السبت، 2 مايو 2026

ست سنوات من التعثر… متى سينطلق الحوار؟


شهدت السنوات الست الماضية عدة مبادرات لإطلاق حوار وطني شامل، تعددت الجهات المشرفة عليها وتنوعت صيغها، وآليات إخراجها، ومع ذلك فلم ينطلق الحوار، فأين الخلل؟

الغريب في الأمر أن الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة تبدي دائما رغبتها في الحوار، وتعبر عن استعدادها للمشاركة فيه، الشيء الذي يجعل المواطن في حيرة من أمره، فما دام كل المعنيين بالحوار يرحبون به ويدعون له، فلماذا لم يتحاوروا حتى الآن؟

ليس من السهل إطلاقا أن نفسر للرأي العام الوطني، أسباب عدم تنظيم حوار حتى الآن، فربما يكمن السبب في ضعف الثقة بين الأطراف السياسية، أو في غياب آليات واضحة لإدارة المسار التحضيري، أو في قدرة الأقلية غير الراغبة في الحوار من الطرفين (الأغلبية والمعارضة) في إفشال أي مسعى جدي لتنظيم حوار وطني شامل.

مسار طويل… وتعثر مستمر

صدرت أول دعوة موثقة للحوار في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في يوم 14 مايو 2020، وكانت عبارة عن بيان موقع باسم الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، والتي شكلت في تلك الفترة منسقية للتصدي لجائحة كورونا، تقول خاتمة البيان: " تأمل أحزاب الموالاة والمعارضة الممثلة في البرلمان أن تفضي خطوات التنسيق الحالي إلى الدخول في مرحلة جديدة، تمهد لنقاش القضايا الجوهرية للبلاد، ووضع تصور لمعالجاتها، وفق جدول زمني متفق عليه".

في يوم 24 فبراير 2021 أصدرت أحزاب الموالاة الممثلة في البرلمان وبعض أحزاب المعارضة (التكتل؛ اتحاد قوى التقدم؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ الصواب) خارطة طريق من أجل تشاور وطني شامل بين القوى السياسية، وحددت لتلك الخريطة سقفا زمنيا للتشاور: ثلاثة أو أربعة أسابيع للمرحلة التحضيرية، وخمسة أو ستة أسابيع لانطلاق التشاور. وشكلت هذه الأحزاب لجنة كلفتها بالاتصال بالحزبين اللذين انسحبا في وقت سابق من منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان (تواصل، وحركة التجديد)، كما كلفتها أيضا بالاتصال ببقية الأحزاب والقوى السياسية الأخرى لدعوتها للمشاركة في اللجنة التحضيرية التي ستتشكل مستقبلا للتحضير للتشاور.

في يوم 16 أغسطس 2021، أصدرت الأحزاب: تواصل؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ المستقبل؛ تحالف العيش المشترك بشطريه؛ مشروع حزب "الرك"، وفي إطار ما يسمى ب"أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية" بيانا مشتركا دعوا فيه إلى حوار جدي.

في يوم 18 أكتوبر 2021 أعلنت منسقية أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية من خلال بيان صحفي لم يوقعه مشروع حزب "الرك" الذي كان عضوا فيها، أنها قررت المشاركة في الحوار الذي كان يحضر له في تلك الفترة، وذلك "بعد تقويم مجمل الاتصالات السياسية مع السلطة القائمة والطبقة السياسية، واستجابة لتطلعات الرأي العام الوطني" حسب ما جاء في نص البيان.

في يوم 6 إبريل 2022 كلف رئيس الجمهورية الوزير الأمين العام للرئاسة يحيى ولد أحمد الوقف بالإشراف على عمل اللجنة التحضيرية للتشاور، وقد غاب حزب التحالف الشعبي التقدمي عن اللجنة التحضيرية لذلك التشاور بلغة الأغلبية أو الحوار بلغة المعارضة، وقد درات حينها حرب مصطلحات طاحنة، ربما تكون قد استنزفت كل جهود السياسيين قبل أن ينطلق الحوار أو التشاور، وفي يوم 16 مايو 2022 انسحب قطب التناوب الديمقراطي الذي يتشكل من حزب الصواب ومشروع حزب "الرك" من اللجنة التحضيرية، وفي يوم 1 يونيو 2022  أعلن الوزير الأمين العام للرئاسة عن تعليق التشاور أو الحوار، وذلك في انتظار: "خلق ظروف جديدة تمكن من تنظيم تشاور كامل".

في يوم 12 يوليو 2022، وتحضيرا لانتخابات 13 مايو 2023 أطلقت وزارة الداخلية تشاورا مع الأحزاب السياسية المعترف بها، تم توقيع نتائجه يوم الاثنين 26 سبتمبر 2022، وقد وقعته كل الأحزاب المعترف بها في موريتانيا باستثناء حزب واحد. وبموجب هذا الحوار تم الاتفاق على تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات بالتناصف بين الأغلبية والمعارضة.

 في يوم 21 سبتمبر 2023، تم التوقيع على "الميثاق الجمهوري" كمبادرة جديدة للحوار أطلقها حزبا تكتل القوى الديمقراطية واتحاد قوى التقدم من المعارضة، وحزب الإنصاف من الأغلبية، ولكن بعض أحزاب المعارضة رفضت الانخراط في هذه المبادرة الجديدة مما أدى إلى فشلها المبكر كسابقاتها.

في يوم 10 مارس 2025، وعلى هامش إفطار في الرئاسة، عيَّن رئيس الجمهورية منسقا للحوار الوطني، وهو السياسي المخضرم موسى فال. وبعد العديد من اللقاءات والمشاورات التي أجراها منسق الحوار الوطني مع الطيف السياسي، وبعد مرور أكثر من عام على تعيينه منسقا وطنيا للحوار، فإن الحوار لم ينطلق حتى الآن.

في ظل هذه الإخفاقات المتكررة، تظهر الحاجة إلى دخول المجتمع المدني كفاعل جديد، ليس كبديل عن الفاعلين السياسيين، بل كطرف مستقل، يمكنه أن يلعب دور "المسهل" الذي يقرّب المسافات، ويخفف من حدة التوتر، ويفتح قنوات اتصال قد لا تكون متاحة لغيره.

هل من مبادرة جديدة لإنعاش الحوار؟

في اعتقادي أن المجتمع المدني هو الأكثر تأهيلا في الوقت الحالي لإطلاق مبادرة من هذا النوع، وذلك نظرا لطبيعته، فهو لا يسعى إلى السلطة، وليس طرفا سياسيا منافسا، ولا يرتبط بحسابات انتخابية مباشرة، مما يمنحه ـ بالفعل ـ هامشًا أوسع للتحرك، وقدرة أكبر على بناء الثقة بين الأطراف السياسية في الأغلبية والمعارضة.

لقد آن الأوان لأن ينتقل المجتمع المدني من موقع المتفرج على تعثر الحوار، إلى موقع المساهم في إطلاقه وإنجاحه، ويمكن أن يتم ذلك من خلال إطلاق مبادرة تقوم على ثلاثة أدوار رئيسية:

أولا، دور الوسيط والمسهل، عبر العمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية، وفتح قنوات اتصال معها، وتقديم مقترحات عملية لتجاوز نقاط الخلاف القائمة.

ثانيا، دور المكاشفة والمسؤولية، بحيث لا يظل تعثر الحوار في منطقة ضبابية، بل يتم ـ عند الضرورة ـ كشف أسباب تعثره للرأي العام الوطني، وتحديد الجهات التي تتحمل مسؤولية تعطيله، بكل موضوعية وشفافية.

ثالثا، ضمان مشاركة فعالة للمجتمع المدني في الحوار في حال انطلاقه، من خلال تنظيم جمعياته الجادة والمؤهلة للمشاركة في الحوار، وتوحيد مواقفه قبل وأثناء وبعد الحوار، وتقديم مساهمات نوعية في جلسات الحوار، خاصة في ملفات الفساد وحقوق الإنسان وتمكين الشباب والنساء، ترفع من مستوى النقاش، وتدفع نحو توصيات عملية قابلة للتنفيذ.

ولتحقيق ذلك، يصبح من الضروري التفكير في إنشاء إطار منظم للجمعيات الفاعلة، يعمل على تسريع انطلاق الحوار، وضمان تمثيل يليق بالمجتمع المدني في الحوار.

وجود هذا الإطار لن يعزز فقط من حضور المجتمع المدني، بل سيساهم أيضًا في إعطاء الحوارـ إن انطلق ـ طابعًا أكثر شمولية، ومخرجات أكثر توازنا وقابلية للتطبيق.

حفظ الله موريتانيا...

