الأربعاء، 13 مايو 2026

هل المحاصصة هي الحل السحري لمشاكل التهميش؟


لا أظن أن هناك رئيسا من الرؤساء الذين عشتُ فترة حكمهم بوعي وإدراك، اهتم بالفئات الهشة كما اهتم بها الرئيس الحالي، وفي اعتقادي أنه يمكننا أن ننتقد النظام القائم ـ صدقا أو كذبا ـ في مجالات عديدة، ولكن من الصعب جدا أن ننتقده بموضوعية لعدم اهتمامه بالفئات الهشة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن نطرحه في أيام الناس هذه: لماذا تصاعدت الانتقادات لهذا النظام، ممن يرفع شعارات الدفاع عن الفئات الهشة، بحجة أن النظام لم يهتم بتلك الفئات؟

إن أسباب ذلك متداخلة، فبعضها يتحمله النظام، وبعضها الآخر يتحمله المتاجرون بقضايا الفئات الهشة، وفي المجمل فإن هذه الأسباب يمكن أن نتلمسها في النقاط التالية:

1 ـ الإنجاز لا يصبح إنجازا إلا إذا شعر به المستهدف

إن أي إنجاز، مهما كان حجمه، سيبقى ناقصا إذا لم يشعر به المواطن المستهدف. وفي هذه النقطة، فإن أكثر من يستحق النقد هو الأذرع السياسية والإعلامية للنظام، لأنها فشلت ـ وخاصة المؤسسات الإعلامية الرسمية التي تُنفق عليها ميزانيات ضخمة ـ في تسويق ما تحقق لصالح الفئات الهشة خلال السنوات الأخيرة، وفشلت كذلك في تحويل المنجز إلى شعور إيجابي لدى المستفيدين.

2ـ ضعف أداء بعض المؤسسات المعنية بالفئات الهشة

هناك مؤسسات حُظيت في هذا العهد بدعم مالي ومعنوي كبير، مثل "تآزر"، ورغم ما حققت تآزر من نتائج ملموسة، فقد بقي أداؤها في المجمل بعيدا عن حجم الأموال التي صُرفت عليها، والآمال التي عُلِّقت عليها. فالفارق ما زال كبيرا بين الإمكانات الهائلة المتاحة لتأزر ولغيرها من المؤسسات المعنية بالفئات الهشة، وحجم الأثر الملموس في حياة المواطنين المستهدفين.

3ـ اختلال الأداء في بعض القطاعات الخدمية والإنتاجية المرتبطة بشكل مباشر بحياة الفئات الهشة، والتي كان يفترض أن يخضع القائمون عليها لرقابة صارمة ومحاسبة قاسية، لأن أي فساد أو تقصير فيها سيدفع ثمنه الفقراء بشكل مباشر. فالموظف الذي يفسد أو يهمل عمله في قطاع خدمي حساس يجب أن يُحاسب حسابا عسيرا، حتى يكون عبرة لغيره، وحتى يشعر المواطن الفقير بأن الدولة لا تجامل من يتهاون في خدمته.

4  ـ المتاجرة بمعاناة الفئات الهشة

هناك بالفعل أصوات تريد نصيبا من موارد الدولة بوجه حق أو بغير حق، على حساب المهمشين، وهي لا تتردد في المتاجرة بقضايا المهمشين للحصول على نصيب من تلك الموارد. هذه الأصوات تحاول إقناع الرأي العام الوطني بأن التهميش سببه غياب أفراد من مكونات أو قبائل أو جهات معينة عن المناصب، مع أن التجربة أثبتت أن تعيين أشخاص باسم القبيلة أو الجهة أو الشريحة لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع تلك القبيلة أو الجهة أو الشريحة.

فعندما يُعيَّن شخص باسم قبيلته، فإن المستفيد الحقيقي يكون أسرته الضيقة فقط، بل إن بعضهم قد يعمل على إقصاء أبناء قبيلته الآخرين، حتى لا ينافسوه لاحقا في الامتيازات التي تمنحها الدولة. ويمكن أن نقول هذا الكلام عن الذي يُعين باسم شريحته، أو مكونته، أو جهته، وهناك أمثلة عديدة تبيّن بشكل واضح جدا، أن التعيين على أساس القبيلة أو الشريحة لا يفيد القبيلة ولا الشريحة، وهي أمثلة حاضرة في ذهني الآن، ولكن المقام لا يسمح بذكرها.

سأكتفي على السريع بذكر أمثلة تتعلق بانعكاس الوظائف على المناطق والجهات، فمثلا ولاية إنشيري هي الولاية الوحيدة في بلادنا، التي ينتسب إليها رئيسان حكما البلد، هذا بالإضافة إلى كونها ولاية معدنية، ومع ذلك فحالها اليوم لا يمكن أن تحسدها عليه ولاية أخرى، وولاية الحوض الشرقي احتكرت الوزارة الأولى لما يقارب ربع قرن، فهل انعكس ذلك إيجابيا على واقع الولاية أو على ساكنتها؟ ألا تعدُّ مدينة تجكجة من المدن الأكثر أطرا في البلاد، أوَ ليست كذلك هي المدينة الأكثر فقرا والأكثر عزلة في البلاد؟

لو خُيِّرتُ شخصيا، بين حكومة من الموظفين الأكفاء والمستقيمين، لا تربطني بهم أي صلة قبلية أو جهوية أو عرقية، وحكومة من الفاسدين ينتمون إلى قبيلتي أو جهتي، لاخترت الأولى دون تردد. فالموظف الكفء والمستقيم سيصل نفعه إلى الجميع، أما الموظف الفاسد أو غير الكفء فإن ضرره سيعم الجميع، بمن في ذلك أبناء قبيلته أو مكونته.

ما الذي تحتاجه الفئات الهشة فعلا؟

إذا كنا جادين فعلا في السعي إلى تحسين أوضاع الفئات الهشة، فإن التركيز يجب أن يكون المطالبة بتمييز إيجابي لصالح بعض القطاعات الخدمية والانتاجية التي ترتبط بها أرزاق تلك الفئات الهشة، أكثر من المطالبة بتمييز إيجابي في التوظيف لأبناء تلك الفئات، فالتمييز الإيجابي في الوظائف ـ وأنا لستُ ضده ـ سيبقى ضعيف الأثر، ذلك أن وظائف الدولة محدودة أصلا، ثم إن الرواتب التي تمنحها الدولة متدنية في مجملها، ولن تُحَسّن من حال المستفيد منها، اللهم إلا إذا كان عازما على النهب والفساد، وتلك قصة أخرى.

فإذا كنا جادين فعلا في تحسين أوضاع الفئات الهشة، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر المحاصصة وتقاسم المناصب، وإنما عبر سياسات عمومية ذكية وعادلة، تستهدف القطاعات التي تستوعب أكبر عدد من الفقراء والمهمشّين، ومن أبرز تلك السياسات:

1 ـ الاستثمار المكثف في التعليم النوعي

وذلك من خلال المسارعة في وتيرة تطوير المدرسة الجمهورية، وتحسين جودة التعليم العمومي، وتوسيع برامج الكفالات والمنح والإطعام المدرسي في المناطق الأكثر هشاشة، لأن التعليم الجيد سيبقى هو الوسيلة الأكثر عدالة وفعالية لكسر دائرة الفقر والتهميش.

