الخميس، 9 مايو 2024

لا معارضة تنافس، ولا أغلبية تدعم! (الجزء الأول)


بدءا لا بد من القول بأن هذا المقال سيُغضب المعارضة ولن يرضي الأغلبية، أو بعبارة أخرى، سيغضب الأغلبية ولن يرضي المعارضة، أو بعبارة ثالثة أكثر دقة سيغضب كل الطيف السياسي بأغلبيته ومعارضته، ولن يرضي منهم أحدا.

لا معارضة تنافس

لا معارضة تنافس هذا هو الاستنتاج الذي يُمكن أن نخرج به بعد القراءة التحليلية لواقع المعارضة حاليا، ولما دفعت به من مرشحين منافسين في رئاسيات 2024.
هذا الاستنتاج السريع سيقودنا إلى طرح السؤال : متى تكون المعارضة منافسة في الانتخابات الرئاسية؟
في العام 2017 اشتغلتُ كثيرا على ملف رئاسيات 2019، ونشرتُ في تلك الفترة سلسلة من المقالات تحت عنوان : "حتى لا نضيع فرصة 2019"، وكان من أهم ما خَرجتْ به تلك السلسلة من المقالات أن المعارضة لن تشكل منافسا حقيقيا لمرشح النظام، إلا إذا أخذت بجملة من الإجراءات التحضيرية، لعل من أبرزها :
1 ـ أن تبدأ مبكرا في التحضير الفعلي للانتخابات الرئاسية، وأي تحضير لا يبدأ قبل عام من موعد تلك الانتخابات لا يمكن أن نُصَنَّفَه في خانة التحضير المبكر؛
2 ـ أن تشكل لجنة عليا لصياغة البرنامج الانتخابي التوافقي للمعارضة الموريتانية في الانتخابات الرئاسية، وقد يُكتفى بمبادئ عامة أو عناوين كبرى لهذا البرنامج الانتخابي؛
3 ـ أن يوكل لتلك اللجنة مهمة تحديد الصفات أو المواصفات التي يجب أن تتوفر في المرشح التوافقي للمعارضة؛
4 ـ بعد تحديد الصفات أو المواصفات المطلوبة في الترشح تبدأ اللجنة المشكلة من طرف المعارضة في استقبال ملفات المعارضين الراغبين في الترشح، وذلك لتختار من بينهم من تتوفر فيه أغلب صفات المرشح التوافقي المحددة سلفا ليكون هو المرشح التوافقي للمعارضة، أو على الأقل مرشحها الرئيسي الذي تلتف حوله أغلب الأحزاب والتشكيلات السياسية المعارضة؛
5 ـ لا بأس بوجود مرشحين ثانويين محسوبين على المعارضة، ويمكن لمن لم يقبل ملفه أن يترشح، ولكن بصفته مرشحا ثانويا يعتمد على قدراته وإمكانياته الشخصية لا على أحزاب المعارضة في تحصيل الأصوات.
في اعتقادي الشخصي أن المعارضة الموريتانية إذا لم تبدأ في التحضير للانتخابات الرئاسية قبل عام على الأقل من تنظيم تلك الانتخابات، وإذا لم تكتب برنامجا انتخابيا توافقيا، يتبناه مرشحها التوافقي الذي تلتف حوله، فإنها ستبقى معارضة خارج دائرة المنافسة في الانتخابات الرئاسية.
يمكنكم أن تلاحظوا أن الترشح في فسطاط المعارضة كان فوضويا، وأنه اليوم لا يوجد مرشح توافقي للمعارضة، بل ولا يوجد مرشح يمكن أن نصنفه على أنه هو المرشح الرئيسي للمعارضة في ظل تعدد المرشحين، ويمكنكم أن تلاحظوا كذلك أن التحضير لرئاسيات 2024 جاء متأخرا، وإلى الحد الذي جعل أكبر حزب معارض يفشل ـ وحتى كتابة هذه السطور ـ في تحديد موقفه النهائي من الترشح لرئاسيات 2024.
تأخرت المعارضة كثيرا في فتح ملف رئاسيات 2024، وكان حزب تواصل هو الأكثر تأخرا، وسبب ذلك واضح، وهو أن حزب تواصل غير معني بشكل مباشر بالانتخابات الرئاسية، فتركيزه ينحصر على الانتخابات التشريعية والبلدية والجهوية، وبما أن الحزب غير معني بالانتخابات الرئاسية، فقد تأخر كثيرا في فتح ملفها، ويعكس ذلك التأخر إحدى نقاط ضعف المعارضة الموريتانية، حيث يكون التركيز دائما على المصالح الحزبية الضيقة، أما المصالح الاستراتيجية للمعارضة في مجموعها، والتي يأتي على رأسها ملف الانتخابات الرئاسية، فإنها لا تحظى إلا باهتمام ثانوي، وهذا هو ما جعل تواصل يتأخر في حسم موقفه من الانتخابات الرئاسية، ولا يولي هذا الملف ما يستحق من اهتمام، وإن كان هناك من اهتمام جدي بهذا الملف، فهو يأتي فقط من شخصيات معارضة لها طموحها الشخصي بالوصول إلى الرئاسة.
أشير في الأخير إلى أن أحزاب المعارضة كانت تنخرط في الماضي في تكتلات كبرى لا تتفكك إلا في المواسم الانتخابية ( الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، منسقية المعارضة، المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة ..إلخ) . أما اليوم فإنها تعاني من التفكك حتى من قبل الموسم الانتخابي.
أفضل ما يمكن أن تقوم به المعارضة في هذا الموسم الانتخابي هو استخلاص الدروس من انتخابات 2024، والبدء بعد ذلك في التحضير الجيد لرئاسيات 2029.
يتواصل إن شاء الله.
حفظ الله موريتانيا.. 

الخميس، 2 مايو 2024

قراءة استشرافية أولية لانتخابات 2024


أخيرا أعلن حزب تواصل عن ترشيحه لرئيس الحزب السيد حمادي ولد سيدي المختار، وبهذا الإعلان يكون قد أصبح من الممكن تقديم قراءة استشرافية أولية لطبيعة التنافس في رئاسيات 29 يونيو 2024.

بدءا يمكن القول بأن الانتخابات الرئاسية القادمة ستشهد أقوى منافسة على الرتبة الثانية، بين ثلاثة من مرشحي المعارضة، وربما تكون هذه هي ميزتها الأبرز، حيث سيقاتل كل واحد من أولئك المرشحين الثلاثة سعيا لانتزاع تلك المرتبة، ولكل واحد من هؤلاء الثلاثة أكثر من دافع لأن يُقاتل انتخابيا ـ وبشراسة ـ من أجل أن يحظى بالمرتبة الثانية.

تواصل والدفاع عن زعامة المعارضة

منذ أكثر من عقد من الزمن وحزب تواصل يحتل زعامة المعارضة، وكانت البداية في انتخابات 2013 حيث استغل الحزب مقاطعة حزبي التكتل وقوى التقدم لتلك الانتخابات، فجاءته بذلك زعامة المعارضة على طبق من ذهب، وقد استطاع من بعد ذلك أن يحافظ عليها في موسمين انتخابين متتاليين شاركت فيهما جميع أحزاب المعارضة (2018 و2023)، حتى وإن كانت نتائجه في انتخابات 2023 جاءت دون نتائجه في انتخابات 2018.

في الانتخابات الرئاسية القادمة سيدافع حزب تواصل وبشراسة عن لقب "زعامة المعارضة"، ولكنه هذه المرة لن يدافع عن هذا اللقب من ملعب الانتخابات البرلمانية، ذلك الملعب الذي أصبح حزب تواصل يجيد اللعب فيه، وإنما سيدافع عنه هذه المرة من ملعب المنافسات الرئاسية، والذي كان آخر عهد للحزب باللعب فيه من خلال الدفع بمرشح داخلي في العام 2009، ولم تكن نتائجه حينها مشجعة ( حيث حصل مرشح الحزب محمد جميل منصور على الرتبة الرابعة، وبنسبة لم تتجاوز 4.76 %).

اليوم سينافس حزب تواصل على الرتبة الثانية في رئاسيات 2024، وبذلك سيحاول أن يؤكد للجمهور السياسي أنه جدير بحمل لقب زعامة المعارضة، حتى وإن كان سيظل محتفظا بذلك اللقب مهما كانت نتيجته في الانتخابات الرئاسية القادمة.

صحيح أن نتائج الانتخابات الرئاسية لا تأثير لها بشكل مباشر على زعامة المعارضة، والتي يُتحصل عليها من خلال الانتخابات التشريعية، ولكن الصحيح أيضا أن أحقية الحزب بزعامة المعارضة، وجدارته بحمل ذلك اللقب، ستصاب معنويا في مقتل إذا لم يتمكن رئيس الحزب من انتزاع الرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية القادمة، وللحزب نقطة قوة ستمكنه من أن ينافس بشكل جاد، وتتمثل نقطة القوة تلك في وجود "بنية تحتية" جاهزة لخوض الانتخابات الرئاسيات، فحزب تواصل هو الحزب المعارض الأكثر انتشارا في موريتانيا، كما أن ترشيح رئيس الحزب سيساعد في تحصين الحزب من المزيد من التفكك، هذا فضلا عن كونه سيمكن المعارضة من الحضور بمرشح في منطقة الشرق ذات الكثافة السكانية، وذلك بعد أن غابت تلك المنطقة عن خريطة ترشيحات المعارضة المعلنة حتى الآن، وعلى الرغم من كل ذلك فإن الحزب سيواجه بعض التحديات الصعبة، والتي عليه أن يتغلب عليها لضمان الحصول على الرتبة الثانية، ومن تلك التحديات :

1 ـ أن الحزب لم يكن مهتما بالانتخابات الرئاسية، وكان ملفها يأتي دائما في خانة الملفات الثانوية للحزب، فهو لم يكن يخطط لخوض هذه الانتخابات بمرشح من داخله، ولكن إكراهات اللحظة الأخيرة أجبرته على ذلك. من المؤكد أن عدم التحضير المبكر، وعدم التخطيط المسبق لخوض الانتخابات بمرشح من داخل الحزب، سيكون لهما تأثيرهما السلبي، ومع ذلك فيمكن للحزب أن يواجه تلك التحديات إن هو استغل بنيته الانتخابية التحتية الجاهزة مسبقا أحسن استغلال؛

2 ـ من التحديات كذلك غياب الخبرة في خوض الانتخابات الرئاسية بمرشح من داخل الحزب، فآخر عهد للحزب بتقديم مرشح من داخله كان في انتخابات 18 يوليو 2009، أي قبل خمسة عشر عاما تقريبا؛

3 ـ أن تواصل سيخوض هذه الانتخابات بعد أوسع موجة من الانسحابات شهدها الحزب منذ تأسيسه وحتى الآن، ويكفي أن نعرف أن رئيس الحزب السابق ونائبه، ورئيس مجلس الشورى السابق، وشخصيات قيادية كثيرة أخرى لن تصوت هذه المرة لمرشح الحزب. كما أن موجة هذه الانسحابات شملت أيضا شخصيات كانت تعتبر من أبرز ممولي حملات الحزب؛

4 ـ من المؤكد أن دخول مشروع " جبهة المواطنة والعدالة" الذي يقوده الرئيس السابق لحزب تواصل في الحملة الانتخابية لصالح المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني سيكون له الأثر السلبي على تماسك القاعدة الشعبية للحزب.