الاثنين، 27 أبريل 2026

توضيحات بخصوص مسار انتقاء أعضاء مجلس السلطة


لقد استغرب كثيرون عدم ردي على التدوينات والمقالات التي شككت في نزاهة وشفافية مسار عملية انتقاء أعضاء المجلس الوطني للسلطة، واعتقد بعض أولئك ـ مخطئين بطبيعة الحال ـ أن عدم الرد كان بسبب ضعف الحجة، وغاب عنهم أن الذي أجَّل الرد هو واجب التحفظ، أما وقد زال ذلك الواجب بعد إصدار المرسوم الرئاسي بتعيين أعضاء مجلس السلطة، فهاكم الرد، يا من طلبتم الرد، وانتظرتموه طويلا.

 حددت المادة الثامنة من القانون رقم 023/2025 المتعلق بالسلطة الوطنية لمكافحة الفساد، الشروط الواجب توفرها في عضو مجلس السلطة، حيث نصَّت على أن يكون العضو: شخصية وطنية مستقلة، من ذوي الخبرة والكفاءة والنزاهة، وله تجربة لا تقل عن خمس عشرة سنة، ومؤهل علمي في القانون أو المالية أو الاقتصاد أو في أي تخصص آخر مرتبط بمكافحة الفساد، وأن يكون قد تولَّى مسؤوليات تؤهله لشغل وظائف قيادية.

وطبقا لمعايير الشفافية، وسعيا لاختيار الأكفأ والأجدر ممن تتوفر فيهم تلك الشروط، لعضوية مجلس السلطة، عملت لجنة الانتقاء على تحويل هذه الشروط إلى شبكة تنقيط واضحة، وقابلة للقياس، وتمَّ إعداد شبكة تنقيط بتلك المواصفات قبل فتح الملفات والاطلاع عليها، تفاديا لأي تأثير محتمل لملفات المترشحين على المعايير، وقطعا للطريق أمام أي تأويل قد يدَّعي أصحابه أن المعايير قد فُصِّلت تفصيلا، على مقاس هذا المترشح أو ذاك.

لقد فُصّلت المعايير ـ وبشكل صارم ودقيق ـ على مقاس الشروط التي أوجب القانون توفرها في عضو مجلس السلطة، ولم يكن إعداد شبكة تنقيط وفق تلك المعايير صعبا بالنسبة لبعض الشروط المطلوبة، فإذا ما أخذنا مثلا المؤهل العلمي، فسنجد أن اللجنة قد وضعت شبكة تنقيط واضحة تتيح لكل مترشح أن يحسب نقاطه بنفسه وبسهولة، وستتطابق نتيجته التي سيحصل عليها مع النتيجة التي منحتها له اللجنة.

يبدأ تنقيط المؤهل العلمي بشهادة (باكالوريا + 4) في أحد التخصصات المطلوبة، ومن لا يمتلك تلك الشهادة يُقصى، ولا يتم تنقيطه أصلا، ومن قُبِلَ ملفه يُمنح ثماني نقاط على شهادة (باكالوريا + 4)، ثم يُزاد بنقطتين إن كانت لديه شهادة ماستر، وبثلاث نقاط أخرى إن كان يمتلك شهادة دكتوراه، وبنقطتين إضافيتين إن كان يمتلك شهادة إضافية في تخصص آخر، وبذلك يحصل المترشح الذي لديه شهادة دكتوراه في أحد التخصصات المطلوبة، وشهادة إضافية في تخصص آخر، على النقطة الكاملة في مجال المؤهل العلمي (15 نقطة).

ولم يكن كذلك، وضع شبكة تنقيط واضحة وقابلة للقياس صعبا، بخصوص التجربة العامة (10 نقاط)، أو الخبرة الخاصة (20 نقطة)، أو بخصوص شغل مناصب قيادية (10 نقاط)، ولكن الصعوبة ظهرت عند تحديد وحصر التخصصات المرتبطة بمكافحة الفساد التي يحقُّ لأصحابها الترشح، وفقا لما جاء في المادة المذكورة أعلاه.

وبعد نقاشات داخل اللجنة، واستشارة لخبراء متخصصين، تم تحديد التخصصات المرتبطة بمكافحة الفساد، ووُضِع لكل تخصص منها تعريف مرجعي، قبل استقبال الملفات، وبما يضمن تفادي وقوع أي اختلاف بين أعضاء اللجنة، عند فتح الملفات، وظهور ملفات لمترشحين قد تُثير الاختلاف بين أعضاء اللجنة حول مدى ارتباط تخصص أصحابها بمكافحة الفساد.

كان التحدي الأكبر الذي واجهته اللجنة عند إعداد شبكة تنقيط واضحة وقابلة للقياس، يتعلق بوضع معيار محدَّد يُمَكن من قياس مستويات النزاهة لدى المترشحين، وتعدُّ النزاهة من أهم الشروط التي نص القانون على إلزامية توفرها في عضو مجلس السلطة، مما يستوجب توفرها في المترشحين الذين سيتم انتقاؤهم. ونظرا لصعوبة إخضاع هذا المعيار لمقياس رقمي دقيق، اعتمدت اللجنة مقاربة مركبة، جمعت بين عدة مؤشرات موضوعية، فمنحت لكل المترشحين 6 نقاط على صحيفة السوابق العدلية (شهادة تبريز)، وحصل الجميع على تلك النقطة لإلزامية وجود صحيفة السوابق العدلية في الملف، ومُنِحت نقطة إضافية لكل مترشح ألْزِمَ بالقسم في وظيفته، ونقطة أخرى لمن يمتلك إفادة حسن تسيير أو براءة ذات مصداقية، ونقطتين لمن حصل على توشيح أو جائزة وطنية أو دولية، وخمس نقاط لمن لديه مساهمة مثبتة في مكافحة الفساد، وبذلك يكون مجموع النقاط المخصص للنزاهة 15 نقطة.

انتهت المرحلة الأولى من مسار عملية الانتقاء، بتأهل 30 مترشحا للمقابلة، حصل كل واحد منهم على المعدل المحدد سلفا ( 55 نقطة من 70)، وكانت أعلى نتيجة هي 57.5، مما يعني أن الفارق بين أدنى وأعلى نتيجة، لم يتجاوز 2.5 نقطة، وذلك مما يؤكد أن مؤهلات المتنافسين كانت عالية جدا، ومتقاربة جدا.

بعد نشر النتائج على منصة المسابقات الوطنية، وحرصا من اللجنة على الأخذ بأعلى درجات الشفافية وأكثرها صرامة، وفي سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المسابقات الوطنية، فُتِحت الفرصة أمام المواطنين، كل المواطنين، لأن يشاركوا في عملية تقييم المترشحين من خلال المنصة، فكان بإمكان كل مواطن أن يبدي رأيه في أي مترشح من المترشحين المؤهلين للمقابلة، ودون أن يُلزم بتقديم تفاصيل عن هويته أكثر من رقمه الوطني، ولا يطلب منه تقديم أدلة عن أي معلومات سلبية أو شكوك راجحة، يدلي بها عن شبهة فساد تتعلق بهذا المرشح أو ذاك، فالتحقق من تلك الشبهة يبقى من مهام اللجنة.

توصلت اللجنة إلى 927 رسالة، منها 800 رسالة كانت عبارة عن آراء إيجابية لتزكية بعض المترشحين، و80 تظلما قُبِل منها واحد. ولعل الغريب حقا بخصوص هذه الجزئية، أن كل الذين شككوا في النتائج المعلنة، لم يتكرم أي واحد منهم على اللجنة، بتقديم شهادة تشكك في أهلية أي مترشح، مع أن الفرصة لذلك ظلت مفتوحة لمدة 6 أيام كاملة، بعد نشر النتائج.

وخلاصة القول بخصوص المرحلة الأولى من عملية الانتقاء، أنها كانت مرحلة محكومة بالكامل بمعايير موضوعية قابلة للقياس، فلائحة الثلاثين مؤهلا أفرزتها شبكة التنقيط بشكل شبه آلي، ولم يكن لأعضاء لجنة الانتقاء أي تدخل فيها، ولو أن شبكة التنقيط أفرزت 30 مترشحا من قرية واحدة، أو حتى من أسرة واحدة، لأعلنت اللجنة عن أسمائهم دون أي تعديل، فذلك هو ما تقتضيه الشفافية، وأيُّ تدخل من طرف اللجنة في هذه المرحلة لتعديل اللائحة، بإضافة اسم أو حذف اسم آخر، ولأي سبب كان، حتى ولو كان وجيها عند البعض، فأيُّ تدخل من ذلك القبيل، سيصيب شفافية عملية الانتقاء في مقتل، واللجنة إن فعلته، تكون بذلك قد خانت الأمانة التي ألقيت على عواتق أعضائها.

