لم يكن من المقبول إطلاقا ـ ولأسباب لا أظنني بحاجة إلى ذكرها ـ أن تندلع حرائق الغابات في مناطق عديدة من الجزائر (البلد الأكثر من شقيق)، وتُخلف خسائر بشرية ومادية جسيمة، ولا تظهر مبادرة شعبية في موريتانيا قبل أن تخمد تلك النيران، للتعبير عن تضامن الشعب الموريتاني مع الشعب الجزائري الشقيق، وهو يواجه تلك الحرائق.
ومما لا شك فيه، أن الشعب الموريتاني يفرح لفرح الشعب الجزائري، ويتألم لألمه، سواءً أطلقت مبادرة شعبية للتعبير عن ذلك أو لم تطلق، ومع ذلك يبقى التعبير عن تلك المشاعر من خلال مبادرات وفعاليات شعبية ضروريا ومهما في كل الأوقات، في أوقات الرخاء وفي أوقات الشدة، ولكنه في أوقات الشدة يصبح أولى وأوجب، وأصدق وأنبل، ولتأدية هذا الواجب الأخوي أطلق المئات من الموريتانيين من مختلف الاهتمامات والاتجاهات والتخصصات والأجيال مبادرة " أشقاء في المحنة"، والتي تُعَبّر في حقيقة أمرها عن كل الشعب الموريتاني.
في اللقاء الذي جمع وفد هذه المبادرة بسعادة السفير الجزائري في بلادنا أمين صيد، يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026، لتسليم رسالة التضامن، تحدث السفير عن المنح التي توجد في طيات المحن، مؤكدا في حديثه أن محنة الحرائق كشفت عن جوانب مضيئة لدى الجزائريين، كانت موجودة أصلا، ولكنها تجلت أكثر في أيام المحنة، فعلى المستوى الشعبي تجلت في قيم التضامن والبذل، وعلى المستوى الحكومي تجلت في سرعة الإنجاز لتوفير الاحتياجات الأساسية في ظرف قياسي في المناطق المتضررة.
وإذا كانت حرائق الغابات قد أعطت فرصة لأخوتنا في الجزائر لإظهار صور مضيئة من التضامن والتلاحم الشعبي في مواجهتها ومواجهة آثارها، فإنها في موريتانيا أعطتنا كذلك فرصة ثمينة، وجب علينا استغلالها أحسن استغلال، للتعبير لأهلنا في الجزائر عن المشاعر الأخوية الصادقة التي نكنها لهم، في كل الأوقات والظروف، وبالأخص في أوقات المحن والأزمات، وهذا بالضبط هو ما نحاول في مبادرة "أشقاء في المحنة" أن نجسده عمليا من خلال أنشطتنا في المبادرة، والتي تمثلت حتى الآن في إطلاق يوم إعلامي تضامني مفتوح، وتوجيه رسالة تضامنية إلى الشعب الجزائري الشقيق، والبدء في التحضير لتسيير قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية، والتي نريدها أن تذهب إلى الجزائر محملة برسائل المحبة والتضامن من الشعب الموريتاني إلى الشعب الجزائري، وتعود من الجزائر محملة كذلك برسائل المحبة والتضامن من الشعب الجزائري إلى الشعب الموريتاني.
لقد قلتُ لسعادة السفير الجزائري في بلادنا خلال استقباله لوفد المبادرة، بأننا في موريتانيا ندرك ـ تمام الإدراك ـ أن كل آثار الحرائق تم تجاوزها أو هي في طريق التجاوز، وأن الدولة الجزائرية تمتلك من المقدرات والإمكانيات والإرادة ما يكفي لتجاوز تلك الآثار، وهي ولله الحمد، ليست في حاجة إلى أي مساعدة من أي نوع في هذا المجال.
قلتُ لسعادة السفير إننا في موريتانيا ندرك ذلك، ومع ذلك فإننا نصرُُ على أن يكون لنا حضورٌ حتى ولو كان رمزيا، في مواجهة حرائق الغابات وآثارها، وأقل ما يمكن أن نقوم به في هذا المجال هو مواساة بعض أسر الضحايا في الأماكن المتضررة، بكلمة طيبة، نقول لهم فيها إن لكم في موريتانيا أخوة تألموا لألمكم عندما نشبت الحرائق، وهم يفرحون الآن لفرحكم بإخمادها وبما يُقام به من جهد كبير لتجاوز آثارها ومخلفاتها.
نعم، لابد من تضامن شعبي مع الجزائر، يُعَبَّر عنه بمختلف وسائل التعبير المتاحة، فالجزائر كانت حاضرة وبقوة في محطات صعبة من تاريخنا، فوقفت معنا حكومة وشعبا، وقفات تضامنية صادقة دون منٍّ وأذى، واليوم من الواجب علينا في موريتانيا أن نقف معها وقفة تضامنية صادقة، وهي تواجه حرائق الغابات وما خلفته من أضرار بشرية ومادية جسيمة.