زعيم إيرا والدفاع عن لقب الرتبة الثانية

سيدخل المرشح بيرام هذه الانتخابات بروح قتالية شرسة دفاعا عن المرتبة الثانية، والتي نالها لأول مرة بضربة حظ  وبنسبة 8.6%  في رئاسيات 2014، مستغلا بذلك مقاطعة المعارضة لتلك الانتخابات،  كما استغل تواصل من قبله مقاطعة بعض أحزاب المعارضة لانتخابات 2013 التشريعية والبلدية لينال زعامة المعارضة.

ثم  نال من بعد ذلك المرشح بيرام، وللمرة الثانية، الرتبة الثانية في رئاسيات 2019، وقد نالها هذه المرة بجدارة واستحقاق في انتخابات شارك فيها الجميع، كما نال حزب تواصل زعامة المعارضة بجدارة واستحقاق في انتخابات 2018.

بالفعل، تمكن زعيم إيرا وفي ظل منافسة شرسة مع المرشح سيدي محمد ولد بوبكر أن ينتزع الرتبة الثانية في رئاسيات 2019 وبنسبة 18.58%، ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه النسبة هي أعلى نسبة يحصل عليها المرشح الفائز بالرتبة الثانية في كل الانتخابات الرئاسية التي نُظمت في بلادنا من بعد انتخابات 2007، ففي تلك الانتخابات تمكن الفائز بالرتبة الثانية الزعيم أحمد داداه من أن يحصل على 20.68% في الشوط الأول.

إن انتزاع زعيم إيرا للرتبة الثانية في آخر انتخابات رئاسية شارك فيها الجميع، وبنسبة معتبرة، جعلته يُصنف نفسه ـ وله الحق في ذلك ـ على أنه هو المنافس الحقيقي والجدي لمرشح النظام.

لقد كان هذا التصنيف حاضرا ـ وبقوة ـ  في خطابات زعيم إيرا خلال السنوات الخمس الأخيرة، واليوم يجد المرشح بيرام نفسه في معركة مصيرية للحفاظ على ذلك التصنيف أو خسارته بشكل نهائي. من المؤكد أن المرشح بيرام سيقاتل بشراسة للحفاظ على لقب "المنافس الأول لمرشح النظام"، ولعل من أهم نقاط القوة التي يمتلكها بيرام في النزال القادم هي  أنه كان قد دخل في الحملة الانتخابية مبكرا، فمنذ سنتين أو أكثر وهو في أجواء الحملة الانتخابية. كما أنه قد يستفيد من بعض الأصوات في مدن الضفة، وذلك في ظل غياب مرشح معارض قوي من أبناء الضفة، وكذلك في ظل إعلان "تحالف العيش المشترك" عن دعمه. هذا عن نقاط القوة، أما نقاط الضعف فهي كثيرة ولعل من أبرزها :

1 ـ أنه هذه المرة لن يحتكر أصوات الشريحة كما حدث في العام 2019، حيث غاب أي منافس له من الشريحة. في هذه  الانتخابات سيجد أمامه منافسا شابا طموحا سيقاتل هو أيضا ـ وبنفس الشراسة ـ من أجل الحصول على الرتبة الثانية؛

2 ـ أنه لن يجد هذه المرة دعما ماليا سخيا من رجال الأعمال في الانتخابات الرئاسية القادمة، وذلك بعد تعامله غير اللبق مع أحد رجال الأعمال الذين دعموه بسخاء في الانتخابات الماضية. وهذا التعامل غير اللبق يعكس واحدة من أقوى نقاط ضعف المرشح بيرام، وهي أنه "شريك غير مؤتمن"، وأنه من المحتمل أن ينقلب على شركائه الداعمين في أية لحظة، وهذا السلوك المتجذر لديه سيجعل الكثير من الداعمين الكبار (ماليا وسياسيا) يترددون كثيرا من قبل أن يقرروا دعمه؛

3 ـ أنه سيخوض هذه الانتخابات بعد أن شهدت حركة إيرا موجة كبيرة من الانسحابات خلال السنوات الأخيرة، وكذلك بعد أن شهد خطابه الصدامي الذي عُرِف به تذبذبا كبيرا، وهو تذبذب بدأ "باكتشاف الصديق"، وانتهى بمجابهة "أخطر الأعداء"؛

4 ـ أنه سيخوض هذه الانتخابات بعد أن فقد الكثير من الدعم والدعاية من الدول والمنظمات الغربية؛

5 ـ أنه سيخوض هذه الانتخابات بعد خمس سنوات كان تركيز النظام فيها منصبا على الاهتمام بالفئات الهشة من خلال مندوبية تآزر، هذا فضلا عن العمل خلال السنوات الخمس الماضية على "تجفيف منابع الخطاب الشرائحي".

العيد والطموح المبرر للرتبة الثانية

سيدخل المرشح العيد الانتخابات الرئاسية لأول مرة في مساره السياسي، سيدخلها بطموح كبير ومبرر، وسيُقاتل هو أيضا ـ وبشراسة ـ من أجل انتزاع الرتبة الثانية من منافسيْه زعيم إيرا ورئيس حزب تواصل.

سيدخل المرشح العيد هذه الانتخابات منافسا على الرتبة الثانية بشكل عام، ومنافسا بشكل خاص للمرشح بيرام على زعامة الشريحة، وستكون هذه المنافسة الثنائية بين المرشح بيرام والمرشح العيد على الزعامة السياسية للشريحة هي المنافسة الأشد شراسة في الانتخابات القادمة.

وبالعودة إلى الانتخابات التشريعية والبلدية والجهوية الماضية فسنجد أن تحالف "جود"، والذي دخل الانتخابات لأول مرة منذ تأسيسه قد تمكن من أن يُنافس وبقوة حزب الصواب على المقاعد النيابية ( اللائحة الوطنية المختلطة ـ لائحة النساء ـ لائحة الشباب)، وقد تفوق جود على الصواب في نواكشوط الجنوبية، ولذلك أكثر من دلالة، كما تفوق عليه في مجموع النواب، حيث حصل جود على سبعة نواب، وحصل الصواب على خمسة نواب فقط.

نعم من حق المرشح العيد أن يطمح للرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية القادمة، وزاده في ذلك الإطلالة اللافتة لتحالف جود في الانتخابات الماضية، هذا فضلا عن الميزات الشخصية التي يتمتع بها المرشح العيد، والتي منها أنه نائب شاب، وأنه قانوني، وأنه رئيس سابق للميثاق، هذا فضلا عن إمكانية قدرته على استقطاب  الكثير من الناخبين الذين كانوا يصوتون وبشكل تلقائي للمرشح بيرام.

وبالإضافة إلى كل ذلك فقد يستفيد العيد من دعم سخي من بعض رجال الأعمال، وعلى رأسهم رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو، والذي لن يدخر جهدا ماليا في سبيل تحطيم المرشح بيرام انتخابيا، فحسب ما نسمع عن رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو، فإنه ينفق بسخاء كبير عندما يصادق أو يحالف ، ويحارب بقوة وشراسة عندما يدخل في صراع مع أي كان.

هذا عن نقاط قوة المرشح العيد، أما عن نقاط ضعفه فسنكتفي في هذا المقام بذكر النقاط الثلاث التالية:

1 ـ نقص الخبرة في خوض الانتخابات الرئاسية، فهذه هي أول مرة يترشح فيها العيد للرئاسيات، وللترشح الأول ميزته في جلب بعض المصوتين، ولكن له أيضا نقاطه السلبية، والتي من أهمها غياب الخبرة التي تكتسب مع تكرار التجربة؛

2 ـ  الالتباس في الخطاب السياسي، والالتباس كذلك في الجمهور المستهدف في الانتخابات القادمة؛

3 ـ عدم الحصول حتى الآن على دعم  كامل من تحالف "جود"، فمن بين الغائبين عن دعمه النائب كادياتا جالو والنائب يحيى اللود. 

أين بقية المترشحين؟

هناك راغبون في الترشح جادون ومؤهلون للمنافسة لم يأت ذكرهم، وذلك لأنهم لن يحصلوا على تزكيات حسب ما يتم تداوله من أخبار، ولذا فقد تم تغييبهم عن هذا التحليل ذي الصبغة الاستشرافية. ربما يشذ عن هذه القاعدة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، والذي  كان قد أعلن عن سعيه للترشح، وقد حصل على صحيفة السوابق العدلية (شهادة التبريز)، وربما يحصل من بعد ذلك على ما يكفي من تزكيات، ولكن مسار ترشح الرئيس السابق سيتعطل عند عتبة المجلس الدستوري على جدار المادة 28 من الدستور الموريتاني، والتي تقول : "يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة".   

هل هناك من شوطٍ ثانٍ؟  

هذا السؤال يُطرح كثيرا، ويصعب أن نجيب عليه الآن بشكل قاطع، وقبل محاولة الإجابة عليه، فلابد من القول بأني من الذين يستبعدون نهائيا فوز أي مرشح معارض في الانتخابات القادمة، حتى وإن تم تنظيم شوطٍ ثانٍ، وذلك لأسباب أراها وجيهة، وقد بسطتها في الجزء الأول من مقالي السابق، والذي كان تحت عنوان : "لا معارضة تنافس، ولا أغلبية تدعم!".

إنني أستبعد تماما ـ وربما بشكل قاطع ـ فوز أي مرشح معارض في الانتخابات القادمة، ولكن يبقى احتمال تمكن مرشحي المعارضة من الدفع بانتخابات 29 يونيو 2024 إلى شوط ثان احتمالا واردا، حتى وإن كان احتمالا ضعيفا جدا.

يمكن لمرشحي المعارضة الثلاثة أن يحصلوا على نسبة تقترب من 50% في الشوط الأول إذا تمكن كل واحد منهم أن يحصد نسبة تتراوح ما بين (15 إلى 17)%.

ما يمكن توقعه الآن هو أن المنافسة ستكون شديدة بين هؤلاء المرشحين الثلاثة على الرتبة الثانية، وذلك مما سيساعد ـ وبلا شك ـ في حصول كل واحد منهم على أعلى نسبة يمكن أن يحصل عليها، وما يمكن توقعه أيضا هو أن هؤلاء المرشحين الثلاثة سيحصلون على الرتب (2 و3 و4) مع احتمال ضعيف جدا أن ينافسهم مرشح رابع على إحدى تلك الرتب، ومما يمكن توقعه كذلك أن الفوارق بين هؤلاء المرشحين الثلاثة لن تكون كبيرة جدا، وذلك بغض النظر عن ترتيبهم النهائي.

