الاثنين، 8 يونيو 2026

ملاحظات على ملاحظات الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا


طالعتُ المقال الذي نشره الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا تحت عنوان: "ملاحظات حول تنقيط معيار النزاهة في مسار الانتقاء لعضوية مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد". ولأن دكتورنا الفاضل محمد إدريس حرمه بابانا، أشار إليَّ عند نشر المقال في حسابه على الفيسبوك، ولأنه ذكر أيضا في مقاله التوضيحات التي نشرتها سابقا عن منهجية التنقيط، وأنها هي التي دفعته على إبداء استغرابه من حصوله على ثمان نقاط فقط من خمس عشرة نقطة، خُصصت لمعيار النزاهة.  لكل ذلك وجدتُ من اللازم أن أرد على ملاحظات الدكتور بملاحظات تزيل اللبس الذي قد تثيره ملاحظاته.

وقبل أن أردَّ على أهم فقرة في المقال المذكور، أي الفقرة المتعلقة بالنقطة التي حصل عليها دكتورنا الفاضل في معيار النزاهة، اسمحوا لي قبل ذلك أن  أسجل الملاحظات التالية:

1 ـ يعدُّ الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا من خيرة خبراء البلد في مجال مكافحة الفساد، فهو من حيث التحصيل العلمي حاصل على دكتوراه دولة في القانون العام، وشهادات أخرى في مجال الرقابة على الأموال العامة؛ ومن حيث المسار الوظيفي فهو يدرِّس القانون في جامعة نواكشوط، وشغل منصب مستشار أول بمحكمة الحسابات (أعلى هيئة دستورية للرقابة على الأموال العمومية)، وقبل ذلك كان مديرا عاما للتشريع والترجمة ونشر الجريدة الرسمية، ومستشارا قانونيا للحكومة. وبالإضافة إلى التحصيل العلمي والمسار الوظيفي، فله أيضا إسهامات موثقة في مجال محاربة الفساد، ذكر منها في مقاله عضويته في اللجنة الفنية للإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، والتي أعدت القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، والتصريح بالممتلكات والمصالح، وإنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد. كما ذكر منها مقالات نشرها في مجال مكافحة الفساد، كان آخرها مقالا بعنوان: "لماذا يجب إلزام نواب الجمعية الوطنية بالتصريح بممتلكاتهم؟"، وهو المقال الذي ذكر أنه تبنته عشرون منظمة غير حكومية، وأنه أسهم عمليا في إدخال تعديل جوهري على مشروع قانون التصريح بالممتلكات والمصالح، انتهى بإلزام البرلمانيين بالتصريح واعتماد القانون بصيغته النهائية. 

2 ـ لا يمكن التشكيك في الإسهامات الموثقة التي تحدث عنها الدكتور، وأنا شخصيا شاهدٌ على بعضها، فقد جمعتني معه عضوية اللجنة الفنية للإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي أعدت القوانين الثلاثة المذكورة، وكنتُ ممثلا للمجتمع المدني في تلك اللجنة، كما أني أرأس إحدى المنظمات غير الحكومية، التي تبنت مقاله المذكور، بل واستشهدت به في أحد بياناتها المطالبة بإدراج النواب في لائحة الملزمين بالتصريح بممتلكاتهم ومصالحهم.

وأذكر بخصوص هذه الجزئية بالذات، أني طلبتُ منه أن يكون ضيفا رئيسيا في حلقة من حلقات صالون المدونين خصصناها في الجمعيات المذكورة للمطالبة بإدراج النواب في لائحة الملزمين بالتصريح بالممتلكات والمصالح، ولكنه اعتذر عن الحضور بحجة واجب التحفظ الوظيفي. 

3 ـ بعد نشر لجنة الانتقاء للائحة الأولى، واستدعاء الأسماء التي ظهرت فيها لإجراء المقابلات، حاولت سكرتارية اللجنة الاتصال عدة مرات بالدكتور لإبلاغه بموعد المقابلة، ولكن محاولاتها كانت تفشل دائما، فرقمه كان حينها خارج التغطية.

ولأني أعرف أن الدكتور لا يستخدم الواتساب، وخوفا من ألا يعلم بموعد المقابلات إلا بعد فوات الأوان، اتصلت بصديق يعرفه جيدا بحكم العمل، وطلبتُ منه أن يبحث عن طريقة ما لإشعاره بمواعيد المقابلات، فأخبرني ذلك الصديق أن الدكتور خارج العاصمة في تعزية، وربما يكون خارج التغطية، وأنه سيتصل به ويخبره بموعد المقابلات. لقد قمتُ بذلك الاتصال ـ وهو لا يمس من الشفافية في مسار الانتقاء ـ لحرصي الشديد على أن تتاح لخبير بحجم الدكتور إدريس بابانا الفرصة لعضوية مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، فأنا من الذين يرون بأن وجوده في المجلس سيكون مفيدا لجهود السلطة في محاربة الفساد. ولم يكن حرصي على أن تتاح للدكتور الفرصة لعضوية اللجنة خاصا بي، بل إن من بين أعضاء اللجنة من كان أكثر حرصا مني على ذلك، ولكن ذلك الحرص لم يكن ليدفع أعضاء اللجنة إلى منح نقاط غير مدعومة بوثائق للدكتور، وهي إن فعلت ذلك تكون قد أخلت بالشفافية، وألغت أهم مبادئها، أي تساوي الفرص بين المترشحين.

4 ـ والآن نصل إلى الملاحظة الأهم، للرد على الفقرة التي قال فيها الدكتور: "استغربت من حصولي على 8 نقاط فقط من أصل 15 نقطة في هذا المعيار، رغم أن ملفي يتضمن صحيفة سوابق عدلية، وأزاول وظيفة قضائية تستوجب أداء اليمين، وأتوفر على إفادات تزكية حسن تسيير من منظمات دولية، كما سبق أن تم توشيحي سنة 2010 بميدالية فارس في نظام الاستحقاق الوطني. إضافة إلى ذلك، فإن لي مساهمات موثقة في مجال مكافحة الفساد..."

كما قلتُ في مقالي: " توضيحات بخصوص مسار انتقاء أعضاء مجلس السلطة" المنشور يوم 27 أبريل 2026، والذي استشهد به الدكتور في رده، فإن نتائج المرحلة الأولى من عملية الانتقاء، كانت محكومة بالكامل بمعايير موضوعية قابلة للقياس، أفرزتها شبكة التنقيط بشكل شبه آلي، ولم يكن لأعضاء لجنة الانتقاء أي تدخل فيها.

إن النقاط الثماني التي حصل عليها الدكتور، كانت كالتالي: ست نقاط لوجود صحيفة السوابق العدلية في ملفه، وهذه النقطة حصل عليها الجميع لأن وجود الصحيفة في الملف كان إلزاميا، ونقطة لأنه شغل وظيفة تلزم بالقسم، ونقطة على حسن التسيير، ويكون بذلك مجموع نقاطه في هذا المعيار 8 نقاط.

أما بخصوص النقطتين المخصصتين للتوشيح أو الحصول على جائزة وطنية أو دولية، فلعلكم لاحظتم أن الدكتور تجنَّب في مقاله القول إن ملفه تضمن أي وثيقة تثبت بأنه وُشّح أو حصل على جائزة دولية، في حين أنه قال إن الملف تضمن صحيفة سوابق عدلية. لم يتضمن الملف أي وثيقة تثبت توشيحا للدكتور أو حصوله على جائزة وطنية أو دولية، بل أكثر من ذلك، فلم يأت أي ذكر لجائزة أو توشيح في سيرته الذاتية التي قدم في الملف. وكما قلتُ سابقا فإن لجنة الانتقاء في هذه المرحلة كانت تتعامل مع الملفات بشكل شبه آلي، ولم تكن تتعامل مع أصحاب الملفات، فهل يرضى الدكتور المهتم بالشفافية ومحاربة الفساد بأن تتعامل اللجنة مع ملفه بطريقة لم تتعامل بها مع ملفات منافسيه الآخرين، فتمنحه نقطتين لا يوجد في الملف ما يبرر منحهما؟

والأمر نفسه يمكن أن يُقال عن النقاط الخمس التي تمنح لمن لديه مساهمات مثبتة في مجال محاربة الفساد، فالدكتور لم يتقدم بوثيقة واحدة يثبت بها مساهماته في مجال محاربة الفساد، بل إنه لم يذكر تلك المساهمات في سيرته الذاتية المرفقة بالملف، وبذلك خسر 7 نقاط ثمينة، كان يمكنه أن يحصل عليها لو ذكر في سيرته الذاتية التوشيح والمساهمات المثبتة في محاربة الفساد التي تحدث عنها في مقاله، وكانت تلك النقاط ستمنحه نتيجة عالية جدا في المرحلة الأولى من الانتقاء.

إن التقييم لم يكن قائما على معرفة اللجنة لأصحاب الملفات، وإنما كان قائما على الملفات نفسها، واللجنة عندما تستند في التقييم على المعرفة الشخصية بالمترشحين، فإنها بذلك تكون قد أخلت بالشفافية في مسار الانتقاء. واللجنة لم تقل إن الدكتور لا يستحق النقاط السبع التي لم تمنح له، وإنما قالت ـ ولديها كل الإثباتات اللازمة ـ إن ملف الدكتور الذي قدَّم لها لم يتضمن إطلاقا ما يثبت استحقاقه لتلك النقاط السبع.

وفي المقابلة فإن الدكتور لم يتحدث عن التوشيح ولا عن المساهمات في محاربة الفساد، خصوصا أن الوقت كان مناسبا للإسهاب في الحديث عن كل ذلك، وأذكر أني قلتُ له خلال المقابلة بأني استغربتُ من أن سيرته الذاتية كانت هي أقصر سيرة ذاتية في ملفات المترشحين، حيث أنها لم تملأ صفحة واحدة، في حين أن سير بعض المترشحين قُدمت في صفحات عديدة، وتضمنت كل واردة وشاردة في مسارهم العلمي والوظيفي، وقلتُ له كذلك بأني استغربتُ من عدم حديثه في المقابلة عن نفسه، وعمَّا يمكن أن يضيفه للسلطة إن حُظي بعضوية مجلسها، وكان الحديث عن الميزات التي يمكن أن يضيفها المترشح لمجلس السلطة مطلوبا من المترشحين المؤهلين للمقابلة.

