروقات، والتي لم يكن يطيق أسعارها أصلًا. تصوروا كيف ستكون ردة فعله عندما يستيقظ على واحدة من تلك الفرضيات، فينظر يمينا وشمالا، فلا يجد إلا مبادرات تطالب بتعديل الدستور وفتح المأموريات.

بكل تأكيد، فإن عدم الحديث عن تعديل الدستور في أيام الناس هذه لن يوقف الأزمة العالمية، ولن يخفف من الأسعار محليًا، ولن يزيد من القوة الشرائية للمواطن، إلا أنه ـ وهذه وحدها تكفي ـ سيقلل من استفزاز المواطن في ظل هذه الظروف الصعبة التي يعيشها، والتي من الراجح أن يزداد تفاقمها مستقبلا إذا لم تتوقف أزمات وحروب الشرق الأوسط.

إن من يدعم الرئيس حقًا، عليه أن ينشغل الآن باطلاع المواطن على احتمالات تفاقم الأزمة العالمية مستقبلا، وأن تفاقمها قد ينعكس بقوة على ظروف حياته في هذه البلاد، وأن يهيئه نفسيًا للتعامل مع القادم الصعب، لعل ذلك يقلل من وقع الأزمة ومن انعكاساتها إذا ما وصلتنا في موريتانيا، وهي ستصلنا حتمًا.

إن من يدعم الرئيس حقًا، عليه أن ينشغل الآن بتهدئة الأجواء السياسية في ظل احتمالات تفاقم الأزمة العالمية، لا أن يرفع مطالب قد تربك المشهد السياسي، وتفشل الحوار حتى من قبل أن يبدأ. وأعتقد أنكم تدركون جميعا الفرق الكبير جدًا بين أن يواجه النظام آثار أزمة عالمية ستتفاقم، حسب الراجح، وهو يعيش تهدئة سياسية وحوارا بين الأغلبية والمعارضة، وأن يواجه تلك الأزمة في ظل احتقان سياسي، وفشل حوار طال انتظاره كثيرا، بعد أن قرر الرئيس أن يلتزم به في برنامجه الانتخابي.

إن من يدعم الرئيس حقًا، وهذه هي الأهم والأقوى لمواجهة الأزمة العالمية المتفاقمة، عليه أن يشجع الرئيس ويدعمه في محاربة الفساد بشكل جدي وحاسم، فمحاربة الفساد هي وحدها التي ستخفف ـ وبشكل مباشر وفوري ـ من آثار الأزمة العالمية على بلادنا، وذلك لكونها ستوفر موارد إضافية تتم استعادتها من المفسدين، وستُرَشِّد تسيير موارد أخرى فتنفق فيما أُريدت له، هذا فضلا عن كونها ستجعل المواطن على استعداد أكبر لتقبل قرارات صعبة قد تفرضها الأزمة العالمية المتفاقمة.

فالمواطن عندما يشعر أن النظام يحارب الفساد بقوة، سيتقبل ـ تلقائيًا ـ القرارات والإجراءات الصعبة، ولكن عندما يتولد لديه إحساس بأن النظام غير جاد في محاربة الفساد، فإنه لن يتقبل أي قرار أو إجراء قد ينعكس سلبا على مستوى معيشته، حتى وإن كان ذلك الإجراء ضروريًا وفي غاية الوجاهة.

المؤسف حقًا أننا لم نسمع عن مبادرة واحدة في صفوف الأغلبية لمحاربة الفساد، والمؤسف أكثر أننا لما أطلقنا ائتلافًا واسعا لمحاربة الفساد، لم نجد تحمسا لذلك الائتلاف في صفوف الأغلبية الداعمة للرئيس.

بكلمة واحدة، إن الداعم الصادق لرئيس الجمهورية هو من يبحث الآن عن كل ما من شأنه أن يخفف من آثار أزمة عالمية تشير كل الدلائل إلى أنها ستزداد تفاقمًا في المستقبل، وليس ذلك الذي يعمل على توتير الأجواء وتعقيدها في ظل أزمة عالمية متفاقمة.

لقد كنتُ ضمن مجموعة من الموريتانيين قررت مؤخرا أن تطلق مبادرة تضامن مع الشعب الجزائري الشقيق في ظل محنة حرائق الغابات، ومع أن هذه المبادرة أُطلقت فقط من أجل التضامن الأخوي بين شعبين شقيقين، لا لشيء آخر، إلا أنها، مع ذلك، قد تساعد في إيجاد حل استراتيجي على المدى المتوسط لأزمة الطاقة المتفاقمة، فهذه الأزمة لن تجد حلًا مستدامًا في بلادنا إلا من خلال تعزيز العلاقات بين موريتانيا والجزائر.

فهل ستفوتُ الحكومة استغلال هذه المبادرة ذات النفع العام من خلال دعمها المعنوي، كما فوتت في وقت قريب، استغلال مبادرات كثيرة أخرى ذات نفع عام، كان آخرها ميثاق المواطنة، والذي هي في أمس الحاجة إليه لتعزيز قيم المواطنة في ظل تصاعد الخطابات القبلية والجهوية والشرائحية والعرقية على حساب خطاب المواطنة الجامع.

الراجح عندي أنه ستفوتُ تلك الفرصة، كما فوتت فرصا أخرى، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

حفظ الله موريتانيا..

الاثنين، 14 سبتمبر 2026

لماذا مبادرة "أشقاء في المحنة"؟


لم يكن من المقبول إطلاقا ـ ولأسباب لا أظنني بحاجة إلى ذكرها ـ أن تندلع حرائق الغابات في مناطق عديدة من الجزائر (البلد الأكثر من شقيق)، وتُخلف خسائر بشرية ومادية جسيمة، ولا تظهر مبادرة شعبية في موريتانيا قبل أن تخمد تلك النيران، للتعبير عن تضامن الشعب الموريتاني مع الشعب الجزائري الشقيق، وهو يواجه تلك الحرائق.

ومما لا شك فيه، أن الشعب الموريتاني يفرح لفرح الشعب الجزائري، ويتألم لألمه، سواءً أطلقت مبادرة شعبية للتعبير عن ذلك أو لم تطلق، ومع ذلك يبقى التعبير عن تلك المشاعر من خلال مبادرات وفعاليات شعبية ضروريا ومهما في كل الأوقات، في أوقات الرخاء وفي أوقات الشدة، ولكنه في أوقات الشدة يصبح أولى وأوجب، وأصدق وأنبل، ولتأدية هذا الواجب الأخوي أطلق المئات من الموريتانيين من مختلف الاهتمامات والاتجاهات والتخصصات والأجيال مبادرة " أشقاء في المحنة"، والتي تُعَبّر في حقيقة أمرها عن كل الشعب الموريتاني.

في اللقاء الذي جمع وفد هذه المبادرة بسعادة السفير الجزائري في بلادنا أمين صيد، يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026، لتسليم رسالة التضامن، تحدث السفير عن المنح التي توجد في طيات المحن، مؤكدا في حديثه أن محنة الحرائق كشفت عن جوانب مضيئة لدى الجزائريين، كانت موجودة أصلا، ولكنها تجلت أكثر في أيام المحنة، فعلى المستوى الشعبي تجلت في قيم التضامن والبذل، وعلى المستوى الحكومي تجلت في سرعة الإنجاز لتوفير الاحتياجات الأساسية في ظرف قياسي في المناطق المتضررة.

وإذا كانت حرائق الغابات قد أعطت فرصة لأخوتنا في الجزائر لإظهار صور مضيئة من التضامن والتلاحم الشعبي في مواجهتها ومواجهة آثارها، فإنها في موريتانيا أعطتنا كذلك فرصة ثمينة، وجب علينا استغلالها أحسن استغلال، للتعبير لأهلنا في الجزائر عن المشاعر الأخوية الصادقة التي نكنها لهم، في كل الأوقات والظروف، وبالأخص في أوقات المحن والأزمات، وهذا بالضبط هو ما نحاول في مبادرة "أشقاء في المحنة" أن نجسده عمليا من خلال أنشطتنا في المبادرة، والتي تمثلت حتى الآن في إطلاق يوم إعلامي تضامني مفتوح، وتوجيه رسالة تضامنية إلى الشعب الجزائري الشقيق، والبدء في التحضير لتسيير قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية، والتي نريدها أن تذهب إلى الجزائر محملة برسائل المحبة والتضامن من الشعب الموريتاني إلى الشعب الجزائري، وتعود من الجزائر محملة كذلك برسائل المحبة والتضامن من الشعب الجزائري إلى الشعب الموريتاني.

لقد قلتُ لسعادة السفير الجزائري في بلادنا خلال استقباله لوفد المبادرة، بأننا في موريتانيا ندرك ـ تمام الإدراك ـ أن كل آثار الحرائق تم تجاوزها أو هي في طريق التجاوز، وأن الدولة الجزائرية تمتلك من المقدرات والإمكانيات والإرادة ما يكفي لتجاوز تلك الآثار، وهي ولله الحمد، ليست في حاجة إلى أي مساعدة من أي نوع في هذا المجال.