2 ـ المزيد من الاهتمام بالتكوين المهني وربطه بسوق العمل

إن الكثير من أبناء الفئات الهشة يغادرون المدرسة مبكرا، وهؤلاء يحتاجون إلى مراكز تكوين مهني حقيقية تمنحهم مهارات مطلوبة في سوق العمل، بدل تركهم ضحية للبطالة والجريمة.

3 ـ إصلاح عقاري عادل ومنتج

ويكون ذلك بتمكين المواطنين الفقراء من النفاذ إلى الأرض، ومنح الأراضي لمن يستغلها فعليا، مع تشجيع الزراعة المطرية والريفية، لأن الأرض المنتجة يمكن أن تتحول إلى مصدر استقرار اقتصادي واجتماعي دائم.

4 ـ دعم التعاونيات والاقتصاد الريفي

دعم التعاونيات النسوية والشبابية، عبر التمويل والتأطير وتسويق المنتجات، حتى تنتقل إلى أدوات إنتاج حقيقية توفر دخلا مستقرا للأسر الهشة.

5 ـ حماية القطاع غير المصنف وتطويره

تعيش آلاف الأسر من المهن الصغيرة والهشة، مثل الباعة الصغار، والحرفيين، والعاملين في الخدمات البسيطة. وهؤلاء يحتاجون إلى برامج تمويل صغيرة، وتأمين صحي، وتسهيلات مهنية، حتى لا يصبحوا خارج الدورة الاقتصادية، بفعل منافسة المهاجرين، والتطور الحاصل في تلك المهن.

6 ـ تحسين الخدمات الأساسية في الأحياء والقرى الهشة

إن الفئات الهشة لا تحتاج فقط إلى الوظائف، بل تحتاج أيضا إلى مدارس جيدة، ومراكز صحية فعالة، ومياه، وكهرباء، وطرقات، ونقل عمومي. فغياب هذه الخدمات هو أحد أخطر أشكال التهميش.

7 ـ تغيير العقليات وترسيخ ثقافة العمل والكفاءة

لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض إذا ترسخت فيه عقلية انتظار الدولة أو البحث عن الامتيازات على أساس الانتماء. المطلوب هو إطلاق حملات توعوية واسعة لترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والاعتماد على الذات، وربط النجاح الشخصي بالكفاءة والجدارة لا بالقبيلة أو الشريحة أو الجهة.

8 ـ المحاربة الجادة للفساد، وهذه أهم من كل ما سبقها

إن الفساد هو العدو الأول للفئات الهشة، وهذا ما يتجاهله الكثيرون ممن نصبوا أنفسهم متحدثين باسم الفئات الهشة، فكل مبلغ يُنهب من المال العام، وكل مشروع يُنفذ بطريقة فاسدة، وكل توظيف يتم بالمحسوبية، إنما يُقتطع في النهاية من حق الفقير في التعليم والصحة والماء والكهرباء والعمل ولهذا، فإن أي حديث عن إنصاف الفئات الهشة لن يكون جادا إذا لم يترافق مع حرب حقيقية وصارمة على الفساد.

ختاما: إن إنصاف الفئات الهشة لا يتحقق بالشعارات، ولا بالمتاجرة السياسية، ولا بتوزيع المناصب على أساس الانتماءات، وإنما يتحقق ببناء دولة عادلة، تحارب الفساد بجد، وتولي الاهتمام بالكفاءات، وتمنح فرصا متساوية في التعليم والصحة والتشغيل لجميع أبنائها.

حفظ الله موريتانيا..

الاثنين، 11 مايو 2026

تعليق سريع على مهرجان أقطاب المعارضة


نجحت أقطاب المعارضة الموريتانية، في اختيار التوقيت المناسب لمهرجانها، والتوقيت في العمل السياسي لا يقل أهمية عن الحشد، ولا عن قوة الخطاب السياسي. لقد جاء توقيت المهرجان في لحظة سياسية واجتماعية تبدو مناسبة أكثر لتحريك الشارع واستعادة المبادرة.

فالمهرجان نُظّم في ظل أزمة اقتصادية عالمية مرتبطة بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وهي أزمة دفعت الحكومة الموريتانية ـ كما دفعت حكومات أخرى ـ إلى رفع أسعار المحروقات، وهو ما انعكس سلبا على الظروف المعيشية للمواطنين.

كما جاء هذا المهرجان بعد الحكم على نائبتين من حركة “إيرا” بالسجن النافذ لأربع سنوات، وضمن ذلك انخراط الحركة وزعيمها في النشاط المعارض. ومن المعروف أن العلاقة بين “إيرا” وبقية أطراف المعارضة ظلت، خلال السنوات الماضية، علاقة متذبذبة؛ إذ نادرا ما حدث تنسيق قوي ومستمر بين الطرفين، بل إن الحركة وُجهت إليها في بعض المحطات اتهامات بإرباك العمل المعارض في اللحظات الحساسة، كما حدث عند حرق بعض الكتب الفقهية، في أوج احتجاجات المعارضة في تلك الفترة، أو خلال المشاركة في رئاسيات 2014 التي قاطعتها في ذلك الوقت المعارضة عن بكرة أبيها.

ثم إن المهرجان ـ وهذا مما يجعل توقيته مناسبا ـ أتى في وقت يشهد فيه مسار الحوار السياسي تعثرا واضحا، وتعثر الحوار يدعم حجة المعارضين الداعين للاحتجاج، فتحريك الشارع يصبح هو الخيار البديل للمعارضة عندما يتعطل الحوار، وتغيب مظاهر التهدئة السياسية.

لهذه الأسباب الثلاثة، يمكن القول إن المعارضة وُفقت كثيرا ـ من الناحية السياسية لا الأخلاقية ـ في اختيار التوقيت المناسب لمهرجانها. غير أن الحديث عن التوقيت المناسب يفرض التوقف عند ملاحظة لا تقل أهمية، وهي أن هذا المهرجان يُعد أول مهرجان تنظمه المعارضة مجتمعة منذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة، أي بعد أكثر من ست سنوات كاملة. ومن هذه الزاوية تحديدا، وحسب توقيت ساعة جمهور المعارضة، فإن المهرجان قد تأخر لسنوات عن توقيته المناسب.

وإذا ما تركنا التوقيت جانبا، وقارنا هذا المهرجان بمهرجانات المعارضة في الفترات السابقة، فسنجد أن هناك عناصر ثابتة في المشهد المعارض، وأخرى جديدة تستحق أن نتوقف عندها بشكل سريع.

أولى هذه الملاحظات أن المعارضة الموريتانية كانت، في العهود السابقة، تنجح غالبا في الحفاظ على حد أدنى من الوحدة والتنسيق، خاصة في القضايا المتعلقة بالمهرجانات الجماهيرية والبيانات السياسية الموقعة من كل أطيافها، ولم تكن الانقسامات الحادة تظهر عادة إلا عند اقتراب الانتخابات أو عند طرح السلطة لمبادرات حوار تقبلها بعض الأطراف وترفضها أخرى.