كان الهدف من استغرابي ذلك هو أن أدفع الدكتور إلى الحديث عن مقالاته المتعلقة بمكافحة الفساد التي طالعتها، وعن اللجنة التي اشتغلت على القوانين الثلاثة التي ذكرها الدكتور في مقاله، والتي جمعتني به عضويتها.

وأذكر أيضا، وهذه لا بد أن تقال في هذا المقام، أن الدكتور قال لي بعد أيام من إعلان النتائج، بأنه هو من يتحمل المسؤولية فيما حصل، وذلك لأنه لم يتقدم في ملفه بمساهماته المثبتة في محاربة الفساد، ولا بالتزكيات التي حصل عليها من منظمات دولية، ولا بالتوشيح الذي حصل عليه في العام 2010. وكنتُ أتمنى أن تعكس ملاحظات دكتورنا الفاضل شجاعته الفكرية التي أبداها لي في حديثه الخاص معي، عندما اعترف بأنه هو من يتحمل المسؤولية فيما حصل، لا لجنة الانتقاء.

5 ـ لم أفهم ماذا أراد الدكتور بنشر ملاحظاته بعد مرور تسعة وثلاثين يوما من صدور مرسوم رئاسي بتعيين أعضاء المجلس الوطني للسلطة؟ ولا لماذا لم يطعن ـ وهو العارف بالقانون ـ في النتائج في الفترة التي كان ذلك فيها متاحا؟ ولا لماذا انتظر أكثر من شهر بعد تعيين أعضاء المجلس الوطني للسلطة بمرسوم رئاسي ليشكك في مسار الانتقاء؟

إن مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد قد أصبح قائما، ونجاحه في أداء مهامه يبقى مصلحة وطنية عليا تستوجب دعم كل الكفاءات الوطنية المهتمة بمحاربة الفساد، وفي مقدمتها الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا، ولا يعني هذا إطلاقا أن انتقاد السلطة ليس مطلوبا إن هي أخطأت أو قصَّرت في أداء المهام الجسيمة الموكلة إليها، بل إن نقدها ـ وبقسوة ـ مطلوب منا جميعا إن هي أخطأت أو قصَّرت بعد أن تُباشر عملها، وكاتب هذه السطور سيكون من أوائل من سينتقدها في تلك الحالة. 

6 ـ هناك مسألتان لن تتغيرا في قناعتي الشخصية، أولاهما أن الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا يستحق ـ وبجدارة ـ عضوية مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، بل ويستحق كل وظيفة لها صلة بمحاربة الفساد مهما علت وسمت. أما القناعة الثانية، فهي أن لجنة انتقاء أعضاء مجلس السلطة، لم تظلم الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا، وإن كان هناك من ظلم الدكتور فهو الدكتور نفسه.

مرة أخرى، أكرر ما قلت سابقا من أن مسار انتقاء أعضاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، كان مسارا شفافا، قائما على معايير واضحة ومحددة وقابلة للقياس، وسيكون بإمكان اللجنة أن تردَّ دائما ـ وبحجج بيّنة وواضحة ـ على كل من يُشكك في النتائج التي حصل عليها في مسار الانتقاء.

وفي الأخير، أعتذر للدكتور عن تأخير الرد على ملاحظاته لأسبوع كامل، وذلك نظرا لانشغالي في بداية الأسبوع بأنشطة نظمتها "حملة معا للحد من حوادث السير" بعد "فاجعة الغشوات" الأليمة، وانشغالي في نهايته، بالتحضير ليوم تشاوري مفتوح عن دور المجتمع المدني في الحوار المنتظر نظمه "ميثاق المواطنة".

محمد الأمين الفاضل

ممثل المجتمع المدني في لجنة انتقاء أعضاء مجلس السلطة.

ميثاق المواطنة ينظم يوما تشاوريا مفتوحا حول دور المجتمع المدني في إنجاح الحوار الوطني


نظم "ميثاق المواطنة"، يوم الأحد 7 يونيو 2026، يوما تشاوريا مفتوحا تحت عنوان: "أي دور للمجتمع المدني في إنجاح الحوار الوطني؟"، بمشاركة نوعية لممثلي منظمات المجتمع المدني وعدد من المهتمين بالشأن العام.

ويأتي تنظيم هذا اللقاء في إطار سعي الميثاق إلى تعزيز حضور المجتمع المدني في مسار الحوار الوطني المرتقب. وقد توزعت أعمال اليوم التشاوري على جلستين، صباحية ومسائية، ناقش خلالهما المشاركون جملة من المحاور المتعلقة بدور المجتمع المدني في الحوار الوطني، وسبل تعزيز مساهمته في بناء الثقة بين مختلف الأطراف السياسية، وضمان مشاركته بصورة فاعلة ومؤثرة في مجريات الحوار عند انطلاقه، إضافة إلى تحديد الأولويات التي ينبغي أن يحملها إلى طاولة الحوار.

وافتُتح اليوم التشاوري بكلمة للكاتب محمد الأمين الفاضل، أكد فيها أن المجتمع المدني يمثل صوت الضمير الحي للمجتمع، وأن دوره ينبغي ألا يقتصر على المطالبة بالمشاركة في الحوار، بل يجب أن يمتد ليشمل الإسهام الفعلي في تذليل العقبات التي تحول دون انطلاقه، والعمل على نشر ثقافة الحوار، ومواجهة خطابات الإقصاء والكراهية، والدفاع عن قيم المواطنة، وتقديم المبادرات الكفيلة بالمساهمة في تحقيق توافقات وطنية، مؤكدا أن الوطن يحتاج اليوم إلى توسيع مساحات التفاهم والالتقاء، أكثر من حاجته إلى تعميق الخلافات والاصطفافات.

وخلصت النقاشات إلى جملة من التوصيات، كان من أبرزها تشكيل لجنة لمتابعة تنفيذ المخرجات، وتعزيز التنسيق بين منظمات المجتمع المدني، وتقديم مبادرات عملية من شأنها الإسهام في تذليل العقبات التي تعترض انطلاق الحوار الوطني.

وفي ختام أعمال اليوم التشاوري المفتوح، التزمت لجنة الإشراف على "ميثاق المواطنة" بإعداد تقرير شامل يتضمن مختلف التوصيات والمقترحات التي تم تداولها، على أن يُوزَّع لاحقا على الجهات المعنية، مع العمل على بحث السبل الكفيلة بتنفيذ تلك التوصيات والمقترحات.




























الخميس، 4 يونيو 2026

ست سنوات من التعثر… متى سينطلق الحوار؟


شهدت السنوات الست الماضية عدة مبادرات لإطلاق حوار وطني شامل، تعددت الجهات المشرفة عليها وتنوعت صيغها، وآليات إخراجها، ومع ذلك فلم ينطلق الحوار، فأين الخلل؟

الغريب في الأمر أن الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة تبدي دائما رغبتها في الحوار، وتعبر عن استعدادها للمشاركة فيه، الشيء الذي يجعل المواطن في حيرة من أمره، فما دام كل المعنيين بالحوار يرحبون به ويدعون له، فلماذا لم يتحاوروا حتى الآن؟

ليس من السهل إطلاقا أن نفسر للرأي العام الوطني، أسباب عدم تنظيم حوار حتى الآن، فربما يكمن السبب في ضعف الثقة بين الأطراف السياسية، أو في غياب آليات واضحة لإدارة المسار التحضيري، أو في قدرة الأقلية غير الراغبة في الحوار من الطرفين (الأغلبية والمعارضة) في إفشال أي مسعى جدي لتنظيم حوار وطني شامل.

مسار طويل… وتعثر مستمر

صدرت أول دعوة موثقة للحوار في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في يوم 14 مايو 2020، وكانت عبارة عن بيان موقع باسم الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، والتي شكلت في تلك الفترة منسقية للتصدي لجائحة كورونا، تقول خاتمة البيان: " تأمل أحزاب الموالاة والمعارضة الممثلة في البرلمان أن تفضي خطوات التنسيق الحالي إلى الدخول في مرحلة جديدة، تمهد لنقاش القضايا الجوهرية للبلاد، ووضع تصور لمعالجاتها، وفق جدول زمني متفق عليه".

في يوم 24 فبراير 2021 أصدرت أحزاب الموالاة الممثلة في البرلمان وبعض أحزاب المعارضة (التكتل؛ اتحاد قوى التقدم؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ الصواب) خارطة طريق من أجل تشاور وطني شامل بين القوى السياسية، وحددت لتلك الخريطة سقفا زمنيا للتشاور: ثلاثة أو أربعة أسابيع للمرحلة التحضيرية، وخمسة أو ستة أسابيع لانطلاق التشاور. وشكلت هذه الأحزاب لجنة كلفتها بالاتصال بالحزبين اللذين انسحبا في وقت سابق من منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان (تواصل، وحركة التجديد)، كما كلفتها أيضا بالاتصال ببقية الأحزاب والقوى السياسية الأخرى لدعوتها للمشاركة في اللجنة التحضيرية التي ستتشكل مستقبلا للتحضير للتشاور.

في يوم 16 أغسطس 2021، أصدرت الأحزاب: تواصل؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ المستقبل؛ تحالف العيش المشترك بشطريه؛ مشروع حزب "الرك"، وفي إطار ما يسمى ب"أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية" بيانا مشتركا دعوا فيه إلى حوار جدي.

في يوم 18 أكتوبر 2021 أعلنت منسقية أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية من خلال بيان صحفي لم يوقعه مشروع حزب "الرك" الذي كان عضوا فيها، أنها قررت المشاركة في الحوار الذي كان يحضر له في تلك الفترة، وذلك "بعد تقويم مجمل الاتصالات السياسية مع السلطة القائمة والطبقة السياسية، واستجابة لتطلعات الرأي العام الوطني" حسب ما جاء في نص البيان.

في يوم 6 إبريل 2022 كلف رئيس الجمهورية الوزير الأمين العام للرئاسة يحيى ولد أحمد الوقف بالإشراف على عمل اللجنة التحضيرية للتشاور، وقد غاب حزب التحالف الشعبي التقدمي عن اللجنة التحضيرية لذلك التشاور بلغة الأغلبية أو الحوار بلغة المعارضة، وقد درات حينها حرب مصطلحات طاحنة، ربما تكون قد استنزفت كل جهود السياسيين قبل أن ينطلق الحوار أو التشاور، وفي يوم 16 مايو 2022 انسحب قطب التناوب الديمقراطي الذي يتشكل من حزب الصواب ومشروع حزب "الرك" من اللجنة التحضيرية، وفي يوم 1 يونيو 2022  أعلن الوزير الأمين العام للرئاسة عن تعليق التشاور أو الحوار، وذلك في انتظار: "خلق ظروف جديدة تمكن من تنظيم تشاور كامل".