 قلتُ لسعادة السفير إننا في موريتانيا ندرك ذلك، ومع ذلك فإننا نصرُُ على أن يكون لنا حضورٌ حتى ولو كان رمزيا، في مواجهة حرائق الغابات وآثارها، وأقل ما يمكن أن نقوم به في هذا المجال هو مواساة بعض أسر الضحايا في الأماكن المتضررة، بكلمة طيبة، نقول لهم فيها إن لكم في موريتانيا أخوة تألموا لألمكم عندما نشبت الحرائق، وهم يفرحون الآن لفرحكم بإخمادها وبما يُقام به من جهد كبير لتجاوز آثارها ومخلفاتها.

نعم، لابد من تضامن شعبي مع الجزائر، يُعَبَّر عنه بمختلف وسائل التعبير المتاحة، فالجزائر كانت حاضرة وبقوة في محطات صعبة من تاريخنا، فوقفت معنا حكومة وشعبا، وقفات تضامنية صادقة دون منٍّ وأذى، واليوم من الواجب علينا في موريتانيا أن نقف معها وقفة تضامنية صادقة، وهي تواجه حرائق الغابات وما خلفته من أضرار بشرية ومادية جسيمة.

إن قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية، ليست قافلة إغاثة، وما ينبغي لها أن تكون كذلك، وإنما هي قافلة وفاء، ورد جميل، وتذكير بمواقف مشرفة وعظيمة اتخذتها الجزائر في محطات صعبة من تاريخنا، قد لا تكون الأجيال الحالية على اطلاع عليها، ولا على تفاصيلها، ومن تلك المواقف نذكر تحديدا: 

الدور الجزائري في إصدار الأوقية الموريتانية

في الثامن عشر من شهر يونيو من العام 1973، اتخذت موريتانيا قرارا سياديا وتاريخيا، من خلال إصدار قانون يقضي بإنشاء عملة وطنية خاصة بها، وهو ما يعني خروجها من منظومة الفرنك الغرب إفريقي، فكانت الجزائر حاضرة ـ وبقوة ـ في كل مراحل تنفيذ هذا القرار التاريخي، بدءا بالنقاشات السرية الممهدة لاتخاذه، وانتهاءً بطباعة الأوراق النقدية الأولى في الجزائر، ومرورا بإرسال خمسة أطر شباب من موريتانيا سرا إلى الجزائر، لتلقي تكوين سريع في المجال النقدي والمصرفي، ثم إرسال خبراء جزائريين لتأطير عمال البنك المركزي الموريتاني بعد ذلك. لقد أحيط كل هذا المسار بتكتم شديد، بسبب الخوف من أن تطلع عليه المؤسسات المالية الفرنسية أو البنك المركزي لدول غرب إفريقيا، فيعرقلانه في إحدى محطاته، فتعود موريتانيا إلى الفرنك الغرب إفريقي.

إن أول أوراق الأوقية الموريتانية طُبعت في الجزائر، وأوائل أطر النظام النقدي الموريتاني تكونوا في الجزائر، وأول عملية تأطير لعمال البنك المركزي الموريتاني، كانت بإشراف خبراء جزائريين، وهذا ما جعل الرئيس الراحل المختار ولد داداه يقول في مذكراته، ما مفاده إن إصدار العملة الوطنية وتأسيس البنك المركزي الموريتاني ما كانا ليتحققا لولا المساعدة الثمينة للسلطات المصرفية الجزائرية.

إن الدور الجزائري الكبير في تأسيس البنك المركزي الموريتاني، وإصدار الأوقية، يستدعيان من البنك المركزي أن يكون حاضرا ـ ولو بشكل رمزي ـ في قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية.

 الدور الجزائري في تأميم شركة "ميفرما"

كانت هناك مخاطرة كبيرة في اتخاذ قرار بإصدار عملة وطنية في العام 1973، ولكن المخاطرة كانت أشد وأخطر عند الإعلان عن تأميم شركة "ميفرما" في العام التالي.

لم يكن الرئيس الراحل المختار ولد داداه يستبعد نهائيا التدخل الفرنسي عند إعلانه عن تأميم شركة "ميفرما" في يوم 28 نوفمبر 1974، وهو الإعلان الذي فاجأ به السلك الدبلوماسي في موريتانيا، بل وفاجأ به كبار المسؤولين الموريتانيين، ومع وجود ذلك التخوف، فقد كان الرئيس المختار يشعر ـ كما جاء في مذكراته ـ بأن ظهره محمي من طرف الرئيس بومدين والحكومة الجزائرية. 

كانت "ميفرما" قبل التأميم شركة متعددة الجنسيات موزعة بين شركات فرنسية وبريطانية وإيطالية وألمانية، ولا تمتلك منها الدولة الموريتانية إلا نسبة 5% مُنحت لها ابتداءً من العام 1963، وكانت صادرات هذه الشركة تصل إلى 10 مليون طن من الحديد العالي الجودة، وتمثل بذلك 80 % من مجمل عائدات صادرات البلد، فهذه الشركة كانت تعتبر "دولة داخل الدولة" ولذا فلم يكن من المتوقع أن تقبل فرنسا بتأميمها بكل بساطة.

كان هناك احتمالان متوقعان عند اتخاذ قرار التأميم، يمكن أن ترد بهما فرنسا، ومن المؤكد أنهما كانا يؤرقان الرئيس المختار ولد داداه.

الاحتمال الأول: ماذا لو سحبت فرنسا كل خبرائها وعمالها من الشركة عند الإعلان عن التأميم؟

كان الجواب الجزائري واضحا ومطمئنا: إن الجزائر على استعداد تام لإرسال أطرها وخبرائها ليحلوا محل الأطر الفرنسيين، وإذا استدعى الأمر الاستعانة بكفاءات من خارج الجزائر، فإنها مستعدة كذلك لجلبهم من دول صديقة لتعويض النقص.

الاحتمال الثاني: ماذا لو قررت فرنسا التدخل عسكريا لإحباط عملية التأميم؟

وهنا، جاء أيضا الرد الجزائري واضحا وقويا ومطمئنا، سيكون الجيش الجزائري في حالة تأهب، وستوضع وحدات منه قرب الحدود الموريتانية في حالة استنفار قصوى، وسيكون الرئيس الجزائري هواري بومدين في تندوف يوم التأميم، أي في يوم 28 نوفمبر 1974، في انتظار أي إشارة تأتي من موريتانيا، للتدخل عسكريا ومواجهة أي تدخل فرنسي محتمل. 

قبل الإعلان عن التأميم بثلاثة أشهر، وخلال زيارة للرئيس المختار للجزائر، تم إطلاع الرئيس هواري بومدين ـ وبسرية تامة ـ على قرار التأميم، فرد هواري بومدين مخاطبا المختار: "كل مقدرات الجزائر رهن إشارتك".

كانت الجزائر على استعداد لتوفير الخبراء لتأمين عملية التأميم فنيا، وكانت على استعداد كذلك للدخول في حرب مع فرنسا لتأمين عملية التأميم عسكريا، وبالإضافة إلى كل ذلك فإنها كانت من بين الدول العربية التي قدمت الدعم لتعويض مساهمي شركة "ميفرما" إلى جانب الكويت وليبيا والعراق والسعودية. 

إن الدور الجزائري الكبير في تأميم شركة "ميفرما"، يستدعي حضورا ـ ولو رمزيا ـ من الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (اسنيم) في قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية.

الدور الجزائري في أحداث 1989 المؤلمة

كانت الشقيقة الجزائر حاضرة وبقوة، في أخطر أزمة إنسانية تتعرض لها الدولة الموريتانية منذ تأسيسها وحتى اليوم، ففي أحداث موريتانيا والسنغال المؤلمة في العام 1989، فقدنا في موريتانيا العديد من الضحايا، وأبعد حوالي 160 ألف موريتاني من السنغال حسب بعض التقديرات، وخسرنا في تلك الأحداث عشرات المليارات من الفرنك الغرب إفريقي.

كانت الجزائر حاضرة في تلك الأحداث من خلال إقامة جسر جوي، للمساهمة في إجلاء الموريتانيين من السنغال، وكانت موريتانيا في تلك الفترة تعاني دبلوماسيا من شبه عزلة بسبب مواقف دول غربية معادية للنظام الموريتاني، بل إن عددا من الدول العربية اتخذت مواقف منحازة للسنغال في تلك الأزمة، رغم رفعها لشعار الحياد، وقد رفعت الجزائر مع تلك الدول شعار الحياد سعيا لإنجاح الوساطات الهادفة لحل الأزمة، ومع ذلك فقد ظل الموقف الجزائري منحازا لنا في موريتانيا. 