أما الجديد خلال السنوات الست الأخيرة، فهو أن المعارضة عاشت حالة انقسام غير مسبوقة في ظروف ما كان لها أن تنقسم فيها، واستمر هذا الانقسام حتى في الفترات التي لم تكن فيها انتخابات ولا حوارات فعلية، رغم أن الحديث عن الحوار ظل حاضرا بقوة في الخطاب السياسي العام خلال السنوات الست الماضية.

ومن المؤشرات على هشاشة التنسيق القائم حاليا في صفوف المعارضة، أن المعارضة لم تستطع تنظيم مهرجانها تحت شعار موحد، وهذا تفصيل قد يبدو بسيطا في الظاهر، لكنه يحمل دلالة سياسية واضحة على أن التنسيق بين مكونات المعارضة ما يزال ضعيفا، وأن بناء جبهة معارضة متماسكة مازال بعيد المنال.

ومن بين المظاهر الثابتة في العمل المعارض الموريتاني، الحضور المتكرر لشخصيات محسوبة على أنظمة سابقة في أنشطة المعارضة، وهذا ما حدث في مهرجان المعارضة الأخير، فقد ظهر في هذا المهرجان أنصار الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.

لقد بدأ حضور شخصيات من أنظمة سابقة في أنشطة المعارضة، وتصدر البعض منهم لتلك الأنشطة، منذ الإطاحة بالرئيس السابق معاوية ولد الطايع، واستمر ذلك خلال العهود اللاحقة، ولذا فلم يكن غريبا ظهور أنصار الرئيس السابق في مهرجان المعارضة الأخير.

إن هذه التحالفات قد تكون مفيدة من الناحية التكتيكية للمعارضة، فهي قد تساعد في زيادة الحضور للأنشطة، لكنها من الناحية الاستراتيجية تربك الجمهور، وتُضعف من قوة الخطاب المعارض.

ومما يجب التوقف عنده في ختام هذا التعليق السريع على مهرجان المعارضة، أن هذا المهرجان جاء بعد يوم واحد فقط من نشاط نظمه حزب الإنصاف. إن هذا التزامن بين النشاطين المنظمين من طرف حزب الإنصاف وأقطاب المعارضة، بعد طول انتظار، يعبر عن “توازن في الضعف” تعيشه الأغلبية والمعارضة على حد سواء.

ومن الواضح أن هناك محاولات داخل الأغلبية والمعارضة للخروج من توازن الضعف هذا، ويبقى السؤال: أي الفريقين سيكون أكثر قدرة على تجاوز نقاط ضعفه، ليحتل صدارة المشهد السياسي خلال السنوات القادمة، والتي هي سنوات حاسمة ـ وبلا شك ـ في تحديد مصير كليهما؟

ذلك سؤال سأتركه مفتوحا لمن أراد أن يجيب عليه.

حفظ الله موريتانيا...

الأحد، 10 مايو 2026

هل كان مهرجان المعارضة حاشدًا أم ضعيف الحضور؟


طالعتُ العديد من التعليقات على مهرجان المعارضة مساء اليوم، وكانت ــ كما جرت العادة في هذا النوع من الأنشطة ــ تنقسم إلى قسمين:

■ تعليقات بمزاج معارض قالت إن المهرجان كان حاشدًا، وإن الحضور كان غير مسبوق؛

■ تعليقات بمزاج موالٍ قالت إن المهرجان كان ضعيفًا جدًا، وإن الحضور جاء دون التوقعات.

لم يقل أحد، في المنشورات التي طالعتُ، إن الحضور كان متوسطًا؛ فكل المنشورات التي قرأتُها توزعت بين فسطاطين: فسطاط أصحاب الرأي القائل بالحشد الكبير جدًا، وفسطاط أصحاب الرأي القائل بالحضور الضعيف جدًا.

هذا التناقض في تقييم المهرجان أصبح ظاهرة مألوفة عندنا، بسبب غياب الموضوعية والنزاهة الفكرية والاستقلالية عند التعليق على هذا النوع من الأنشطة.

وأمام هذا التناقض، وسعيًا إلى الوصول إلى تقييم أقرب إلى الدقة، فإنه يمكننا اللجوء إلى واحد من ثلاثة خيارات:

الخيار الأول: لغة المتوسطات الحسابية

هذا الخيار يجذبني بسبب خلفية قديمة تتعلق باهتمامي بالرياضيات في المرحلة الثانوية، وبالإحصاء في الجامعة.

حسابيًا، إذا جمعنا “حاشد” و”ضعيف” ثم قسمنا النتيجة على اثنين، فسنجد أن المهرجان كان متوسط الحضور.

الخيار الثاني: مقارنة الصور

في المكان نفسه نظّم حزب تواصل مهرجانًا، ونظّم حزب “جَمْع” مهرجانًا آخر، ويمكننا ــ لتقييم مهرجان المعارضة ــ أن نقارن بين صور المهرجانات الثلاثة، مع ضرورة استحضار أن مهرجان المعارضة جمع أطراف المعارضة كلها، بينما يتعلق مهرجانا “تواصل” و”جَمْع” بحزبين منفردين.

الخيار الثالث: الذكاء الاصطناعي

نحن نعيش في زمن الذكاء الاصطناعي، ويمكننا أن نلجأ إليه لتقييم مهرجان المعارضة، وربما يكون ذلك هو الخيار الأفضل، وعلى الساعين إلى تقييم أقرب إلى الموضوعية والدقة أن يستعينوا به.

قد تكون لي قراءة سياسية للمهرجان، وبغض النظر عن مستوى الحضور،  مع أني في هذه الفترة لا أحب الخوض في السياسة ولا الكتابة عنها.

السبت، 9 مايو 2026

كيف نجمع بين الأفكار والوسائل؟


كم من عقلٍ ثاقب ابتدع فكرة لامعة، لكنه عجز عن تجسيدها على أرض الواقع لغياب الوسائل، وكم من شخص امتلك المال، والجاه، والنفوذ، ولكنه ظل عاجزا عن استثمار كل ذلك فيما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وذلك لغياب الأفكار القادرة على صهر تلك القدرات من مال وجاه ونفوذ، وتوجيهها في الاتجاه الصحيح.