هذا هو المتوقع بالنسبة لي حاليا، ومن قبل انطلاق الحملة الانتخابية، ولكن سيبقى الباب مفتوحا أمام أي مفاجأة انتخابية، خاصة وأننا تابعنا في بعض دول الجوار مفاجآت انتخابية لم يكن يتوقعها أحد. هناك بالتأكيد فوارق كبيرة بيننا ودول الجوار، ولكن ذلك لا يجعلنا نلغي نهائيا إمكانية التأثر ـ ولو قليلا ـ بما جرى في بعض دول الجوار.

كيف يمكن أن يُسدَّ باب المفاجآت؟

يمكن للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن يسد نهائيا باب المفاجآت في الانتخابات القادمة، باتخاذ خطوات استباقية من قبل انطلاق الحملة الانتخابية، وذلك من خلال تنفيذ بعض ما جاء في رسالته الموجهة إلى المواطن، والتي أعلن من خلالها عن ترشحه، ويمكن أن يتم ذلك من خلال:

1 ـ فتح بعض ملفات الفساد التي حصلت خلال المأمورية الماضية، ومعاقبة من كان مسؤولا عن ذلك الفساد، وذلك تنفيذا للوعد بالضرب بيد من حديد الذي جاء في الرسالة الموجهة للناخب؛

2 ـ إجراء بعض التعيينات والإقالات من قبل انطلاق الحملة، بحيث تحضر الكفاءة بشكل واضح عند كل تعيين أو ترقية، وتغيب بشكل واضح عند كل إقالة؛

3 ـ اتخاذ خطوات باعثة للأمل اتجاه الشباب؛

4 ـ التخفيف من أعباء الحياة على المواطنين من خلال تخفيض أسعار المحروقات.

تنبيه : هذه مجرد قراءة استشرافية أولية، وهي قد تحتاج إلى تحيين عندما يُعلن عن لائحة المترشحين بشكل نهائي، وكذلك عندما تبدأ الحملة الانتخابية، ويظهر بشكل واضح مدى قدرة كل مترشح على الحشد والمنافسة.   

حفظ الله موريتانيا..

الأربعاء، 1 مايو 2024

وتشرفنا باستقبال القارئ المميز أكاه بيتات

 


بالأمس لما اتصلت عبر الواتساب بالقارئ أكاه ولد بيتات الذي رفع رؤوسنا بفوزه بالرتبة الأولى في مسابقة كينيا الدولية للقرآن الكريم، كنتُ في غاية القلق خوفا من أن لا يكون الحضور بحجم الحدث، ذلك أن موعد وصول الطائرة لم يكن ليساعد في جمع حشد جماهيري كبير (الواحدة وأربعون دقيقة ليلا).

هذا القلق عبرتُ عنه خلال المكالمة مع قارئنا المميز أكاه بيتات، بل إني اقترحتُ تنظيم استقبال موازي يكون في ضحى اليوم الموالي تُحشد له الناس، وتُدعى إليه كل القنوات والمنصات الإعلامية، فذلك هو أقل ما يستحق علينا أهل القرآن من حفاوة واستقبال.

نعم، كنتُ قلقا من أن يكون الاستقبال دون المستوى، ولكن قُرَّاء موريتانيا، وهم بالمناسبة هم من نظم الاستقبال، وهم الذين لم ينالوا حقهم في التغطية الإعلامية، كانوا على مستوى الحدث، فكان الحشد كبيرا بفضل جهودهم رغم تأخر الوقت، وكانت التغطية الإعلامية على المستوى، حتى وإن غابت المنصات والمواقع المعروفة، فقد عوض نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي ذلك الغياب بالنشر المكثف عن فعاليات الاستقبال.

كان الاستقبال الشعبي على مستوى الحدث، كما أن الاستقبال الرسمي كان هو كذلك على مستوى الحدث، فقد حضر الأمين العام لوزارة الشؤون الإسلامية مع بعض معاونيه، وهنأ معالي الوزير القارئ الفائز بمنشور على صفحته في الفيسبوك،   ونتوقع منه أن يستقبله في وقت لاحق في مكتبه، بل أكثر من ذلك فقد كان من المفترض أن يعود الفائز مع فخامة رئيس الجمهورية في الطائرة الرئاسية تكريما له، ولكن تَعَذُّر الاتصال به في الوقت المناسب حال دون ذلك.

نعم كان الاستقبال الشعبي والرسمي لقارئنا المتميز أكاه ولد بيتات على المستوى، ولا يعني ذلك أنه لم يكن يستحق أكثر، نعم كان يستحق أكثر، ولكن مع الأخذ في الاعتبار ضيق الوقت، وتأخر موعد الطائرة، وغياب ثقافة استقبال أهل القرآن، فمع الأخذ بالاعتبار كل ذلك، فيمكن القول إن الاستقبال كان أكثر من رائع.

فجزى الله خيرا كل من ساهم في هذا الاستقبال الرائع، وليتواصل هذا الجهد المبارك، والذي يهدف من بين أمور أخرى إلى تقديم قدوات شبابية إلى أبنائنا وبناتنا ليقتدوا بها، بدلا من الاقتداء بما يطفو على سطح مواقع التواصل الاجتماعي من تفاهات، وميوعة، يُراد لأصحابها أن يكون "قدوات" لشبابنا، ومن المعروف أن كل ذلك تقف وراءه دول قوية، ومنظمات دولية فاعلة، ووسائل إعلام تمتلك الكثير من الإمكانيات والقدرة على التأثير.

فلتتواصل الحفاوة بكل مواهبنا الشبابية التي تتميز في مجالات علمية مفيدة، وخاصة منها تلك المواهب التي تتميز في مسابقات دولية في القرآن الكريم.

حفظ الله موريتانيا..

محمد الأمين الفاضل

Elvadel@gmail.com

الخميس، 25 أبريل 2024

رسالة جوابية من مواطن إلى فخامة رئيس الجمهورية


فخامة الرئيس،

كان لي الشرف أن تلقيتُ رسالتكم التي وجهتم إليَّ، وذلك بصفتي مواطنا وناخبا، وبمناسبة تسلمي لهذه الرسالة المتميزة، فإني أجدد لكم دعمي، وصوتي سيكون لكم بإذن الله، ولأسباب عديدة بسطتها في مقالات سابقة، ولا أراني بحاجة إلى الحديث عنها في هذه الرسالة المختصرة، والتي سأكتفي فيها بالتوقف مع ثلاث قضايا فقط من بين قضايا كثيرة أخرى تحدثتم عنها في رسالتكم، والتي شكلت ـ بالمناسبة ـ خروجاً عن مألوف إعلانات الترشح، وهو خروج نال ما يستحق من استحسان وترحيب. 

سأتوقف في هذه الرسالة مع ثلاث قضايا أو ملفات، وسأقدم بعض الملاحظات والمقترحات، والتي يشاركني فيها ـ يا سيادة الرئيس ـ الكثير من داعميكم الصادقين والمخلصين، والذين لا ينتظرون من دعمكم أي مقابل من أي نوع.

وهنا سأكشف سرا، وذلك لأقول بأن هناك مجموعة من الداعمين كانت تفكر بالفعل خلال الأيام الماضية في الإعلان عن إطلاق  مبادرة داعمة تبدؤها بتأكيد أنها لا تريد لأعضائها أي تمييز خاص، مهما كانت طبيعته، وإنما تريد أولا وأخيرا دعمكم في حملتكم الانتخابية لتواصلوا ما حققتم من إنجازات، ولتصححوا ما رصدتم من اختلالات ونواقص خلال مأموريتكم الأولى.

وكان من أبرز النواقص التي كانت ستتحدث عنها المبادرة، النواقص التي أشرتم إليها في رسالتكم الموجهة إلى المواطن، وكان من أبرز الملاحظات والمقترحات التي كانت ستتقدم بها تلك المبادرة هي ما سيأتي هنا في ثنايا هذه الرسالة.

فخامة الرئيس،

لقد وُفقتكم كثيرا في القول بأن مأموريتكم القادمة "ستكون بالشباب ومن أجل الشباب"، وسعيا لتحقيق ذلك، فهذه بعض الأفكار والمقترحات، والتي تشكل في مجملها أهم مطالب الشباب : 

1 ـ مواصلة الاهتمام بالتكوين المهني في المأمورية القادمة، والعمل على توفير المزيد من القروض الميسرة للشباب؛

2 ـ العمل خلال المأمورية القادمة على خلق هجرة شبابية واسعة إلى الزراعة، وتوفير الدعم الحكومي اللازم لذلك، وهو ما قد يحقق أمرين في غاية الأهمية : امتصاص بطالة الشباب، وتحقيق الاكتفاء الذاتي للبلد؛

3 ـ إشراك الشباب من حملة الشهادات العليا في عضوية ورئاسة مجالس الإدارات، وذلك حسب التخصص وعلاقته بالإدارة المعنية، بدلا من إبقاء رئاسة مجالس تلك الإدارات حكرا على المتقاعدين والوجهاء؛

4 ـ تسيير فرص التوظيف المتاحة بطرق تسمح بولوج أبناء الفقراء لتلك الوظائف، وذلك من خلال وضع سياسة تمييز إيجابي في التوظيف لصالح الأسر التي لديها ثلاثة أبناء إلى ما فوق من حملة الشهادات العاطلين عن العمل، فمن الملاحظ أن أبناء المنحدرين من الأسر الميسورة لا يعانون من البطالة، وذلك في وقت يظل فيه عدد العاطلين عن العمل في ازدياد لدى الأسر الأكثر فقرا.

من الناحية العملية فقد أصبح من الممكن تنفيذ سياسة للتمييز الإيجابي في مجال التوظيف، وذلك بفضل التطور الحاصل في عمل الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة؛

5 ـ تنظيم أيام تشاورية مع بداية المأمورية الثانية يشارك فيها أكبر عدد ممكن من الشباب، وتناقش فيها المشاكل والتحديات التي يواجهها الشباب، وتقدم فيها توصيات للحكومة من أجل تنفيذها؛

6 ـ الرفع من المكانة لبروتوكولية للوزارة المعنية بقضايا الشباب، ومنحها المزيد من الموارد المالية؛

7 ـ تشجيع التميز وتحفيز التفوق والابتكار لدى الشباب؛

8 ـ  منح المزيد من الاهتمام للمواهب الشبابية في مختلف المجالات، وذلك باعتبار تلك المواهب ثروة وطنية يجب استغلالها، والإعلان عن يوم وطني للمواهب يتم فيه رصد كل المواهب في مختلف المجالات الثقافية والرياضية والعلمية، والتي تمكنت من المشاركة في منافسات إقليمية ودولية، واستقبالها من طرفكم في القصر الرئاسي تشجيعا لها على رفع العلم الوطني، وتمثيل موريتانيا في المنافسات الإقليمية والدولية؛

9 ـ إطلاق جائزة باسم رئيس الجمهورية للمقاولات الشبابية الناجحة؛ 

يبقى أن أقول في الأخير بأن الاهتمام بالشباب لا ينحصر فقط في الاهتمام بفئة عمرية محددة ، وإنما يتجاوز ذلك ـ وهذا هو الأهم ـ إلى تغيير العقليات وتجديد أساليب التعاطي مع الشأن العام لتصبح أكثر شبابية، وأكثر مسايرة للعصر.