ألا يستدعي وقوف الجزائر معنا في أخطر أزمة إنسانية تواجهها الدولة الموريتانية منذ تأسيسها وحتى اليوم، ووقوفها معنا قبل ذلك عند اتخاذ قرارين سياديين كانت فيهما مخاطرة كبيرة (إصدار الأوقية وتأميم ميفرما)، ألا يستدعي كل ذلك أن نطلق اليوم في موريتانيا قافلة أخوية للتعبير عن تضامننا مع الشعب الجزائري، وهو يواجه آثار حرائق الغابات؟

ألا يعدُّ إطلاق مبادرة شعبية للتضامن مع أهلنا في الجزائر فرض كفاية إن قامت به مجموعة من الموريتانيين سقط عن الشعب الموريتاني، وإن لم تقم به، أصبح فرض عين على كل الشعب الموريتاني، ولتسمحوا لي فأنا هنا لا أتحدث بلغة فقهية خالصة، وإنما أردت توضيح الفكرة التي أسعى لإيصالها لكم.

وتبقى كلمة

لقد كنا نخطط عند إطلاقنا لهذه المبادرة، لأن تكون مبادرة مؤقتة مرتبطة بحدث مؤقت (حرائق الغابات)، ولكننا بعد إطلاقها، ونظرا لما لمسناه من تجاوب واسع في موريتانيا، وما تلقيناه من تقدير وتثمين من الأشقاء الجزائريين الذين اطلعوا عليها، كل ذلك جعلنا نفكر بجد في الانتقال بهذه المبادرة من إطارها المؤقت إلى إطار دائم، تعزيزا للعلاقات الأخوية بين الشعبين، وخدمة للمصالح المشتركة للبلدين الشقيقين.

دامت الأخوة الموريتانية الجزائرية..



هل هي دعاية للسياقة المتهورة؟


 ■ في مثل هذا اليوم من العام الماضي، ومن مدينة ألاك أصدرنا في حملة معا للحد من حوادث السير بيانا حول خطورة الترويج للقيادة المتهورة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وذلك بعد أن نشر أحد "المؤثرين" مقطعا للترويج للسياقة المتهورة، وكأن شبابنا بحاجة لمن يدعوهم إلى السياقة المتهورة.

للتذكير، في مثل هذا الأسبوع من العام الماضي فقدنا  17 شخصا   في حوادث سير سُجلت في أسبوع واحد.

■ اليوم شاهدنا نفس "المؤثر" يتنقل مع صحبه في طائرة خاصة لأحد رجال أعمالنا.

■ ومساء اليوم علمنا أيضا بحادثي سير  أليمين، كان ضحاياهما بعض شبابنا، أحدهما في بلدية الدفعة وتوفى فيه شاب وأصيب شباب آخرون بعضهم إصابتهم خطرة، والثاني تعرض له منقبون شباب في تيرس، وأدى إلى وفاة أحدهم وإصابة ثلاثة آخرين.

■ نذكر بأننا في الحملة كنا نفكر في إطلاق نسخة جديدة من  قافلة معا من أجل خريف آمن، للتوعبة حول خطورة حوادث السير، ولكننا لم نجد شريكا يدعم تلك القافلة، وذلك في وقت نتابع فيه بعض رجال أعمالنا وهم  ينفقون بكرم حاتمي على "مؤثرين" يروجون للسياقة المتهورة.

■ الحملة تعد منذ سنوات لوائح عن ضحايا حوادث السير من كل الفئات، ولدينا العديد من رجال الأعمال الذين توفوا في حوادث سير، وتفرض المسؤولية الاجتماعية أن ينذكرهم زملاءهم من خلال المساهمة في التوعية ضد حوادث السير. 

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

الأحد، 13 سبتمبر 2026

انطلاق أنشطة المبادرة الشعبية الموريتانية للتضامن مع الشعب الجزائري الشقيق


أعلنت المبادرة الشعبية الموريتانية للتضامن مع الشعب الجزائري الشقيق عن انطلاق أنشطتها التضامنية مع الجزائر، في ظل تعرضها لحرائق الغابات التي خلفت خسائر بشرية ومادية جسيمة.

​وجاء هذا الإعلان خلال فعاليات يوم تضامني إعلامي مفتوح أطلقته المبادرة، وتضمن الإعلان الرسمي عن انطلاق الأنشطة، وندوة عن العلاقات الموريتانية الجزائرية، فضلا عن إطلاق منبر لتوجيه رسائل التضامن مع الشعب الجزائري.

​وفي كلمته بالمناسبة، قال منسق المبادرة، الكاتب والناشط المدني محمد الأمين الفاضل، إن الشعب الموريتاني "يتألم لألم الشعب الجزائري ويفرح لفرحه"، مؤكدا أن الجزائر التي وقفت دائما مع موريتانيا لن تكون وحدها في هذه المحنة.

​وأوضح ولد الفاضل أن المبادرة تهدف إلى خلق فضاء يتيح - من خلال منبرها ومنصتها الرقمية - لكل موريتاني التعبير عن تضامنه مع الشعب الجزائري، مذكرا بأن الشعبين سيظلان شقيقين في الرخاء والمحن. مضيفا أن الإقبال على التوقيع على البيان التأسيسي للمبادرة منذ إطلاقه في 30 أغسطس كان كبيرا، ويعكس عمق تلك العلاقة؛ حيث وقّع عليه المئات من الأساتذة الجامعيين والأطباء والقانونيين والباحثين والإعلاميين والفاعلين المدنيين والسياسيين والنقابيين ورجال الأعمال والشباب والمواطنين العاديين.

​وشهد اليوم التضامني مداخلات متنوعة لشخصيات سياسية وبرلمانية وأكاديمية ومدنية ورجال أعمال.

​يُشار في الأخير إلى أن المبادرة ستسلم رسالة تضامنية لسفير الجزائر في موريتانيا، كما تخطط لإطلاق "قافلة الأخوة" إلى الجزائر.



رسالة تضامن إلى الشعب الجزائري الشقيق


استقبل سفير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية في نواكشوط، سعادة السيد أمين صيد، اليوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026، محاطا بطاقم السفارة، وفدا من المبادرة الشعبية الموريتانية للتضامن مع الشعب الجزائري "أشقاء في المحنة"، ضم 13 شخصية تمثل مختلف الهيئات والتشكيلات والشخصيات المؤسسة للمبادرة.

وفي كلمته الترحيبية، ثمَّن السفير الوقفة الأخوية للشعب الموريتاني وللمبادرة بشكل خاص، مؤكدا أن المحنة التي خلفتها الحرائق، رغم صعوبتها، كشفت عن مظاهر واسعة من التلاحم داخل الجزائر وخارجها، وفي مقدمتها هذه المبادرة التضامنية الشعبية التي تحظى بتقدير الجزائر قيادة وشعبا.

وطمأن السفير وفد المبادرة إلى أن مختلف التحديات التي خلفتها الحرائق بدأ تجاوزها، مبينا أن هذه المحنة كشفت عن قدرة الجزائريين على مواجهة الصعاب، وشكَّلت دافعا قويا لهم لإظهار المزيد من التلاحم والقدرة على الإنجاز.

كما أكد السفير، لدى تسلمه رسالة التضامن الموجهة إلى الشعب الجزائري، أنه سيوصلها إلى الجهات المعنية، معربا عن استعداد السفارة للتنسيق مع المبادرة بشأن "قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية" التي تحضر المبادرة لإطلاقها. وأشار في كلمته إلى أن الجزائر تعتزم تشييد مركز ثقافي، وأن هذا المشروع سيحتاج إلى إسهام الشخصيات الفكرية والعلمية والثقافية المنخرطة في المبادرة، بما يفتح آفاقا جديدة للتعاون والتواصل بين الشعبين.

وأضاف أن الأخوة الموريتانية الجزائرية ضاربة في التاريخ، لكنها تتجدد وتتقوى بمثل هذه المبادرات الأخوية الصادقة، مشيرا إلى أنه تابع أنشطة اليوم التضامني المفتوح الذي نظمته المبادرة يوم 7 سبتمبر، وما تضمنه من كلمات ومداخلات عميقة عكست متانة العلاقات بين البلدين. كما أشاد بالتضامن الشعبي الموريتاني، مثمّنا في الوقت ذاته قوة العلاقات الرسمية بين البلدين، ولا سيما في الفترة الحالية.

من جانبه، أكد منسق المبادرة محمد الأمين الفاضل أن «أشقاء في المحنة» تمثل مختلف مكونات المجتمع الموريتاني، وهو ما يعكسه تنوع وفدها. وأوضح أن الإقبال الكبير على المبادرة منذ إطلاقها جعل القائمين عليها يواجهون صعوبة في فرز وتحديث أسماء جميع الموقعين، مشيرا إلى أن المبادرة - التي انطلقت بصورة عفوية ومؤقتة - وجدت نفسها، بفعل التفاعل الواسع معها، أمام مسؤولية أخلاقية تلزمها بتحويلها إلى إطار دائم لتعزيز العلاقات الشعبية بين البلدين الشقيقين.