في يوم 12 يوليو 2022، وتحضيرا لانتخابات 13 مايو 2023 أطلقت وزارة الداخلية تشاورا مع الأحزاب السياسية المعترف بها، تم توقيع نتائجه يوم الاثنين 26 سبتمبر 2022، وقد وقعته كل الأحزاب المعترف بها في موريتانيا باستثناء حزب واحد. وبموجب هذا الحوار تم الاتفاق على تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات بالتناصف بين الأغلبية والمعارضة.

 في يوم 21 سبتمبر 2023، تم التوقيع على "الميثاق الجمهوري" كمبادرة جديدة للحوار أطلقها حزبا تكتل القوى الديمقراطية واتحاد قوى التقدم من المعارضة، وحزب الإنصاف من الأغلبية، ولكن بعض أحزاب المعارضة رفضت الانخراط في هذه المبادرة الجديدة مما أدى إلى فشلها المبكر كسابقاتها.

في يوم 10 مارس 2025، وعلى هامش إفطار في الرئاسة، عيَّن رئيس الجمهورية منسقا للحوار الوطني، وهو السياسي المخضرم موسى فال. وبعد العديد من اللقاءات والمشاورات التي أجراها منسق الحوار الوطني مع الطيف السياسي، وبعد مرور أكثر من عام على تعيينه منسقا وطنيا للحوار، فإن الحوار لم ينطلق حتى الآن.

في ظل هذه الإخفاقات المتكررة، تظهر الحاجة إلى دخول المجتمع المدني كفاعل جديد، ليس كبديل عن الفاعلين السياسيين، بل كطرف مستقل، يمكنه أن يلعب دور "المسهل" الذي يقرّب المسافات، ويخفف من حدة التوتر، ويفتح قنوات اتصال قد لا تكون متاحة لغيره.

هل من مبادرة جديدة لإنعاش الحوار؟

في اعتقادي أن المجتمع المدني هو الأكثر تأهيلا في الوقت الحالي لإطلاق مبادرة من هذا النوع، وذلك نظرا لطبيعته، فهو لا يسعى إلى السلطة، وليس طرفا سياسيا منافسا، ولا يرتبط بحسابات انتخابية مباشرة، مما يمنحه ـ بالفعل ـ هامشًا أوسع للتحرك، وقدرة أكبر على بناء الثقة بين الأطراف السياسية في الأغلبية والمعارضة.

لقد آن الأوان لأن ينتقل المجتمع المدني من موقع المتفرج على تعثر الحوار، إلى موقع المساهم في إطلاقه وإنجاحه، ويمكن أن يتم ذلك من خلال إطلاق مبادرة تقوم على ثلاثة أدوار رئيسية:

أولا، دور الوسيط والمسهل، عبر العمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف السياسية، وفتح قنوات اتصال معها، وتقديم مقترحات عملية لتجاوز نقاط الخلاف القائمة.

ثانيا، دور المكاشفة والمسؤولية، بحيث لا يظل تعثر الحوار في منطقة ضبابية، بل يتم ـ عند الضرورة ـ كشف أسباب تعثره للرأي العام الوطني، وتحديد الجهات التي تتحمل مسؤولية تعطيله، بكل موضوعية وشفافية.

ثالثا، ضمان مشاركة فعالة للمجتمع المدني في الحوار في حال انطلاقه، من خلال تنظيم جمعياته الجادة والمؤهلة للمشاركة في الحوار، وتوحيد مواقفه قبل وأثناء وبعد الحوار، وتقديم مساهمات نوعية في جلسات الحوار، خاصة في ملفات الفساد وحقوق الإنسان وتمكين الشباب والنساء، ترفع من مستوى النقاش، وتدفع نحو توصيات عملية قابلة للتنفيذ.

ولتحقيق ذلك، يصبح من الضروري التفكير في إنشاء إطار منظم للجمعيات الفاعلة، يعمل على تسريع انطلاق الحوار، وضمان تمثيل يليق بالمجتمع المدني في الحوار.

وجود هذا الإطار لن يعزز فقط من حضور المجتمع المدني، بل سيساهم أيضًا في إعطاء الحوارـ إن انطلق ـ طابعًا أكثر شمولية، ومخرجات أكثر توازنا وقابلية للتطبيق.

حفظ الله موريتانيا...


الأربعاء، 3 يونيو 2026

الغشوات: حين يتحول الطريق إلى مقبرة مفتوحة!


لم يكن يوم الثلاثاء 2 يونيو 2026 يوما عاديا، ففي ظهر هذا اليوم تصادمت حافلتان، إحداهما كبيرة والثانية صغيرة، عند لافتة قرية "الغشوات"، وكانت الحصيلة ثقيلة جدا: وفاة 10 أشخاص، ولم ينج من الموت إلا ثلاثة أشخاص فقط من ثلاثة عشر شخصا كانوا يستقلون الحافلة الصغيرة، وهم السائق وامرأة وطفل.

في الطريق إلى موقع الفاجعة تذكرتُ بعض حوادث السير المؤلمة التي وقعت عند قرية الغشوات أو قربها، والتي نظمنا لها في الحملة زيارات ميدانية، ومن بين تلك الحوادث المؤلمة، يمكن أن نذكر الحوادث التالية، المرتبة زمنيا:

1 ـ في حدود الساعة السابعة صباحا، من يوم الجمعة الموافق 26 سبتمبر 2025 اصطدمت شاحنة بحافلة صغيرة قرب قرية الغشوات عند الكلم 95، مما أدى إلى وفاة شخصين، وقد زرنا في الحملة موقع هذا الحادث في نفس اليوم، وكنا حينها في طريق العودة من قافلة معا من أجل خريف آمن، والتي جابت مختلف ولايات الوطن ومرت بكل المحاور الطرقية.

2 ـ في مساء السبت، ليلة الأحد الموافق 1 يونيو 2025، اصطدمت حافلة صغيرة بشاحنة، لتصطدم معهما بعد ذلك شاحنة أخرى، وكان هذا الحادث عند الكلم 110، وقد تسبب في وفاة كل ركاب الحافلة الصغيرة البالغ عددهم ثلاثة. زرنا موقع هذا الحادث ورصدنا بالإضافة إلى الخسائر البشرية خسائر مادية جسيمة، تمثلت في حمولة شاحنتين من البضائع، ونفوق قطيع من الغنم.

3 ـ في حدود الساعة الثامنة من صباح يوم الجمعة الموافق 19 يناير 2024، وغير بعيد من قرية الغشوات، اصطدمت حافلة صغيرة بشاحنة، مما تسبب في وفاة 5 أشخاص بشكل فوري، وإصابة آخرين، وكنتُ من أوائل الذين وصلوا إلى موقع الحادث لوجودي حينها في المنطقة.

4 ـ بعيد صلاة المغرب من يوم الثلاثاء الموافق 17 أكتوبر 2023 اصطدمت سيارة تويوتا هيليكس بشاحنة كانت متعطلة عند الكلم 102، لم تضع أيَّ إشارة تحذيرية، وتسبب هذا الحادث الأليم في وفاة الداعية المعروف إنجيه ولد زروق، وأحد أبنائه، وثلاثة من تلاميذه وأقاربه. خمسة أشخاص توفوا بشكل فوري بسبب هذا الحادث الأليم.

5 ـ في صبيحة يوم الأربعاء 17 مارس 2021، وعند الكلم 82، حدثت فاجعة أليمة أدت إلى وفاة 13 شخصا في حادث سير واحد، ناتج عن تصادم سيارتي نقل من نوع رينو. هذا هو الحادث الأكثر حصادا للأرواح الذي زارت الحملة موقعه منذ تأسيسها وحتى اليوم.

6 ـ في ضحى يوم الجمعة الموافق 06 يوليو 2018، سقطت شاحنة عند قرية الغشوات على سيارة صغيرة يوجد بها المهندس الشاب ابراهام أحمد خليفة، وزوجته، وابنتهما الرضيعة، واستغرق إخراجهم من السيارة 5 ساعات حسب ما رواه لنا سكان القرية عند وصولنا إلى موقع الحادث. هذا الحادث هز الرأي العام الوطني، وكان هو أول حادث عند قرية الغشوات تنظم الحملة زيارة ميدانية لموقعه. 

لم أتحدث هنا إلا عن سبعة حوادث فقط، على مقطع محدد، زرنا مواقعها في الحملة، وقد أدت هذه الحوادث إلى وفاة 41 شخصا. أما العدد الحقيقي الذي ابتلعته هذه المقبرة المفتوحة خلال السنوات الماضية، فمن المِؤكد أنه أكبر من هذا بكثير.

ألا تكفي هذه الحصيلة الثقيلة لإعلان هذه المنطقة، بل ولإعلان كامل المقطع الرابط بين نواكشوط وبوتلميت منطقة سوداء، تفرض اتخاذ إجراءات استثنائية صارمة لحفظ الأرواح والممتلكات؟ 

لقد أصبح من اللازم اتخاذ إجراءات عاجلة وصارمة، ويكون من بين تلك الإجراءات المسارعة في تشييد طريق مزدوج على المقطع نواكشوط بوتلميت، والذي شهد ما لا يمكن إحصاؤه من الحوادث المميتة.

حفظ الله موريتانيا...









السبت، 30 مايو 2026

نداء عاجل مع اقتراب نهاية عطلة عيد الأضحى..


قبل عيد الأضحى المبارك بثلاثة أيام، أطلقت حملة “معا للحد من حوادث السير” نداءً عاجلا دعت فيه مختلف الجهات المعنية وسالكي الطرق إلى اتخاذ إجراءات استثنائية للحد من حوادث السير خلال أيام العيد، غير أن هذا النداء لم يلقَ - للأسف الشديد -  تجاوبا يذكر.

وقد رصدت الحملة في اليوم الأول لوحده من أيام العيد 10 حوادث سير، أدت - على الأقل - إلى وفاة ثلاثة أشخاص بشكل فوري، وإصابة آخرين، إضافة إلى خسائر مادية معتبرة.

إن هذه الحصيلة الثقيلة والمؤلمة تؤكد أن المخاطر التي حذرنا منها كانت حقيقية، وأن التجاوب الجاد مع نداءات السلامة الطرقية كان يمكن أن يخفف - بمشيئة الله - من عدد الحوادث ومن كلفتها البشرية والمادية.