عندما أتأمل حال هؤلاء وأولئك، استحضر ـ أول ما استحضر ـ توزيع الأرزاق بين الناس، فمن الناس من يرزقه الله عقلا راجحا، ويُضَيّق عليه في المال، ومنهم من يوسع له في المال، ويضيق عليه في القدرة على إنتاج أفكار هو في أمس الحاجة إليها.
هذه الثنائية في توزيع الأرزاق لا تتوقف على المال والأفكار، بل تمتد لتشمل ثنائيات عديدة أخرى، وقد خصصت في وقت سابق حلقة من "ومضة في دروب الحياة" لثنائية المال والصحة، وقدمتُ فيها مثالا من الواقع، يساعد كثيرا في فهم واستحضار هذه الثنائية. (الحلقة توجد مكتوبة في أول تعليق)
أقول، عندما أتأمل هذه الثنائيات، أستحضر ـ أول ما أستحضر ـ توزيع الأرزاق بين الناس، ثم استحضر بعد ذلك حاجة الناس بعضهم لبعض، وأهمية تكامل الأدوار بينهم، فصاحب الفكرة يحتاج إلى صاحب الوسيلة، وصاحب الوسيلة يحتاج إلى صاحب الفكرة، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، وهما عندما يجتمعان، ويكمل كل واحد منهما الآخر ـ وقليلا ما يحدث ذلك ـ تكون النتائج مبهرة، فيستفيد كلاهما، كما يستفيد المجتمع من ذلك التكامل.
إن التحدي الحقيقي، يكمن في بناء جسور بين الطرفين تضمن لقاءهما في أعمال ومبادرات ذات نفع عام، فكيف يمكننا تشييد تلك الجسور؟
إن الفكرة التي لا تجد وسيلة، ستبقى كالبذرة التي يلقى بها في صحراء جدباء قاحلة، فأنى لها أن تثمر؟ إن البذرة خلقت أصلا لتثمر، ولكن بشرط أن يلقى بها في تربة صالحة، لا في أرض قاحلة جرداء. فكم من فكرةٍ عظيمة بقيت خاطرةً في عقل صاحبها، لأنها لم تجد اليد القادرة على زرعها في تربة صالحة، ورعايتها حتى تثمر.
وفي المقابل فإن الوسيلة، سواء كانت مالا أو جاها أو نفوذا، إن لم تهتدِ بفكرة، تظل طاقة حبيسة غير مستغلة، أو في أحسن الأحوال طاقة مهدورة: مشاريع سطحية، ومبادرات فارغة، والأخطر أن هذه الوسائل قد تتحول إلى أدوات تدمير للمجتمع.
فإذا كانت الوسيلة هي السيارة، فإن الفكرة هي المحرك، فالسيارة بلا محرك مجرد هيكل ساكن، ومحرك بلا سيارة سيبقى طاقة معطلة بلا فائدة.
الحل في أن يجلس صاحب الفكرة بجانب صاحب الوسيلة، ويتبادلان الثقة والرؤية، فعندها تولد المشاريع الكبرى، وتُبنى المؤسسات الرائدة، وتنبثق المبادرات التي تصنع الفارق، ولهذا على أصحاب الأفكار أن يخرجوا من عزلتهم، وأن يتقنوا فن عرض أفكارهم بأسلوب جذاب يغري الشريك المحتمل. وعلى أصحاب الوسائل أن يقدّروا العقول المبدعة، وأن يفتحوا أبوابهم للفكرة الملهِمة قبل أن ينشغلوا بمشاريع عابرة بلا قيمة مضافة.
عرض أقل

رئيس حركة "أفلام" يوقع ميثاق المواطن


ا
لتقى مساء اليوم الجمعة 8 مايو 2026، أعضاء من لجنة الإشراف على "ميثاق المواطنة" : الوالي السابق صيدو حسن صال، والناشط الحقوقي محمد أمبارك ماغه، والكاتب محمد الأمين الفاضل برئيس حركة "أفلام"، السيد حبيبو صال، رفقة ممثل الحركة في موريتانيا السيد با ماليك.

وقد افتتح اللقاء بكلمة ترحيبية من أعضاء اللجنة، عبروا من خلالها عن ارتياحهم لعودة رئيس الحركة إلى أرض الوطن، مؤكدين أن موريتانيا بحاجة إلى جهود جميع أبنائها، وإلى ترسيخ ثقافة الحوار وممارسة العمل السياسي داخل الوطن، في إطار من السلمية والتفاهم الوطني.
وشهد اللقاء قراءة كاملة لنص ميثاق المواطنة، أعقبها نقاش مطول تناول مضامينه وأهدافه. وفي تعليقه على نص الميثاق، أكد رئيس حركة "أفلام" أن البنود الاثني عشر للميثاق تعبر عن قناعاته، وتمثل قيما ينبغي أن يتبناها جميع الموريتانيين، مشددا على أهمية غرس قيم المواطنة في المجتمع عبر مبادرات عملية، مقترحا في هذا الإطار على الميثاق تأسيس معهد خاص بالمواطنة، وإطلاق قوافل وطنية للتواصل المباشر مع المواطنين في مختلف أنحاء البلاد.
كما استعرض رئيس الحركة في حديثه بعض المحطات من تاريخها الممتد لعقود، موضحا أن قيادتها الحالية شبابية، وأن نضالها مستمر في إطار السلمية والعمل السياسي، داعيا النظام إلى دعم هذا المسار بما يخدم الاستقرار والتنمية.
وشهد اللقاء مكاشفة صريحة، حيث طرح أعضاء لجنة الإشراف على الميثاق جملة من التحفظات والانتقادات التي يثيرها بعض الموريتانيين حول الحركة، لا سيما فيما يتعلق بالتسمية، والعلم، والخطاب. وقد رد رئيس الحركة على تلك التحفظات بإسهاب، موضحا موقف الحركة من تلك القضايا، ومؤكداً أن نضالها يرتكز على السلمية والعمل السياسي، معربا عن أمله في أن تساهم السلطة في تهيئة الظروف المناسبة لهذا التوجه.
وتم تنظيم اللقاء في مقر منظمة "نجدة العبيد" في خطوة رمزية اتخذها الميثاق تكريما لرئيس المنظمة الراحل بوبكر مسعود، وتأتي هذه الخطوة الرمزية بعد أن تعذر إطلاق قافلة تحمل اسمه، كان قد وعد بها ميثاق المواطنة سابقا، ولكن الظروف الحالية وما تفرضه من ترشيد الطاقة، حالت دون إطلاق تلك القافلة.
واختتم اللقاء بتوقيع رئيس حركة "أفلام" على ميثاق المواطنة، وسط تأكيد مشترك على أهمية استمرار التواصل والتشاور مستقبلا بين حركة "أفلام" وميثاق المواطنة في كل ما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز التماسك المجتمعي.


الخميس، 7 مايو 2026

شكرا للمملكة العربية السعودية


لقد اتخذت المملكة العربية السعودية مواقف استراتيجية عظيمة ـ رغم صعوبة اتخاد تلك المواقف ـ خلال الحرب الحالية، وذلك تكريسا للأمن القومي المشترك، ورفضا لتحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، وكان آخر تلك المواقف رفضها الحازم لاستخدام مجالها الجوي أو قواعدها العسكرية لضرب إيران، في إطار ما يسميه ترامب "مشروع الحرية" لتحرير السفن العالقة، وفتح مضيق هرمز بالقوة.

إن هذا الموقف النبيل الذي يليق بالمملكة العربية السعودية، كان حاسما في التعليق المفاجئ لمشروع الحرية، حسب بعض التقارير الصحفية، الشيء الذي يستوجب من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أن تُسارع في اتخاذ مواقف إيجابية مماثلة تجاه المملكة العربية السعودية ردا للجميل، وسعيا لبناء المزيد من الثقة بين البلدين، بما يعود بالنفع على المنطقة العربية والإسلامية بكاملها، في هذه الفاصلة الحرجة من تاريخها.