وأشار إلى أن المبادرة شهدت انخراط عدد من أبرز الهيئات الفاعلة في تعزيز العلاقات بين البلدين، من بينها الفريق البرلماني للصداقة الموريتانية الجزائرية، ومجلس الأعمال الموريتاني الجزائري، ورابطة الأخوة الموريتانية الجزائرية، والجالية الموريتانية بالجزائر، إلى جانب هيئات فاعلة أخرى.

وشهد اللقاء مداخلات لكل من النائب الأول لرئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين ورئيس مجلس الأعمال الموريتاني الجزائري محمد لفضل ولد بتاح، والأمين العام للمجلس سيدي عثمان الشيخ ماء العينين، والنائب العيد ولد محمدن أمبارك، ورئيسة رابطة الأخوة الموريتانية الجزائرية، أكدوا خلالها أهمية المبادرة وضرورة استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز العلاقات الثنائية.

وفي ختام اللقاء، سلَّم منسق المبادرة رسالة التضامن إلى السفير الجزائري، الذي جدد استعداده لإيصالها ومواصلة التنسيق مع المبادرة بشأن خطواتها المقبلة، ليُختتم اللقاء بالتقاط صور تذكارية تجمع وفد المبادرة بطاقم السفارة.

---

تشكيلة وفد المبادرة الذي التقى اليوم بسعادة السفير الجزائري في بلادنا، محاط بطاقم السفارة.

■ محمد الأمين الفاضل، كاتب وناشط في المجتمع المدني (المنسق العام للمبادرة)

■ محمد لفضل ولد بتاح النائب الأول لرئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، ورئيس مجلس الأعمال الموريتاني الجزائري

■ سيدي عثمان ولد الشبخ ماء العينين، رجل أعمال، أمين عام مجلس الأعمال الموريتاني الجزائري

■ العيد محمدن أمبارك، نائب، ومرشح رئاسي سابق

■ عيشة الداه سيدي أمبي، رئيسة رابطة الأخوة الموريتانية الجزائرية

■ محمد محمود بدكي ، رئيس الجالية الموريتانية في الجزائر 

■ د. عبد الصمد أمبارك مدير مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية

■ أبوبكر ديالو، المدير التنفيذي لبنك الاتحاد الجزائري

■ د. محمد عالي الهاشمي، رئيس مركز المرابطون للدراسات الاستراتيجية

■ د. سيد أحمد الإمام (العون الطبي الاستعجالي) 

■ أحمد سالم أحمد دكلة،مهندس، أستاذ تعليم فني

■ البكاي سي صمبا، ناشط حقوقي ورئيس منظمة غير حكومية 

■ فاطمة أبوه، طالبة جامعية.








السبت، 5 سبتمبر 2026

ينفقون على التفاهة، ويبخلون في الإنفاق لإنقاذ الأنفس!!!


تستمر حوادث السير في حصد الأرواح وخاصة في صفوف الشباب، ونحن على المستويين الرسمي والشعبي لا نعطي لهذا النزيف على الطرق ما يستحق من اهتمام.

كتبنا عن الحادث الذي وقع يوم أمس على الطريق الدائري في مقاطعة الرياض، وعن الإصابات الخمس الخطرة التي سجلت في هذا الحادث، بل إننا زرنا المكان الذي وقع فيه الحادث في مقاطعة الرياض..

اليوم علمنا بوفاة الشاب محمد سالم ولد المولود متأثرا بإصابته، ليلتحق بالشاب لمهابة ولد ميسرة الذي توفي يوم أمس متأثرا هو كذلك بإصابته.

نسأل الله تعالى أن يتغمد الشابين بواسع رحمته، وأن يبدل لهما شبابهما بالجنة. خالص التعازي لأسرتي الشابين الفقيدين.

نحن جميعا نتحمل جزءا من المسؤولية في نزيف الطرق، وفي هذا المنشور سأتوقف مع الإنفاق على الدعاية والتسويق، حيث تُمّوُّل بكرم حاتمي رحلات التفاهة من طرف القطاع العام والخاص، ويبخل بالقليل من المال عندما يتعلق الأمر برحلات توعوية لإنقاذ الأرواح!

هناك أمور في هذا البلد "المنكوب في ذائقته المجتمعية" يصعب فهمها، ومنها أن تتسابق المؤسسات والشركات والوزارات في إنفاق المال بسخاء لتمويل رحلات، وأنشطة ترفيهية عابرة، لا يبقى من أثرها الإيجابي أي شيء بعد انتهائها، أما أثرها السلبي فهو باق، وسيسأل عنه الجميع بعد حين. وفي المقابل،  عندما يتعلق الأمر بقافلة توعوية للسلامة الطرقية، يمكن أن تساهم في إنقاذ الأرواح، فإن العثور على شريك يصبح مهمة شبه مستحيلة!

لقد وعدنا في حملة معا للحد من حوادث السير بإطلاق نسخة جديدة من قافلة "معا من أجل خريف آمن"، بمناسبة الموسم التوعوي العاشر للحملة، وتقدمنا بطلبات الشراكة لمؤسسات عمومية وخصوصية، ولكننا فشلنا في الحصول على شريك. يقبل بتمويل هذه القافلة. 

حقا، لدينا مشكلة كبيرة في الذائقة المجتمعية، وفي الوعي، وفي ترتيب الأولويات.

أنا هنا لا أطالب المؤسسات  والشركات بأن توقف كل أنشطتها الترفيهية. ولا أقول إن كل رحلة أو احتفال أو نشاط ترفيهي تافه.

لكنني أطرح فقط سؤالا بسيطا: هل يعقل أن نجد المال لكل شيء، ثم نعجز عن تخصيص جزء قليل منه لحماية الأرواح؟

هل يعقل أن يدفع تطبيق بنكي أموالا طائلة لتظهر علامته التجارية في أنشطة تافهة، ثم لا يرى قيمة في ظهور علامته التجارية على قافلة توعوية تجوب مدن الوطن للتوعية ضد حوادث السير التي تحصد الأرواح بشكل يومي؟

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

الجمعة، 28 أغسطس 2026

عندما تختلط زغاريد الأعراس بصفارات سيارات الإسعاف…


يبقى الموتُ صدمةٌ قاسية في كل الأحوال، لكن أقسى صدماته تكون في الحالات التي يأتي فيها بلا موعد، فالموت بعد المرض لا تُقاس صدمته بالموت في حادث سير مفاجئ، مع أنه في كلا الحالتين يبقى صادما ومؤلما.

والموت في حوادث السير يكون مفاجئا وصادما في كل الحالات، إلا أن مستوى الصدمة يختلف من حادث سير إلى حادث سير آخر.

وفيات حوادث السير تبقى في كل الحالات هي الأكثر إيلامًا،

لأنها لا تُمهِّد، ولا تُنذر، وإنما تأتي فجأة،  لكن هذه الصدمة تتضاعف، وتصبح أشدَّ قسوة حين يقع الحادث في لحظات الفرح، وحين تستقبل بعض المنازل التعازي بدلا التهانئ والتبريكات. 

هناك حوادث سير مؤلمة، لكن أشدها وجعا وإيلاما تلك التي تقع في لحظات الأفراح، كتلك التي تحدث  في أيام الأعياد، حيث يُفترض أن يكون الفرح سيّد اللحظة، وكثيرا ما تسجل حوادث سير في  أيام الأعياد، خاصة في صفوف الشباب والأطفال الذين يؤجرون سيارات من الوكالات أو يأخذونها من ذويهم في أيام الأعياد.

ومثلها تلك الحوادث التي تقع في مواسم العطل والمهرجانات والانتخابات وكل هذه المواسم هي مواسم أفراح واستجمام.

وتبقى الحوادث  الأكثر صدمة في كل هذه الحوادث الصادمة، تلك التي تقع في مواكب الأعراس والمناسبات الاجتماعية…

هذه الحوادث هي الأكثر قسوة على الإطلاق، لأن الفرح فيها يتحول في غمضة عين إلى حزن ودموع وتعازي.

ضمن حوادث السير في الساعات الأخيرة، سجلنا الحادث الأليم الذي وقع في كنكوصة على هامش مناسبة اجتماعية، وأدى إلى وفاة شاب وإصابة آخر.

نسأل الله تعالى الشفاء العاجل للشاب المصاب في الحادث، ونسأله أن يتغمد بواسع رحمته الشاب الذي توفي في الحادث، لكل  من توفوا في حوادث سير مماثلة، ويبقى السؤال الموجع والمؤلم: إلى متى سنستمر في  تحويل أفراح المناسبات الاجتماعية إلى أحزان ودموع وأيام عزاء؟

فكم هو موجع أن يُطرق باب أسرة ليُقال لها: “ابنكم… ابنتكم… الذي خرج قبل قليل ليشارك في فرح، يوجد الآن في المستشفى ميتا بسبب حادث سير".

خففوا السرعة يرحمكم الله…

حصنوا أفراحكم ضد الأحزان والدموع، من خلال التقيد بإجراءات السلامة الطرقية.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

#معا_لخريف_آمن.