فخامة الرئيس،  

لقد وفقتم كذلك في القول بأنكم ستضربون بيد من حديد، وستواجهون بكل قوة وصرامة، كافة مسلكيات وممارسات الفساد والرشوة والتعدي على المال العام.

لا شك في أن لهذه الجملة طعمها الخاص، ولها وقعٌ إيجابي في قلوب الكثير من داعميكم الصادقين والمخلصين.

نعم هذه الجملة لها وقعها الخاص، ويرى الكثير من داعميكم، أن تحقيق ما جاء فيها يستوجب جملة من الإجراءات لعل من أبرزها:

1 ـ أن تكون المأمورية القادمة فترة لمحاسبة كل من مارس فسادا في المأمورية الماضية، وأن تكون محاسبة "مفسدي المأمورية الأولى" أكثر صرامة من محاسبة "مفسدي العشرية"، وهذا هو ما يجب أن يكون، فإذا كان المفسد يجب أن يعاقب في كل الأحوال، فإن معاقبة المفسد الذي أفسد في ظل عهدكم يجب أن تكون أكثر قسوة من محاسبة المفسد الذي أفسد من قبل وصولكم إلى الحكم؛

2 ـ أن يكون لمحاربة الفساد في المأمورية القادمة ضحايا، فأي حرب لا يسقط فيها "قتلى" و "جرحى" و لا يقع فيها "أسرى"،  لن ترقى في مخيلة الكثيرين إلى مستوى الحرب، ولن يصنفوها ـ بالتالي ـ على أنها كانت حرب؛

3 ـ إن أي حرب على الفساد يجب أن تبدأ أولا بمراجعة ملف التعيينات، وباتباع أساليب صارمة جدا في اختيار من سيتم تعيينهم وترقيتهم، وبشكل يضمن حضور الكفاءة وغياب شبهة الفساد عند كل تعيين أو ترقية وظيفية خلال المأمورية القادمة.

فخامة الرئيس،

إن حديثكم عن وجود خلل في الإدارة، وعن ضرورة عصرنتها، هو حديث لا يقل أهمية عما سبقه، والإدارة لن تكون فعالة إلا إذا تم تفعيل مبدأ المعاقبة والمكافأة، فالموظف الذي يُقَصر في عمله، ولا يؤديه على أحسن وجه، وذلك بعد أن يكون قد مُنح صلاحيات كافية، فمثل ذلك الموظف يجب أن يُقال، ودون النظر في أي اعتبارات أخرى، حتى وإن كان داعما، وفي الصف الأول. إن دعم هذا النوع من الموظفين ضره أكثر من نفعه، فمن يقدم "خدمة عمومية سيئة" للمواطن سيجلب من سخط المواطنين ما لا يمكن أن تعوضه عشرات، بل ومئات المبادرات السياسية الداعمة. وفي المقابل فإن الموظف الذي يؤدي عمله على أحسن وجه يجب أن ينال ما يستحق من مكافآت وترقيات، وبغض النظر عن أي شيء آخر. فمثل هذا الموظف سيجلب للنظام دعما شعبيا كبيرا من خلال ما يقدم من "خدمة عمومية متميزة" للمواطن، حتى وإن لم يُطلق مبادرة سياسية واحدة داعمة.

إن الإدارة لن تتحسن إلا إذا شعر جميع موظفيها بأن من أدى عمله على أحسن وجه سينال حتما ما يستحق من ترقية، وأن من فشل في تأدية عمله ستتم إقالته، ولا يمكن أن تتحسن الإدارة ألاَّ إذا تولد هذا الشعور لدى جميع العاملين فيها، وخاصة لدى كبار الموظفين.

طبعا يقتضي كل هذا أن يكون هناك نظام رقابة فعال على أداء الموظفين..

فخامة الرئيس،

لقد حاولتُ في هذه الرسالة، والتي جاءت ردا على رسالتكم التي وجهتموها إلينا بصفتنا مواطنين أولا وداعمين ثانيا، أن أنقل إليكم  وبكل صدق وتجرد ما يتوقعه في المأمورية الثانية الكثير من داعميكم الصادقين والمخلصين، والذين قد لا تُتاح لهم الفرصة للقائكم ليحدثوكم بشكل مباشر.

فخامة الرئيس، هذا هو ما يتوقعه منكم داعموكم الصادقون والمخلصون، بخصوص هذه الملفات، وإذا كان لي أن أضيف شيئا، فسيكون مطلبا خاصا بنا في الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا والوطنية، وأظن أن الكثير من الموريتانيين يتقاسمه معنا، وهذا المطلب سيفيد ـ وبلا شك ـ  في تقريب خدمات الإدارة من المواطن.

إننا نعتقد في الحملة أن الشرط الأول في إصلاح الإدارة يتمثل في تقريب خدماتها من المواطن، والشرط الأول في تقريب خدمات الإدارة من المواطن يتمثل في مخاطبته بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفرض فيه أنه يفهمها.

وفقكم الله لما فيه خير البلاد والعباد..

حفظ الله موريتانيا..

الثلاثاء، 23 أبريل 2024

سبع فرضيات غير متماسكة منطقيا!