ومع اقتراب نهاية عطلة العيد وبدء عودة المواطنين إلى أماكن عملهم، فإن قلقنا في الحملة يزداد خوفا من تكرار حجم الخسارة التي تكبدناها قبل العيد عند نهاية عطلة العيد.

وتجنبا لذلك، فإننا في الحملة نوصي كل من يستطيع العودة قبل مساء الأحد وصباح الاثنين، أن يبادر بذلك، لأن ذروة العودة ستكون خلال مساء الأحد وصباح الاثنين، وهو ما سيزيد من كثافة حركة السير وسيزيد بالتالي من احتمالات وقوع الحوادث لا قدر الله.

ونلفت الانتباه بشكل خاص إلى أن كثيرا من المسافرين قد يعودون وهم في حالة تعب شديد، وبنوم غير كافٍ بسبب برامج العيد، وهو ما قد يؤدي إلى الشعور بالتعب والنعاس أثناء القيادة، وقد يزداد هذا النعاس في الساعات الأولى من صباح الاثنين، ولذا فإننا نكرر الدعوة إلى التوقف فورا عن القيادة عند الشعور بالتعب أو النعاس، وعدم مقاومتهما ومواصلة القيادة لأن ذلك قد يشكل خطرا حقيقيا على حياة السائق وبقية الركاب.

وبمناسبة انتهاء عطلة العيد، فإننا نجدد نداءنا الذي وجهناه قبل العيد إلى مختلف الفاعلين في مجال السلامة الطرقية:

■ إلى السائقين:

التزموا بالسرعة المحددة، ضعوا حزام الأمان، تجنبوا استخدام الهاتف أثناء القيادة، توقفوا عند الشعور بالتعب أو النعاس، لا تزيدوا الحمولة، واحذروا من مفاجآت الطريق.

■ إلى الركاب:

لا تشغلوا السائق بالأحاديث الجانبية، ولا تطلبوا منه زيادة السرعة أو الحمولة، وكونوا حازمين في رفض أي تهور يقوم به السائق قد يعرض حياتكم للخطر.

■ إلى الآباء ومؤجري السيارات:

توقفوا عن منح أو تأجير السيارات للقصر والمراهقين، خصوصا خلال الأعياد، لما لذلك من مخاطر جسيمة.

■ إلى نقاط التفتيش (الدرك والشرطة):

نرجو مزيدا من الصرامة في فرض احترام قوانين السير، خاصة خلال فترة العودة.

■ إلى مؤسسة أشغال صيانة الطرق:

ندعو إلى إعلان حالة استنفار خلال هذه الأيام لإزالة الأتربة وألسنة الرمال، وردم الحفر، وإزاحة السيارات والشاحنات المتعطلة على الطرق، والتي تشكل خطرا حقيقيا على مستخدمي الطرق.

فلنتقيد جميعا بهذه التوصيات حتى لا تتحول أفراح عطلة العيد إلى أحزان لبعض الأسر.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير.

الاثنين، 25 مايو 2026

محطة مثيرة من قصة ملهمة لم تكتمل..


استقالة رئيس البرلمان السنغالي التي قد تكون مقدمة لأن يتولى رئاسته عثمان سونغو، فرئاسة سونغو للبرلمان كانت فرضية ضمن أبرز السيناريوهات المتوقعة في مسودة مقال استشرافي كُتِب الجزء الأكبر منه، ولكني عدلتُ في آخر لحظة عن اكماله ونشره، حتى لا يُصَنَّف على أنه تدخل في شؤون بلد شقيق وجار .

كانت رحلة وصول بشيرو فاي وعثمان سونغو إلى السلطة رحلة في منتهى الإثارة والتشويق، وأخاف أن يكون خلافهما بنفس الإثارة (لا يمكن أن أستخدم هنا كلمة التشويق).
فوز هذا الثنائي بتلك الإثارة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الماضية لم يكن حدثا سنغاليا محليا، بل كان حدثا إفريقيا لافتا، وكان يمكن أن يكون ملهما للشباب الافريقي الذي لم يتعود أن يصل شاب إلى السلطة عن طريق الانتخابات. كان الطريق الوحيد لوصول الشباب في إفريقيا إلى السلطة، يتم عن طريق امتطاء دبابة أو من خلال التوريث. جاء بشيرو فاي وسونغو وكسرا القاعدة، وكان يمكنهما - لو تمكنا من تجاوز خلافاتهما - أن يقدما تجربة رائعة وملهمة للشباب الافريقي.
لم يتمكن بشيرو فاي وعثمان سونغو من إدارة العلاقة بينهما بصفة أحدهما رئيسا والثاني وزيرا أول، فكيف سيتمكنان من إدارة العلاقة بينهما بعد أن دب الخلاف بينهما، وأصبح معلنا، وبعد أن يصبح الوزير الأول المقال رئيسا للبرلمان؟
حفظ الله السنغال...

ملاحظات من موقع حادث "ملتقى لبيك"

 


فجعنا مساء اليوم برحيل سائق شاحنة صهريج، وإصابة سائق سيارة صغيرة، إثر حادث سير أليم وقع عصر اليوم عند "ملتقى لبيك" في منطقة "الصحراوي". وبعد إبلاغنا بالحادث نظمنا زيارة ميدانية للاطلاع على أسباب الحادث، وتسجيل بعض الملاحظات الميدانية.

1 ـ السيارات المتهالكة: قنابل موقوتة تتحرك على الطرقات
كشف حادث اليوم عن تحدٍّ قديم ومتجدد يهدد السلامة الطرقية في بلادنا، ويتمثل هذا التحدي في استمرار وجود عدد كبير من الشاحنات والصهاريج وسيارات النقل التي يفترض أن تكون خارج الخدمة بسبب تهالكها، يمارس سائقوها النقل وتوزيع المياه وتفريغ مياه الصرف الصحي.
ويطرح هذا النوع من المركبات المتهالكة إشكالا حقيقيا؛ فهو من جهة يمثل مصدر رزق للعديد من الأسر محدودة الدخل، ومن جهة أخرى، فهو يشكل مظهرا غير لائق، وخطرا يهدد سلامة كل سالكي الطرق.
إن معالجة هذا التحدي تتطلب توفير شاحنات وسيارات بديلة في وضعية فنية مقبولة، تُمنح لملاك المركبات المتهالكة من خلال قروض ميسرة تُسدَّد على أقساط، مقابل سحب المركبات القديمة نهائيًا من الخدمة، لما أصبحت تشكله من خطر حقيقي على الأرواح والممتلكات.
أظهرت المعاينة الميدانية أن الشاحنة الصهريج كانت متهالكة بالفعل، وباب السائق لم يكن يغلق، ولذا فعندما اصطدمت الشاحنة الصهريج بسيارة صغيرة، ولم يكن التصادم بقوة كبيرة، خرج السائق من الباب الذي لم يكن مغلقا، فسقط على الأرض وسقطت عليه الشاحنة، وكان الصهريج مملوءًا بالماء مما زاد من صعوبة رفع الشاحنة وإنقاذ السائق (نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، ونتقدم إلى ذويه بخالص التعازي).
"ملتقى لبيك": نقطة سوداء
لقد أصبح "ملتقى لبيك" في منطقة الصحراوي يشكل نقطة سوداء بالفعل، وذلك بعد أن تكررت الحوادث عند هذا الملتقى الحيوي والذي لا توجد به إشارات ضوء، مما جعله يشهد العديد من حوادث السير، كان آخرها حادث سير ثلاثي بين سيارتين من نوع تويوتا هيليكس وحافلة صغيرة، أدى إلى العديد من الإصابات وُصف بعضها بالحرج.
لقد أبلغنا أصحاب بعض المحلات المجاورة خلال الزيارة الميدانية لموقع الحادث تكرر الحوادث عند هذا الملتقى، وقد أرسل أحدهم ل"منصة عين" مناشير للحملة عن حوادث سابقة وقعت عند الملتقى، ولكنه لم يجد حتى الآن ردا إيجابيا.
وإننا، بمناسبة هذا الحادث الأليم، نجدد مطالبتنا للجهات المعنية بالمسارعة إلى تثبيت إشارات ضوئية عند “ملتقى لبيك”، واتخاذ ما يلزم من إجراءات للحد من حوادث السير في هذا الموقع الحيوي.
حتى لا تتحول أفراح العيد إلى أحزان
ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك، الذي تزداد فيه حركة التنقل والسفر، نجدد دعوتنا إلى ضرورة التقيد بإجراءات السلامة الطرقية، وتجنب القيادة عند الشعور بالتعب أو النعاس.
كما نوصي أصحاب وكالات تأجير السيارات بعدم تأجير السيارات للقُصَّر، وندعو الأسر إلى عدم تمكين الأطفال والمراهقين من قيادة السيارات، حفاظًا على أرواحهم وأرواح الآخرين.

الجمعة، 22 مايو 2026

إلى أي نسبة وصل "التخصيب الشرائحي" في موريتانيا؟


من الملاحظ أن هناك تصاعدا مقلقا في الخطابات الحادة والمتطرفة وخطابات الكراهية في الفضاءات العامة، سواء كانت تلك الفضاءات العامة سياسية أو إعلامية أو حقوقية، وهذا مما بات يغذي اليوم الشحن الشرائحي والعرقي القائم على الانتماءات الضيقة، وقد ساهم انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وتنامي تأثيرها خلال العقدين الأخيرين في ذلك.

في حديث هاتفي مع أحد المهتمين بالشأن العام، تعقيبا على مقال نشرته عن الموضوع، فاجأني محدثي بمقارنة لم تخطر لي على بال، وذلك عندما قارن بين مستوى التخصيب في اليورانيوم الذي تسعى بعض الدول للوصول إليه، من أجل أن تكون قادرة على إنتاج سلاح نووي مدمر، وتخصيب الشحن الشرائحي والعرقي في بلادنا، وتساءل محدثي ـ بقلق بالغ ـ عن النسبة التي وصلنا إليها في موريتانيا على مستوى الشحن الشرائحي والعرقي، وهل هذه النسبة باتت قريبة من المستوى الكافي لإحداث انفجار نووي ـ لا قدَّر الله ـ يمس استقرار البلد والانسجام بين مكوناته الوطنية.

قد تبدو مقارنة مُحَدِّثي غريبة نوعا ما، ومتشائمة إلى حد ما، ولكنها مع ذلك، تبقى مقارنة تستحق التأمل، وتستوجب منا في كل الأحوال حماية للسلم الاجتماعي، أن نتابع ـ وباستمرار ـ مقياس أو مؤشر تخصيب الشحن الشرائحي والعرقي في مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا يصل هذا المؤشر إلى مستوى قابل للانفجار النووي، فتقع الكارثة.