الاثنين، 24 أغسطس 2026


توفي الملازم أول محمد الأمين أعمر ديلول من القوات الخاصة في حادث سير أليم، وقع مساء الأحد 23 أغسطس، على طريق نواكشوط ـ نواذيبو، وأصيب في هذا الحادث ثلاثة أشخاص نسأل الله تعالى أن يرحم الفقيد، ويمُنَّ على المصابين بالشفاء.

قبل هذا الحادث، وفي أقل من شهرين، وتحديدا في يوم 28 يونيو، فقدت المؤسسة العسكرية، في حادث سير أليم على طريق الأمل (منطقة كندلك) ثلاثة جنود، وقد زرنا في الحملة موقع هذا الحادث.

في إطار برنامج الحملة التأبيني التوعوي، والذي يحمل شعار" لنخلد ذكراهم بالمزيد من التوعية"، وهو برنامج  يسعى لإعداد قاعدة بيانات عن ضحايا حوادث السير في كل قطاع،  مدنيا كان أو عسكريا، من أجل لفت الانتباه إلى الحصيلة الثقيلة التي نتكبدها بسبب حوادث السير، وكذلك من أجل حث مختلف القطاعات المدنية والعسكرية على المشاركة في التوعية وفاء لأرواح ضحاياها، فقد رصدنا في الحملة العديد من حوادث السير التي أدت إلى وفاة العديد من الضباط والجنود، ونتذكر في هذا المنشور القائد العسكري  وزير الداخلية الأسبق الرائد جدو ولد السالك رحمه الله، والذي توفي في حادث سير أليم وقع يوم الخميس فاتح نوفمبر من العام 1979 على طريق الأمل ( شكار). 

كما نتذكر قائد الأركان العقيد أحمد ولد منيه رحمه الله، والذي تولى عدة وزارات: وزارة الخارجية، ووزارة الداخلية، ووزارة الدفاع، والأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، وقد توفي في حادث سير اليم وقع يوم الجمعة 16 أكتوبر 1998 على طريق الأمل ( تفكين).

رحم الله القائدين جدو ولد السالك وأحمد منيه، وكل ضباطنا وجنودنا الذين فقدناهم في حوادث سير أليمة.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير 

#معا_من_أجل_خريف_آمن

تعليقا على اشتعال محطتي تحويل الكهرباء..


لن يستقيم حال الإدارة الموريتانية إلا بخمسة أمور:

1- اختيار الموظف وفق معايير واضحة ومحددة سلفا. وقد جاء في برنامج فخامة رئيس الجمهورية "طموحي للوطن" التعهد بـ :  "وضع مسطرة معايير للتعيين في الوظائف العليا بالدولة والمناصب الوظيفية في الإدارة، وذلك بهدف تحقيق قدر أكبر من الشفافية والعدل، والفعالية بشكل أخص".

2- المعاقبة الصارمة لكل موظف يرتكب أخطاء في التسيير، أو تثبت مسؤوليته في ملف فساد، أيا كان موقعه.

3- إبعاد من أدانه القضاء في قضايا فساد عن تولي أي وظيفة عمومية لمدة لا تقل عن خمس سنوات.

4- إشعار الموظف بأن واجبه الأول هو أداء وظيفته على أحسن وجه. فإذا أخفق في أداء المهام الموكلة إليه، فلن يحميه من الإقالة كثرة ظهوره في الأنشطة والمبادرات السياسية الداعمة للنظام.

5- مكافأة وترقية الموظفين الذين يؤدون مهامهم على أحسن وجه، حتى يشعر الموظف المجد بأن إتقانه لعمله هو الطريق الوحيد للتقدير والترقية.

وتبقى هناك نقطة مهمة ينبغي توضيحها لمديري الشركات والمؤسسات العمومية التي تقدم خدمات أساسية للمواطن، مثل شركة الكهرباء وشركة الماء والمستشفيات وغيرها.

إن أفضل دعم سياسي للنظام يمكن أن يقدمه مديرو تلك الشركات والمؤسسات هو توفير الخدمات الأساسية للمواطنين بجودة عالية. فإذا أخفقوا في ذلك، فإن حالة السخط التي ستتولد لدى المواطنين لن يتمكن الذراع السياسي للنظام من معالجتها، حتى ولو اجتمعت الأغلبية بكاملها في صعيد واحد، وأطلقت عشرات المبادرات السياسية الداعمة.

على الموظف، وخاصة الموظف السامي، أن يدرك أن المطلوب منه أولا هو أداء المهام الموكلة إليه على أحسن وجه، وأن استثمار وقته وجهده في المبادرات الداعمة للنظام لا ينبغي أن يأتي على حساب واجبه الوظيفي. فليؤد أولا واجبه الوظيفي، وإذا بقي لديه بعد ذلك وقت وجهد، فلا بأس حينها أن يستثمرهما في إطلاق المبادرات السياسية الداعمة للنظام.

فبأي منطق تشتعل محطتان لتحويل الكهرباء في وقت كان يوجد فيه مدير شركة الكهرباء في ولاية لعصابة لاستقبال بعثة حزب الإنصاف هناك؟

وبأي منطق يُسمح لمدير شركة الكهرباء بأخذ عطلة في فترة ترتفع فيها درجات الحرارة، ويزداد فيها استهلاك الكهرباء، وتتكرر فيها الانقطاعات؟

وإذا كان لابد من منحه عطلة، فلتكن في فترة الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء، وتقل كذلك الانقطاعات،.

إننا بحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات وتوضيحها، حتى يدرك الموظف العمومي أن إثبات ولائه للنظام، لا يكون بكثرة الأنشطة السياسية، وإنما يكون أولا بأداء  الوظيفة التي اؤتمن عليها على أحسن وجه، فذلك هو الدعم الحقيقي لفخامة الرئيس، وللمواطن، وللدولة عموما.

أما الموظف الذي يخفق في أدائه مهامه الإدارية، فهو معارض في حقيقة أمره للرئيس، حتى وإن أطلق عشرات المبادرات السياسية الداعمة.

بيان( الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد )


لقد تابعنا في الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد بقلق بالغ حادثتي اشتعال النيران في محطتين لتحويل الكهرباء في العاصمة نواكشوط، بشكل شبه متزامن، الشيء الذي أثار تساؤلات وجيهة ومشروعة لدى الرأي العام الوطني.

ونحن في الائتلاف، إذ نؤكد أن تحديد أسباب الحادثتين والمسؤوليات المترتبة عليهما شأن فني وقانوني ينبغي أن يترك للجهات المختصة، فإننا نرى أن طبيعة الحادثتين، وحساسية المنشآت المعنية، وأهمية الكهرباء بالنسبة لحياة المواطنين، وسير المرافق والخدمات العامة، تجعل من الضروري أن يحظى التحقيق فيهما بأقصى درجات الاستقلالية والشفافية والجدية.

إن ثقة المواطنين في نتائج أي تحقيق لا تتوقف على إعلان فتحه فحسب، وإنما تتطلب ضمانات واضحة لاستقلاله، وتمكينه من الوصول إلى جميع المعطيات والوثائق والأشخاص والأدلة ذات الصلة، ونشر نتائجه للرأي العام في حدود ما يسمح به القانون.

ومن هذا المنطلق، فإننا في الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد نطالب بما يلي:

1- فتح تحقيق مستقل وشامل في الحادثتين، يتناول الأسباب المباشرة وغير المباشرة لاشتعال النيران، وجميع الظروف والملابسات التي سبقت الحادثتين ورافقتهما، ومدى احترام معايير السلامة والوقاية، وأي أوجه تقصير أو إهمال محتملة.

2- ضمان استقلالية التحقيق، بحيث لا تقتصر لجنة التحقيق على الجهات التي قد تكون محل مساءلة مباشرة أو غير مباشرة، وأن تضم خبراء وشخصيات مشهود لها بالكفاءة والاستقلالية والنزاهة.

3 - التحقيق في جميع الفرضيات الممكنة، دون استبعاد أي فرضية مسبقا ودون تبني أي استنتاج قبل اكتمال التحقيقات الفنية والقانونية اللازمة، بما في ذلك فرضيات الخلل الفني، وسوء الصيانة أو التشغيل، والإهمال، وأي احتمال آخر قد تكشف عنه الأدلة.

4 - تحديد المسؤوليات بدقة، وعدم الاكتفاء بتحديد السبب الفني المباشر للحريق، بل البحث كذلك في المسؤوليات الإدارية والفنية، وفي مدى احترام المسؤولين والجهات المعنية لواجباتهم في الوقاية والصيانة والسلامة.

5 - نشر تقرير مفصل للرأي العام بعد انتهاء التحقيق، يتضمن أسبابه ونتائجه وتوصياته، مع احترام المقتضيات القانونية المتعلقة بسرية التحقيق وحماية المعطيات التي يتعين قانونا عدم نشرها.