أجدني مضطرا لأن أقول بأني عاجز تمام العجز عن فهم الأسباب التي تجعل الرئيس المالي، وهو الغارق في المشاكل من رأسه حتى أخمص قدميه، يسعى إلى فتح جبهة صراع جديدة مع موريتانيا، البلد الشقيق الجار، والذي رفض إغلاق حدوده مع مالي، ورفَضَ ـ بالتالي ـ أن يُشارك في الحصار الذي فرضته دول المنطقة على مالي بعد الانقلاب الذي جاء برئيسها الحالي إلى الحكم.
لا أجد تفسيرا متماسكا من الناحية المنطقية لفهم ما يحدث، وهناك سبع فرضيات يتم الحديث عنها، ولكني لم استطع ـ حتى الآن ـ  أن ابتلع أي فرضية من تلك الفرضيات السبع.
الفرضية الأولى : الروس هم من يقفون وراء ما يحدث
هناك من يحاول تفسير التصعيد المالي ضد موريتانيا بدخول لاعب جديد في المنطقة، وهو لاعب معروف أصلا بخشونته في اللعب، وهذه الفرضية قد تبدو في ظاهرها معقولة جدا، ولكن هناك بعض الأسئلة التي إن  طُرحت فإنها ستصيب هذه الفرضية في مقتل. فإذا كانت روسيا هي التي أصبحت تتحكم في القرار العسكري في مالي عن طريق "فاغنر"، وإذا كانت هي من يُصعد حاليا ضد موريتانيا، فمن ذا الذي يُصعد ضد الجزائر؟ ألا تعدُّ الجزائر من الدول الإفريقية الأقرب إلى روسيا، فبأي منطق يعاديها حاكم إفريقي يتحكم فيه الروس؟ ثم ما هي مصلحة روسيا، والتي تحاول أن تستغل بغض الشعوب لمستعمرها القديم للتغلغل في إفرقيا، ما مصلحتها في خلق عداء مع موريتانيا؟.
الفرضية الثانية : فتشوا عن الإمارات
هناك من يذهب به الخيال بعيدا، ويُحاول أن يربط ما يجري في المنطقة بالإمارات، ويقول إن لهذا التصعيد "علاقة ما" بالإمارات والغاز. على من يدفع بهذه الفرضية أن يتذكر أن رئيس موريتانيا في الوقت الحالي يُعَدُّ صديقا للإمارات، ولموريتانيا والإمارات علاقات قوية في الوقت الحالي، وللتذكير فإن موريتانيا قد وقعت مؤخرا اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع شركات إماراتية في مجال الطاقة، ثم إن الإمارات لا تمتلك من التأثير على حاكم مالي ما يمكنها من جره إلى صدامات لا مصلحة له فيها، ولا يرغب فيها أصلا. 
بكلمة واحدة : لا مصلحة للإمارات في خلق مشاكل وتوترات حدودية لدولة شقيقة وصديقة، يحكمها رئيس أقل ما يمكن أن يُقال عنه أنه هو أفضل صديق لها في المنطقة.
الفرضية الثالثة : ما يجري هو من تدبير المغرب
هناك من يدفع بفرضية ثالثة مفادها أن المملكة المغربية هي التي تشجع حاكم مالي على التصعيد، وهذه فرضية قد تبدو مقبولة من حيث المبدأ، ولكن إذا أخذنا بها فسيكون من حقنا أن نسأل عن مصلحة المغرب في خلق عداوات مع موريتانيا في هذا الوقت بالذات؟ ألن تدفع تلك العداوات بموريتانيا أن تترك دائرة الحياد الإيجابي بين المغرب والجزائر وتبدلها بدائرة التخندق الصريح والواضح مع بقية بلدان المغرب العربي، والتي  يسعى قادتها إلى خلق اتحاد مغاربي جديد تكون المغرب خارجه؟
ألم يغب الرئيس الموريتاني عن قمة الجزائر الثلاثية التي جمعت الرئيس الجزائري والتونسي ورئيس المجلس الرئاسي الليبي المنعقدة في الجزائر يوم الثلاثاء 5 مارس 2024؟ ألم يغب عن القمة التشاورية التي نُظمت اليوم (الاثنين 22 إبريل 2024) في تونس وحضرها الرؤساء الثلاثة؟
فأي مصلحة للمغرب في توتير الأجواء مع موريتانيا في الوقت الحالي، مع العلم أن ذلك قد يترتب عليه ـ على الأقل ـ  أن تنضم موريتانيا للتحالف المغاربي الثلاثي، فتصبح بذلك المغرب دولة معزولة مغاربيا، وربما تترتب عليه مواقف أخرى أقوي في قضية الصحراء.
الفرضية الرابعة: هذا تصعيدٌ فرنسي لا لُبْس فيه
هذه الفرضية الرابعة هي الفرضية الأقوى، وهي الأكثر تماسكا من الناحية المنطقية، ففرنسا التي أُرْغِمت على الخروج  في وضح النهار من مالي، لن تغفر ذلك لحاكم مالي الجديد، ولن تقبل بالتفرج على انفراط عقدها في إفريقيا وهي مكتوفة الأيادي، ومن المؤكد أنها فكرت ودبرت وبحثت عن الوسائل الأكثر خبثا والأشد فتكا، لمعاقبة حاكم مالي الذي شكل خروجه من العباءة الفرنسية، بداية لخروج حكام آخرين في المنطقة من عباءة فرنسا (استخدمتُ هنا كلمة عباءة  وكررتها عن قصد، وذلك لأني أعلم أن  فرنسا لا تحب استخدام كلمة العباءة، ولا أي كلمة أخرى لها صلة بالستر أو الحجاب).
لا خلاف على أن فرنسا هي أول من يجب أن توجه إليه أصابع الاتهام في أي توتر في المنطقة، وفرنسا قد يكون لها عملاؤها في الجيش المالي الذين قد يتعمدون قتل الموريتانيين بهدف تأجيج الصراع بين الدولتين الجارتين والشقيقتين، وفرنسا قد يكون لها كذلك عملاؤها في الحركات المسلحة، وهؤلاء قد يقومون بالدور نفسه لتأجيج الصراع.
إن اتهام فرنسا سيبقى هو الفرضية الأقوى، ولكن تبقى هذه الفرضية مهددة بسلوك وتصرفات الرئيس المالي، والذي من المؤكد أنه لا يأتمر بأوامر فرنسا. فلو كانت فرنسا هي من يقف وراء المجازر التي ارتكبت في حق الموريتانيين العُزَّل، وأن من نفذ تلك المجازر هم بعض عملائها في الجيش المالي أو في بعض الحركات المسلحة، لو كان الأمر كذلك، لبالغ الرئيس المالي في التقرب من موريتانيا، وفي الاعتذار لها، حتى لا تنجح الحيل الفرنسية في جر البلدين إلى الصدام، فذلك هو ما يقتضيه التحليل السياسي المتماسك. ومن الملاحظ أن الرئيس المالي لم يبذل جهدا في هذا المجال، بل على العكس من ذلك، فسلوكه في الفترة الماضية كان أقرب لمن يريد أن تلصق به التهمة، من سلوك من  يريد أن يدفع عنه تلك التهمة، حتى يُظهر للجميع براءته مما حدث، وأن ما حدث كان من تدبير عملاء فرنسا.
الفرضية الخامسة : لا تذهبوا بعيدا فعاصيمي غويتا هو المسؤول
هناك فرضية خامسة تقول بأنه لا علاقة  للخارج بما يجري من تصعيد ضد موريتانيا، وأن الانقلابي عاصمي غويتا هو المسؤول الأول والأخير عما يحدث. هنا يبرز السؤال : ما مصلحة حاكم مالي في توتير الأجواء مع موريتانيا خاصة، وأن موريتانيا هي الدولة الجارة الوحيدة التي رفضت أن تُشارك في حصار مالي  بعد الانقلاب الأخير؟ وما مصلحة غويتا في أن يخاصم الجميع في وقت واحد، فهو في خصام مع المعارضة المالية، وفي خصام آخر مع الحركات المسلحة المالية، وفي خصام مع  المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وفي خصام مع الاتحاد الإفريقي، وفي خصام مع الجزائر، وفي خصام مع فرنسا، فبأي منطق يضيف إلى كل هذه الخصومات تصعيدا جديدا مع موريتانيا؟
صحيحٌ أن توتير الأجواء بين البلدين الجارين الشقيقين، واللذين تربط بينهما حدود طويلة جدا تصل إلى 2237 كلم سيتضرر منه البلدان، وصحيح كذلك أن مصلحة البلدين تتمثل في تجنب أي توتر من هذا القبيل. كل ذلك صحيح، ولكن الصحيح أيضا أن مالي ستكون هي الخاسر الأكبر، فموريتانيا لديها الكثير من أوراق الضغط على حاكم مالي، ومن تلك الأوراق دعم الحركات المسلحة في مالي والاعتراف ببعضها، وغلق الحدود في وجه البضائع القادمة إلى مالي من ميناء نواكشوط، وطرد آلاف العمال الماليين ..إلخ.
  إن القول بأن حاكم مالي هو من يحاول توتير الأوضاع، هو قول لا يستقيم منطقيا، وذلك لأنه لا مصلحة واضحة له في فتح جبهة صراع جديدة مع موريتانيا.
الفرضية السادسة : افتعال أزمة خارجية من أجل الخروج من أزمة داخلية
هناك فرضية معقولة جدا، وهي أنه عندما تتعقد الأمور في الداخل على رئيس دولة ما، فإنه قد يفكر في هذه الحالة في خلق أزمة خارجية لإشغال المواطنين عن مشاكلهم وأزماتهم الداخلية. نعم هذه فرضية منطقية، ويمكن أن ندفع بها لتفسير التصعيد في مالي، ولكن مشكلتها هي أن الأحوال في مالي ومع الإعتراف بسوئها حاليا، إلا أنها لم تزدد سوءا أكثر مما كانت عليه عند حصول الانقلاب، بل على العكس من ذلك فحصار مجموعة غرب إفريقيا لمالي بدأ يخف، وعقوبات الاتحاد الإفريقي بدأت تتراخى، ودول الجوار شهد بعضها انقلابات تحالف أصحابها مع حاكم مالي، وبدؤوا يشكلون حلفا، ولذا فإن هذه الفرضية غير مقنعة ـ على الأقل ـ في الوقت الحالي.
الفرضية السابعة : ومن الحماقة ما قتل
قد نقبل بفرضية تقول بأن حاكم مالي هو من يقف بالفعل وراء توتير الأوضاع على حدودنا الشرقية، ولكننا لن نقبل بهذه الفرضية  إلا إذا افترضنا أيضا أن حاكم مالي يعاني من  مستوى من الجهل والحماقة قد يدفعان به إلى اتخاذ خطوات غير محسوبة، وغير مدروسة، وأن يتصرف تصرفات غبية وحمقى، قد تجلب له من الضرر ما لا طاقة له به، وبهذا نفسر ما يقوم به حاليا من تصعيد ضد موريتانيا.
سآخذ ـ مؤقتا ـ  بهذا الفرضية السابعة، وسأظل متمسكا بها، وحتى إشعار جديد.
ويبقى أن أقول ختاما إن بعض هذه الفرضيات المبينة أعلاه  يُظهر العديد من نقاط القوة التي تمتلكها موريتانيا، والتي عليها أن تستغلها أحسن استغلال. وبخصوص التصعيد المالي، فعلى موريتانيا أن تظهر المزيد من الحزم، وأن تصعد ضد حاكم مالي حتى يرتدع، ويجب أن يتم ذلك التصعيد في إطار محدد يُجنب البلدين الدخول  في صدام مسلح سيتضرر منه الجميع.
حفظ الله موريتانيا..

الاثنين، 22 أبريل 2024

عن دور مجلة العربي في التعريف بموريتانيا*




في النصف الثاني من عقد الستينيات من القرن الماضي، وفي فترة كانت فيها موريتانيا تسعى للانضمام إلى الجامعة العربية، وبأمس الحاجة لمن يقدمها إلى العرب... في تلك الفترة ظهرت ثلاثة استطلاعات خلال ثلاث سنوات متتالية في مجلة العربي، كان لها الفضل الكبير في التعريف بموريتانيا في الوطن العربي.

جاءت هذه الاستطلاعات  الثلاثة في زاوية العربي الشهيرة: "أعرف وطنك أيها العربي"، ونشِرت  في الأعوام: 1967 و1968 و1969.

لا يحتاج من طالع تلك الاستطلاعات الثلاث إلى جهد فكري كبير ليستنتج أن من يقف وراءها، كان يسعى بالفعل ـ وبكل صدق ـ  إلى تعريف العرب بموريتانيا، وكان الاستطلاع الأول من تلك الاستطلاعات مناسبة لوصول أول بعثة صحفية عربية إلى موريتانيا، وتشكلت هذه البعثة من الصحفي الشهير سليم زبال، والذي كان يتولى الاستطلاعات والإخراج الفني للمجلة، والمصور أوسكار متري  الذي كان يتكفل بالصور، وهما بالإضافة إلى رئيس تحرير المجلة  الدكتور أحمد زكي شكلوا نواة أول فريق لمجلة العربي عند انطلاقها في شهر ديسمبر من العام 1958، وكان الأديب والشاعر الكويتي  أحمد السقاف ـ وبتكليف من أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح رحمه الله، والذي كان يرأس حينها دائرة المطبوعات والنشر ـ  هو من اختار الدكتور أحمد زكي لتولي إطلاق مجلة ثقافية تكون هدية الكويت إلى العرب، فجاءت مجلة العربي.

نُشِر الاستطلاع الأول عن موريتانيا في  العدد رقم 101  الصادر في فاتح شهر إبريل من العام 1967، وكان تحت عنوان : " نواكشوط أحدث عاصمة في أقصى منطقة من وطننا العربي".

شكلت استطلاعات "أعرف وطنك أيها العربي" جديد مجلة العربي، وكانت مع زوايا أخرى من أهم ميزات المجلة الناشئة، وقد رفض الراحل الدكتور أحمد زكي استخدام كلمة ربورتاج، لأنها كلمة أجنبية، فجاءت كلمة استطلاع.

يقول سليم زبال في أول استطلاع للعربي عن موريتانيا : "وفي هذا الاستطلاع بالذات نعلم أن موريتانيا لم تُقبَل بَعدُ في الجامعة العربية لاعتبارات سياسية، لا يمكن أن تمنع العربي من استطلاع  قطر هو جزء من الأمة."

ويختم سليم زبال استطلاعه الأول عن موريتانيا بالفقرة التالية: "إن السعي إلى تغيير عقلية الشعب الأصيل والعمل على الانطلاق به إلى مجتمع القرن العشرين لا يمكن أن يتم إلا إذا مدَّ له العرب ـ كل العرب ـ أيديهم لمساعدته في الوقوف على قدميه من أجل مستقبل أفضل له ولأبنائه."

وبفضل هذا الاستطلاع  حصلت موريتانيا على لقب متميز لا يقدر بثمن، ستثبت فيما بعد أنها جديرة به، وهي ما تزال تعرف به حتى اليوم، إنه لقب بلاد "المليون شاعر". يقول سليم زبال في الاستطلاع : "وسألناهم: كم عدد سكان موريتانيا؟  فأجابونا مليون شاعر". بعد هذا الجواب تحدث سليم زبال في فقرة من الاستطلاع تحت عنوان "مليون شاعر" عن زيارته لإحدى مدارس البادية، وكيف التف حوله بعض الصبية وأخذوا يسألونه عن إمرئ القيس والفرزدق وجرير وطرفة بن العبد والنابغة الذبياني!.

وفي العام الموالي أطلت مجلة العربي على قرائها العرب باستطلاعها الثاني عن موريتانيا، والذي جاء في العدد رقم  118  الصادر بتاريخ 1 سبتمبر 1968 ، وكان بعنوان : "تحت هذه الرمال ترقد شنقيط".

وفي الاستطلاع الثاني قدمت مجلة العربي لقرائها العرب شيئا من تراث شنقيط، وثروتها الثقافية المهددة بالضياع، وكشفت في ذات الوقت عن تعلق الموريتانيين بالثقافة، وقد جاء في فقرة من هذا الاستطلاع  على لسان أعضاء النادي الشبابي في مدينة أطار: "نريد أن نقرأ أكبر عدد ممكن من الصحف والمجلات العربية.. نرجوكم أن ترسلوا إلينا كل كتاب أو مجلة عربية لا تحتاجونها .. وذُهِلنا لطلبهم (يقول سليم زبال في استطلاعه الثاني عن موريتانيا).. إنهم يطلبون الثقافة قبل الكهرباء والماء والسكن اللائق."