أما في المرحلة الثانية، أي مرحلة المقابلات، فقد كان الأمر مختلفا جدا، فالحسم في هذه المرحلة كان بشريا لا آليا، فالصفات المطلوبة في هذه المرحلة، من قدرة على الإقناع، والعمل تحت الضغط، وسرعة البديهة...هي صفات لا يمكن أن تقاس آليا، ولذا فقد كانت انطباعات واجتهادات أعضاء اللجنة حاضرة وحاسمة في عملية الفرز، وذلك على الرغم من وضع شبكة تنقيط أخرى لهذه المرحلة، كان مجموع نقاطها 30 نقطة، ولكنها شبكة تُرِكت للاستئناس فقط، ودون أن تكون هناك إلزامية لأن يتقيد بها أعضاء لجنة الانتقاء.

توصلت اللجنة في هذه المرحلة من مسار عملية الانتقاء إلى قناعة مفادها أن كل اسم في لائحة الثلاثين المؤهلين للمقابلة، يستحق ـ وبجدارة ـ عضوية مجلس السلطة، ولو أن اللجنة اكتفت في هذه المرحلة بإجراء قرعة لفرز 12 اسما من لائحة الثلاثين، فإنها لن تكون بذلك الإجراء قد ضيَّعت الأمانة.

ولأن الكل في لائحة الثلاثين كان جديرا بعضوية مجلس السلطة، ولا ينفي ذلك وجود تمايز بين الأسماء في اللائحة، فقد أعطت اللجنة أهمية كبيرة في هذه المرحلة لمعيار التنوع، فأي مترشح في اللائحة سيضيف تنوعا في التخصص العلمي أو في الخبرة المهنية، أعطيت له ميزة، وذلك حتى لا يكون أعضاء اللجنة من تخصص علمي واحد، أو من أصحاب مهنة واحدة، فمكافحة الفساد تحتاج لتنوع في التخصص العلمي، وكذلك لتنوع في الخبرة الوظيفية. وأعطي كذلك لعمر المترشح ميزة ضمن ما تسمح به اللائحة، وهي لائحة كانت في الأصل صارمة بخصوص العمر، وذلك بعد أن اشترط القانون خبرة 15 سنة على الأقل لقبول الترشح. أما بخصوص التنوع في الجنس، فقد خصصت اللجنة ثلاث نقاط إضافية للنساء، ولم يتردد أي عضو في منح تلك النقاط للمترشحتيْن المتأهلتين للمقابلة.

 وسعيا لمزيد من الشفافية، وفي سابقة أخرى هي الأولى من نوعها في تاريخ المسابقات الوطنية، فقد استدعت اللجنة نوابا من الفريق البرلماني لمكافحة الفساد (يضم الموالاة والمعارضة)، وممثلين عن المجتمع المدني، ليراقبوا المقابلات التي أجريت مع المترشحين المؤهلين، وليتأكدوا من أن اللجنة كانت عادلة مع المترشحين في الوقت الممنوح، والأسئلة المطروحة، والتقدير في المعاملة. وقد أجريت كل المقابلات أمام النواب وممثلي المجتمع المدني، فوثق الجميع ملاحظاته، ولكل مراقب كامل الحرية في تقديم ملاحظاته بالطريقة التي يراها مناسبة، وفي التوقيت الذي يراه مناسبا.

لم تقتصر أهمية حضور المراقبين على مراقبة المقابلات فقط، بل إن اللجنة قدمت للمراقبين عرضا مفصلا عن المرحلة الأولى، قبل البدء في إجراء المقابلات، وأتاحت لهم المقابلات لأن يسمعوا من كل مترشح تأهل للمقابلة، ملخصا عن سيرته الذاتية، ورؤيته لمحاربة الفساد، وماذا يمكنه أن يضيف للسلطة إن أصبح عضوا في مجلسها، وقد علق أحد النواب بعد اختتام المقابلات بما مفاده أنه تأكد من شفافية المرحلة الأولى، وذلك بعد أن استمع لكل المتأهلين للمقابلة، فوجدهم كلهم يمتلكون مؤهلات عالية وخبرات متميزة، وهو ما يؤكد ـ لمن لم يكن حاضرا في المرحلة الأولى ـ أن عملية الفرز التي جاءت بهذه الكوكبة من الأطر المتميزين  كانت بالفعل عملية شفافة لا يمكن الطعن في شفافيتها.

هذا هو المسار الذي اتبعته اللجنة لانتقاء لائحة الاثني عشر عضوا، ولا أقول إن هذا المسار كان فوق الشبهات، وإنه سلِم في كل محطاته من الأخطاء. لا أقول ذلك، ولا يمكنني أن أقوله، لأنه ـ وببساطة شديدة ـ لا يوجد عمل بشري بلا أخطاء، ولكن ما أستطيع أن أقوله، في هذا المقام، بل وأجزم به، سألخصه في النقاط التالية:

1 ـ من المؤكد أن لجنة الانتقاء ليست معصومة من الأخطاء، ولكنها ـ وهذا ما أستطيع أن أقوله بكل اطمئنان ـ لم ترتكب خطأ واحدا عن عمد، بهدف إنجاح هذا المترشح أو إقصاء ذاك المترشح؛

2 ـ إن شبكة التنقيط التي وضعتها اللجنة ترجمت بدقة الشروط التي ألزمت المادة الثامنة من القانون رقم 023/2025 بتوفرها في أعضاء مجلس السلطة، ومن أراد انتقاد اللجنة في هذا المجال، فليتفضل مشكورا بتقديم شبكة تنقيط أكثر احترافية أو أكثر موضوعية من شبكة تنقيط اللجنة؛  

3 ـ على من أراد كذلك أن ينتقد اللجنة بموضوعية ومهنية، أن يأتي بمترشح واحد تأهل للمقابلة لا تتوفر فيه المعايير المطلوبة، وإن أتانا به، فسنعترف له علنا بأن اللجنة لم تكن شفافة في عملية الانتقاء؛

4 ـ صحيح أن كفاءات عالية لم توفق في أن تكون في لائحة المؤهلين للمقابلة، وصحيح كذلك أن كفاءات عالية لم تظهر في لائحة الإثني عشر بعد أن كانت في لائحة الثلاثين. كل ذلك صحيح، ولكن الصحيح أيضا أن كل الذين تأهلوا كانوا كفاءات عالية، وكان سبب تأهلهم في المرحلة الأولى، هو أنهم حصدوا نقاطا ثمينة منحتهم فارقا من نقطة أو نقطتين عن الآخرين، وكان تأهلهم في المرحلة الثانية هو أنهم ـ زيادة على كفاءاتهم ـ يضيفون على اللائحة تنوعا: في التخصص العلمي، أو في مجال الخبرة الوظيفية، أو على مستوى العمر إلى حد ما، أو في الجنس، وإلى غير ذلك من أوجه التنوع المطلوبة، والتي يمكن أن تخلق تكاملا بين أعضاء المجلس. وإن كان هناك من غياب في التنوع يمكن أن يذكر، فهو غياب المجتمع المدني، فالشروط التي وضعها القانون، والتي فُصِّلت على أساسها شبكة التنقيط، لم تمكن من فرز من يمثل المنظمات الفاعلة في مجال محاربة الفساد في مجلس السلطة، مع أنه قد ترشح ناشطون في المجتمع المدني، لديهم شهادات في التخصصات المطلوبة، ولهم جهود مشهودة في مكافحة الفساد، ولكن شبكة التنقيط لم تكن في صالحهم.  

5 ـ إن مما يؤسف له حقا، وفي ظل غياب أي دليل أو حجة متماسكة منطقيا لدى أولئك الذين شككوا في شفافية عملية الانتقاء، أن البعض من هؤلاء استحضر قبائل ومناطق أعضاء اللجنة، وحاول أن يربطها بقبائل وجهات المترشحين المؤهلين للمقابلة. لنفترض جدلا ـ لمجاراة هؤلاء ـ أن أعضاء اللجنة قرروا أن يكون معيار الانتقاء لديهم هو الانتماء القبلي أو الجهوي أو العرقي، وأنهم تقاسموا اللائحة بينهم حسب تلك الانتماءات، وأن كل واحد منهم أخذ نصيبه كاملا غير منقوص. لنفترض جدلا كل ذلك، ألم يكن هذا يستدعي من أعضاء اللجنة إذا كانوا يفكرون بهذا الأسلوب البدائي أن يخصصوا نصيبا معلوما من لائحة المؤهلين للمقابلة، لمترشحين ينحدرون من المناطق التي تنحدر منها الجهات العليا في البلد التي اختارتهم لعضوية اللجنة؟؛