وتقتضي متابعة هذا المؤشر أن نحدد أولا الجهات التي تساهم في تصاعد الخطاب الحاد والمتطرف، وأن نعمل ثانيا على الحد من حدة ذلك الخطاب، حتى لا يصل إلى مستوى التخصيب الحرج الذي يمكن أن يحدث انفجارا يهدد وحدة البلد وتماسكه الاجتماعي.  

إن هناك جهات عديدة ساهمت في تصاعد العنف اللفظي وانتشار الخطابات الحادة والمتطرفة خلال العقدين الأخيرين، وسنتوقف في هذا المقام مع اثنتين منها: 

أولا / الأنظمة الحاكمة

إن المسؤول الأول عن تصاعد الخطابات المتطرفة والحادة هو الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد، وذلك لسببين اثنين، أولهما لأنها لم تتمكن من إيجاد حل جذري للمظالم الاجتماعية، وثانيهما لأنها لجأت إلى أخطر الحلول، أي استخدام المسكنات والمهدئات لمواجهة تلك المظالم. صحيح أن هذه المسكنات قد تخفف مؤقتا من مظاهر المرض، ولكنها ـ وهذا هو أخطر ما فيها ـ تزيد دائما من تفاقمه في المستقبل.

فإذا ما عدنا بالذاكرة قليلا إلى الوراء، إلى العقدين الماضيين، فسنجد أن أصحاب الخطابات المتطرفة، كانوا يحظون دائما من دوائر السلطة بمعاملة إيجابية تختلف عن المعاملة السلبية التي يحظى بها أصحاب الخطابات المعتدلة.

فالسلطة أو بعض دوائرها ترى دائما في صاحب الخطاب المتطرف خطرا يجب اسكاته، إما بالترهيب أحيانا، وإما بالترغيب في أحايين أخرى. أما صاحب الخطاب الجامع المعتدل، فهو مأمون الشر، ولذا فيتم في كثير من الأحيان تجاهله، ولا شيء أخطر على المهتم بالشأن العام، سياسيا كان أو إعلاميا أو حقوقيا، من التجاهل المزدوج من الحكومة والشعب.

 فبدلا من العمل على الحل الجذري للمظالم المجتمعية، عملت بعض دوائر السلطة على احتواء من يعبر عن تلك المظالم بخطاب حاد ومتطرف من خلال منحه وظيفة أو مال أو أي امتياز آخر لإسكاته، بل ولدفعه على تبديل خطابه الحاد المتطرف بخطاب متطرف في الاتجاه الآخر، يبالغ كثيرا في تمجيد السلطة وإنجازاتها، وينفي في الوقت نفسه وجود أي مظالم مجتمعية.

قد ترى دوائر السلطة في احتواء ذلك الصوت المتطرف بتلك الطريقة، أنها حققت نجاحا تكتيكيا كبيرا، ولكنها في حقيقة الأمر تكبدت استراتيجيا خسارة فادحة، وذلك لأنها لم تعالج المظالم، وتركت البيئة مناسبة لظهور المزيد من الخطابات المتطرفة، ولأنها ـ بالإضافة إلى ذلك ـ أرسلت بما  منحت لصاحب الصوت المتطرف من إغراءات، رسالة واضحة جدا، وصريحة جدا، وفي منتهى الخطورة، مفادها أن "المناضل" الأكثر تطرفا، والصوت الأعلى حدة، سيكون في الغالب الأعم هو الأسرع في الحصول على الوظائف والمكاسب والامتيازات التي تمنحها السلطة لإسكات معارضيها.  

فالسلطة عندما تمنح امتيازات مغرية لصاحب خطاب متطرف، فإنها بذلك التصرف لا تشتري صمت ذلك المتطرف، بل إنها تعلن ـ قصدت ذلك أم لم تقصد ـ عن عشرات "الامتيازات الشاغرة" لكل من يسلك مستقبلا نهج صاحب ذلك الخطاب المتطرف.

فهل هناك تشجيع للخطابات المتطرفة والحادة أكثر فعالية من هذا الأسلوب الذي تعتمده بعض دوائر السلطة؟

وكمثال على الامتيازات التي يمكن أن تعرضها بعض دوائر السلطة على أصحاب الخطابات المتطرفة، ما ذكره مؤخرا أحد النواب في مقابلة تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي، قال فيها إن أحد الوزراء استدعاه في العام 2024، وقال له إن النظام على استعداد لمنحه نصف مليار أوقية لمساعدته في السياسة. اللافت في الأمر أن هذا النائب هو نفسه الذي تهجم قبل فترة على الدولة الموريتانية ـ لا على النظام الحاكم فقط ـ في منابر دبلوماسية وإعلامية في أوروبا والسنغال، وهو نفسه الذي جاهر بالتضامن والتعاطف مع مجرم أجنبي قتل مواطنا موريتانيا في جريمة تُعَدُّ من بين أبشع الجرائم المسجلة في السنوات الأخيرة.

لستُ بطبيعة الحال من الذين يصدقون هذا النائب في كل ما يقول، فلدي من أقواله المتناقضة ما يكفي للتشكيك في كل ما يقول، ولكن ومع ذلك، فإن ما قاله في تلك المقابلة، يبقى له ما يدعمه، حتى وإن لم نتأكد من صحته، فكم من امتياز ووظيفة وصفقة عمومية منحتها بعض دوائر السلطة خلال العقدين الأخيرين لأصحاب الخطابات المتطرفة؟ 

يمكنكم أن تشغلوا العداد، وسيوصلكم مهما ضعفت ذاكرتكم، إلى رقم مقلق.

وفي المقابل، فإنكم لن تسمعوا عن وزير استدعى نائبا معارضا، من أصحاب الأصوات المعتدلة، ليقول له إن النظام على استعداد لدعمه بالمال، مكافأة له على معارضته الوطنية المسؤولة، والتي يفرق فيها بين النظام الذي يجوز للمعارض أن ينتقده كما يشاء، والدولة التي يجب أن تبقى دائما فوق التجاذبات السياسية بين الأغلبية والمعارضة.

وإذا ما تركنا الترغيب جانبا، وذهبنا إلى أسلوب الترهيب، والذي قد تستخدمه الأنظمة ضد بعض أصحاب الخطابات المتطرفة، فسنجد أن استخدامها لهذا الأسلوب لا يختلف كثيرا عن استخدامها لأسلوب الترغيب، فهي تستخدم أيضا هذا الأسلوب بشكل خاطئ، ذلك أنها قد تتجاوز في أحايين كثيرة بعض الإجراءات القانونية عندما تقرر معاقبة أصحاب الخطاب المتطرف، وفي أحايين أخرى فإنها إذا عاقبت لا تعاقب بصرامة، وقد تطلق سراح من اعتقلته عقابا على تطرفه قبل انتهاء فترة عقابه، فتكون النتيجة في المحصلة النهائية هي أن يحظى صاحب الخطاب المتطرف بتضامن واسع مبرر أو غير مبرر، فيكسب بذلك المزيد من الحضور في المشهد السياسي والإعلامي والحقوقي، وهذا هو ما كان  يسعى إليه أصلا. 

ثانيا/ منصات التواصل الاجتماعي.

إن الخوارزميات في مواقع التواصل الاجتماعي لا تختلف كثيرا عن بعض دوائر السلطة، فهي تتجاهل الخطاب العقلاني والمتزن، وتكافئ أصحاب الخطابات القائمة على الإثارة والتفاهة والتطرف. ولعل من أخطر ما يجهله الكثير من "الطيبين" في مواقع التواصل الاجتماعي، أن كل تعليق غاضب، وكل حملة ضد صاحب الخطاب المتطرف، ستتحول تلقائيا إلى تفاعل، وإلى المزيد من الانتشار لصاحب الخطاب المتطرف. 

وعلى العكس من ذلك، فإن أصحاب الخطاب المعتدل، لا يجدون تفاعلا من الجمهور الذي لا يهتم إلا بالصراعات والخطابات المسيئة وتوافه الأمور، فتغيبهم الخوارزميات لعدم اهتمام الجمهور بهم، وبذلك يقل مستوى تأثيرهم في توجيه الرأي العام، ومع مرور الوقت يبدؤون بالانسحاب، ليتركوا منصات التواصل الاجتماعي للرعاع يتهارجون فيها كيف ما شاؤوا.

إن صاحب الخطاب المعتدل، لا يحصد الإعجابات في منصات التواصل الاجتماعي، ولا يجد اهتماما لائقا من المواطنين، ولا تمنحه السلطة أي اعتبار لأنه مأمون الشر، فتكون نتيجة ذلك، أنه يصاب بالإحباط فينسحب من المعركة مبكرا، كما انسحب إخوة له من قبل، بل إنه قد لا يكتفي بالانسحاب، فربما تستهويه الخطابات الحادة والمتطرفة التي تجد تفاعلا في منصات التواصل الاجتماعي، ويتم تداولها في الصالونات، وتوليها السلطة اهتماما، فيميل إليها ميلا، فيصبح من الذين "يتعاطون" الخطابات ذات الضرر الكبير على الوطن.  

ثالثا / ما الحل؟

يمكن أن نجمل الحل لمواجهة الخطابات الضارة بمختلف أشكالها وأنماطها في أربع نقاط:

1 ـ أن تدرك السلطة وبمختلف دوائرها أن هناك ملفات شائكة لم يعد بالإمكان التعامل معها بالمسكنات أو المهدئات، ولا بأنصاف الحلول، فلا بد لها من حلول جذرية، وعلى رأس تلك الملفات الشائكة تأتي المظالم الاجتماعية والفساد.

2 ـ أن تتوقف بعض دوائر السلطة، وبشكل نهائي، عن منح أي امتيازات من أي نوع لأصحاب الخطابات الضارة بمختلف أشكالها وأنماطها، قصد استقطاب أصحاب تلك الخطابات إلى صفوفها.

3 ـ أن تعاقب وبصرامة ـ دون أي تجاوز للقانون ـ كل من يهدد استقرار البلد والتماسك الاجتماعي بين مكوناته، وألا تلقي بالا لموجات التضامن الغبي التي تُحاول عرقلة أي تطبيق للقانون.