وتشبث الموريتانيين بالقراءة يتحدث عنه حاكم وادان الشاب في نفس الاستطلاع، وذلك بعدما فوجئ فريق الاستطلاع بوجود بعض النسخ القديمة من مجلة العربي لدى الحاكم، يقول الحاكم الشاب : :إننا نحرص على شراء "العربي" التي تأتينا مع المسافرين القادمين من دكار عاصمة السنغال، والنسخة الواحدة يستعيرها كل بيت لمدة أسبوع فقط، يقرؤها كل أفراد الأسرة ثم يعيدونها ثانية، لنعيرها لأسرة أخرى وهكذا ".

وعن مدى تشبث الموريتانيين بانتمائهم العربي، ومناصرتهم للقضية الفلسطينية، وتعلقهم الشديد بالانضمام إلى الجامعة العربية، يَنْقل الاستطلاع على هامش اجتماع الفريق مع بعض رجال شنقيط أمنيتيْن مُعَبرتيْن، إحداهما لإمام الجامع أو شيخ الجامع كما جاء في الاستطلاع، والثانية لمدرس، وتتلخص أمنية الشيخ في : " تحرير فلسطين، ووحدة العرب"، أما أمنية المدرس فتتمثل في : " أن تصبح موريتانيا دولة عربية، وتدخل عضوا في الجامعة العربية".

ثم جاء في العالم الثالث ثالث استطلاع للمجلة في عددها رقم  129 الصادر بتاريخ 1 أغسطس من العام  1969 ، وكان تحت عنوان : "موريتانيا الجنوبية". وفي هذا الاستطلاع حاولت العربي أن تكشف مقدرات موريتانيا الاستثمارية، وأن تبين خطورة ترك هذه البلاد العربية ومقدراتها للأجانب، وقد أطلق الاستطلاع صفارة إنذار تتعلق بمخاطر الاستمرار في توظيف المتعلمين باللغة الفرنسية، وغياب أي مدارس عصرية تدرس باللغة العربية، وينقل الاستطلاع على لسان طلاب معهد أبي تلميت في رسالة موجهة إلى الأشقاء العرب : " نريد منحا دراسية عربية...نريد أن نتعلم لغتنا الأم على الطريقة الحديثة."

وفي فقرة أخرى من الاستطلاع، وكانت تحت عنوان : "لا تسلمونا للأجانب" جاء ذكر كلمات مؤثرة على لسان مبعوث موريتانيا في لبنان تقول :" أيها الإخوان العرب خاصة، والمسلمون عامة، أناشدكم الله.. أناشدكم بحق العروبة والإسلام، أن ألا تسلمونا للأجانب.. إننا نمد إليكم يد الأخوة رغبةَ المساهمةَ في بناء الأوطان العربية، ورجاءً أن نستمد من إخواننا في شتى نواحي بلادهم، ما ينقصنا من حضارة مادية وثقافية..".

وبعد ذلك يأتي الاستطلاع بكلمة للرئيس الراحل المختار ولد داداه رحمه الله، وقد جاءت هذه الكلمة في رسالة موجهة إلى أعضاء مجلس الجامعة العربية المجتمعين في بغداد عام 1960 قال فيها: " موريتانيا توجه الدعوة إلى جميع الدول العربية الشقيقة من أجل التعاضد والتعاون مع الجميع".

يعلق سليم زبال قائلا : "لقد أرادوا بهاتين الكلمتين أن يطلقوا صرخة مدوية، ولكن هيهات.. فلم تجد الكلمتان أي صدى لهما في الوطن العربي!؟".

 ثم يواصل سليم زبال استطلاعه الثالث عن موريتانيا، محذرا من قبل أن يختمه، مما قد يترتب على الاستمرار في عدم الاستجابة للصرخة المدوية : "إننا بتجاهلنا وإهمالنا لموريتانيا نساعد في القضاء على عروبتها، وانسلاخها عن وطنها العربي الكبير.. محققين بذلك آمال المستعمرين  ومكائد الاقتصاديين العالميين الذين يستغلون مواردها وثرواتها الطبيعية الثمينة بأبخس الأثمان."

ويختم سليم زبال استطلاعه الثالث عن موريتانيا بفقرة معنونة بسؤال يقول : "هل ستجد صدى"؟ جاء فيها تعليقٌ على كلمة مبعوث موريتانيا في لبنان، والتي نُشرت للمرة الثانية في الاستطلاع : "كان هذا منذ عشر سنوات، ولم تجد كلماته يومها صدى.. ونحن نعود اليوم فنرددها.. ترى هل ستجد أذنا صاغية ؟!؟"

هكذا توالت النداءات الموجهة من موريتانيا إلى الأشقاء العرب من خلال استطلاعات العربي، والعربي كانت في تلك الفترة هي أفضل صندوق بريد مضمون وسريع يمكن أن توجه من خلاله الرسائل إلى الأشقاء العرب،  فقد كان يطالعها الكثير من القراء العرب، وكانت نسخها الموزعة تصل إلى 250 ألف نسخة، بل إنها زادت على ذلك الرقم في إحدى سنوات الذروة.

وحتى نُدرك أهمية هذه الاستطلاعات، وأن الرسائل التي كان يبرقها الموريتانيون إلى أشقائهم العرب كانت تصل بالفعل إلى الجهات المستهدفة،  فلا بد أن نشير إلى أن القادة العرب والذين يعود إليهم القرار بقبول انضمام موريتانيا إلى الجامعة العربية كانوا هم أيضا من قراء هذه المجلة، فقد جاء في مقال للكاتب إبراهيم فرغلي تحت عنوان : "عهود العربي الأربعة " نُشر في العدد رقم 589  الصادر في شهر سبتمبر من العام 2007 ، أن عددا من رؤساء الدول العربية بعثوا رسائل تهنئة لمجلة العربي ورئيس تحريرها، و ذكر منهم : رئيس مصر جمال عبد الناصر، وملك المغرب محمد الخامس، والرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، وحاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد بن خليفة، وملك ليبيا محمد إدريس السنوسي، ورئيس الحكومة المؤقتة في الجزائر فرحات عباس رحم الله الجميع.

نعم لقد لعبت مجلة العربي دورا كبيرا في التعريف بموريتانيا، بل ويمكن القول ـ  ومن دون مبالغة ـ  إنها كانت سفيرة متجولة لموريتانيا في الدول العربية ودون الحاجة إلى تأشيرة خلال الأعوام 1967 و1968 و1969 ، وأنها عَرَّفت العرب في تلك السنوات على أحدث عاصمة في أقصى منطقة من بلادهم، وعلى شنقيط المدينة التاريخية التي يُنسب إليها علماء موريتانيا الذين عرفوا في بلاد العرب بغزارة علمهم، والتي تكاد اليوم أن تبتلعها الرمال مع كنوزها الثقافية، وعرفتهم كذلك بموريتانيا ذات المقدرات الاستثمارية الهائلة، وكأنها تريد أن تقول لهم: هيا استثمروا أموالكم في موريتانيا. ورغم أهمية هذه الاستطلاعات لموريتانيا، والتركيز عليها في هذه الورقة، فلابد من الإشارة إلى أن استطلاعات العربي لم تكن خاصة بموريتانيا، بل شملت العديد من المدن في الدول العربية، وذلك من قبل أن تصل إلى موريتانيا، وسليم زبال كان قد نال في حياته تكريما من الهيئة العامة للتطوير الاقتصادي والترويج السياحي لمدينة العين الإماراتية على استطلاعه عن المدينة، والذي يعد هو أول استطلاع تقوم به أي صحيفة أو جريدة في العالم عن هذه المدينة التي لم تكن معروفة في ذلك الوقت، فالعربي كانت تريد بالفعل أن تُعرف العربي أينما ما كان بوطنه الكبير. يقول سليم زبال في العدد رقم 589 من العربي الصادر في شهر سبتمبر من العام 2007، وفي زاوية "وجها لوجه" إنه لما كان يطلب من الدكتور أحمد زكي إجراء استطلاع عن بلد غير عربي، كان يرد عليه أحمد زكي بأن يسأله: ما اسم المجلة؟ فيقول له اسمها العربي، فيرد قائلا: إذن لا استطلاع إلا في الدول العربية، ولا تفكر في الذهاب إلى بلدان أخرى، ولا الإقامة في فنادق خمس نجوم.

وحتى لا نظلم مجلة العربي، فإنه علينا أن لا نقتصر في هذا المقام على استطلاعاتها المميزة، حتى وإن كان عنوان الورقة يقتضي ذلك، فالعربي كانت لها أدوار أخرى مهمة لعل من أبرزها أنها كانت رافدا من أهم روافد صناعة الثقافة لدى العديد من الأجيال في الوطن العربي الكبير، وتبقى ميزة مجلة العربي، وهي التي تأسست من قبل استقلال الكويت، أنها استطاعت أن تصمد وأن تستمر في الصدور لأكثر من ستة عقود، وذلك في وقت اختفت فيه أغلب الصحف والجرائد والمجلات التي ظهرت من بعدها.

هناك أسباب عديدة تفسر السر وراء صمود العربي واستمرارها لأكثر من ستة عقود، منها أن العربي تأسست أصلا على احترام القارئ العربي وتقديره، وتقديم ما يفيد، ويكفي أن نعرف أن تسميتها لم تحسم في دائرة ضيقة، وإنما حسمها القراء أنفسهم من خلال مسابقة لاختيار الاسم نظمتها المجلة من قبل صدورها، ومن تلك الأسباب أيضا أنها غير ربحية، وتحظى برعاية رسمية، فالكويت أرادت بالفعل أن تقدم هدية ثقافية للعرب كُلِّ العرب، ولذلك فقد أبعدت مجلة العربي عن الخلافات السياسية الضيقة، وعن أي استغلال من أي نوع، وهذا كان من الأمور الصعبة، خاصة وأننا تعودنا من بعض الحكومات العربية استغلال الصحف والجرائد والمجلات لأغراض محلية ضيقة، ومن أسباب صمودها  كذلك أنها جمعت في تحريرها عند انطلاقها وفي مختلف فتراتها خيرة الكتاب والمثقفين العرب، فهي بالفعل مجلة يكتبها عرب ليقرأها كل العرب.

يكفي العربي نجاحا ما حققت في الماضي، ويكفيها نجاحا أنها لا تزال تصدر وبعد أن اقترب عمرها من سبعة عقود، ويكفيها نجاحا أن الحديث عنها لم يتوقف في هذا الزمن الذي لم تعد فيه قراءة الصحف والجرائد تعني أي شيء لأغلب النخب، وذلك بعد تَسيُّدِ الانترنت، وسيطرة مواقع التواصل الاجتماعي على الجميع من نخب وعوام.