6 ـ إننا نعيش في مجتمع لا يقبل الكثير من أفراده بالخسارة لا في المسابقات ولا في الانتخابات، مع وجود استثناءات قليلة أحيّي أصحابها. فهناك من المترشحين، ممن لم يحالفهم الحظ مع أنهم يمتلكون الأهلية الكاملة لعضوية مجلس السلطة، أشادوا بعمل اللجنة، وبمسار عملية الانتقاء، ولكن الغالبية حاولت أن تحمل المسؤولية في خسارتها للجنة. لا مشكلة عندي في ذلك، فليبرر من شاء خسارته بظلم اللجنة. إن المشكلة بالنسبة لي تكمن أساسا في ظلم المترشحين المؤهلين للمقابلة، والتشكيك في كفاءاتهم العالية وخبراتهم المشهودة، والقول إنهم تأهلوا للمقابلة بسبب الروابط التي تجمعهم قبليا أو جهويا بهذا العضو أو ذاك في لجنة الانتقاء. ألا ترون أن في هذا القول إساءة كبيرة لخبرات وطنية مشهود لها بالكفاءة في مجال تخصصها؟؛

بلى، إن في ذلك لإساءة كبيرة لكل من ظهر اسمه في لائحة الثلاثين، فاختزال المسار المهني الحافل للأسماء التي ظهرت في تلك اللائحة، في روابط قبلية أو جهوية لم تستحضرها لجنة الانتقاء في أي مرحلة من مسار الانتقاء، ولم يستحضرها المؤهلون، وإنما استحضرها بعض الذين لم يحالفهم الحظ في إحدى محطات مسار عملية الانتقاء، ودعمهم في ذلك التوجه قوم آخرون تعودوا على التشكيك في كل شيء دون تقديم دليل.

فلكل من ظهرت أسماؤهم في لائحة الثلاثين، أقول: لا منة ولا فضل لأي عضو في اللجنة في تأهل أي واحد منكم، إنما هي مؤهلاتكم وكفاءتكم التي أوصلتكم إلى ما وصلتم إليه.

ختاما

أتقدم بأصدق التهاني لأعضاء مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد الذين تم الإعلان عن تعيينهم من خلال مرسوم رئاسي صادر يوم الجمعة 24 إبريل 2026، وأسال الله تعالى أن يوفق هذا المجلس في تأدية المهام الجسيمة الموكلة إليه، فمحاربة الفساد لم تكن في الماضي، ولن تكون في الحاضر ولا في المستقبل، مهمة سهلة. كان الله في عونكم.

 محمد الأمين الفاضل

ممثل المجتمع المدني في لجنة انتقاء أعضاء مجلس السلطة.

السبت، 25 أبريل 2026

جلسة نقاشية عن الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته


تفاعلا مع ما شهدته مؤخرا بعض مناطق العاصمة نواكشوط من عمليات هدم للعديد من المباني، ومواكبة للنقاش الواسع الذي أثارته تلك العمليات، نظَّم الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد، مساء الجمعة 24 أبريل 2026، جلسة نقاشية بعنوان: "الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته". وقد ترأس الجلسة أمين التقصي والتقييم في الائتلاف، الأستاذ محمذن اللود السفاح، وشهدت الجلسة ثلاث مداخلات رئيسية، استُهلت بمداخلة لمدير وكالة الأخبار المستقلة، الصحفي الهيبة الشيخ سيداتي، الذي أكد أن الجميع يشارك بدرجات متفاوتة في فساد القطاع العقاري، محمِّلا المسؤولية الأكبر للحكومة، ومؤكدا على أن تفشي الفساد لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها وغياب الصرامة في إنفاذها.

وفي المداخلة الثانية، أرجع الرئيس السابق لهيئة الموثقين الموريتانيين، الأستاذ محمد دحان، جانبا كبيرا من اختلالات القطاع إلى انتشار التوثيق العرفي، وما يترتب عليه من نزاعات وإشكالات قانونية.

أما المداخلة الثالثة، فقدمها الوالي السابق صيدو حسن صال، حيث أبرز الأهمية البالغة للقطاع العقاري، داعيا إلى الإسراع في إصلاحه، ومشيرا إلى أن نحو 80% من مصادر الثراء ترتبط بالعقار، وأن ما يقارب 70% من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة به.

وقد شهدت الجلسة نقاشا ثريا، تخللته مداخلات متعددة، تناولت الموضوع من زواياه المختلفة، وقدم المشاركون في مداخلاتهم جملة من المقترحات العملية للحد من الفساد في هذا القطاع الحيوي.

وفي ختام الجلسة، أكد رئيس الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد، السيد محمد الأمين الفاضل، أن الائتلاف سيأخذ بعين الاعتبار جميع المقترحات المقدمة، وسيعمل على تضمينها في وثيقة خاصة بقطاع العقار، مذكِّرا في هذا الصدد، بأن الائتلاف سبق وأن أعد وثيقة شاملة حول الفساد وآليات محاربته، سيتم تسليمها لمنسق الحوار الوطني خلال الأسبوع القادم.



الخميس، 23 أبريل 2026

لا تناقض بين دعم الترشيح والدفاع عن العربية


علينا جميعا أن ندعم ترشح معالي الوزيرة السابقة الدكتورة كمبا با لمنصب الأمانة العامة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، وفيما يخصني، فإنني أعلن عن دعمي الكامل لها، واعتبر أن فوز أي موريتاني بأي منصب إقليمي أو دولي، هو فوز لكل موريتاني، وهو يعدُّ مكسبا ديبلوماسيا لموريتانيا، وسيعزز من مكانتها الإقليمية والدولية.

إن دعمي لهذا الترشح، لا يتعارض - بأي حال من الأحوال - مع دفاعي عن اللغة الرسمية للبلد، ولا عن لغاتنا الوطنية. ولا يعني كذلك أنني سأتوقف عن المطالبة بالحد من هيمنة اللغة الفرنسية في بلادنا، وذلك لقناعتي بأن اللغة الفرنسية عندما تتجاوز حدودها كلغة أجنبية، فإن ذلك سيكون إما على حساب تفعيل ترسيم اللغة العربية، و إما على حساب تطوير لغاتنا الوطنية.

نعم للغة الفرنسية بصفتها اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا، ونعم لإعطائها أوسع مساحة يمكن أن تمنح لأي لغة أجنبية، ولا وألف لا لإعطائها أي مساحة على حساب ترسيم اللغة العربية أو تطوير لغاتنا الوطنية.

يحاول البعض أن يربط بين ترشيح ودعم معالي الوزيرة السابقة د. كمبا با، وضرورة إعطاء اللغة الفرنسية مكانة لا تحق لها في موريتانيا، أو السكوت عن اغتصابها لمساحات في الإدارة أو التعليم لا يحق لها اغتصابها. 

إن فوز معالي الوزيرة السابقة د. كمبا با بالأمانة العامة لمنظمة لفرنكفونية لا يفرض تقديم رشوة لفرنسا من خلال إعطاء اللغة الفرنسية مكانة لا تحق لها، فهذا هو ما يؤكده ماضي وحاضر ومستقبل المنظمة، وإليكم الدليل:

1. في الماضي: فاز الدكتور بطرس غالي بمنصب أول أمين عام لمنظمة لفرنكفونية في العام 1997، رغم أن استخدام اللغة الفرنسية في مصر محدود جدا، ولا يتجاوز نسبة 1%؛

2. في الحاضر: الأمينة العامة الحالية للمنظمة، هي السيدة لويز موشيكيوابو من رواندا، وقد فازت بالمنصب بعد أن انقلبت بلادها على اللغة الفرنسية، فأبدلت اللغة الفرنسية التي كانت لغة التعليم في رواندا باللغة الإنجليزية. كما أنها انضمت لمنظمة "الكومنولث" (التي تجمع الدول الناطقة بالإنجليزية) منذ العام 2009.

3. في المستقبل: حتى الآن لا منافس لمرشحتنا إلا مرشح من رومانيا،  وحضور الفرنسية هناك محدود، وبالمناسبة فإن البرلمان الروماني يحظر استخدام الفرنسية داخل البرلمان، التزاما بالدستور الذي جعل الرومانية لغة التشريع الوحيدة.

بكلمة واحدة، إني أدعم ـ وبشكل قوي ـ مرشحتنا للأمانة العامة لمنظمة لفرنكفونية، وإني في الوقت نفسه أتمسك بالمطالبة بتحقيق السيادة اللغوية في بلدنا، فبدون هذه السيادة فسيبقى استقلالنا ناقصا.

ثغرة قانونية في النظام الداخلي للجمعية الوطنية


"يقول البعض إن البرلمان الموريتاني، يمنع الحديث بالفرنسية، بأي لغة إذن كانت مداخلات خالي جلو التي سمع الناس"؟

هذا سؤال طرحه أخي وصديقي محمد الأمين ولد الناجي في منشور له، ردا على منشور لأخي وصديقي Hacen Lebatt قال فيه إن : "البرلمان الموريتاني يمنع النواب منعا باتا من الحديث بالفرنسية".