منذ عام تقريبا، وأنا أنشر مقالات تدعو إلى تأسيس حلف عربي إسلامي، بدأتها بمقال نُشِر يوم الثلاثاء الموافق 17 يونيو 2025، ومع مرور الوقت ترسخت قناعتي بوجاهة تلك الدعوة، بل وتعاظمت أكثر مع الحرب الجارية حاليا، والتي تؤكد أننا مقبلون بالفعل على فترة أكثر اضطرابا، وأشد قسوة على الدول والمناطق غير المحصَّنة استراتيجيا.

 وقد تعززت قناعتي بأن القائد الأجدر في المنطقة بإطلاق وقيادة مبادرة عربية إسلامية كبرى من هذا النوع هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وسيبقى ثقل المملكة العربية السعودية في العالمين العربي والإسلامي خيرَ معين له في إنجاح مبادرة من هذا النوع.

في أول مقال من سلسلة المقالات المطالبة بضرورة المسارعة في تأسيس حلف عربي إسلامي، تحدثت عن الظرفية الدولية البالغة الخطورة والتعقيد، التي يمر بها العالم اليوم، والتي يطبعها اللايقين، والتي تتسم كما جاء في المقال المذكور بشلل شبه كامل للأمم المتحدة، وبموت سريري للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وعجزهما البيِّن عن حل قضايا العرب والمسلمين العالقة، وعلى رأس تلك القضايا تحرير فلسطين والمسجد الأقصى من الاحتلال الغاصب.

لم تستفد الدول العربية والإسلامية من النظام العالمي القائم على قطبين قبل انهياره، ولم تستفد من نظام القطب الواحد الذي يُصارع حاليا من أجل البقاء، والذي كانت تقوده أمريكا، بل على العكس من ذلك، فقد تضرر العالم الإسلامي كثيرا من النظام العالمي القائم على قطبين، وتضرر أكثر في ظل النظام العالمي القائم على قطب واحد، وكل المؤشرات تقول بأن الضرر سيبلغ ذروته في ظل رئاسة ترامب لأمريكا.

لقد بات من الملح جدا التفكير في تأسيس حلف إسلامي عسكري واقتصادي قوي، يُشكل قطبا إسلاميا عالميا يحمي مصالح المسلمين في عالم يسير اليوم ـ وبخطى متسارعة ـ في اتجاه نظام متعدد الأقطاب، بعد فشل نظام القطب الواحد، ونظام القطبين قبل ذلك.

من المؤكد أن الدول الإسلامية تمتلك كل المقومات لتشكل قطبا عالميا قويا قادرا على الدفاع عن مصالح المسلمين في العالم، فمن الناحية العسكرية، هناك باكستان التي تمتلك سلاحا نوويا، وهناك إيران التي أثبتت مؤخرا أنها قادرة بمفردها على الصمود في وجه أمريكا وإسرائيل، ومن الناحية الاقتصادية هناك العديد من الدول الإسلامية التي تمتلك اقتصادات قوية، وموارد مالية هائلة، فهناك الطاقة، وهناك الممرات البحرية، كمضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، والتي ثبُتَ خلال الحرب الحالية، أنها شرايين التجارة العالمية، وأنها تشكل سلاحا قويا لا يمكن للعالم أن يواجهه، إذا ما تم استخدامه بذكاء واحترافية.

نعم لقد بات من الملح جدا التفكير في تأسيس حلف إسلامي قوي تنخرط فيه الدول الإسلامية، ويمكن أن تتشكل نواته الأولى من السعودية وباكستان وإيران وتركيا ومصر، لتشمل بعد ذلك بقية الدول الإسلامية، فبحلف كهذا يمكن أن نحرر فلسطين، وبحلف كهذا يمكن أن نحل المشاكل التي قد تحدث بين بعض الدول الإسلامية دون الحاجة لتدخل قوى عظمى، ولتشكيل هذا الحلف وبناء الثقة بين الأطراف المكونة لنواته الصلبة، فلا بد من توفر ثلاثة شروط، تحدثتُ عنها سابقا في المقال المذكور:

1ـ أن تعتذر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تدخلاتها السابقة في بعض الدول العربية، وأن تلتزم التزاما صريحا وقويا باحترام سيادة الدول العربية، وأن لا تعمل مستقبلا ـ تحت أي ظرف ـ على تحريك الشيعة في بعض البلدان العربية والإسلامية لتحقيق المزيد من المصالح والنفوذ خارج حدودها؛

2ـ أن تُوقِف المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج الارتهان الاقتصادي والعسكري للسياسات الأمريكية المتذبذبة، مع وقف منح الأموال لترامب، فليس من الحكمة وضع كل البيض في سلة واحدة، وخاصة إذا كان صاحب تلك السلة هو ترامب المتقلب المزاج، على أن توجه تلك الأموال للتعزيز من مكانة الحلف الإسلامي المنتظر، أو توجه لدعم بعض الدول الإسلامية المحتاجة؛

3ـ أن تقطع مصر وتركيا ـ وبشكل فوري ـ علاقاتهما الدبلوماسية مع العدو الصهيوني.

وفي الختام، أجدد شكري مرة أخرى للملكة العربية السعودية، وسأبقى على قناعة، بأن القائد الأجدر في المنطقة، بإطلاق وقيادة مبادرة عربية إسلامية كبرى من هذا النوع، هو صاحب السمو الملكي، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وجميع بلاد العرب والمسلمين.

الأربعاء، 6 مايو 2026

نحو مقاربة شاملة للحد من الجريمة في أوساط الشباب


إن أي بحث سريع في القواسم المشتركة بين مرتكبي الجرائم البشعة التي هزت الرأي العام الوطني خلال السنوات الأخيرة، سيُظهر أن نسبة كبيرة من تلك الجرائم ارتكبها شباب أو قُصَّر، تسربوا من المدرسة أو لم يدرسوا أصلا، يتعاطون المـخـدرات، ومن أصحاب السوابق، وكان يُفترض في بعضهم أن يكون خلف القضبان ساعة ارتكابه الجريمة.

فمن المسؤول عن عدم دراسة هؤلاء؟

ومن المسؤول عن تسربهم من المدرسة؟

ومن كان وراء تعاطيهم المخدرات، ومن وفرها لهم؟

ومن المسؤول عن إطلاق سراحهم قبل اكتمال فترة عقوبتهم، ليرتكبوا المزيد من الجرائم؟

كثيرون طالبوا بالبحث عن عصابة الأشرار التي ارتكبت أصنافا صادمة من الجرائم من خلال التعذيب وإهانة الكرامة البشرية، في حق شاب أو شباب آخرين، وهي جرائم وُثِّقت بالصوت والصورة، وتم تداولها بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي.

إني أقف مع كل المطالبين بإنزال أقصى العقوبات الرادعة بمرتكبي تلك الجرائم الفظيعة والصادمة، فكل من شارك في تلك الجرائم البشعة، يجب أن يُعاقب بأقصى عقوبة لأنه مسؤول جنائيا عمَّا ارتكب من جرائم.