يكفي العربي ما حققت من نجاح خلال العقود الستة الماضية، ويمكنها أن تعيش بنجاحها ذلك لسنوات قادمة، ولكن، وحرصا على استمرار تألق هذه المجلة، والتي يحق لكل عربي ـ أينما كان ـ أن يتحدث بشأنها، وأن يدلي برأيه حولها، وذلك لكونها مجلة لكل العرب، أقول حرصا على استمرار تألق هذه المجلة فلا بد اليوم من التفكير بجد في مستقبلها في هذا الزمن الذي يتغير بسرعة، والذي لم تعد فيه الصحف والمجلات قادرة على البقاء والصمود بشكلها التقليدي.

وحتى لا تتوقف هدية الكويت الثقافية إلى العرب، فلا بد اليوم من التفكير في إعادة صياغة هذه الهدية، ومراجعة طريقة وأسلوب تقديمها، وبما يناسب زمن هيمنة الإنترنت وطغيان مواقع التواصل الاجتماعي.

ــ

* هذه الورقة تم تقديمها يوم 21 إبريل 2024 خلال ندوة نظمتها الجمعية الموريتانية لخريجي دولة الكويت في الأكاديمية الدبلوماسية الموريتانية عن العلاقات الثقافية بين موريتانيا والكويت.


الثلاثاء، 16 أبريل 2024

أهلا بالرئيس السنغالي في موريتانيا


في خطوة لها أكثر من دلالة قرر الرئيس السنغالي بشير جوماي فاي أن يزور بلده الثاني موريتانيا، وذلك بعد أسبوعين فقط من  تنصيبه رئيسا للسنغال، وبذلك تكون هذه الزيارة هي أول زيارة له خارج السنغال من بعد تنصيبه رئيسا خامسا لها. 

هذه الخطوة تعكس إرادة قوية لدى الرئيس الجديد للسنغال في تعزيز وتقوية العلاقة بين البلدين الشقيقين موريتانيا والسنغال، وهي إرادة موجودة كذلك لدى فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والذي حرص على أن يشارك السنغاليين أفراحَهم من خلال حضور حفل تنصيب الرئيس بشير جوماي فاي الذي نُظم في العاصمة دكار في مطلع هذا الشهر.

من الواضح جدا أن هناك إرادة قوية لدى الرئيسين الموريتاني والسنغالي في تقوية العلاقات القوية أصلا بين البلدين الشقيقين، وذلك على عكس ما حاول أن يروج له بعض "المحللين" الذين يقرؤون الأحداث، وما يجري في المنطقة، قراءة مقلوبة.

يُقال إن رفرفة أجنحة فراشة في لبرازيل قد يؤدي إلى إعصار في تكساس، وهذا يعني أن ما يجري في السنغال من أحداث لن يؤثر فقط على موريتانيا، بل أكثر من ذلك، فيمكن اعتباره شأنا موريتانيا داخليا، والعكس صحيح أيضا، فإن ما يجري في موريتانيا من أحداث لن يؤثر فقط على السنغال، بل أكثر من ذلك، فيمكن اعتباره شأنا سنغاليا داخليا. 

إن عمق الروابط، وتشابك المصالح بين البلدين والشعبين الشقيقين تجعل من مصيرهما مصيرا مشتركا، فلا أمن في السنغال عندما يغيب الأمن في موريتانيا، ولا أمن في موريتانيا عندما يغيب الأمن في السنغال (ولتأكيد ذلك فيكفي أن نذكر بما نعيشه الآن من قلق أمني في حدودنا الشرقية بسبب الأوضاع في مالي)، ولذا فمن مصلحة البلدين تقوية العلاقات بينهما بما يخدمهما أمنيا واقتصاديا ودبلوماسيا، خاصة وأنهما يوجدان في منطقة غير آمنة، تعيش الكثير من التحديات.

كُل الترحيب بالرئيس السنغالي في بلده الثاني موريتانيا، وبمناسبة هذه الزيارة التي تحمل أكثر من دلالة، فإني أدعو تعزيزا للعلاقات القوية بين البلدين، وفي إطار تفعيل الدبلوماسية الشعبية، فإني أدعو إلى :

1 ـ  تأسيس فريق برلماني للصداقة الموريتانية السنغالية؛

2 ـ  تأسيس رابطة لخريج المعاهد والجامعات السنغالية.

فليس من المناسب أن تكون في البرلمان الموريتاني فرق صداقة برلمانية مع دول شقيقة وغير شقيقة، ولا يوجد فريق برلماني للصداقة الموريتانية السنغالية. كما أنه ليس من المناسب أن تكون هناك أندية وروابط متعددة للموريتانيين الذين درسوا في معاهد وجامعات بعض الدول الشقيقة والصديقة، ولا توجد في الوقت نفسه رابطة لخريجي المعاهد والجامعات السنغالية، والتي تخرج منها عدد كبير من الطلاب الموريتانيين.

كل الترحيب بالرئيس السنغالي بشير جوماي فاي في بلده الثاني موريتانيا..

عاشت الأخوة الموريتانية السنغالية.

ــــ

تنبيه : كتبتُ اسم الرئيس السنغالي بالطريقة التي تكتبه بها الصفحات السنغالية التي تنشر باللغة العربية، وأستغرب من كون المواقع في موريتانيا تكتب "بصيرو" بدلا من "بشير".

الأحد، 14 أبريل 2024

فتوى حول تبرعات القبائل لأهلنا في غزة


مرة أخرى أجدني مضطرا للاستعانة بقصة تروى عن الإمام أبي حنيفة وتلميذه المتميز أبي يوسف، ومرة أخرى أجدني ملزما أن أنبه في بداية هذا المقال إلى أن الفتوى التي سأقدمها هنا ليست فتوى دينية، فلذلك النوع من الفتاوى أهله ورجالاته، ونحن لدينا الكثير من العلماء الذين يحق لهم ـ دون غيرهم ـ أن يقدموا فتاوى شرعية في مثل هذه القضايا الشائكة.

إن الحديث هنا هو مجرد حديث إعلامي وسياسي، لا أكثر ولا أقل، ولا علاقة له إطلاقا بالجانب الشرعي، حتى وإن من مُهد لها بقصة من تراثنا الفقهي.

قصة من تراثنا الفقهي

تقول القصة إن أبا يوسف القاضي وهو من أذكى تلاميذ الإمام أبي حنيفة أصيب بمرض شديد ألزمه الفراش، فزاره أبو حنيفة رفقة بعض تلاميذه، وفي طريق العودة قال الإمام لتلاميذه إن أبا يوسف سيكون له شأن عظيم إن قدِّر له أن ينجو من المرض الخطير الذي ألم به، وقال لهم إني كنتُ أرجوه للناس من بعدي.

شُفي أبو يوسف من مرضه، وأخبره بعض أصدقائه بما قاله عنه الإمام، فما كان منه إلا أن قرر أن يفتتح حلقة خاصة به. فوجئ أبو حنيفة بالحلقة الجديدة في المسجد، ولما سأل تلاميذه عنها وعن شيخها، أخبروه أن أبا يوسف قد شفي من مرضه، وأنه قرر أن يفتتح حلقة خاصة به.

ولكي ينبه الإمام تلميذه الذكي على أنه قد استعجل الأمر، وأن وقت التدريس لم يحن بعد، أبرق إليه بسؤال لغز مع أحد التلاميذ جاء فيه أن رجلا أعطى قماشا لخياط ليخيط له ثوبا، ولكن الخياط أنكر وجود القماش، وبعد تفتيش وتهديد اعترف الخياط بوجود الثوب، وكان السؤال هو : هل يعطي صاحب القماش للخياط أجرة خياطة الثوب أم لا؟

ولقد أوصى الإمام تلميذه أن يقول لأبي يوسف أنه قد أخطأ مهما كانت إجابته، فإن قال إن الخياط يستحق أجرا قال له التلميذ الرسول: ومن أين أبحت لخياط سارق الأجرة؟ وإن قال إن الخياط لا يستحق أجرا، قال له التلميذ الرسول: ومن أعطاك الحق في أن تحرم خياطا من أجر معلوم، كان قد حُدد له سلفا إن هو أكمل خياطة الثوب؟

نفذ التلميذ وصية الإمام، وعلم أبو يوسف أن الإمام قد أراد أن ينبهه على أن وقت التدريس لم يحن بعد، فلم يكن منه إلا أن ترك حلقته، وذهب إلى الإمام وطلب منه ـ وهو جاثيا على ركبتيه ـ  أن يفتيه حول أجرة الخياط، وأن يجيبه على السؤال اللغز.

وما علاقة هذا بتبرع القبائل لأهلنا في غزة؟

لا بأس باستخدام نفس الأسلوب في القصة في مسألة تبرعات القبائل لأهلنا في غزة،  فإن قال لكم قائلٌ ـ وما أكثر من يقول بذلك ـ  إن تنافس القبائل في جمع التبرعات لأهلنا في غزة هو عمل لا يجوز وفق منطق وقوانين الدولة الحديثة، وأن هذا النوع من الأنشطة يجب أن يترك بشكل كامل للدولة ولهيئات المجتمع المدني، من أحزاب سياسية، ونقابات، ومنظمات مجتمع مدني.. ويتأكد الأمر بالنسبة لبلد مثل بلدنا ما تزال فيه القبائل تُنافس الدولة، وتنتزع منها الكثير من صلاحياتها. فإن قال لكم قائل بذلك  ـ وما أكثر من يقول به ـ  فقولوا له يا هذا : كيف تريدنا أن نبقى مكتوفي الأيادي دون فعل أي شيء، حتى ولو كان مجرد تبرع بقليل من المال، ونحن نشاهد لحظة بلحظة تفاصيل أبشع وأفظع وأشنع جريمة إبادة ترتكب في عصرنا الحديث ضد إخوة لنا في الدين والدم والإنسانية، ويحدث ذلك في ظل تخاذل عربي وإسلامي وعالمي غير مسبوق.

 يا هذا كيف تريدنا أن نواصل تفرجنا على أبشع جريمة إبادة ضد إخوة لنا، دون أن نتبرع بقليل من المال كتعبير عن أضعف أشكال التضامن والمواساة؟ ألم يكن أولى بكَ أن تتبرع لأخوتك بدلا من شن الهجوم علينا، فأنت بفعلك القبيح هذا، تكون ممن لا يعين الضحايا، ولا يترك الآخرين يعينوهم، إنك بالفعل ممن يمنعون الماعون؟

وإن قال لكم قائل ـ وما أكثر من يقول بذلك ـ إن ما نشاهده اليوم من تنافس بين القبائل في جمع التبرعات لأهلنا في غزة  هو تنافس شريف ونبيل، يستحق منا جميعا أن نشجعه وأن نثمنه حتى يتواصل، وحتى تجمع قبائلنا أكثر ما يمكن أن تجمع من مال، وهي مهما جمعت من مال، فإن ذلك سيبقى أقل مما كان يجب أن نتبرع به إلى أهلنا في غزة.