فعلقت برد على سؤال محمد الأمين ولد الناجي، وارتأيت بعد ذلك، أن أجعل من التعليق منشورا مستقلا.

في شهر يوليو من العام 2019 أٍجْرِيَّ تعديل على المادة 61 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية، ليصبح نصها بعد التعديل: "تُوفر إدارة الجمعية الوطنية الترجمة الفورية لمداولات البرلمان باللغات الوطنية". بهذا التعديل أصبحت الجمعية الوطنية ملزمة فقط بالترجمة الفورية بين اللغات الوطنية، وليست ملزمة بالترجمة من وإلى اللغة الفرنسية.

يستطيع النائب في البرلمان الموريتاني أن يتحدث باللغة الفرنسية، بل إنه يستطيع قانونا أن يتحدث باللغة الصينية، أو الفارسية، أو الانجليزية، أو أي لغة أخرى  إن أراد ذلك، فلا يوجد ـ حسب علمي ـ  نص قانوني يمنعه من ذلك، وهذه ثغرة كبيرة في النظام الداخلي للجمعية الوطنية.

وهذا هو ما جعلنا في عريضة السيادة اللغوية التي وقعتها 67 هيئة وجمعية فاعلة، نطالب في النقطة الثانية من عريضتنا المطلبية ب: " تحريم الحديث باللغات الأجنبية داخل البرلمان الموريتاني، كما جرت بذلك الأعراف في كل برلمانات العالم".

لقد طالبنا بذلك حتى يكون برلماننا كبرلمانات العالم، حيث يُحَرَّم، بل ويُجَرَّم الحديث بأي لغة أجنبية داخله، ففي البرلمان الفرنسي مثلا يُحظر استخدام أي لغة غير الفرنسية، وفي تونس التي تصل فيها نسبة المتحدثين باللغة الفرنسية إلى أكثر من 50 % من الشعب التونسي، فإن المادة 104 من النظام الداخلي للبرلمان التونسي تحظر استخدام اللغة الفرنسية داخل البرلمان، وفي المغرب يحظر استخدام أي لغة غير العربية والأمازيغية داخل البرلمان المغربي، وفي الجزائر نفس الشيء، وهكذا في أغلب بلدان العالم.، إن لم أقل في كل دول العالم.

إن الحديث باللغة الفرنسية أو أي لغة أجنبية أخرى غير ممنوع قانونا في الجمعية الوطنية الموريتانية، ولكنها ـ أي الجمعية الوطنية ـ ليست ملزمة بالترجمة الفورية من وإلى الفرنسية، ولا من و إلى أي لغة أجنبية أخرى إن تحدث بها النائب.

لو قُدِّر لي أن أدخل البرلمان، لاجتهدت في حفظ مداخلة بلغة أجنبية لا صلة لنا بها، كاللغة الروسية أو الإيطالية مثلا، وألقيت مداخلتي بتلك اللغة، للفت الانتباه إلى الخلل الحاصل في النظام الداخلي للجمعية الوطنية، والذي لا يُحَرَّم ولا يُجَرَّم التحدث باللغات الأجنبية، كما هو الحال في النظم الداخلية لبرلمانات العالم.

وتبقى جزئية أخيرة، وهي خاصة بأخي الحسن لبات: إن أول  أمين عام لمنظمة لفراكفونية هو بطرس غالي من مصر  (1997 - 2002)، ومن المعروف أن استخدام الفرنسية في مصر ضعيف جدا. ونسبة المتحدثين بها هناك  في حدود 1% تزيد أو تنقص قليلا.

الأربعاء، 22 أبريل 2026

شبابُنا بخير…


من يتابع الجرائم في السنوات الأخيرة يلاحظ أن أغلبها يرتكبه شباب قُصَّر، تسربوا من المدارس أو لم يلتحقوا بها أصلا، ويتعاطون المخــ..درات، وكثير منهم من أصحاب السوابق. ومن خلال متابعة هذه الجرائم يمكن أن نخرج باستنتاج مقلق من كلمتين: "شبابُنا في خطر".

إن الإحساس بحجم هذا الخطر هو ما دفعنا في جمعية "خطوة" إلى تنظيم جلسة نقاشية يوم السبت 10 يوليو 2021 حول الجريمة وتفشيها في صفوف الشباب. وقد حضر هذه الجلسة وزيرُ عدل سابق، ومديرُ أمن سابق (مدير مساعد)، وخبيرٌ في الأدلة الجنائية، إلى جانب عدد من الباحثين والأساتذة الجامعيين في القانون وعلم الاجتماع. وقد خرج المشاركون بـ16 توصية مهمة (تجدونها في أول تعليق).

تلك كانت هي النظرة المتشائمة إلى واقع شبابنا…

أما النظرة المتفائلة فتقول: شبابُنا بخير. نعم، هو بخير، وهذا ما أكدته جمعية "خطوة" في حفلها البهيج الذي نظمته مساء الأحد 20 إبريل 2026 بفضاء الشباب في الميناء، والذي تشرف بحضور معالي وزير تمكين الشباب.

وقد نُظِّم هذا الحفل اختتاما للمرحلة الأولى من البرنامج التدريبي: "موهبتك… مشروعك المستقبلي"، الذي انطلق يوم الخميس 29 يناير 2026، في إطار شراكة بين وزارة الشباب وجمعية "خطوة". وقد استفاد من هذه المرحلة التجريبية الأولى مائةُ شاب وشابة، توزعوا على أربع مجموعات، وتلقت كل مجموعة دورة أساسية حول اكتشاف الموهبة واستغلالها.

لم يسبق لي أن نظمتُ دورة عن الموهبة لمجموعة من الشباب – وقد نظمتُ دورات في مدن مختلفة – إلا واكتشفتُ في تلك الدورة طاقات ومواهب شبابية واعدة. وهذا ما يجعلني أجزم بأن شبابنا بخير، وأنه لا يحتاج إلا إلى مزيد من الرعاية والاحتضان ليبرهن فعليا أنه بخير.

في السابق، كانت الجمعية تقدم هذه الدورات بشكل تطوعي، أما اليوم فالجديد هو تبنّي الوزارة لبرنامج خطوة التدريبي. وقد أكد معالي الوزير، في كلمته على هامش حفل الاختتام، أن تكوين مائة شاب في مقاطعتي الميناء والرياض ليس إلا خطوة أولى، وأن البرنامج سيُعمَّم – بإذن الله – بشكل سريع ليشمل الداخل، حتى يستفيد منه شبابنا في جميع بلديات الوطن.

باسم جمعية "خطوة"، وباسم المستفيدين من البرنامج في مقاطعتي الميناء والرياض، أتقدم بخالص الشكر إلى معالي وزير تمكين الشباب، وإلى مدير الشباب، والمندوب الجهوي في نواكشوط الجنوبية. ونأمل أن تتطور هذه الشراكة لتشمل جميع مقاطعات العاصمة، ومختلف ولايات الوطن.

الصور لبعض المشاركين الذين استعرضوا مواهبهم في الحفل..

#معا_لاكتشاف_المواهب 

#2026_عام_اكتشاف_المواهب







اختتام دورة تدريبية


نظَّمت وزارة تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية، بالتعاون مع جمعية خطوة للتنمية الذاتية، مساء الأحد 20 إبريل 2026، بفضاء الشباب في مقاطعة الميناء، حفل اختتام المرحلة الأولى من البرنامج التدريبي "موهبتك… مشروعك المستقبلي".

وقد ترأس الحفل وزير تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية، الذي أكد في كلمته أن هذا التكوين يمثل الخطوة الأولى من برنامج سيُعمَّم على مختلف ولايات الوطن، بما يتيح الفرصة لأكبر عدد ممكن من الشباب للاستفادة من هذا التوجه الداعم لاكتشاف لمواهب وتنميتها.

وفي كلمته بالمناسبة، استعرض رئيس جمعية خطوة للتنمية الذاتية السيد محمد الأمين الفاضل أبرز محطات البرنامج منذ انطلاقه في يوم 29 يناير 2026، وأكد أن البرنامج استهدف في مرحلته التجريبية الأولى 100 شاب وشابة من مقاطعتي الرياض والميناء، توزعوا على أربع مجموعات، وتلقوا تكوينا أساسيا في اكتشاف الموهبة واستثمارها وتطويرها.

كما تخلل الحفل تقديم عروض مميزة في مجالات متعددة قدمها بعض الشباب الموهوبين المستفيدين من التكوين، عكست مستوى المهارات والطاقات التي يتمتع بها المشاركون، وأبرزت الأثر الإيجابي للبرنامج في تنمية مواهبهم وقدراتهم.

