تصبحون على وطن...
إني أحلم بأن أستيقظ ذات يوم على وطن حقيقي، يكون انتماء المواطن فيه للوطن من قبل أن يكون للقبيلة، أو للجهة ، أو للعرق، أو للشريحة.
الأحد، 2 أغسطس 2026
العلاقة بين اللغة العربية والوئام المجتمعي.
إن من يتأمل مقاصد الشريعة الإسلامية سيدرك ـ دون عناء فكري ـ أن الوئام المجتمعي ليس قيمة ثانوية، بل هو مقصد عظيم من مقاصد هذا الدين العظيم.
لقد دعا الإسلام إلى الأخوة، والوحدة، والتعاون على البر والتقوى، والإصلاح بين الناس. ونهى عن الفِرقة، والنزاع، والعصبية، والظلم، وجعل إصلاح ذات البين من أفضل القربات إلى الله تعالى.
وإذا كان الوئام المجتمعي بهذه المنزلة في الإسلام، فإن ذلك يقودنا تلقائيا إلى إدراك المكانة المحورية للغة العربية في تحقيق هذا الوئام، وذلك لكونها هي اللغة التي اختارها الله سبحانه وتعالى ـ لحكمة يعلمها ـ لتكون لغة القرآن الكريم آخر كتبه المنزلة، ووعاءً للشريعة الإسلامية، وبذلك أصبحت لغة الدين الإسلامي. ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ صدق الله العظيم.
إن اللغة العربية بالنسبة للمسلم ليست مجرد لغة من اللغات، وإنما هي لغة أسمى من كل اللغات بعد أن نزل بها القرآن، ولذلك فهي يجب أن تحتل لدى كل مسلم مكانة لا تنافِسها ـ أو هكذا يفترض أن تكون ـ أيُّ لغة أخرى، حتى ولو كانت لغته الأم، فاللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي تمكن المسلم من تدبر القرآن، وفهم السنة، واستيعاب القيم والمبادئ التي جاء الإسلام لترسيخها، ومن تلك القيم الأخوة والوئام المجتمعي.
ومن المعلوم بداهة أن اللغة العربية لم تعد لغة قوم بعد أن نزل بها القرآن، وإنما أصبحت لغة دين ولغة الأمة الإسلامية جمعاء، أو هكذا يجب أن تكون. ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نفهم جانبا مهما من الدور الذي يمكن أن تؤديه اللغة العربية في تعزيز الوئام المجتمعي في البلدان الإسلامية، وفي موريتانيا خصوصا، والتي هي محور هذه المداخلة.
لم يكن هناك أي إشكال في موريتانيا في الوئام المجتمعي ولا في التعايش بين المكونات الوطنية من أصول عربية أو افريقية، قبل مجيء الاستعمار. ولم يكن يوجد كذلك أي إشكال في الوئام اللغوي ـ إن جاز استخدام هذا المصطلح ـ بين اللغة العربية ولغاتنا الوطنية الأخرى، فقبل دخول الاستعمار، كان التعايش قائما بين مكوناتنا ولغاتنا الوطنية على الوجه الذي يجب أن يكون، فنسبة كبيرة من مفردات لغاتنا الوطنية التي كانت تكتب بالحرف العربي، هي من أصل عربي. وكانت اللغة العربية هي لغة المحاظر المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد بما في ذلك ولايات الضفة، وكانت هي لغة المعاملات والتوثيق الشرعي لجميع مكوناتنا الوطنية.
ولكن، ومع مجيء الاستعمار، بدأ العمل على خلق صراع بين المكونات الوطنية العربية والافريقية، فحاول المستعمر ـ وبذل في ذلك جهودا كبيرة ـ أن يقطع الصلة القائمة بين اللغة العربية واللغات الوطنية الأخرى، فأحرق المكتبات الإسلامية في بعض مناطق الوطن، وعندما بدأ يفتح مدارسه، خصص مدارس لمدن الضفة كانت اللغة الفرنسية فيها إلزامية، ولم تكن تدرس فيها اللغة العربية، وخصص مدارس أخرى للمكون العربي، وكانت اللغة الفرنسية فيها اختيارية في المرحلة الأولى، في حين كانت اللغة العربية إلزامية.