4 ـ توقف انسحاب أصحاب الخطابات المعتدلة والآراء الراشدة من منصات التواصل الاجتماعي. صحيح أن البقاء في هذه المنصات التي سيطر عليها التافهون والمتطرفون والمبتذلون أصبح في غاية الصعوبة، ولكن الحل ليس بالانسحاب ولا برفع الراية البيضاء. اصمدوا واصمدوا ثم اصمدوا، وهذا هو كل ما لديَّ لأقوله لكم إذا ما كنتم تريدون فعلا إيقاف تصاعد مستوى التخصيب الشرائحي والعرقي قبل أن يصل إلى المستوى الحرج.

حفظ الله موريتانيا..

تقرير: 5 وفيات والعديد من الجرحى خلال الأسبوع الأخير


وثَّقت حملة “معا للحد من حوادث السير” خلال الأسبوع الأخير العديد من حوادث السير، أسفرت في المجمل عن وفاة 5 أشخاص على الأقل، وإصابة عدد آخر بإصابات متفاوتة الخطورة، إضافة إلى خسائر مادية معتبرة.

أولا: الحصيلة

• حادث سير على طريق الأمل (الكلم 60)، وقع فجر الخميس 14 مايو 2026، وتسبب في وفاة 3 أشخاص، وإصابة 3 آخرين، والسبب المرجح للحادث السرعة المفرطة.

• حادث سير في مدينة سيلبابي، يوم الجمعة 15 مايو 2026، تسبب في عدة إصابات وأضرار بمنزل، والسبب السرعة المفرطة.

• حادث سير في مدينة لعيون، يوم الأحد 17 مايو 2026، أدى إلى وفاة طفلة صغيرة من مواليد العام 2017، وذلك بعد أن دهستها سيارة متهالكة تُستخدم لنقل الحصى والحجارة، يقودها سائق أجنبي، والسبب المرجح للحادث السرعة المفرطة.

• حادث سير على طريق أكجوجت (الكلم 65)، يوم الثلاثاء 19 مايو 2026، تسبب في 4 إصابات، بينها إصابات بالغة وحرجة.

• حادث سير بمدينة نواذيبو (منطقة كبانو)، مساء الثلاثاء 19 مايو 2026 تعرضت له فتاة كانت تتدرب على قيادة السيارة، والخسائر مادية فقط.

• حادث سير عند مدخل مدينة النعمة الشرقي، وقع ليلا (الثلاثاء 19 مايو 2026) عند معبر “البهكة”، وأدى إلى وفاة شخص وإصابة آخرين.

ثانيا: ملاحظات ومطالب

تؤكد حملة “معا للحد من حوادث السير” أن هذه الحصيلة الثقيلة تمثل فقط ما تمكنت الحملة من جمعه والتأكد من صحته بوسائلها التقليدية، ومن الراجح أن يكون عدد الحوادث أكثر والخسائر أكبر من المنشور في هذا التقرير.

وفي هذا السياق، تجدد الحملة دعوتها للجهات الحكومية والأمنية لنشر المعطيات الدقيقة المتعلقة بحوادث السير بشكل فوري، أو تزويد الحملة بتلك المعطيات لنشرها. وتبقى التفاصيل المتعلقة بأماكن وقوع الحوادث، وتوقيت وقوعها، وأسبابها، وعدد الضحايا من المعلومات المهمة التي تمكن من إطلاق حملات توعوية جادة وفعالة تستند إلى معلومات ومعطيات دقيقة.

ثالثا: التحذير من السباقات والقيادات المتهورة

رصدت الحملة خلال الأيام الماضية عودة السباقات المتهورة التي يقوم بها بعض الشباب، وهو ما يستلزم التذكير من جديد بمخاطر تلك السباقات، وخصوصا في فترة الأعياد، والتي يكثر فيها تأجير واقتناء الشباب للسيارات، كما تكثر فيها كل أنماط السياقة المتهورة.

ونظرا لقرب عيد الأضحى المبارك، فإننا في الحملة ندعو السلطات الأمنية ووكالات تأجير السيارات والأسر إلى مضاعفة الجهود للتصدي للقيادة الاستعراضية والمتهورة التي يقوم بها بعض الشباب، تجنبا للمزيد من الحوادث خلال أيام العيد، والتي هي أيام أفراح، ولا نريدها أن تتحول إلى أيام أحزان ومآسي لدى بعض الأسر.

رابعا: دعوة للمزيد من التوعية

في الوقت الذي تتحدث فيه وزارة التجهيز والنقل عن تخصيص مبلغ 160 مليون أوقية قديمة ضمن ميزانية 2026 للتوعية والتحسيس ضد حوادث السير، نسجل في الحملة استمرار ضعف الأنشطة التوعوية والتحسيسية التي تقوم بها الوزارة أو الأجهزة الأمنية المعنية بالسلامة الطرقية.

ونشير في هذا الإطار إلى غياب أي نشاط توعوي للوزارة بمناسبة الأسبوع العربي للسلامة الطرقية (4 ـ 10 مايو)، أما بالنسبة لتخليد اليوم الافريقي للسلامة الطرقية، واليوم العالمي لتذكر ضحايا حوادث السير، فقد غيرت الوزارة موعد تخليدهما مما يعكس مستوى من عدم الجدية بخصوص التوعية والتحسيس في مجال السلامة الطرقية.

أخيرا، تجدد الحملة دعوتها للحكومة إلى تبني "نداء جوك للسلامة الطرقية"، باعتباره خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا، كما تدعو جميع الفاعلين، من سلطات عمومية، وأجهزة أمنية، وأئمة، ومنظمات مجتمع مدني، وإعلام، وفاعلين تربويين، إلى التعامل مع حوادث السير باعتبارها قضية وطنية كبرى تستنزف الأرواح والطاقات والموارد بشكل يومي.

نواكشوط بتاريخ: 21 مايو 2026

حملة معا للحد من حوادث السير.

#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع 

#معا_للحد_من_حوادث_السير

الثلاثاء، 19 مايو 2026

بأي منطق يُغَيَّبُ التمييز الإيجابي القطاعي؟


أستغرب دائما من عدم مطالبة من يرفعون شعار الدفاع عن الفئات الهشة والمغبونة بتمييز إيجابي على مستوى القطاعات الإنتاجية والخدمية، وذلك في وقت يركزون فيه على المطالبة بتمييز إيجابي في التوظيف. فلماذا التركيز على هذا المطلب دون غيره، وهل ستشكل الاستجابة لهذا المطلب حلا سحريا لكل مشاكل وهموم الفئات الهشة في بلادنا؟

إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي التوقف عند جملة من النقاط لعل من أبرزها:

الأولى: التوظيف مجرد حل فردي لأزمة شاملة

إن الوظائف في القطاع العمومي محدودة أصلا، ورواتبها متدنية، ومن الصعب جدا أن يتحسن حال الموظف في القطاع العمومي بشكل ملموس من خلال راتبه فقط. فحتى ولو افترضنا تخصيص كل الوظائف في القطاع العام للفئات الهشة، وهي وظائف محدودة أصلا، وهذا يستحيل عمليا، فحتى ولو افترضنا ذلك، فإن حال من تم توظيفهم لن يتغير كثيرا، اللهم إلا إذا نهبوا المال العام، وتلك قصة أخرى.

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن التمييز الإيجابي في التوظيف قد يحل ـ وبصعوبة ـ مشاكل فردية، لكنه لن يحل مشاكل الغبن والتهميش بشكل عام، والتي تعاني منها فئات واسعة في المجتمع. 

الثانية: خدعة المناصب السامية

إذا ما تجاوزنا الوظائف العادية، إلى الوظائف العليا والسامية، فسنجد أن الأمر لن يختلف كثيرا. ولتبيان ذلك، فسأكتفي بتقديم أمثلة محددة عن انعدام الأثر الإيجابي على شرائح ومكونات ومناطق من مُنِحوا تلك الوظائف السامية.

فإذا كنتم تريدون أمثلة محددة من الواقع، فخذوا هذه الأمثلة السريعة: هل تذكرون أول رئيس للبرلمان الموريتاني في عهد نظام ولد الطايع، فبماذا استفادت شريحته ـ وهي قليلة العدد نسبيا ـ خلال فترة رئاسته للبرلمان؟ يمكنني أن أقول ـ وبكل اطمئنان ـ إجابة على هذا السؤال: لا شيء، لا شيء إطلاقا. وبماذا استفادت ولاية الحوض الشرقي من احتكار الوزارة الأولى لربع قرن تقريبا، فهل استفادت الولاية تنمويا، وهل تحسنت وضعية ساكنتها، أم أن التحسن اقتصر فقط على الأسر الضيقة للوزراء الأول المنحدرين من تلك الولاية؟ لا أظنني بحاجة لأن أجيب على هذا السؤال.

سؤال آخر: هل لاحظتم تحسنا ما ـ حتى ولو كان ضعيفا ـ في أوضاع الفئات الهشة حدث في عهد الوزير الأول السابق، ولم يحدث في عهد الوزير الأول الحالي أو الأسبق؟

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة، هي أن الوظائف السامية قد تمتص قليلا من عدم رضا قبيلة أو شريحة أو جهة، ولكنها لا تترك اثرا تنمويا على تلك القبيلة أو الشريحة أو الجهة.

الثالثة: المحاصصة ليست حلا

كثيرا ما تقود المحاصصة إلى كوارث، فهذا ما تقوله تجاربها في لبنان والعراق وفي دول أخرى. ومع ذلك أجدد القول: إني لستُ ضد التمييز الإيجابي في التوظيف، ولكن إن خُيِّرتُ بين حكومة من الموظفين الأكفاء والمستقيمين، لا تربطني بهم أي صلة قبلية أو جهوية أو عرقية، وحكومة من الفاسدين ينتمون إلى قبيلتي أو جهتي، لاخترت الأولى دون تردد.

 خلاصة القول بخصوص هذه النقطة، هي أن الموظف الكفء والمستقيم سيصل نفعه إلى الجميع عندما يُعَيََّن، أما الموظف الفاسد أو غير الكفء فإن ضرره سيعمُّ الجميع، بمن في ذلك أبناء قبيلته أو شريحته أو مدينته.

الرابعة: القطاع غير المصنف هو شريان الحياة للفئات الهشة

إن ما يمكن أن يُحَسِّن وبشكل ملموس من واقع الفئات الهشة هو التمييز الإيجابي على مستوى القطاعات الإنتاجية والخدمية، وخاصة منها القطاع غير المصنف الذي يعتبر شريان حياة لآلاف الأسر الهشة.