6 - تنفيذ التوصيات الصادرة عن التحقيق، واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة في حق كل من تثبت مسؤوليته، أيا كان موقعه أو صفته، والعمل على معالجة أوجه الخلل التي قد يكشف عنها التحقيق لمنع تكرار مثل هذه الحوادث ذات الخطورة العالية.

نواكشوط: 23 أغسطس 2026

المكتب التنفيذي للائتلاف الوطني لمحاربة الفساد.

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

من هو الداعم حقا لفخامة الرئيس؟


إن الموظف الذي يؤدي مهامه على أحسن وجه هو من يدعم حقا رئيس الجمهورية، والموظف الذي لا يؤدي واجبه هو أشرس معارض لرئيس الجمهورية، معارض له بالممارسة وفي المحصلة النهائية لا بالموقف السياسي. ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن السياسي عموما، وعن المنتخَب خصوصا (بفتح الخاء)، نائبا كان أو عمدة، فالسياسي القريب من المواطن، المعبر عن همومه، الساعي إلى حل مشاكله، هو من يدعم حقا رئيس الجمهورية، والسياسي البعيد عن المواطن وهمومه، فهو في المحصلة والنتيجة معارض لرئيس الجمهورية، حتى وإن نادى من أعماق لبراكنة أو لعصابة أو إنشيري، أو من العاصمة نواكشوط، مطالبا بمأمورية ثالثة أو رابعة أو خامسة. 

إن أفضل دعم سياسي للنظام يمكن أن يقدمه مدير شركة الكهرباء مثلا، أو مدير شركة الماء، هو ان يعملا على ان لا تنقطع خدمتا الماء والكهرباء عن المواطن، وأن تصلا إليه على أحسن وجه، وبأفضل جودة ممكنة، وبأسعار مناسبة.

 إن تحسين خدمات الماء والكهرباء، وغيرها من الخدمات الأساسية، هو خير للرئيس ونظامه من كل ما يمكن أن يقوم به حزب الإنصاف، بل ومن كل ما يمكن ان تقدمه الأغلبية جمعاء من دعم سياسي للرئيس.

وفي المقابل، فإن تعثر خدمات الماء والكهرباء، وتكرار انقطاعهما، سيؤدي - حتما - إلى سخط المواطن، وسيكون تأثير ذلك السلبي على صورة النظام، أكثر خطورة مما يمكن أن تقوم به المعارضة، حتى وإن اجتمعت عن بكرة أبيها في صعيد واحد، واستمرت في نقد النظام والاحتجاج ضده طوال مأمورية كاملة.

فيا مدير شركة الكهرباء ( يوجد حاليا في لعصابة ونحن في العاصمة نواكشوط يتكرر عندنا انقطاع الكهرباء)، ويا مدير شركة الماء، ويا مديري المستشفيات وكل المؤسسات الحكومية التي تقدم خدمات أساسية للمواطن: أدوا مهامكم على أحسن وجه، وبذلك تكونون قد دعمتم فخامة الرئيس، بأفضل ما يمكن أن تدعموه به. 

ادعموا الرئيس بأداء واجبكم الوظيفي على أحسن وجه، فذلك هو الدعم الحقيقي. أما إذا قصرتم في أداء واجبكم الوظيفي فلتعلموا أنكم من أخطر معارضي الرئيس، حتى وإن أطلقتم عشرات المبادرات الداعمة له، وحتى إن دعوتم مطالبين له بمأمورية ثالثة أو رابعة.

لقد سبق لي أن كتبتُ مقالا بهذا المعنى، نُشر في يوم الجمعة 2 سبتمبر 2022 تحت عنوان: " هؤلاء هم الأكثر خطورة على الأنظمة الحاكمة!"، قد يكون من المهم إعادة نشره هنا، لأنه يشكل تكملة لما سبق، وما سبق مأخوذ هو كذلك من مقال سابق.

نص المقال السابق

من النادر جدا أن يتم الحديث عن المخاطر التي تتعرض لها الأنظمة الحاكمة من داخلها، وجرت العادة أن ينحصر الحديث عن تهديد المعارضة كلما كان هناك حديث عن المخاطر التي تهدد الأنظمة الحاكمة، وفي ذلك خطأ كبير لأن التجارب أثبتت في الماضي ـ وما تزال تثبت في الحاضر ـ أن من أشد المخاطر التي تهدد الأنظمة الحاكمة هي تلك المخاطر التي تأتي من داخلها.

وإذا ما تحدثنا بشكل مجمل وعام عن الأنظمة الحاكمة، فيمكن القول بأن من يهددون الأنظمة الحاكمة من داخلها يمكن تتبعهم وتحديدهم من خلال الصفات أو المواصفات التالية:

1 ـ كبار الموظفين الذين لا يؤدون المهام الموكلة إليهم، ويتهربون من واجبهم الوظيفي، ولكنهم ـ وللتغطية على فشلهم في أداء واجبهم ـ يبالغون كثيرا في إظهار الولاء الزائف للرئيس؛

2 ـ الموظفون الذين يضعون مصلحتهم الخاصة فوق مصلحة النظام والمصلحة العليا للبلد، ويمكن التعرف على هذا النوع من الموظفين من خلال ثلاثة مؤشرات، وهي: أن أغلب عمليات التعيين والاكتتاب التي يقومون بها في قطاعاتهم لا تخدم القطاع، وإنما تخدم مصالحهم الخاصة؛ وأن الصفقات في القطاعات التي يسيرونها تذهب إلى الأهل والأقارب والأحلاف الضيقة بعيدا عن الشفافية والإجراءات الطبيعية للصفقات؛ وأنهم ينفقون بسخاء على تلميع أنفسهم وقطاعاتهم دون الاهتمام بتلميع صورة النظام بكامله؛

3 ـ الموظفون الذين ينخرطون بقوة في الأحلاف أو اللوبيات المتصارعة داخل الأنظمة الحاكمة، والذين يجعلون في كثير من الأحيان خصوماتهم مع بعضهم البعض، فوق خصوماتهم مع معارضة تلك الأنظمة أو مع أي جهة أخرى يمكن أن تعادي تلك الأنظمة؛

4 ـ الموظفون الذين لا يملكون الكفاءة والأهلية لتأدية المهام الموكلة إليهم، هذا النوع من الموظفين يشكل خطرا مستديما على النظام الحاكم، حتى وإن كان صادق الولاء وشديد الإخلاص للنظام؛

5 ـ الموظفون الذين لا يستطيعون أن يضيفوا رصيدا من الإنجازات إلى رصيد الحكومة، أو السياسيون الذين لا يستطيعون أن يضيفوا رصيدا سياسيا للنظام، وإنما يقتاتون فقط من رصيد الرئيس ويسحبون منه باستمرار ودون أية إضافة؛

6 ـ الموظفون الذين يتغنون علنا بشعارات النظام (كتقريب خدمات الإدارة من المواطن مثلا)، ويقومون ببعض الأعمال المسرحية لتأكيد أنهم يقربون خدمات الإدارة من المواطنين، ولكنهم عند أي اختبار جدي يظهر زيف ادعائهم ذلك، وينكشف مدى احتقارهم للمواطنين.

7 ـ الأقارب الذين يستغلون النفوذ لظلم المواطنين أو للحصول على امتيازات خاصة لا يخولها لهم القانون؛

8 ـ الموظفون العاجزون تماما عن اتخاذ زمام المبادرة وإعداد التصورات والخطط، ويكتفون فقط بالتفرج في زمن الكوارث والأزمات؛

9 ـ الموظفون العاجزون عن متابعة أداء العاملين في قطاعاتهم، والعاجزون كذلك عن إيصال مشاكل المواطنين وتقديم النصح الصادق لمن هو أعلى منهم وظيفة ورتبة؛

10 ـ الموظفون العاجزون ـ لأي سبب كان ـ عن تقديم أداء ميداني ملموس في قطاعاتهم، فمثل هؤلاء يشكلون خطرا على النظام الحاكم، حتى ولو شُهِدَ لهم بصدق الولاء والابتعاد عن المال العام. في بعض الأحيان قد يكون الموظف المفسد الذي يمتلك قدرة كبيرة على الأداء، أفضل للنظام من الموظف الذي لا يعتدي على المال العام، ولكنه في الوقت نفسه مكبل الأيادي وعاجز ـ كل العجز ـ عن تسيير قطاعه. 

11 ـ الموظفون المفسدون الذين ينحصر اهتمامهم في البحث عن أسرع الطرق لنهب المال العام، هؤلاء وضعتهم في أسفل اللائحة، لا لقلة خطورتهم على الأنظمة الحاكمة، وإنما لأنني تعمدت أن أختم بهم، لأنهم هم الأشد خطرا على الأنظمة الحاكمة، ولن يقلل من خطورتهم إن هم وُضعوا في أسفل اللائحة.