ويأتي هذا البرنامج الأول من نوعه في إطار شراكة بين وزارة تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية وجمعية خطوة للتنمية الذاتية، وهو يهدف إلى دعم الشباب وتعزيز قدراتهم، ومساعدتهم في اكتشاف مواهبهم، وتحويلها إلى مصدر مستدام للدخل.

#معا_لاكتشاف_المواهب 

#2026_عام_اكتشاف_المواهب

السبت، 18 أبريل 2026

المواطن يخسر والنظام تُشوه صورته!


تتكرر دائما مثل هذه المشاهد المؤلمة التي تُصاحب عمليات هدم منازل لمواطنين، شيدوها في مناطق من العاصمة، لا تسمح السلطات بالبناء فيها. ومع تكرر هذه المشاهد، بات من اللازم طرح السؤال: من المسؤول عن ضياع أموال طائلة يخسرها المواطنون مع كل عملية هدم للمباني من هذا النوع؟

فهل المسؤول: المواطن الذي يقول إنه يمتلك وثائق رسمية ـ أو يظنها رسمية ـ للقطعة التي شيَّد عليها منزلا؟ أم السمسار الذي يجمع أرباحا طائلة من بيع قطع أرضية بها إشكالات قانونية؟ أم الموظف الحكومي الذي يُشَرّع قطعا أرضية لا يحق له تشريعها؟ أم السلطات الإدارية التي تمنح رخص البناء ثم تتراجع؟ أم السلطات الأمنية التي لا تتدخل بصرامة لتنفيذ القانون إلا بعد تقدم أو اكتمال البناء، فتكون الخسارة حينها فادحة؟ فلماذا لا يكون تدخل هذه السلطات من اللحظة الأولى، فتمنع المواطن من وضع اللَّبِنة الأولى في مكان يُحظر البناء فيه تفاديا للخسائر؟

ولماذا لا تطلق حملات إعلامية واسعة تحذر المواطنين من تشييد منازل في مناطق يحظر فيها ذلك، قبل أن تبدأ عمليات الهدم؟ وما فائدة الإعلام العمومي إذا لم يقم بهذا الدور التوعوي تجنبا لتشييد منازل في مناطق يحظر فيها ذلك؟

ألا يسيء تكرار عمليات الهدم هذه إلى صورة النظام؟

لقد تابعتُ المشاهد المتداولة مؤخرا، والتي يظهر فيها مواطنون يشْكون ويستنكرون هدم منازلهم، ومع أنني لستُ ضد تطبيق القانون، بل إني من الداعين إلى تطبيقه بصرامة، إلا أن ما لا يمكن قبوله هو أن تقتصر العقوبة على المواطن المسكين لوحده، فيهدم منزله الذي أنفق على تشييده أموالا جمعها بشق الأنفس.

فقبل هدم منزل مواطن بسيط، لا حول له ولا قوة، كان الأولى أن يُبدأ بمحاسبة السمسار المتحايل، والموظف الحكومي المتواطئ، وكل من كان بوسعه من السلطات الإدارية والأمنية أن يمنع البناء من البداية، فلم يفعل.

صحيح أننا شعب تعوَّد على "الكزرة"، وصحيح كذلك أن العاصمة بحاجة إلى حدود عمرانية مضبوطة، ولا يمكن أن تستمر في التمدد والاتساع في كل الجهات، وإلى ما لا نهاية. كل ذلك صحيح، ولكن الصحيح أيضا أنه لا يمكن للمواطن أن يدفع لوحده الكلفة في كل مرة، ويخرج المتسببون الحقيقيون من موظفين وسماسرة سالمين غانمين، بعد أن جمعوا أموالا طائلة من التحايل على المواطنين.  

إن العدالة الحقيقية لا تكون بهدم منازل المواطنين فقط، بل بمحاسبة كل من شارك في هذه الفوضى العمرانية، من السمسار إلى الموظف الحكومي، مرورا بكل الجهات التي قصرت في التدخل المبكر. أما الاقتصار على معاقبة المواطن (الحلقة الأضعف)، وترك الآخرين، فإن ذلك سيشجع السماسرة والموظفين المتواطئين إلى مزيد من التحايل، وهو ما يعني المزيد من الضحايا في صفوف المواطنين، ويعني كذلك المزيد من تشويه صورة النظام في أعين المواطنين.

أيعقل أن تترك حفنة من الموظفين المفسدين والسماسرة المتحايلين تستمر في جرائمها هذه، دون حساب أو عقاب؟

حفظ الله موريتانيا..

الجمعة، 17 أبريل 2026

الوطنية أولا أم المهنية أولا؟


من المعروف أن هناك تداخلا بالغ التعقيد بين الشعبين الموريتاني والمالي، ومن مظاهر ذلك التعقيد أنك تجد على الحدود قرية داخل الأراضي المالية، سكانها موريتانيون، والخدمات الأساسية فيها مقدمة من طرف الدولة الموريتانية، وتجد أيضا العكس، قرية داخل الأراضي الموريتانية، يسكنها ماليون، والخدمات الأساسية فيها مقدمة من طرف الدولة المالية.

وتوجد محاضر رسمية موقعة من طرف البلدين تقضي ببقاء الحال على ما هو عليه، أي أن تبقى القرى المالية التي يسكنها موريتانيون تحت السيطرة الموريتانية، والقرى الموريتانية التي يسكنها ماليون تحت السيطرة المالية، إلى أن يتم التوصل إلى حل نهائي لهذا التداخل الحدودي البالغ التعقيد بين البلدين، والذي قد تكون فيه السيادة الجغرافية في بعض القرى تتبع لأحد البلدين، ويكون فيه السكان والخدمات المقدمة لهم تتبع للبلد الآخر.

في الماضي، لم يطرح هذا التداخل أي مشكلة للبلدين، ولكن في ظل التعقيدات الأمنية الحالية، أصبح هذا التداخل يطرح العديد من المشاكل والتحديات.

ومن تلك المشاكل تكرر دخول عناصر من الجيش المالي لقرى مالية، تقع على أراض مالية، ولكن سكانها موريتانيون والخدمات المقدمة فيها تقدمها مؤسسات موريتانية، سواء كانت تلك المؤسسات مدرسة أو مركزا صحيا أو هوائيا يتبع لشركة اتصالات موريتانية.

إن دخول عناصر من الجيش المالي لهذه القرى المالية التي يسكنها موريتانيون، وتغطية ذلك إعلاميا من طرف بعض المواقع والمدونين الموريتانيين على أنه اعتداء على السيادة الموريتانية، قد أعطى انطباعا لدى المواطنين الموريتانيين بأن الجيش الموريتاني تخلى عنهم، وأن النظام عاجز عن حمايتهم من تدخلات واعتداءات الجيش المالي المتكررة.

وفي محاولة لتصحيح ذلك الانطباع الخاطئ، ومن أجل طمأنة المواطنين على الحدود، جاءت كلمة والي ولاية الحوض الغربي التي قالها في اجتماع محلي مع بعض المواطنين، وتم تداول جملة من كلمة الوالي شكلت تهديدا للجارة مالي، تم تداولها بشكل واسع من طرف صحفيين ومدونين موريتانيين.

فهل كان الأولى نشر هذه الكلمة والتعليق عليها احتراما للمهنية التي تقتضي نشر كل ما يتلفظ به المسؤول من قول، أم أن حجبها وعدم تداولها إعلاميا كان أولى، باعتبار أن ذلك يحقق مصلحة عليا للبلد؟ 

إن من يرفع شعار المهنية أولا، سيعتبر أن نقل كلام الوالي بأمانة وموضوعية هو الأولى، دون أي اعتبار للسياق الذي كان يتحدث فيه، ودون النظر لما قد يترتب على ذلك النشر من تداعيات قد تضر بالبلد.

لقد تحدث الوالي في سياق تعبوي، أمام مجموعة من الموريتانيين يشعرون بعدم الاطمئنان، فأراد في ثنايا حديثه، أن يُوجه إليهم رسالة طمأنة داخلية، ولكن الإعلام الموريتاني أخرج حديث الوالي من الفضاء المحلي الضيق إلى فضاء واسع على الانترنت، وبذلك حوّل رسالة طمأنة داخلية أراد الوالي أن يوصلها إلى المواطنين الموريتانيين، إلى رسالة خارجية اعتبرها البعض رسالة تهديد لدولة جارة وشقيقة. 

من زاوية مهنية بحتة، فإن نقل ما قيل هو في الأصل عمل مشروع، ويمثل جوهر الرسالة الإعلامية، فالمعلومة حق للجميع، وحجب الحقائق أو إخفاؤها لم يعد مقبولا، والمجتمعات لا تتطور بحجب المعلومات وتقييد النشر، بل بالشفافية في نشر المعلومات، حتى تصل إلى الجميع. 