 هناك آلاف الأسر الهشة التي أصبحت مهددة في مصادر رزقها، نتيجة للتطور الحاصل في المدن الكبرى، ونتيجة كذلك لتدفق المهاجرين إلى بلادنا. فعندما تظهر مثلا "مجزرة عصرية" في حيّ ما، افتتحها موريتاني متوسط الحال، أو افتتحها أجنبي مقيم في البلاد، فإن ذلك سيعني أن عددا ليس بالقليل من الجزارين الصغار في ذلك الحي ممن لا يملكون إلا طاولات من الخشب يتجمع حولها الذباب سيضطرون في النهاية إلى البحث عن مصادر أخرى للرزق. نفس الشيء يحدث عندما تُفتح "مغسلة عصرية في الحي"، أو محل عصري لبيع الخضروات.

إن توفير التمويل لصغار الجزارين، وبائعات الخضروات، والعاملين في غسل الثياب وغيرهم من أصحاب المهن الصغيرة، سينقذ آلاف الأسر الهشة من منافسة غير متكافئة.

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن المطالبة بإنشاء وكالة خاصة بالقطاع غير المصنف، يجب أن تكون من أهم المطالب التي يرفعها من يهتم حقا بالفئات الهشة.

الخامسة: محاربة التهميش تبدأ من إصلاح التعليم

إن تطوير المدرسة الجمهورية، وتحسين جودة التعليم العمومي، وتوسيع برامج الكفالات والمنح والإطعام المدرسي في المناطق الأكثر هشاشة، والاهتمام بالتكوين المهني للمتسربين من المدارس، أو الذين لم يدرسوا أصلا، ستبقى هي الوسائل الأكثر فعالية لكسر دائرة الفقر والتهميش والغبن. يمكن أن نضيف للتعليم توفير الصحة، والماء، والكهرباء إلى غير ذلك من الخدمات الأساسية في المناطق الهشة، فغياب هذه الخدمات عن المناطق الهشة يعتبر من أخطر أشكال التهميش.

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن التعليم سيبقى هو الوسيلة الأكثر فعالية لمواجهة الغبن والتهميش، حتى وإن كانت ثماره لا تحصد بشكل فوري ومباشر.

السادسة: من يحارب الفساد يقضي على التهميش

إن على من يرفع شعار الدفاع عن المهمشين، أن يكون من أول المطالبين بمحاربة الفساد، فالحكومات عندما تخصص موارد ضخمة للتعليم أو لتمويل المشاريع الصغيرة في القطاع غير المصنف مثلا، دون أن تحارب الفساد، فسيعني ذلك أن المهمشين لن يستفيدوا من تلك الموارد المخصصة لهم نظريا في تبويبات الميزانية، فكل مبلغ يُنهب من المال العام، وكل مشروع يُنفذ بطريقة سيئة، وكل توظيف عن طريق الزبونية والمحسوبية، إنما يُقتطع في النهاية من حق الفقير المهمش في التعليم والصحة والماء والكهرباء والعمل، ولهذا، فإن أي حديث عن إنصاف الفئات الهشة لن يكون جادا إذا لم تصاحبه حرب حقيقية وصارمة على الفساد.

خلاصة القول بخصوص هذه النقطة هي أن القضاء على التهميش يبدأ وينتهي بمحاربة الفساد. 

السابعة: لنطرح السؤال مرة أخرى

فلماذا يركز كثير من الذين يرفعون شعار الدفاع عن الفئات الهشة على المطالبة بالتمييز الإيجابي في الوظائف، ويتجاهلون ما هو أهم: المطالبة بالتمييز الإيجابي على مستوى القطاعات الإنتاجية والخدمية؟ فهل السبب يعود إلى أن التمييز الإيجابي في التوظيف ستعود ثماره على المطالبين به دون غيرهم وهم فئة قليلة جدا، في حين أن التمييز الإيجابي في القطاعات الإنتاجية والخدمية ستنعكس آثاره على أعداد كبيرة جدا من الفئات الهشة.

وبعبارة أكثر وضوحا، فإن ثمار التمييز الإيجابي في الوظائف ستعود حصرا على نخبة الفئات الهشة، وثمار التمييز الإيجابي في القطاعات ستعود على عامة الفئات الهشة، ونحن في هذه البلاد قد تعودنا من مختلف نخبنا أن تتاجر بقضايا جماهيرنا الكادحة.

إن تركيز قادة وواجهات الحركات التي ترفع شعارات حقوقية أو أيديولوجية أو سياسية على المطالبة بالتوظيف والامتيازات الشخصية ليس بالأمر الجديد في بلادنا، فالحركات الإيديولوجية من كادحين وناصريين وبعثيين وإسلاميين لم تتمكن من تحقيق الكثير من مطالبها، بسبب أن العديد من قادتها كانوا يبحثون عن وظائف وامتيازات شخصية على حساب "الشعارات المرفوعة"، ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن حركة الحر في مرحلة لاحقة، وعن الكثير من الأحزاب السياسية التي رفعت شعارات مطالبة بالتغيير.

ختاما، وبكلمة واحدة: عندما تنحصر المطالب، حقوقية كانت أو سياسية أو إيديولوجية في التوظيف والامتيازات الشخصية والمحاصصة، فلتعلموا حينها، أن ذلك سيكون على حساب "القضية"، أيًّا كانت تلك القضية.

حفظ الله موريتانيا..

الاثنين، 18 مايو 2026

نداء ميثاق المواطنة لوقف خطاب الكراهية وتعزيز اللحمة الوطنية


تشهد منصات التواصل الاجتماعي منذ فترة نقاشات حادة وبالغة الخطورة، تصل في بعض الأحيان إلى خطابات كراهية، وقد تصاعدت حدة تلك النقاشات بعد سجن نائبتين من حركة إيرا، طرح سجنهما إشكالات قانونية وسياسية؛ فمن جهة، هناك خطاب كراهية يمس السلم الاجتماعي، لا بد أن يتوقف، ولم يعد إفلات مروجي ذلك الخطاب من العقوبة مقبولا، ومن جهة أخرى، هناك تجاوز واضح للمساطر القانونية الناظمة للحصانة البرلمانية، حسب تقدير العديد من القانونيين.

وإذا ما استمر هذا الخطاب المنفلت من أي ضوابط قانونية أو أخلاقية بين المتطرفين من كل الشرائح والمكونات، وإذا لم تُتَّخذ إجراءات حازمة وصارمة لوقف نشره وبثه في مواقع التواصل الاجتماعي، فإننا سنجد أنفسنا أمام مخاطر جدية وحقيقية تهدد الانسجام المجتمعي والسلم الوطني. وللتذكير فإن حرب الإبادة التي عرفتها رواندا ـ والتي تُستحضر اليوم في بعض الخطابات ـ بدأت بخطابات كراهية، مجرد عبارات كانت تبث عبر إذاعة محلية، قد تبدو للبعض بسيطة، من قبيل: " اقطعوا الأشجار الطويلة”، و“الصراصير التي تزحف بيننا، يجب سحقها” قادت إلى واحدة من أكثر الحروب الأهلية وحشية في عصرنا الحديث، تحولت فيها المعاول والفؤوس إلى أسلحة قاتلة، فقتل الجار جاره، والزوج زوجته، بل وأبناءه أحيانا، فكانت الحصيلة مقتل 800 ألف رواندي خلال 100 يوم فقط.

فلنأخذ الدروس والعبر من الدول التي أوصلتها خطابات الكراهية إلى فتن وحروب داخلية، ولنسارع في اتخاذ كل الإجراءات التي من شأنها أن توقف تلك الخطابات، ولنطالبَ الحكومة بالمسارعة في وتيرة مكافحة آثار كل أشكال الغبن والتهميش، ولنطالبها كذلك بوقف خطابات الكراهية، وفرض هيبة الدولة وسيادة القانون، دون المساس بالحريات العامة؛ إيماناً منا بأن قوة الدولة وهيبتها لا تقاس فقط بالصرامة في معاقبة من يتجاوز القانون، بل تقاس أيضاً بمدى احترام حقوق المتهمين، من خلال الالتزام بالإجراءات القانونية، وتوفير كل الضمانات لمحاكمات عادلة.

ولتحقيق ذلك، فإننا نقترح في ميثاق المواطنة خطة من ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: إصدار عفو شامل

يتم في هذه المرحلة إصدار عفو يشمل جميع المسجونين من مختلف الشرائح والمكونات على خلفية قضايا مرتبطة بخطابات الإساءة والكراهية، وذلك بهدف تهدئة المناخ العام، وفتح صفحة جديدة لا تسامح فيها مع خطابات الكراهية. إن هذا العفو يجب ألا يفهم على أنه تبرئة لخطابات التحريض والكراهية، وإنما يأتي في إطار مواجهة هذه الخطابات على أسس قوية وصلبة تحظى بدعم مجتمعي واسع.

المرحلة الثانية: إطلاق حملة وطنية كبرى ضد الخطابات المسيئة

بعد العفو عن السجناء يتم إطلاق حملة وطنية كبرى حول مخاطر خطابات الإساءة والكراهية، تهدف إلى:

ترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيز احترام المكونات الوطنية كافة.

تسريع وتيرة تنفيذ البرامج المتعلقة بمكافحة آثار الغبن والتهميش.

محاصرة كل أشكال خطابات التمييز العنصري والإساءة والكراهية. 

المرحلة الثالثة: الصرامة في تطبيق القانون

بعد مرحلة التهدئة والتوعية، تدخل البلاد في مرحلة جديدة يطبق فيها القانون بشكل صارم وحازم على الجميع دون أي تسامح أو تمييز، مع التأكيد على أن ذلك يجب أن يتم وفق الضوابط القانونية للمحاكمة العادلة، دون أي انتقائية أو توظيف سياسي، لضمان التمييز بين النقد المشروع الذي يكفله القانون للجميع، والمساس بأعراض الناس أو التحريض على المكونات، وهو ما يحرمه القانون على الجميع.

وفي الختام، فإننا نجدد الدعوة إلى تبني “ميثاق المواطنة”، واعتماده كوثيقة وطنية لترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز التماسك المجتمعي.

نواكشوط بتاريخ: 17 مايو 2026

لجنة الإشراف على ميثاق المواطنة.