إن قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية، ليست قافلة إغاثة، وما ينبغي لها أن تكون كذلك، وإنما هي قافلة وفاء، ورد جميل، وتذكير بمواقف مشرفة وعظيمة اتخذتها الجزائر في محطات صعبة من تاريخنا، قد لا تكون الأجيال الحالية على اطلاع عليها، ولا على تفاصيلها، ومن تلك المواقف نذكر تحديدا:
الدور الجزائري في إصدار الأوقية الموريتانية
في الثامن عشر من شهر يونيو من العام 1973، اتخذت موريتانيا قرارا سياديا وتاريخيا، من خلال إصدار قانون يقضي بإنشاء عملة وطنية خاصة بها، وهو ما يعني خروجها من منظومة الفرنك الغرب إفريقي، فكانت الجزائر حاضرة ـ وبقوة ـ في كل مراحل تنفيذ هذا القرار التاريخي، بدءا بالنقاشات السرية الممهدة لاتخاذه، وانتهاءً بطباعة الأوراق النقدية الأولى في الجزائر، ومرورا بإرسال خمسة أطر شباب من موريتانيا سرا إلى الجزائر، لتلقي تكوين سريع في المجال النقدي والمصرفي، ثم إرسال خبراء جزائريين لتأطير عمال البنك المركزي الموريتاني بعد ذلك. لقد أحيط كل هذا المسار بتكتم شديد، بسبب الخوف من أن تطلع عليه المؤسسات المالية الفرنسية أو البنك المركزي لدول غرب إفريقيا، فيعرقلانه في إحدى محطاته، فتعود موريتانيا إلى الفرنك الغرب إفريقي.
إن أول أوراق الأوقية الموريتانية طُبعت في الجزائر، وأوائل أطر النظام النقدي الموريتاني تكونوا في الجزائر، وأول عملية تأطير لعمال البنك المركزي الموريتاني، كانت بإشراف خبراء جزائريين، وهذا ما جعل الرئيس الراحل المختار ولد داداه يقول في مذكراته، ما مفاده إن إصدار العملة الوطنية وتأسيس البنك المركزي الموريتاني ما كانا ليتحققا لولا المساعدة الثمينة للسلطات المصرفية الجزائرية.
إن الدور الجزائري الكبير في تأسيس البنك المركزي الموريتاني، وإصدار الأوقية، يستدعيان من البنك المركزي أن يكون حاضرا ـ ولو بشكل رمزي ـ في قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية.
الدور الجزائري في تأميم شركة "ميفرما"
كانت هناك مخاطرة كبيرة في اتخاذ قرار بإصدار عملة وطنية في العام 1973، ولكن المخاطرة كانت أشد وأخطر عند الإعلان عن تأميم شركة "ميفرما" في العام التالي.
لم يكن الرئيس الراحل المختار ولد داداه يستبعد نهائيا التدخل الفرنسي عند إعلانه عن تأميم شركة "ميفرما" في يوم 28 نوفمبر 1974، وهو الإعلان الذي فاجأ به السلك الدبلوماسي في موريتانيا، بل وفاجأ به كبار المسؤولين الموريتانيين، ومع وجود ذلك التخوف، فقد كان الرئيس المختار يشعر ـ كما جاء في مذكراته ـ بأن ظهره محمي من طرف الرئيس بومدين والحكومة الجزائرية.
كانت "ميفرما" قبل التأميم شركة متعددة الجنسيات موزعة بين شركات فرنسية وبريطانية وإيطالية وألمانية، ولا تمتلك منها الدولة الموريتانية إلا نسبة 5% مُنحت لها ابتداءً من العام 1963، وكانت صادرات هذه الشركة تصل إلى 10 مليون طن من الحديد العالي الجودة، وتمثل بذلك 80 % من مجمل عائدات صادرات البلد، فهذه الشركة كانت تعتبر "دولة داخل الدولة" ولذا فلم يكن من المتوقع أن تقبل فرنسا بتأميمها بكل بساطة.
كان هناك احتمالان متوقعان عند اتخاذ قرار التأميم، يمكن أن ترد بهما فرنسا، ومن المؤكد أنهما كانا يؤرقان الرئيس المختار ولد داداه.
الاحتمال الأول: ماذا لو سحبت فرنسا كل خبرائها وعمالها من الشركة عند الإعلان عن التأميم؟
كان الجواب الجزائري واضحا ومطمئنا: إن الجزائر على استعداد تام لإرسال أطرها وخبرائها ليحلوا محل الأطر الفرنسيين، وإذا استدعى الأمر الاستعانة بكفاءات من خارج الجزائر، فإنها مستعدة كذلك لجلبهم من دول صديقة لتعويض النقص.