خلاصة القول

إن كل موظف يحمل صفة أو مجموعة من الصفات المبينة أعلاه يشكل خطرا على النظام الحاكم، وكل ما زاد عدد من يحملون هذه الصفات في أي نظام كلما زادت المخاطر التي تهدد ذلك النظام، وكلما تناقص عدد هؤلاء في أي نظام، كلما كان ذلك مؤشرا قويا على قوة النظام، وعلى قدرته على الصمود في وجه الأزمات والكوارث التي باتت تهدد الكثير من بلدان العالم. 

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 17 أغسطس 2026

لا للمحاصصة القبلية أو الشرائحية أو العرقية...


لدي تاريخ طويل عريض مع البطالة، وقد اقتربت من سن التقاعد دون أن أحصل على وظيفة لائقة، ومع ذلك، فلم أحاول في أي يوم من الأيام أن أستفيد، على المستوى الشخصي، من تعيين موظف سامٍ من قبيلتي أو ولايتي، ولا أذكر أنني طرقت باب وزير من قبيلتي أو ولايتي، طالبا منه المساعدة في الحصول على وظيفة أو خدمة عامة خاصة بي.

ولذا، فسواء بالنسبة إليَّ أن تتشكل حكومة كاملة من قبيلتي أو ولايتي، أو ألا يكون فيها فرد واحد من قبيلتي أو ولايتي؛ فكلا الحكومتين سواء بالنسبة إليَّ.

فإذا كانت الحكومة حكومة كفاءات وتسيير جيد، فنفعها سيصل حتما إلى باب منزلي، حتى وإن لم يكن فيها وزير واحد من عشيرتي أو قبيلتي أو ولايتي. وإذا كانت هذه الحكومة حكومة فاسدة وفاشلة في التسيير، فإن ضررها سيصل حتما إلى باب منزلي، حتى وإن كان جميع وزرائها من قبيلتي أو من ولايتي.

لا أمانع في تشكيل حكومة من الجن، لا من الإنس، إذا كانت ستسير شؤون البلد بشكل جيد. وهذا يعني، بطبيعة الحال، أنني لا أمانع في تشكيل حكومة من عائلة موريتانية واحدة، ولتكن عائلة لا يجمعني بها إلا والدنا آدم عليه السلام، إذا كانت تلك الحكومة العائلية ستسير شؤون البلد بكفاءة وشفافية.

لا يعني هذا الكلام أنني لا أعتز بانتمائي القبلي أو الجهوي أو حتى الشرائحي، بل على العكس؛ فأنا أعتز بقبيلتي، أو بقبائلي على الأصح، ولكن ذلك الاعتزاز يبقى في دائرته الاجتماعية الضيقة، دون أي إقحام له في قضايا الشأن العام.

لم أستخدم في أي يوم من الأيام قبيلتي أو جهتي لتحقيق مصلحة شخصية، وإني من الذين يعتقدون بأن "مواطنيتي" يجب أن توفر لي حقوقي كاملة كمواطن، وهي تستوجب مني في الوقت نفسه تأدية واجبي كمواطن، وهذا الواجب يقتضي، أول ما يقتضي، ألا أقحم الانتماءات الضيقة في قضايا الشأن العام.

نحن في هذه البلاد تعودنا دائما على أن نطالب بحقوقنا كاملة غير منقوصة، دون أي تأدية للواجب.

مقرفٌ هو خطاب النخب الموريتانية التي عجزت عن ترسيخ قيم المواطنة، فاستنفرت القبيلة والفئة والشريحة والعرق لتحقيق مكاسب خاصة.

عجزت هذه النخب عن تأسيس منظمات مجتمع مدني فاعلة، ونقابات عمالية قوية، وأحزاب سياسية نشطة، تفرض من خلالها مطالبها وتعبّر من قنواتها عن رؤيتها المجتمعية؛ فما كان منها إلا أن أقحمت قبائلها وشرائحها ومناطقها ومكوناتها، لا لتحقيق مصالح عامة، وإنما لتحقيق مصالح ضيقة خاصة بها.

مقرفٌ خطاب النخب في أيام الناس هذه، وهي تجعل كل ساعٍ إلى بناء دولة المواطنة يفكر في أن يستقيل كمواطن من وطنه، ويهاجر إلى بلد آخر ترسخت فيه قيم المواطنة، لكي يستريح - ولو  قليلا -  من الخطابات القائمة على الهويات الضيقة، والتي تتناقض بشكل كامل مع الخطاب الوطني الجامع.

الأحد، 16 أغسطس 2026

الحاج محمود با: رائد تعليم اللغة العربية


هناك مسألة تستوقفني دائما، وهي أن يرفع بعض الإخوة شعارات إسلامية، ومع ذلك يشجعون إخوة لهم في الوطن والدين على عدم تعلم اللغة العربية.

فمن المعلوم بداهة أن اللغة العربية، بعد أن نزل بها القرآن الكريم، لم تعد لغة خاصة بقوم أو بقومية، وإنما أصبحت لغة دينٍ وعبادة، ولغة الأمة الإسلامية جمعاء.

لا يمكن للمسلم أن يحفظ القرآن الكريم و يتدبر معانيه، إلا إذا تعلَّم اللغة العربية.

ولا يمكنه أن يتفقه في دينه، ويتعلم شريعته على أحسن وجه، دون أن يتعلم اللغة العربية.

ولا يمكنه أن يؤدي شعائره الدينية على الوجه المطلوب، وأن يفهم ما يقرأ في صلاته وأذكاره وأدعيته، دون أن يتعلم اللغة العربية.

فبأي منطق، بعد هذا كله، يشجع من يرفع شعارات إسلامية أخاه في الوطن والدين على تعلم لغة أجنبية، كالفرنسية مثلا، وهي ليست لغته الأم، قبل أن يتعلم اللغة العربية، التي هي لغة دينه ولغة أمته الإسلامية، حتى وإن لم تكن لغته الأم؟

شخصيا، لو كانت اللغة العربية ليست لغتي الأم، لما منعني ذلك من أن أتعلمها قبل أي لغة أخرى، وأن أُقدِّمها على غيرها من اللغات، حتى على لغتي الأم، وذلك بعد أن أنعم الله عليَّ وهداني إلى الإسلام، ولا يعدٍّ هذا تقليلا من  مكانة اللغة الأم إذا كانت لغة أخرى غير العربية..

في الحقيقة، لم أفهم حتى الآن ما الذي يدفع بعض أبناء هذا البلد، ممن يرفعون شعارات إسلامية، إلى تشجيع إخوة لهم في الوطن والدين على تعلم لغة أخرى، بدلا من تشجيعهم على تعلم اللغة العربية، لغة القرآن الكريم ولغة دينهم وأمتهم الإسلامية.

هذه ليست دعوة إلى التقليل من شأن اللغة الأم إذا كانت لغة أخرى غير العربية، وليست دعوة إلى عدم تعلم اللغات الأجنبية، ولا إلى التقليل من أهميتها، فتعلم اللغات مطلوب دائما، وكلما تعلم الشخص لغات أكثر كان ذلك أفضل. 

إن السؤال المطروح هنا هو : أيُّ لغة ينبغي على المسلم  أن يتعلمها أولا؟

إن الجواب التلقائي بالنسبة لي هو اللغة العربية، سواء كانت بالنسبة للمسلم لغة أمٍّ،  أمْ لم تكن كذلك.

واختم بالسؤال الذي به بدأتُ: فبأي منطق يشجع من يرفع شعارات إسلامية إخوة له في الوطن والدين على تعلم لغة أخرى قبل تعلم اللغة العربية؟

الخميس، 13 أغسطس 2026

أنا طريق الأمل...وهذه رسالتي المفتوحة إلى السلطات!


أنا طريق الأمل، عمري نصف قرن، وطولي يزيد على ألف ومائة كلم، وأربط بين العديد من الولايات الموريتانية، واعتبر بحق شريان حياة في هذه البلاد. أكتب لكم اليوم لأكسر جدار الصمت المؤلم الذي استمر لعقود، والذي لم أعد قادرا على تحمل المزيد منه، وأنا أشاهد يوميا أرواحا تزهق على ظهري وعلى جنباتي، وقد كان بالإمكان أن تكتب لها الحياة لو توقفتُ عن صمتي القاتل للحظة، وخاطبتُ كل الذين قضوا على إسفلتي بما كان يجب عليَّ أن أخاطبهم به، لحظات قليلة قبل حدوث الفاجعة.

بدءا اسمحوا لي أن أقول لكم إن كثيرا من الحوادث المميتة التي تقع فوقي أو على جنباتي، ما كان لها أن تقع لو أنني نطقت بالتحذير المناسب، للشخص المناسب، في التوقيت المناسب. لقد كنتُ أرى الخطر القاتل ـ والذي لا يراه السائق ـ ماثلا أمام عيني، وكنتُ عاجزا عن إرشاد السائق أو تحذيره في اللحظة القصيرة الفاصلة بين الحادث والوقاية منه، فكم تمنيتُ أن أخاطب السائق قائلا: خفف السرعة، فأنت قريب جدا من حفرة قاتلة.. انتبه هناك ألسنة رملية.. تمهل فهذا قطيع من الماشية سيعبر الطريق...احذر من الشاحنة المتعطلة على بعد 500 متر.