إني مع كل أولئك في مطلبهم، وعلينا جميعا ألا نتوقف عن رفع ذلك المطلب حتى ينال المجرمون ما يستحقون من عقاب، ولكن دعونا ـ بالإضافة إلى رفع ذلك المطلب ـ نطرح سؤالا جوهريا أصبح لابد من طرحه، بعد تزايد الجرائم الصادمة التي يقف خلفها قُصَّر أو شباب، فهل المسؤولية في ارتكاب تلك الجرائم يتحملها المجرمون الذين ارتكبوا تلك الجرائم وحدهم، أم أن هناك جهات أخرى تتحمل جزءا من المسؤولية؟

بطبيعة الحال، فإن تلك الأسئلة لا يمكن الإجابة عليها بإدانات فردية فقط، فإذا كانت المسؤولية الجنائية يتحملها مرتكبو تلك الجرائم وحدهم، فإن هناك آخرين يتحملون جزءا من المسؤولية، وذلك لأنهم شاركوا ـ من وراء حجاب ـ في ارتكاب تلك الجرائم، ويتحملون أخلاقيا ـ على الأقل ـ جزءا من المسؤولية، فهل تجب محاسبتهم هم أيضا إن كانوا شركاء حقا في الجريمة؟

هذا سؤال كبير وخطير لا أمتلك القدرة ولا الشجاعة للإجابة عليه، ومع ذلك أستطيع أن أقول، وبكل اطمئنان، بأن خلف كل قاصر أو شاب ارتكب جريمة، توجد أسرة فشلت في تربيته حتى تحول إلى مجرم، وهي تتحمل أخلاقيا جزءا من المسؤولية، ومدرسة فشلت في تعليمه، وهي تتحمل أخلاقيا جزءا من المسؤولية، ومجتمع بكامله، بعلمائه ومربيه ومنظماته المدنية وصحافته، يتحمل هو أيضا جزءا من المسؤولية، لأنه فشل في توجيه واحتضان وتحصين ذلك القاصر أو الشاب الذي كان في الأصل طفلا وديعا وبريئا، قبل أن يتحول إلى مجرم من عتاة المجرمين، يرتكب أبشع الجرائم، ويصورها ويتفاخر بها!

ويتحمل أيضا القضاء وإدارة السجون، وكل الجهات الحكومية المعنية، جزءا من المسؤولية، فالسجن قد يأتيه طفل صغير في سنة أولى ابتدائي من مدرسة الإجرام، فيمنحه في أقل من سنة أعلى الشهادات في عالم الإجرام، ولو كانت مدارسنا تُعَلّم وتُكَوّن وتُخرِّج بنفس سرعة تعليم وتخريج السجون للمجرمين، لحدثت في بلادنا ثورة في التعليم.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن القضاء وجهات التحقيق ومصالح السجون مسؤولة كذلك عن الكثير من الجرائم التي يرتكبها مجرمون، كان يفترض فيهم أن يكونوا في السجن لحظة ارتكابهم لجرائم جديدة. فحين يلقى القبض على مجرم متلبس بالجريمة، فيطلق سراحه في اليوم الموالي، أو الشهر الموالي، أو قبل أن ينهي فترة عقوبته، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح لم يعد يتعلق بطبيعة الجريمة الموالية، بل أصبح يتعلق بمن سمح بارتكابها.

قبل خمس سنوات تقريبا، في يوليو2021، وبعد سلسلة من الجرائم البشعة التي عرفتها العاصمة نواكشوط، نظمت جمعية خطوة للتنمية الذاتية جلسة نقاشية حول الجريمة وآليات محاربتها، شارك فيها خبراء ومختصون في القضاء والأمن وعلم الاجتماع، وخلص المشاركون بعد نقاشات معمقة إلى أن الحد من تفشي الجريمة في صفوف الشباب، يتطلب معالجة متعددة الأبعاد، لا تقتصر فقط على الحلول الأمنية، وأصدروا بعد نقاشاتهم توصيات عديدة تدعو في مجملها إلى معالجة جذور المشكلة من خلال التنشئة الصالحة، والتعليم الجيد،  ومكافحة التهميش، والحد من البطالة، ومحاربة الإدمان، بدلا من الاكتفاء بالجانب الأمني وحده.

ويمكن تلخيص تلك التوصيات في خمسة محاور:

1 ـ على المستوى الوقائي (التعليم والتنشئة)

  • فرض إلزامية التعليم، مع تكفل الدولة بالأطفال المنحدرين من أسر محدودة الدخل؛
  • دعم الأسرة ببرامج توجيه وتوعية لتعزيز دورها التربوي؛
  • إنشاء حاضنات ثقافية ورياضية لاستيعاب طاقات الشباب؛

2 ـ على المستوى الصحي والاجتماعي

  • إنشاء مراكز متخصصة لعلاج الإدمان وإعادة التأهيل؛
  • التصدي لمظاهر التهميش والغبن وتعزيز العدالة الاجتماعية؛
  • إطلاق حملات توعية وتحسيس مستمرة يشارك فيها مختلف الفاعلين؛

3 ـ على المستوى الأمني والقانوني

  • إشراك المواطنين في حفظ الأمن عبر آليات مجتمعية فعالة؛
  • إنشاء شرطة الجوار وتعزيز الحضور الأمني القريب من المواطنين؛
  • تحيين الترسانة القانونية وتطوير قدرات القضاة وأعوانهم؛
  •  تنفيذ الأحكام القضائية بصرامة وعدالة؛
  • تعزيز مراقبة الحدود ومراجعة سياسات الدخول؛

4 ـ على مستوى إعادة الإدماج

  • تفعيل المؤسسات الإصلاحية لإعادة إدماج أصحاب السوابق؛
  •  فرض الخدمة المدنية وإطلاق برامج تأهيل إلزامية للشباب المعرضين للانحراف؛

5 ـ على المستوى المؤسسي والاستشرافي

  • إنشاء مرصد وطني للجريمة لتحسين جمع البيانات وتحليلها؛
  • إشراك مراكز البحث في إعداد سياسات استباقية؛
  • إنشاء معهد وطني للطب الشرعي والأدلة الجنائية؛
  • تعزيز التخصص داخل الأجهزة الأمنية ورفع كفاءتها.

ختاما

إن تنامي الجريمة في صفوف القُصَّر والشباب يعود إلى أسباب عديدة ومتداخلة، منها ما يتعلق بالنشأة وغياب دور الأسرة، ومنها ما يرتبط بالتعليم وضعف أداء المدرسة، ومنها ما هو ناتج عن غياب الاحتضان المجتمعي، وارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب.

وعليه، فإن أي سياسة فعالة للحد من الجريمة يجب أن تعتمد على مقاربة شاملة، تعالج كل الأسباب، ولا تتجاوز أي مرحلة من المراحل، بدءا بالتنشئة، وانتهاءً بالتشغيل، مرورا بالتعليم وملء الفراغ بأنشطة ذات نفع عام من خلال حاضنات ثقافية ورياضية قادرة على استيعاب الطاقات الشبابية.

حفظ الله موريتانيا...


الثلاثاء، 5 مايو 2026

هل طالعنا مقالات حبيب محفوظ قبل أن تكتب؟


من المصادفات الجميلة تزامن الاحتفاء باليوم العالمي لحرية الصحافة مع دعوة كريمة من أحد زملاء الدراسة في سنة رابعة وخامسة رياضيات في ثانوية لعيون (1983ـ 1984).