فإن قال لكم قائل بذلك ـ وما أكثر من يقول به ـ فقولوا له يا هذا كيف تشجع تنافسا قبليا في العام 2024، حتى وإن تلبس ذلك التنافس بلبوس شريف ونبيل؟ ألا يشكل هذا التنافس المحموم تحديا ـ إن لم أقل تهديدا ـ لكيان الدولة وهيبتها؟ ألن يزيد القبائل تغولا في المستقبل؟ ألم يُصْدر وزير الداخلية واللامركزية في يوم الاثنين الموافق 24 يناير 2020 تعميما إلى الولاة بمنع التراخيص لأي نشاط قبلي على أراضي الجمهورية الإسلامية الموريتانية؟ ألا تشكل الأنشطة القبلية التي نشاهدها اليوم، والتي يحضرها ويشارك فيها مسؤولون كبار في الدولة انتهاكا صريحا لذلك التعميم؟ ألا يزيد من خطورة ذلك الانتهاك أن التبرعات تسلم لجهة خارجية، حتى وإن كانت أكثر من شقيقة، مما يعطي لأنشطة القبيلة ـ ولأول مرة ـ  بعدا خارجيا، وذلك بعد أن كانت أنشطتها منحصرة على الداخل الموريتاني؟

عن تناقضات بعض المهتمين بالشأن العام

عودنا الكثيرون من المهتمين بالشأن العام في هذه البلاد أن يناقشوا ما يطفوا على السطح من ظواهر دون الغوص في عمقه، وعودونا كذلك أن يناقشوا تلك الظواهر ويتخذون منها مواقف بعيدة كل البعد من الموضوعية، وتتأثر بشكل كبير بأمزجتهم الشخصية، ولذا فليس من الغريب أن تُصادف أحدهم يجمع بين  نقد القبائل لجمعها للتبرعات لأهلنا في غزة، ودعوتها في نفس الوقت لجمع التبرعات لصالح بعض فئات مجتمعنا الهشة !!

إن ذلك يعني أن جمع القبيلة للتبرعات لغزة مرفوض ويهدد كيان الدولة، وجمعها للتبرعات للفئات الهشة في البلد مطلوب ويستحق التثمين، وفي هذا تناقض واضح، فإما أن نكون مع حضور القبيلة في المجال العام في كل الأحوال، أو ضده في كل الأحوال.

بل أكثر من ذلك، فإن بعض الذين ينتقدون جمع القبائل للتبرعات لأهلنا في غزة، كانوا من قبل انخراط القبائل في جمع التبرعات ينتقدون هيئات مدنية ( الرباط الوطني لنصرة الشعب الفلسطيني والمنتدى الإسلامي الموريتاني) لقيامهما بذلك الدور، وكانوا ـ وما زالوا ـ يشككون في وصول تلك التبرعات إلى من جُمعت له، ومن بين هؤلاء من لا يكتفي فقط بالتهجم والتشكيك في تلك الهيئات، بل يعلن صراحة أنه أصلا ضد جمع التبرعات لأهلنا في غزة، وسواء جُمعت من طرف قبيلة أو هيئة مدنية، وحتى وإن سُلمت علنا لسفير فلسطين أو لممثل حماس في نواكشوط.

بالنسبة لبعض هؤلاء فإن المسألة لا تتعلق فقط بما تجمعه القبائل من تبرعات، بل تتعلق أصلا برفض جمع التبرعات لأهلنا في غزة، مهما كانت الأساليب والوسائل المتبعة في ذلك، ولأن بعض هؤلاء لا يتجرأ على انتقاد جمع التبرعات بشكل مباشر، فأصبح يتعلل في نقده بدخول القبائل على الخط، وكان قبل ذلك يبرر نقده بأن من يجمع تلك التبرعات هيئات محسوبة على تيار سياسي، قد تستخدم ذلك لتحقيق مآرب سياسية ضيقة،  ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا لا يدعو أولئك التيارات السياسية والأيدولوجيات الأخرى إلى تأسيس هيئات مدنية خاصة بها لجمع التبرعات لأهلنا في غزة؟

وفي المقابل، واتباعا لأسلوب ما جاء في قصة الإمام وتلميذه، فإنه يمكن القول أيضا إن بعض المؤيدين لتنافس القبائل في جمع التبرعات لأهلنا في غزة عهدناهم، وإلى وقت قريب، ينتقدون كل ظهور للقبيلة في أي نشاط مهما كانت طبيعته، فعلى هؤلاء نطرح السؤال : فبأي منطق كنتم تنتقدون  في الأمس القريب ـ وبشدة ـ تدخل القبائل في المجال العام، واليوم ها أنتم تشجعون تلك القبائل على تدخلاتها في مجالات عامة أخرى، وهي في هذه المرة قد تزيد خطورة لكونها ذات بعدٍ خارجي؟

إن غابت الدولة وهيئات المجتمع المدني فستظهر القبيلة

من المعلوم بداهة أنه كلما غابت الدولة وهيئات المجتمع المدني، فإن القبيلة ستظهر، وكلما زاد غياب الدولة وهيئات المجتمع المدني زاد حجم ظهور القبيلة...هذه حقيقة واضحة وبينة، ولذا فلا يمكن أن نحدَّ من ظهور القبيلة في المجال العام، إلا إذا عملنا على خلق هيئات حزبية ومدنية قوية، وهو ما لم يحدث حتى الآن، وذلك على الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على ميلاد الدولة الموريتانية.

لم تتأسس حتى الآن، هيئات مدنية ذات مصداقية كبيرة، قادرة على أن تجمع عُشر ما تجمعه كل قبيلة من تبرعات لصالح أهلنا في غزة، وما تزال النقابات والجمعيات عاجزة عن القيام بدور القبيلة في هذا المجال، فعلى مستوى الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين مثلا، وهو الاتحاد الذي كان يجب أن يجمع تحت اسمه أكبر تبرع لصالح أهلنا في غزة، فسنجد أن منتسبيه أكثر تحمسا للتبرع باسم قبائلهم، بدلا من التبرع باسم اتحادهم، بل أكثر من ذلك، فإن بعض كبار رجال أعمالنا قد سارع للتبرع لضحايا فيضان أو إعصار كاترينا، ولم يتبرع حتى الآن لضحايا الإبادة التي يرتكبها العدو ضد أهلنا في فلسطين، وذلك مع العلم أن عدد ضحايا الإعصار لم يصل إلى 2000 قتيل، في حين أن ضحايا الإبادة تجاوزوا حاجز المائة ألف ما بين شهيد ومصاب، خلال الأشهر الستة الماضية.

إن المجتمع المدني في بلادنا ما زال هشا، ولذا فستبقى القبيلة حاضرة وبقوة، ويمكنني أن أجزم، وبصفتي ناشطا في المجتمع المدني، أني لو قررتُ اليوم أن أطلق حملة لجمع التبرعات لأهلنا في غزة باسم  منظمة مجتمع مدني، ولتكن حملة "معا للحد من حوادث السير"، والتي تنشط منذ سنوات في مجال السلامة الطرقية، فإني لن أتمكن من جمع مائة ألف أوقية قديمة، وبالمناسبة فإن هذه الحملة التي تنشط منذ سنوات في مجال التوعية ضد حوادث السير ما تزال عاجزة حتى اليوم عن امتلاك مقر متواضع في حي شعبي. وفي المقابل، فإني عندما استنفر القبيلة وأقرر أن أجمع التبرعات باسمها، فإن الحصيلة ستكون كبيرة جدا.

ويبقى السؤال : ما الحل؟

لا يمكن أن نحدَّ من حضور القبيلة في المجال العام إلا إذا تضافرت جهود الجميع، وأن يكون ذلك من خلال:

1 ـ تفعيل التعميم الصادر بمنع التراخيص للتجمعات القلبية، واتخاذ الحكومة قرارات صارمة تمنع مشاركة الموظفين في الاجتماعات القبلية ذات الصبغة السياسية، وتعاقب كل من يحضر من الموظفين لتلك الاجتماعات؛

2 ـ اتخاذ قرارات صارمة من طرف حزب الإنصاف وبقية الأحزاب السياسية بمقاطعة المبادرات القبلية، ومنع قيادات الأحزاب من الظهور في أي مبادرة قبلية ذات صبغة سياسية؛

3 ـ توقف النخب عن إقحام القبيلة في المجال العام لأغراض نفعية خاصة، فأنت قد تجد السياسي المعارض يستنفر قبيلته في الحملات الانتخابية، أما السياسي الموالي فحدث ولا حرج.

على المستوى الشخصي، فقد طلبتُ من المترشحين للنيابيات في دائرة نواكشوط الشمالية في الانتخابات الماضية أن نوقع ميثاقا شرفيا من خمسة بنود يتضمن من بين أمور أخرى، مقاطعة الاجتماعات والمهرجانات التي يكون فيها الحضور على أساس قبلي، والتركيز في الحملة على البرامج، والأفكار، والحوارات، والمناظرات التي من شأنها أن تثقف الناخب، وترسخ الممارسة الديمقراطية في البلد. لم أجد من المنافسين من يقبل بتوقيع هذا الميثاق، ولم أجد لهم برامج انتخابية مكتوبة، وقد التزمتُ على المستوى الشخصي بتنفيذ بنود هذا الميثاق، حتى ولو لم يوقعه معي أي منافس، والنتيجة كانت معروفة، فقد خرجتُ من المنافسة مبكرا، متسببا ـ حسب البعض ـ في فضيحة كبيرة للقبيلة، والتي كان عليَّ حسب أولئك أن استنفرها قبل الانتخابات حتى تجلب من الأموال والأصوات ما يجنبها الفضيحة التي أوقعتها فيها!!

4 ـ أن تعمل الدولة على دعم الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الجادة، والتي يمكنها أن تشكل بديلا للقبيلة، فبدون مجتمع مدني قوي ـ وكما قلتُ سابقا ـ فإن حضور القبيلة سيظل في تنامٍ واتساع، وبما يهدد كيان الدولة.

والآن، فلنعد إلى سؤال أبي حنيفة

إن الجواب الصحيح على السؤال اللغز هو أن صاحب الثوب يعطي الأجرة للخياط، إن كان الخياط قد فصَّل الثوب على مقاس صاحب الثوب، مما يعني أنه لم يفكر في سرقة الثوب إلا بعد أن أكمل خياطته. أما إذا كان الثوب قد فُصَل على مقاس الخياط فلا أجرة للخياط الذي كان قد نوى سرقة الثوب من قبل البدء في خياطته.

إنه لا يمكننا أن نقف ضد جمع القبائل للتبرعات لأهلنا في غزة، وذلك في ظل غياب أي جهة أخرى قادرة على جمع تلك التبرعات، وبنفس المبالغ. وفي المقابل، فإنه لا يمكننا إلا أن نشعر بالمزيد من القلق، ونحن نشاهد تنامي حضور القبائل، وتوسع مجالات تدخلها في ملفات كان يجب أن تبقى حكرا للدولة وللمجتمع المدني.  

حفظ الله موريتانيا..