 إن أكثر ما كان يؤلمني خلال نصف قرن مضى من عمري، هو أني كنتُ أرى الخطر، ولكني لم أكن قادرا على تنبيه السائق في اللحظة الحاسمة، لم أكن قادرا على ذلك، فانا كنتُ ضحية لعجزي عن النطق، ومع ذلك فلا يتردد بعضكم في تحميلي مسؤولية الحوادث، بل إن من بينكم من أصبح يطلق عليَّ طريق الألم بدلا من طريق الأمل.

إنكم تظلمونني بهذا اللقب الجائر، فأنا ضحية مثلكم، وكم كان بودي ألا أكون سببا في نزيف دمائكم على إسفلتي، ولكن تعطل لغة الحوار بيني وبينكم، منذ أن بدأت في الظهور في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وحتى اليوم، كان من أهم أسباب ذلك النزيف.

إن للطرق لغتها التي تخاطب بها سالكيها ومستخدميها، وتتمثل هذه اللغة في الإشارات التحذيرية والإرشادية التي توضع على الشواخص الطرقية، وتتمثل كذلك في الخطوط البيضاء غالبا، متصلة كانت أو متقطعة، التي ترسم على تلك الطرق.

يؤسفني حقا، أن أقول لكم إنه من النادر جدا أن أزود بهذه الشواخص التي تجعلني قادرا على مخاطبتكم كلما كانت هناك ضرورة لذلك، وكثيرا ما تكون هناك ضرورة لذلك، وهذه مشكلة حقيقية يجب أن تحلَّ، ولكن هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي أن السائق، لا يفهم أو لا ينتبه أصلا للإشارات التي توجد على الشواخص، في الحالات القليلة والنادرة جدا التي يُثَبَّت فيها بعض تلك الشواخص على جنباتي.

هناك بالفعل تحدٍّ كبير على مستوى السلامة الطرقية من وجهين، فمن جهة فلا أنا زُودت بالشواخص الطرقية لأنقل من خلالها رسائلي التحذيرية والإرشادية إلى السائقين، ومن جهة أخرى، فإن أغلب السائقين لا يفهمون لغة الشواخص، ومن يفهمها منهم قد لا ينتبه لها في الحالات النادرة جدا التي تُثبَّت فيها شواخص هنا أو هناك على الطريق.   

إن مما يؤلمني حقا، أن توفير معلومة بسيطة واحدة قد يقي من حادث سير مميت، لو وصلت تلك المعلومة إلى السائق ثوانٍ قليلة قبل حدوث الكارثة، ولكن، وللأسف، لا تجد هذه المعلومة من يحرص على توفيرها للسائق قبل فوات الأوان، وهذه هي إحدى أهم مشاكلي التي لا تجد من يتحدث عنها. إني بحاجة لمن يُسمع صوتي للسائق في الوقت المناسب، ولعل الخبر المفرح جدا في هذا المجال، والذي جعلني أوجه هذه الرسالة المفتوحة إلى السلطات المعنية، هو أني تابعتُ مؤخرا، مساء السبت 8 أغسطس، من أمام المجسم التوعوي الذي شيدته حملة معا للحد من حوادث السير عند الكلم 44، مهندسا في البرمجيات، وعضوا في الحملة، يتحدث عن "تطبيق سلامتي" الذي سيكون بإمكانه إذا فُعِّل، أن يسمع صوتي، ويقدم للسائق المعلومة الذهبية التي بإمكانها أن تنقذه من حادث وشيك.

ولعل الأجمل في حديث المهندس الشاب، هو أن "تطبيق سلامتي" يضع حلا جذريا لمشكلة غياب الشواخص على جنباتي، ولمشكلة أخرى أعمق، تتمثل في عدم فهم السائق للرسائل التحذيرية والإرشادية التي تبعث بها الشواخص إن وُجدت.

 إن "تطبيق سلامتي" يتجاوز كل تلك المشاكل، فيقول للسائق وبلغته التي يتحدث بها يوميا، ومن دون أن تكون هناك حاجة إلى الانترنت: انتبه أمامك خطر.

قديما قالت العرب: "الرفيق قبل الطريق"، وأنا طريق الأمل أقول لكم اليوم: "التطبيق قبل الطريق". إن الرفيق الذكي في السفر أصبح من أهم وسائل السلامة الطرقية في ظل ما يشاهده العالم من تطور في تكنولوجيا الرقمنة وأدوات الذكاء الاصطناعي، ولذا فإنني أدعو السلطات المعنية ـ من خلال هذه الرسالة المفتوحة ـ إلى المسارعة في التعاون مع حملة معا للحد من حوادث السير لإكمال وتفعيل تطبيق سلامتي البالغ الأهمية، وعندما يُفَعَّل هذا التطبيق، فإنه سيسهم بإذن الله في الحد من حوادث السير، وفي إنقاذ أرواح كان يمكن أن تزهق بسبب غياب توفير المعلومة الذهبية في اللحظة المناسبة.

رجاءً لا تؤجلوا تفعيل هذا التطبيق، فتأجيل تفعيله يعني إزهاق المزيد من الأرواح، وإتلاف المزيد من الممتلكات، ومن المؤكد أن سالكي الطرق ليسوا بحاجة إلى إزهاق المزيد من أرواحهم، ولا لإتلاف المزيد من ممتلكاتهم.

ولأني لا أكتب في كل يوم رسالة مفتوحة، فلتسمحوا لي في ختام هذه الرسالة الأولى من نوعها، أن أذكركم ببقية مطالبي:

1 ـ المسارعة في تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت)؛

2 ـ الصرامة في منع الحمولة الزائدة، فالحمولة الزائدة هي التي تعجل بتهالكي؛

3 ـ توفير صيانة دائمة ومستمرة، ولا أخفيكم أني سعيد جدا بأني قد عشتُ في الفترة الأخيرة ترميما شاملا، لم أعرف له مثيلا من قبل، وهذا الترميم الشامل يحتاج إلى صيانة دائمة ومستمرة، حتى لا تظهر من جديد مقاطع متهالكة، كما كان يحدث في الماضي.

4 ـ إكمال منظومة التدخل الطبي السريع، وهنا لابد أن أشيد أولا بالعدد المعتبر من سيارات الإسعاف التي نشرت في السنوات الأخيرة على المحاور الطرقية، مع العلم أنه لم تكن توجد سيارة إسعاف واحدة خاصة بضحايا حوادث السير قبل يوم 09 ديسمبر 2019، وفي ذلك اليوم نُشرت أول ثلاث سيارات إسعاف على طريق الأمل، وقد استدعيت الحملة لهذا الحدث المهم، وكانت الحملة قد سلمت قبل ذلك بأشهر عريضتها المطلبية لفخامة الرئيس، وكان المطلب الثاني في العريضة يتعلق بنشر سيارات إسعاف على المحاور الطرقية خاصة بضحايا حوادث السير.

لقد كان نصيبي من سيارات الإسعاف معتبرا، وحتى تكتمل منظومة التدخل السريع، فإني أطالب بإنشاء عدة وحدات تدخل مزودة بآليات ثقيلة، تتدخل عند سقوط شاحنة على الطريق فتغلقها لساعات طوال، أو عند سقوط شاحنة على سيارة صغيرة، فيكون من الصعب الوصول إلى الضحايا وإنقاذهم في الوقت المناسب. كما أطالب أيضا بتوفير مروحية للتدخل الطبي السريع، للتعامل مع الحوادث التي يكون عدد المصابين فيها كبيرا، والتي تقع في مقاطع من الطريق بعيدة من المستشفيات الكبيرة؛

5 ـ توحيد الهوية البصرية لنقاط التفتيش الموجودة على المحور الطرقي الخاص بي، وعلى بقية المحاور الطرقية، فتوحيد تلك الهوية سيمنح لنقاط التفتيش المزيد من الهيبة، وسيعطي لطرقنا منظرا لائقا، فلم يعد من المناسب أن يكون مقر نقطة تفتيش أمنية عريشا متهالكا، أو أن تضع نقطة تفتيش اخرى غصن شجرة يابس أو عجلات متهالكة أو بعض الحجارة لتنبيه السائقين على وجودها.

وفي الختام، فإني أنا طريق الأمل، أعلن من خلال هذه الرسالة المفتوحة، أني عينتُ حملة معا للحد من حوادث السير ناطقا رسميا باسمي، كما كلفتها بإيصال هذه المطالب الخمسة إلى السلطات المعنية، ومتابعتها، حتى يتم تنفيذها بشكل كامل.

نواكشوط: 14 أغسطس 2026

كتبه باسم طريق الأمل، أحد سالكي هذا الطريق منذ عقود، ومنسق حملة معا للحد من حوادث السير، الناطق الرسمي باسم طريق الأمل.