ومع ذلك، وحتى ولو غلبنا المهنية على الوطنية، فإن الرقابة الذاتية مطلوبة في كل الأوقات، ومطلوبة أكثر في فترات الأزمات والصراعات، فليس كل ما عُلم ينشر فورا، فالرقابة الذاتية تقتضي عدم نشر أي معلومة، حتى ولو كانت صحيحة، إذا ما كان نشرها قد يسبب ضررا جسيما للمجتمع يفوق بأضعاف قيمة نشر تلك المعلومة.

وهنا تحديد تكمن الإشكالية، فالمشكلة ليست في صحة ما نُشر، بل في أثره وتوقيته.

إن المدون في هذا العصر الرقمي لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح فاعلا ومؤثرا بما ينشر، ولذا فعليه أن يكون حذرا عند النشر في القضايا الحساسة التي ترتبط بالأمن القومي والعلاقات مع الدول، ويتأكد ذلك في أوقات الأزمات وتصاعد التوترات.

في اعتقادي الشخصي أن الوطنية يجب أن تأتي أولا قبل المهنية، ولو أن كلمة الوالي وصلتني دون غيري لما نشرتها أصلا، ولاكتفيتُ بتنبيهه بعيدا عن الإعلام على خطورة تلك الكلمة، وضرورة التحفظ مستقبلا، فالهواتف أصبحت اليوم توثق وتنشر كل ما يُقال في مثل هذه المجالس.

ويبقى السؤال الذي على كل واحد منا أن يجيب عليه، فالإجابة عليه هي التي ستحدد اتجاه بوصلتنا في التدوين والنشر: هل الهدف مما ننشر هو الإخبار فقط، أم الإخبار المسؤول؟

وهل نحن ندون وننشر بصفتنا مدونين فقط، ننقل كل ما يقع بين أيدينا من أخبار، وبغض النظر عما يمكن أن يترتب عليه، أم ندون بصفتنا مواطنين نزن ما ننشر على ميزان المصلحة العامة، قبل نشره؟

حفظ الله موريتانيا...

إيران وإبريل وثلاثة رؤساء لأمريكا!


من محطات تاريخ العلاقات بين أمريكا وإيران خلال نصف القرن الأخير ، نأخذ هذه المحطات الثلاث التي يجمع بينها شهر إبريل.
 ● في يوم 07 إبريل 1980: قطع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر  العلاقات الدبلوماسية مع إيران؛
● في يوم  30 إبريل 1995: فرض الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حظرا تجاريا وماليا على إيران؛
● في يوم 17 إبريل 2026 : خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد حربه مع إيران بهذا الاستنتاج: إيران بلد قوي وذكي ويمتلك  مقاتلين أشداء، وعلاقتنا بهم أصبحت طيبة.
هذه ثلاثة تواريخ من نصف قرن تقريبا، وكلها كانت في شهر إبريل، بدأت بقطع العلاقات في عهد كارتر، ثم الحصار في عهد كلينتون، والحرب في عهد ترامب، والذي يبدو أنه سيعترف مستقبلا بإيران كقوة إقليمة فاعلة في المنطقة.
 حاولت أمريكا عزل إيران، فلم تستسلم، وحاصرتها فلم تنهزم، وحاربتها فلم ترفع الراية البيضاء، ولذا فلم يعد أمام أمريكا بعد نصف قرن من قطع العلاقات والحصار والحرب إلا أن تعترف بإيران كقوة إقليمة.
 الراجح عندي أن ترامب سيعترف مستقبلا بإيران كقوة إقليمية فاعلة في المنطقة، ويتعامل معها على ذلك الأساس، حتى وإن كنتُ لا أثق في كلامه الأخير كما لا أثق في كلامه الأول، فهو يتناقض بين الدقيقة والدقيقة.
المؤسف في كل هذا هو غياب العرب بشكل كامل، وقد كانوا هم الخاسر الأكبر في الحرب الأخيرة، ومما يزيد من حجم خسارتهم أن كل المؤشرات تقول بأنهم - حكاما ونخبا -  لم يستلهموا الدروس والعبر مما جرى في حرب الأربعين يوما.

الأربعاء، 15 أبريل 2026

باللون الأحمر..


طلبتُ من الذكاء الاصطناعي أن يرسم لي خريطة موريتانيا ومالي، وأن يبرز في الخريطة طول الحدود بين البلدين، مع تلوينها باللون الأحمر، وتكفي هذه الصورة للتعبير عما أريد قوله في هذا المنشور.

تمتدُّ الحدود بين موريتانيا ومالي على مسافة 2237 كلم، وتمرُّ بنصف ولايات الوطن: تيرس الزمور، آدرار، الحوض الشرقي، الحوض الغربي، لعصابه، وكيديماغا.

 وتعدُّ الحدود بين البلدين من حيث الطول، هي الرابعة عشرة عالميا، والثالثة إفريقيا. 

وإذا كان من الصعب جدا ضبط هذه الحدود الطويلة، ومراقبتها في أوقات السلم، فإن الوضع سيزداد تعقيدا وخطورة في أوقات الحرب.

لقد اخترتُ اللون الأحمر لهذه الحدود عن قصد، وذلك للإشارة إلى الخطر الداهم خلفها، وهو الخطر المتمثل في:

• الجماعات المسلحة: التي تنشط في المنطقة؛

• عصابات التهريب العابر للحدود: والتي ستستغل انشغال الجيوش في الحرب، فتكثف من تهريبها ومن عملياتها الإجرامية؛ 

• شبكات الهجرة السرية:  والتي ستنشط أكثر في زمن الحرب.

يمكن أن نضيف إلى كل ذلك مستوى التداخل بين الشعبين الموريتاني والمالي على هذه الحدود، وهو ما سيزيد من تعقيد الأمور إن اشتعلت حربٌ على هذه الحدود، لا قدَّر الله. 

إن موريتانيا، التي تنعم اليوم باستقرار تحسده عليها بعض دول المنطقة، ستكون هي الخاسر الأول عند اندلاع أي حرب في المنطقة، حتى وإن حققت نصرا عسكريا في تلك الحرب. والحكمة تقتضي منا في موريتانيا أن نتذكر دائما أننا لسنا كبلدان أخرى لم يعد لديها ما تخسره، ولذا فعلينا أن نتجنب أي حرب قد تقع، ما دام بإمكاننا تجنبها، أما إذا فُرِضت علينا تلك الحرب فرضا، ولم يعد أمامنا أي خيار، فحينها سيكون لكل مقام مقال.