الأربعاء، 13 مايو 2026

هل المحاصصة هي الحل السحري لمشاكل التهميش؟


لا أظن أن هناك رئيسا من الرؤساء الذين عشتُ فترة حكمهم بوعي وإدراك، اهتم بالفئات الهشة كما اهتم بها الرئيس الحالي، وفي اعتقادي أنه يمكننا أن ننتقد النظام القائم ـ صدقا أو كذبا ـ في مجالات عديدة، ولكن من الصعب جدا أن ننتقده بموضوعية لعدم اهتمامه بالفئات الهشة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن نطرحه في أيام الناس هذه: لماذا تصاعدت الانتقادات لهذا النظام، ممن يرفع شعارات الدفاع عن الفئات الهشة، بحجة أن النظام لم يهتم بتلك الفئات؟

إن أسباب ذلك متداخلة، فبعضها يتحمله النظام، وبعضها الآخر يتحمله المتاجرون بقضايا الفئات الهشة، وفي المجمل فإن هذه الأسباب يمكن أن نتلمسها في النقاط التالية:

1 ـ الإنجاز لا يصبح إنجازا إلا إذا شعر به المستهدف

إن أي إنجاز، مهما كان حجمه، سيبقى ناقصا إذا لم يشعر به المواطن المستهدف. وفي هذه النقطة، فإن أكثر من يستحق النقد هو الأذرع السياسية والإعلامية للنظام، لأنها فشلت ـ وخاصة المؤسسات الإعلامية الرسمية التي تُنفق عليها ميزانيات ضخمة ـ في تسويق ما تحقق لصالح الفئات الهشة خلال السنوات الأخيرة، وفشلت كذلك في تحويل المنجز إلى شعور إيجابي لدى المستفيدين.

2ـ ضعف أداء بعض المؤسسات المعنية بالفئات الهشة

هناك مؤسسات حُظيت في هذا العهد بدعم مالي ومعنوي كبير، مثل "تآزر"، ورغم ما حققت تآزر من نتائج ملموسة، فقد بقي أداؤها في المجمل بعيدا عن حجم الأموال التي صُرفت عليها، والآمال التي عُلِّقت عليها. فالفارق ما زال كبيرا بين الإمكانات الهائلة المتاحة لتأزر ولغيرها من المؤسسات المعنية بالفئات الهشة، وحجم الأثر الملموس في حياة المواطنين المستهدفين.

3ـ اختلال الأداء في بعض القطاعات الخدمية والإنتاجية المرتبطة بشكل مباشر بحياة الفئات الهشة، والتي كان يفترض أن يخضع القائمون عليها لرقابة صارمة ومحاسبة قاسية، لأن أي فساد أو تقصير فيها سيدفع ثمنه الفقراء بشكل مباشر. فالموظف الذي يفسد أو يهمل عمله في قطاع خدمي حساس يجب أن يُحاسب حسابا عسيرا، حتى يكون عبرة لغيره، وحتى يشعر المواطن الفقير بأن الدولة لا تجامل من يتهاون في خدمته.

4  ـ المتاجرة بمعاناة الفئات الهشة

هناك بالفعل أصوات تريد نصيبا من موارد الدولة بوجه حق أو بغير حق، على حساب المهمشين، وهي لا تتردد في المتاجرة بقضايا المهمشين للحصول على نصيب من تلك الموارد. هذه الأصوات تحاول إقناع الرأي العام الوطني بأن التهميش سببه غياب أفراد من مكونات أو قبائل أو جهات معينة عن المناصب، مع أن التجربة أثبتت أن تعيين أشخاص باسم القبيلة أو الجهة أو الشريحة لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع تلك القبيلة أو الجهة أو الشريحة.

فعندما يُعيَّن شخص باسم قبيلته، فإن المستفيد الحقيقي يكون أسرته الضيقة فقط، بل إن بعضهم قد يعمل على إقصاء أبناء قبيلته الآخرين، حتى لا ينافسوه لاحقا في الامتيازات التي تمنحها الدولة. ويمكن أن نقول هذا الكلام عن الذي يُعين باسم شريحته، أو مكونته، أو جهته، وهناك أمثلة عديدة تبيّن بشكل واضح جدا، أن التعيين على أساس القبيلة أو الشريحة لا يفيد القبيلة ولا الشريحة، وهي أمثلة حاضرة في ذهني الآن، ولكن المقام لا يسمح بذكرها.

سأكتفي على السريع بذكر أمثلة تتعلق بانعكاس الوظائف على المناطق والجهات، فمثلا ولاية إنشيري هي الولاية الوحيدة في بلادنا، التي ينتسب إليها رئيسان حكما البلد، هذا بالإضافة إلى كونها ولاية معدنية، ومع ذلك فحالها اليوم لا يمكن أن تحسدها عليه ولاية أخرى، وولاية الحوض الشرقي احتكرت الوزارة الأولى لما يقارب ربع قرن، فهل انعكس ذلك إيجابيا على واقع الولاية أو على ساكنتها؟ ألا تعدُّ مدينة تجكجة من المدن الأكثر أطرا في البلاد، أوَ ليست كذلك هي المدينة الأكثر فقرا والأكثر عزلة في البلاد؟

لو خُيِّرتُ شخصيا، بين حكومة من الموظفين الأكفاء والمستقيمين، لا تربطني بهم أي صلة قبلية أو جهوية أو عرقية، وحكومة من الفاسدين ينتمون إلى قبيلتي أو جهتي، لاخترت الأولى دون تردد. فالموظف الكفء والمستقيم سيصل نفعه إلى الجميع، أما الموظف الفاسد أو غير الكفء فإن ضرره سيعم الجميع، بمن في ذلك أبناء قبيلته أو مكونته.

ما الذي تحتاجه الفئات الهشة فعلا؟

إذا كنا جادين فعلا في السعي إلى تحسين أوضاع الفئات الهشة، فإن التركيز يجب أن يكون المطالبة بتمييز إيجابي لصالح بعض القطاعات الخدمية والانتاجية التي ترتبط بها أرزاق تلك الفئات الهشة، أكثر من المطالبة بتمييز إيجابي في التوظيف لأبناء تلك الفئات، فالتمييز الإيجابي في الوظائف ـ وأنا لستُ ضده ـ سيبقى ضعيف الأثر، ذلك أن وظائف الدولة محدودة أصلا، ثم إن الرواتب التي تمنحها الدولة متدنية في مجملها، ولن تُحَسّن من حال المستفيد منها، اللهم إلا إذا كان عازما على النهب والفساد، وتلك قصة أخرى.

فإذا كنا جادين فعلا في تحسين أوضاع الفئات الهشة، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر المحاصصة وتقاسم المناصب، وإنما عبر سياسات عمومية ذكية وعادلة، تستهدف القطاعات التي تستوعب أكبر عدد من الفقراء والمهمشّين، ومن أبرز تلك السياسات:

1 ـ الاستثمار المكثف في التعليم النوعي

وذلك من خلال المسارعة في وتيرة تطوير المدرسة الجمهورية، وتحسين جودة التعليم العمومي، وتوسيع برامج الكفالات والمنح والإطعام المدرسي في المناطق الأكثر هشاشة، لأن التعليم الجيد سيبقى هو الوسيلة الأكثر عدالة وفعالية لكسر دائرة الفقر والتهميش.

2 ـ المزيد من الاهتمام بالتكوين المهني وربطه بسوق العمل

إن الكثير من أبناء الفئات الهشة يغادرون المدرسة مبكرا، وهؤلاء يحتاجون إلى مراكز تكوين مهني حقيقية تمنحهم مهارات مطلوبة في سوق العمل، بدل تركهم ضحية للبطالة والجريمة.

3 ـ إصلاح عقاري عادل ومنتج

ويكون ذلك بتمكين المواطنين الفقراء من النفاذ إلى الأرض، ومنح الأراضي لمن يستغلها فعليا، مع تشجيع الزراعة المطرية والريفية، لأن الأرض المنتجة يمكن أن تتحول إلى مصدر استقرار اقتصادي واجتماعي دائم.

4 ـ دعم التعاونيات والاقتصاد الريفي

دعم التعاونيات النسوية والشبابية، عبر التمويل والتأطير وتسويق المنتجات، حتى تنتقل إلى أدوات إنتاج حقيقية توفر دخلا مستقرا للأسر الهشة.

5 ـ حماية القطاع غير المصنف وتطويره

تعيش آلاف الأسر من المهن الصغيرة والهشة، مثل الباعة الصغار، والحرفيين، والعاملين في الخدمات البسيطة. وهؤلاء يحتاجون إلى برامج تمويل صغيرة، وتأمين صحي، وتسهيلات مهنية، حتى لا يصبحوا خارج الدورة الاقتصادية، بفعل منافسة المهاجرين، والتطور الحاصل في تلك المهن.

6 ـ تحسين الخدمات الأساسية في الأحياء والقرى الهشة

إن الفئات الهشة لا تحتاج فقط إلى الوظائف، بل تحتاج أيضا إلى مدارس جيدة، ومراكز صحية فعالة، ومياه، وكهرباء، وطرقات، ونقل عمومي. فغياب هذه الخدمات هو أحد أخطر أشكال التهميش.

7 ـ تغيير العقليات وترسيخ ثقافة العمل والكفاءة

لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض إذا ترسخت فيه عقلية انتظار الدولة أو البحث عن الامتيازات على أساس الانتماء. المطلوب هو إطلاق حملات توعوية واسعة لترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والاعتماد على الذات، وربط النجاح الشخصي بالكفاءة والجدارة لا بالقبيلة أو الشريحة أو الجهة.

8 ـ المحاربة الجادة للفساد، وهذه أهم من كل ما سبقها

إن الفساد هو العدو الأول للفئات الهشة، وهذا ما يتجاهله الكثيرون ممن نصبوا أنفسهم متحدثين باسم الفئات الهشة، فكل مبلغ يُنهب من المال العام، وكل مشروع يُنفذ بطريقة فاسدة، وكل توظيف يتم بالمحسوبية، إنما يُقتطع في النهاية من حق الفقير في التعليم والصحة والماء والكهرباء والعمل ولهذا، فإن أي حديث عن إنصاف الفئات الهشة لن يكون جادا إذا لم يترافق مع حرب حقيقية وصارمة على الفساد.

ختاما: إن إنصاف الفئات الهشة لا يتحقق بالشعارات، ولا بالمتاجرة السياسية، ولا بتوزيع المناصب على أساس الانتماءات، وإنما يتحقق ببناء دولة عادلة، تحارب الفساد بجد، وتولي الاهتمام بالكفاءات، وتمنح فرصا متساوية في التعليم والصحة والتشغيل لجميع أبنائها.

حفظ الله موريتانيا..