الاحتمال الثاني: ماذا لو قررت فرنسا التدخل عسكريا لإحباط عملية التأميم؟
وهنا، جاء أيضا الرد الجزائري واضحا وقويا ومطمئنا، سيكون الجيش الجزائري في حالة تأهب، وستوضع وحدات منه قرب الحدود الموريتانية في حالة استنفار قصوى، وسيكون الرئيس الجزائري هواري بومدين في تندوف يوم التأميم، أي في يوم 28 نوفمبر 1974، في انتظار أي إشارة تأتي من موريتانيا، للتدخل عسكريا ومواجهة أي تدخل فرنسي محتمل.
قبل الإعلان عن التأميم بثلاثة أشهر، وخلال زيارة للرئيس المختار للجزائر، تم إطلاع الرئيس هواري بومدين ـ وبسرية تامة ـ على قرار التأميم، فرد هواري بومدين مخاطبا المختار: "كل مقدرات الجزائر رهن إشارتك".
كانت الجزائر على استعداد لتوفير الخبراء لتأمين عملية التأميم فنيا، وكانت على استعداد كذلك للدخول في حرب مع فرنسا لتأمين عملية التأميم عسكريا، وبالإضافة إلى كل ذلك فإنها كانت من بين الدول العربية التي قدمت الدعم لتعويض مساهمي شركة "ميفرما" إلى جانب الكويت وليبيا والعراق والسعودية.
إن الدور الجزائري الكبير في تأميم شركة "ميفرما"، يستدعي حضورا ـ ولو رمزيا ـ من الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (اسنيم) في قافلة الأخوة الموريتانية الجزائرية.
الدور الجزائري في أحداث 1989 المؤلمة
كانت الشقيقة الجزائر حاضرة وبقوة، في أخطر أزمة إنسانية تتعرض لها الدولة الموريتانية منذ تأسيسها وحتى اليوم، ففي أحداث موريتانيا والسنغال المؤلمة في العام 1989، فقدنا في موريتانيا العديد من الضحايا، وأبعد حوالي 160 ألف موريتاني من السنغال حسب بعض التقديرات، وخسرنا في تلك الأحداث عشرات المليارات من الفرنك الغرب إفريقي.
كانت الجزائر حاضرة في تلك الأحداث من خلال إقامة جسر جوي، للمساهمة في إجلاء الموريتانيين من السنغال، وكانت موريتانيا في تلك الفترة تعاني دبلوماسيا من شبه عزلة بسبب مواقف دول غربية معادية للنظام الموريتاني، بل إن عددا من الدول العربية اتخذت مواقف منحازة للسنغال في تلك الأزمة، رغم رفعها لشعار الحياد، وقد رفعت الجزائر مع تلك الدول شعار الحياد سعيا لإنجاح الوساطات الهادفة لحل الأزمة، ومع ذلك فقد ظل الموقف الجزائري منحازا لنا في موريتانيا.
ألا يستدعي وقوف الجزائر معنا في أخطر أزمة إنسانية تواجهها الدولة الموريتانية منذ تأسيسها وحتى اليوم، ووقوفها معنا قبل ذلك عند اتخاذ قرارين سياديين كانت فيهما مخاطرة كبيرة (إصدار الأوقية وتأميم ميفرما)، ألا يستدعي كل ذلك أن نطلق اليوم في موريتانيا قافلة أخوية للتعبير عن تضامننا مع الشعب الجزائري، وهو يواجه آثار حرائق الغابات؟
ألا يعدُّ إطلاق مبادرة شعبية للتضامن مع أهلنا في الجزائر فرض كفاية إن قامت به مجموعة من الموريتانيين سقط عن الشعب الموريتاني، وإن لم تقم به، أصبح فرض عين على كل الشعب الموريتاني، ولتسمحوا لي فأنا هنا لا أتحدث بلغة فقهية خالصة، وإنما أردت توضيح الفكرة التي أسعى لإيصالها لكم.
وتبقى كلمة
لقد كنا نخطط عند إطلاقنا لهذه المبادرة، لأن تكون مبادرة مؤقتة مرتبطة بحدث مؤقت (حرائق الغابات)، ولكننا بعد إطلاقها، ونظرا لما لمسناه من تجاوب واسع في موريتانيا، وما تلقيناه من تقدير وتثمين من الأشقاء الجزائريين الذين اطلعوا عليها، كل ذلك جعلنا نفكر بجد في الانتقال بهذه المبادرة من إطارها المؤقت إلى إطار دائم، تعزيزا للعلاقات الأخوية بين الشعبين، وخدمة للمصالح المشتركة للبلدين الشقيقين.
دامت الأخوة الموريتانية الجزائرية..






