الاثنين، 13 أبريل 2026

تعليقا على حديث والي الحوض الغربي


حديث الوالي كان في مجمله حديثا مهما، باستثناء جملة واحدة تم التركيز عليها، وقد طلب الوالي في حديثه من الموريتانيين أن يعودوا إلى وطنهم، فمالي تعيش حاليا ظروفا صعبة، وقد لا تُعرف الجهة التي تنفذ العمليات الإجرامية ضد الموريتانيين في مالي. ومع أهمية هذا الحديث، فإن عبارة واحدة لم تكن مناسبة هي التي تم التركيز عليها، ولذا فعلى المسؤول السامي أن يكون حذرا   متحفظا دائما في أحاديثه، وخاصة في هذا الزمن الذي تُوَّثِق فيه الهواتف كل ما يلفظ من قول في الأنشطة الرسمية وغير الرسمية. كما أنه على النخب أن تتحلَّى هي أيضا بالرشد والنضج في خطابها، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة جدا،  تتعلق بالجيش والأمن على الحدود.
إن تكرار البعض للقول إن النظام الموريتاني عاجز عن حماية حدود البلاد، وإن الجيش الموريتاني غير قادر على وقف توغلات الجيش المالي داخل الأراضي الموريتانية، هو قول خطير، وله انعكاسات سلبية على نفوس المواطنين، خاصة في الولايات الحدودية.
مالي دولة شقيقة تعاني، وجيشها غير قادر على توفير الأمن وحماية بلده من التفكك، ولا مجال لمقارنتها عسكريا مع موريتانيا. إن عدم اندفاع النظام والجيش الموريتانيين للحرب مع مالي ليس بسبب الجبن، فالحسم العسكري في مثل هذه الحرب، إن وقعت، سيكون محسوما لصالح موريتانيا.
إن تجنُّب المواجهة مع دولة شقيقة وجارة تعيش حربا داخلية ليس ضعفا، بل هو عين الحكمة. فموريتانيا، إذا فقدت اليوم حكمتها، ودخلت في حرب مع مالي، فإنها ستكون هي الخاسر الأول، حتى وإن حققت نصرا عسكريا كبيرا، وهو أمر مرجَّح.
فالنظام الحاكم في مالي لا يملك اليوم ما يخسره، بعد أن فقد السيطرة على معظم الأراضي المالية، فهو نظام مأزوم في دولة مأزومة، ومن الطبيعي جدا أن يتَّصف بالتهور. 
في المقابل، فإن النظام الموريتاني، الذي نجح في جعل موريتانيا بلدًا مستقرا آمنا في منطقة ملتهبة، لديه الكثير ليخسره إذا ما اندلعت حرب على الحدود.
سيخسر أهم ما يملك: الاستقرار. وموريتانيا، المحاطة بدول بعضها يعاني من اضطرابات داخلية، وبعضها الآخر لديه أطماع تاريخية في الاستحواذ عليها، أقول فموريتانيا إذا فقدت استقرارها في ظرفية كهذه، فإنها تكون بذلك قد خسرت كل شيء.
ولعل أخطر ما في الأمر أن حدودنا مع مالي، والتي تصل إلى 2237 كلم، والتي تصعب السيطرة عليها في زمن السلم، ستشكل خطرا كبيرا على البلاد في زمن الحرب، وستعمل الحركات المسلحة، وعصابات التهريب وأفواج المهاجرين على استغلال أي تدهور أمني في المنطقة للإضرار ببلدنا وتحويلها إلى بلد غير مستقر.   
ماذا يُتوقع من والٍ في منطقة حدودية أن يقول أمام مواطنين يسمعون صباح مساء بعض النخب تردِّد أن الدولة جبانة وأن الجيش عاجز عن حماية البلاد، وذلك في وقت يشاهد فيه أولئك المواطنون تهوُّر النظام المالي وسعيه الحثيث لتوسيع دائرة عدم الاستقرار؟
كيف يمكن لهذا الوالي أن يُطَمْئِن المواطنين، وخطاب بعض النخب يُشكّك في قدرة الدولة على الدفاع عنهم، بينما تتزايد استفزازات النظام المالي؟
نعم، أخطأ الوالي، لكن يجب أن نتذكر أن تكرار الحديث عن عجز الدولة ساهم في دفعه إلى ذلك الخطأ، بل ووضعه في موقف صعب ألزمه بارتكاب ذلك الخطأ.
من فضلكم، توقّفوا عن الترويج لفكرة عجز الجيش الموريتاني، وعدم قدرته على الرد على استفزازات النظام المالي.
فالجيش الموريتاني قادر على الرد بقوة وحزم، لكن الحكمة تقتضي تجنَّب التصعيد مع نظام متهوِّر فقد السيطرة داخليا على أغلب الأراضي وشرعيته تآكلت، وهو يسعى إلى استعادة تلك الشرعية من خلال إشعال حرب في المنطقة، لأنه يعتقد أن تلك الحرب ستوحِّد الشعب المالي خلفه خلال مواجهته  ل "عدو خارجي"، يريده أن يكون موريتانيا.
حفظ الله موريتانيا...
تنبيه: أظهرت عن قصد الحدود لتبيان طولها وصعوبة السيطرة عليها في فترات السلم، فكيف بفترة الحرب؟ 
كما أني لونتها باللون الأحمر إشارة إلى الحركات المسلحة وعصابات التهريب والإرهاب التي تكثر في المنطقة.

الأربعاء، 8 أبريل 2026

العرب وإيران: ماذا بعد وقف الحرب؟


أثبتت إيران خلال السنوات الماضية، وفي الحرب الأخيرة، أنها تمتلك ثلاث نقاط قوة كبيرة، ونقطة ضعف قاتلة.

أولا/ نقاط القوة

1 ـ صبر استراتيجي غير معهود: تابعنا خلال السنوات الماضية ما كانت تتعرض له إيران من هجوم وقصف في عقر دارها من طرف أمريكا والعدو الصهيوني، دون أي رد.  فتم اغتيال كبار قادتها وعلمائها، ولم يسلم ضيوفها (الشهيد هنية رحمه الله)، ومع ذلك لم ترد إيران على كل تلك الاعتداءات المستفزة بما يناسب.

غياب الرد على هذه الاستفزازات المتكررة، جعل الكثير من المتابعين يصنفون إيران على أنها الدولة الأكثر جبنا في العالم، ولكن الحرب الحالية قلبت الموازين، فاتضح أن غياب ردود الأفعال لا علاقة له بالجبن. لقد شاهدنا جميعا كيف كان كبار القادة الإيرانيين يغتالون بالجملة دون أن يختبئوا في الملاجئ، وشاهدنا كيف شكل المواطنون الإيرانيون دروعا وسلاسل بشرية حول منشآت ومؤسسات هدد الرئيس الأمريكي الأكثر حماقة في التاريخ بأنه سيدمرها وينسفها بعد ساعات.

لقد أثبتت القادة شجاعتهم، وأثبت الشعب شجاعته، وما كنا نتابع في الماضي من عدم رد إيران على الاستفزازات الأمريكية والصهيونية لا علاقة له إطلاقا بالجبن، وإنما هو نتيجة لصبر استراتيجي، يصعب على المتابع تفهمه، ويقتضي هذا الصبر الاستراتيجي أن يُضبط الرد وفق ساعة إيران، لا وفق ساعة العدو، مهما كان مستوى الاستفزاز.

2 ـ جرأة غير مسبوقة: لم يكن أكثر الناس جرأة يتخَيَّل أن إيران عندما تقرر أن تنتقل من امتصاص الضربات الأمريكية والإسرائيلية إلى الرد عليها، أنها سترد من خلال قصف ست دول في المنطقة في وقت واحد!!

إن قصف إيران للقواعد الأمريكية في المنطقة، لا يعني فقط مواجهة أمريكا، بل يعني أيضا مواجهة الدول التي توجد بها تلك القواعد. ومن الجرأة غير المسبوقة التي أظهرت إيران في هذه الحرب، عدم ترددها ـ للحظة ـ في غلق مضيق هرمز، ويبدو أن أمريكا لم تكن تتوقع أن يتم غلقه بسرعة، وبشكل حاسم وقاطع وحازم كما حدث.

لقد أثبتت إيران في الحرب الأخيرة بأنها تمتلك جرأة غير مسبوقة، لا يعادلها إلا صبرها غير المعهود.

3 ـ المهارة في التفاوض: أثبتت إيران في الحرب الأخيرة أنها مفاوض شرس، فهي كانت تتألم يوميا بفعل القصف العنيف والدمار الشديد الذي لم يتوقف خلال شهر كامل، ومع ذلك أصرت على مواصلة الحرب، وعدم القبول بتوقفها حتى يُستجاب لشروطها كاملة غير منقوصة، وقد استجابت أمريكا مكرهة لا بطلة للشروط الإيرانية العشرة. أما العدو الصهـيوني فقد كان خارج طاولة التفاوض.

حسابيا، وبلغة المعادلات الرياضية يمكن أن نلخص نقاط القوة الإيرانية في المعادلة التالية:

إيران اليوم = صبر استراتيجي غير معهود + جرأة غير مسبوقة + مفاوضات شاقة.

ثانيا/ نقاط الضعف: تعاني إيران من نقطة ضعف قاتلة، وقد تجسدت نقطة الضعف هذه، في إعادة طرح السؤال الصادم خلال أيام الحرب، فقد طرح هذا السؤال في كل البلدان العربية: أيهما أكثر عداءً للعرب إيران أم إسرائيل؟

ومع أن هذا السؤال لم يكن وجيها، ومع أن العرب يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية في طرحه، إلا أنه على إيران أن تسارع اليوم بجرأتها وشجاعتها التي تحدثنا عنها في هذا المقال إلى الاعتذار بشكل خاص لدول الخليج التي قصفتها خلال الحرب، وللعرب كافة بشكل عام، وأن تعمل من الآن وليس غدا، على تصحيح صورتها في المنطقة العربية، وبذلك ستتعزز مكانتها إقليميا ودوليا.

وفي المقابل، فعلى القادة العرب، أن يستوعبوا الدروس والعبر من الحرب الأخيرة، فقد كانوا خارج قرار إعلان هذه الحرب، وخارج قرار توقيفها، مع أنهم من أكبر المتضررين من نتائجها.

على القادة العرب أن يدركوا:

1 ـ أن القواعد الأمريكية لا توفر الأمن، بل على العكس من ذلك، فإنها قد تجلب الدمار والخراب؛

2 ـ أن النظام العالمي القائم على قطب واحد قد انتهى بالفعل برضوخ أمريكا للشروط الإيرانية..إننا أمام تشكل عالم متعدد الأقطاب؛

3 ـ أن إيران باقية بجوار العرب، وأنها هي وتركيا وباكستان دول إسلامية، ومن الأفضل والأسلم للعرب أن يشكلوا مع هذه الدول الإسلامية، حلفا عربيا إسلاميا ستكون له مكانته القوية في عالم متعدد الأقطاب يتشكل حاليا...هذا الحلف كتبتُ عنه عدة مقالات خلال السنة الماضية.

حفظ الله بلاد العرب والمسلمين..