اجتمعنا بعد فرقة دهر في منزل "سيداتي الولاتي" صاحب الدعوة الكريمة، وتذكرنا بطبيعة الحال بعض أساتذتنا في تلك المرحلة، وكان من بين من تذكرنا أستاذنا المتميز الصحفي المبدع حبيب محفوظ (بداح) رحمه الله، فقد كنا أول فصل يدرسه بعد تخرجه من المدرسة العليا للتعليم أستاذا للفرنسية.

كان الأستاذ حبيب يختلف في كل شيء عن الأساتذة الموريتانيين الذين كانوا يدرسوننا في تلك الفترة، وكان أغلب أساتذتنا من المصريين والتونسيين، يختلف عنهم في طريقته في التدريس، وفي أسلوب تعامله مع التلاميذ، وقد استطاع من خلال طريقته في التدريس أن يغريَ تلميذا مثلي بالحضور، تلميذا في شعبة الرياضيات، كان يعتقد آنذاك أن المواد الأدبية لا تستحق الحضور، وعلى رأسها اللغة الفرنسية، والتي لا تستحق أصلا أن تسجل في الجدول الزمني.

ومع ذلك استطاع الأستاذ حبيب أن يغريني بحضور حصصه، وكان أول ما شدني إلى حصصه طريقته "الغريبة" التي كان يكتب بها على السبورة، كان يمد حرف (L) مدا طويلا، وكان يرسم الحروف على السبورة كما ترسمها آلة الطباعة على الأوراق.

يمكنني الآن، أن أقول لكم ـ وبكل اطمئنان ـ إن الأستاذ حبيب محفوظ كان مبدعا، ودليلي على إبداعه في غاية البساطة، وهو أني كنتُ أحضر لحصصه، هذا هو دليلي على إبداعه، فلم يكن متوقعا مني في تلك الفترة، أنا التلميذ الكسول، الذي أدرس في شعبة الرياضيات، وأنظر بغير إعجاب إلى المواد الأدبية عموما، وأتغيب كثيرا عن حصصها،  وأخص اللغة الفرنسية بالمزيد من عدم الإعجاب والمزيد من التغيب، لأسباب لا داعي لذكرها في هذا المقام. لم يكن متوقعا مني في تلك الفترة أن أحضر حصصه، ومع ذلك واظبتُ على حضور حصصه، اختيارا لا إكراها، ولا أجد اليوم تفسيرا لذلك سوى أنه شدني إلى حصصه بأسلوبه المتميز في التدريس. 

بدأتُ في تلك السنة أحضر حصص الفرنسية بعد طول انقطاع، فوجدتُ أستاذا مختلفا في كل شيء. كانت أغلب حصصه تبدأ بقراءة صفحة أو صفحتين من رواية "La Civilisation, ma Mère "  للكاتب المغربي إدريس أشريبي، كان يدرسنا نصا ساخرا، ثم يبدأ بعد ذلك يسرد لنا قصصا موريتانية بأسلوب ساخر، قد يجد فيها من يتأمل ما وراءها، نقدا لاذعا للواقع، ولم يكن عمري في تلك الفترة، ولا قدراتي الفكرية، يسمحان لي بذلك التأمل.

لم أكن أدرك في ذلك الوقت، أني لا أحضر دروسا في اللغة الفرنسية، بل أحضر دروسا في السخرية من الواقع، وذلك باعتبار السخرية من أهم أساليب فهم ونقد الواقع، وربما تكون تلك القصص الساخرة التي كان يحيكها الأستاذ حبيب في حصصه، هي الوسيلة الوحيدة المتاحة له في ذلك الوقت لنقد الواقع بشكل لاذع . هذا هو ما يُخيَّل إليَّ الآن بعد مرور أربعة عقود على تلك الدروس.

أرجو من تلاميذه في تلك الفترة، ممن هم أكثر نضجا ووعيا، وممن هم كذلك أقوى ذاكرة مني، أن يستعيدوا دروسه في الفصل، وخاصة منها قصصه التي تطبعها السخرية، وأن يتأملوا فيما وراء سخريته، فالراجح عندي أنهم سيجدون نقدا لاذعا للواقع، لا يختلف عن النقد اللاذع للواقع الذي سيوجهه فيما بعد الصحفي حبيب عندما يبدأ في نشر مقالاته التي تمتاز دائما بأنها مقالات تغطي نقدها اللاذع للواقع بأسلوب ساخر وجذاب.   

هذه مجرد ذكريات وخواطر مشوشة، وما كان لها إلا أن تكون مشوشة، فقد اجتمع حولها: ضعف الذاكرة، وصغر السن، وطول العهد، وعدم النضج، ولكني استحضرتها اليوم بعد لقاء بزملاء الدراسة في ثانوية لعيون، تحدثنا فيه عن استاذنا حبيب محفوظ، والذي غاب الحديث عنه في اليوم العالمي لحرية الصحافة.

إنها بالفعل ذكريات مشوشة، ولكنها مع ذلك ذكريات تبرر طرح السؤال: هل أتيح لنا نحن الذين درسنا الأستاذ حبيب محفوظ في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، سماع مقالات موريتانيد منطوقة قبل أن تتحول فيما بعد إلى مادة مكتوبة تحظى بمطالعة واسعة؟ 

الراجح عندي أن "Mauritanides" لم تكن مجرد مقالات كُتِبت لاحقا ليطالعها القراء، بل كانت في الأصل دروسا غير منتظمة ألقيت مبكرا على التلاميذ.

السبت، 2 مايو 2026

ست سنوات من التعثر… متى سينطلق الحوار؟


شهدت السنوات الست الماضية عدة مبادرات لإطلاق حوار وطني شامل، تعددت الجهات المشرفة عليها وتنوعت صيغها، وآليات إخراجها، ومع ذلك فلم ينطلق الحوار، فأين الخلل؟

الغريب في الأمر أن الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة تبدي دائما رغبتها في الحوار، وتعبر عن استعدادها للمشاركة فيه، الشيء الذي يجعل المواطن في حيرة من أمره، فما دام كل المعنيين بالحوار يرحبون به ويدعون له، فلماذا لم يتحاوروا حتى الآن؟

ليس من السهل إطلاقا أن نفسر للرأي العام الوطني، أسباب عدم تنظيم حوار حتى الآن، فربما يكمن السبب في ضعف الثقة بين الأطراف السياسية، أو في غياب آليات واضحة لإدارة المسار التحضيري، أو في قدرة الأقلية غير الراغبة في الحوار من الطرفين (الأغلبية والمعارضة) في إفشال أي مسعى جدي لتنظيم حوار وطني شامل.

مسار طويل… وتعثر مستمر

صدرت أول دعوة موثقة للحوار في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في يوم 14 مايو 2020، وكانت عبارة عن بيان موقع باسم الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، والتي شكلت في تلك الفترة منسقية للتصدي لجائحة كورونا، تقول خاتمة البيان: " تأمل أحزاب الموالاة والمعارضة الممثلة في البرلمان أن تفضي خطوات التنسيق الحالي إلى الدخول في مرحلة جديدة، تمهد لنقاش القضايا الجوهرية للبلاد، ووضع تصور لمعالجاتها، وفق جدول زمني متفق عليه".

في يوم 24 فبراير 2021 أصدرت أحزاب الموالاة الممثلة في البرلمان وبعض أحزاب المعارضة (التكتل؛ اتحاد قوى التقدم؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ الصواب) خارطة طريق من أجل تشاور وطني شامل بين القوى السياسية، وحددت لتلك الخريطة سقفا زمنيا للتشاور: ثلاثة أو أربعة أسابيع للمرحلة التحضيرية، وخمسة أو ستة أسابيع لانطلاق التشاور. وشكلت هذه الأحزاب لجنة كلفتها بالاتصال بالحزبين اللذين انسحبا في وقت سابق من منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان (تواصل، وحركة التجديد)، كما كلفتها أيضا بالاتصال ببقية الأحزاب والقوى السياسية الأخرى لدعوتها للمشاركة في اللجنة التحضيرية التي ستتشكل مستقبلا للتحضير للتشاور.

في يوم 16 أغسطس 2021، أصدرت الأحزاب: تواصل؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ المستقبل؛ تحالف العيش المشترك بشطريه؛ مشروع حزب "الرك"، وفي إطار ما يسمى ب"أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية" بيانا مشتركا دعوا فيه إلى حوار جدي.

في يوم 18 أكتوبر 2021 أعلنت منسقية أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية من خلال بيان صحفي لم يوقعه مشروع حزب "الرك" الذي كان عضوا فيها، أنها قررت المشاركة في الحوار الذي كان يحضر له في تلك الفترة، وذلك "بعد تقويم مجمل الاتصالات السياسية مع السلطة القائمة والطبقة السياسية، واستجابة لتطلعات الرأي العام الوطني" حسب ما جاء في نص البيان.

في يوم 6 إبريل 2022 كلف رئيس الجمهورية الوزير الأمين العام للرئاسة يحيى ولد أحمد الوقف بالإشراف على عمل اللجنة التحضيرية للتشاور، وقد غاب حزب التحالف الشعبي التقدمي عن اللجنة التحضيرية لذلك التشاور بلغة الأغلبية أو الحوار بلغة المعارضة، وقد درات حينها حرب مصطلحات طاحنة، ربما تكون قد استنزفت كل جهود السياسيين قبل أن ينطلق الحوار أو التشاور، وفي يوم 16 مايو 2022 انسحب قطب التناوب الديمقراطي الذي يتشكل من حزب الصواب ومشروع حزب "الرك" من اللجنة التحضيرية، وفي يوم 1 يونيو 2022  أعلن الوزير الأمين العام للرئاسة عن تعليق التشاور أو الحوار، وذلك في انتظار: "خلق ظروف جديدة تمكن من تنظيم تشاور كامل".

في يوم 12 يوليو 2022، وتحضيرا لانتخابات 13 مايو 2023 أطلقت وزارة الداخلية تشاورا مع الأحزاب السياسية المعترف بها، تم توقيع نتائجه يوم الاثنين 26 سبتمبر 2022، وقد وقعته كل الأحزاب المعترف بها في موريتانيا باستثناء حزب واحد. وبموجب هذا الحوار تم الاتفاق على تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات بالتناصف بين الأغلبية والمعارضة.

 في يوم 21 سبتمبر 2023، تم التوقيع على "الميثاق الجمهوري" كمبادرة جديدة للحوار أطلقها حزبا تكتل القوى الديمقراطية واتحاد قوى التقدم من المعارضة، وحزب الإنصاف من الأغلبية، ولكن بعض أحزاب المعارضة رفضت الانخراط في هذه المبادرة الجديدة مما أدى إلى فشلها المبكر كسابقاتها.

في يوم 10 مارس 2025، وعلى هامش إفطار في الرئاسة، عيَّن رئيس الجمهورية منسقا للحوار الوطني، وهو السياسي المخضرم موسى فال. وبعد العديد من اللقاءات والمشاورات التي أجراها منسق الحوار الوطني مع الطيف السياسي، وبعد مرور أكثر من عام على تعيينه منسقا وطنيا للحوار، فإن الحوار لم ينطلق حتى الآن.

في ظل هذه الإخفاقات المتكررة، تظهر الحاجة إلى دخول المجتمع المدني كفاعل جديد، ليس كبديل عن الفاعلين السياسيين، بل كطرف مستقل، يمكنه أن يلعب دور "المسهل" الذي يقرّب المسافات، ويخفف من حدة التوتر، ويفتح قنوات اتصال قد لا تكون متاحة لغيره.

هل من مبادرة جديدة لإنعاش الحوار؟

في اعتقادي أن المجتمع المدني هو الأكثر تأهيلا في الوقت الحالي لإطلاق مبادرة من هذا النوع، وذلك نظرا لطبيعته، فهو لا يسعى إلى السلطة، وليس طرفا سياسيا منافسا، ولا يرتبط بحسابات انتخابية مباشرة، مما يمنحه ـ بالفعل ـ هامشًا أوسع للتحرك، وقدرة أكبر على بناء الثقة بين الأطراف السياسية في الأغلبية والمعارضة.

لقد آن الأوان لأن ينتقل المجتمع المدني من موقع المتفرج على تعثر الحوار، إلى موقع المساهم في إطلاقه وإنجاحه، ويمكن أن يتم ذلك من خلال إطلاق مبادرة تقوم على ثلاثة أدوار رئيسية:

أولا، دور الوسيط والمسهل، عبر العمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية، وفتح قنوات اتصال معها، وتقديم مقترحات عملية لتجاوز نقاط الخلاف القائمة.

ثانيا، دور المكاشفة والمسؤولية، بحيث لا يظل تعثر الحوار في منطقة ضبابية، بل يتم ـ عند الضرورة ـ كشف أسباب تعثره للرأي العام الوطني، وتحديد الجهات التي تتحمل مسؤولية تعطيله، بكل موضوعية وشفافية.

ثالثا، ضمان مشاركة فعالة للمجتمع المدني في الحوار في حال انطلاقه، من خلال تنظيم جمعياته الجادة والمؤهلة للمشاركة في الحوار، وتوحيد مواقفه قبل وأثناء وبعد الحوار، وتقديم مساهمات نوعية في جلسات الحوار، خاصة في ملفات الفساد وحقوق الإنسان وتمكين الشباب والنساء، ترفع من مستوى النقاش، وتدفع نحو توصيات عملية قابلة للتنفيذ.

ولتحقيق ذلك، يصبح من الضروري التفكير في إنشاء إطار منظم للجمعيات الفاعلة، يعمل على تسريع انطلاق الحوار، وضمان تمثيل يليق بالمجتمع المدني في الحوار.

وجود هذا الإطار لن يعزز فقط من حضور المجتمع المدني، بل سيساهم أيضًا في إعطاء الحوارـ إن انطلق ـ طابعًا أكثر شمولية، ومخرجات أكثر توازنا وقابلية للتطبيق.

حفظ الله موريتانيا...