لقد أراد المستعمر بهذه الثنائية اللغوية في مدارسه ـ والتي ما تزال تفعل أفاعلها فينا حتى اليوم ـ أن يجعل اللغة العربية لغة هوية خاصة بإحدى المكونات الوطنية، وذلك بدلا من أن تظل ـ كما كانت قبل مجيئه ـ لغة لجميع الموريتانيين.
لقد جاءت اللغة العربية إلى إفريقيا مع الإسلام، والإسلام لم يحمل مشروعا استعماريا، وإنما جاء لنشر قيم الإخاء والتكافل والوئام المجتمعي بين الناس، ونبذ العصبيات القائمة على اللون أو العرق. قال جل من قائل ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى."
لقد جاءت اللغة العربية إلى إفريقيا مع دين الإسلام القائم على الأخوة ونبذ العصبية، بينما جاءت اللغة الفرنسية مع المستعمر الفرنسي الذي نهب الخيرات، وفرق بين الناس ضمن سياسة فرق تسد، كما هو حال أي مستعمر آخر، ومع ذلك فما زال من بيننا، وحتى اليوم، من يفضل لغة المستعمر على اللغة العربية، فيا للعجب!
إن الوئام المجتمعي لا يمكن أن يتحقق إلا في بلد آمن، قائم على العدل، وقادر على تحقيق تنمية اقتصادية يقطف كل أفراد الشعب ثمارَها، فأي دور يمكن أن تلعبه اللغة العربية في بناء دولة موريتانية قوية قادرة على تحقيق الوئام المجتمعي بين مختلف مكوناتها الوطنية؟
إن تحقيق الوئام المجتمعي في موريتانيا، يستلزم جملة من المرتكزات والأساسيات، لعل من أهمها:
أولا/ إصلاح الإدارة
إن الوئام الاجتماعي لن يتحقق في ظل وجود إدارة عمومية لا تقرب خدماتها من المواطن، ولا تكرس مبدأ المساواة في النفاذ إلى الخدمة العمومية، ولا تخاطب المواطن بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفترض فيه أنه يفهمها. إن الشرط الأساسي في إصلاح الإدارة، يتمثل في تقريب خدماتها من المواطن، ولا يمكن تقريب خدمات الإدارة من المواطن دون مخاطبته بلغته الرسمية. وعندما تُخاطب الإدارة المواطنين بلغة يفهمونها (اللغة العربية)، فإنها بذلك تعزز الشفافية، وتكرس المساواة، وتبني جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، والثقة المتبادلة هي أحد أهم الأسس التي يقوم عليها الوئام المجتمعي.
ثانيا/ محاربة الفساد
لا يمكن أن نتحدث عن وئام مجتمعي في بلد تفشى فيه الفساد، ولا يمكن أن نحارب الفساد دون رقابة شعبية على إنفاق المال العام، ولا يمكن أن نتحدث عن رقابة شعبية على إنفاق المال العام، وذلك في وقت تنفق فيه 60 % من ميزانية الدولة على الصفقات العمومية، وكل الوزارات والمؤسسات العمومية تشترط استخدام لغة أجنبية في كل مراحل إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية.
فمن أجل أن تكون هناك رقابة شعبية على الصفقات العمومية التي تستنزف فيها نسبة كبيرة من ميزانية الدولة، ألزمت المؤسسات الدولية بنشر كل ما يتعلق بالصفقات العمومية حتى يطلع عليه المواطن، وبالفعل فإن النشر يتم في بلادنا، ولكنه يتم بلغة أجنبية لا تفهمها أغلبية الشعب الموريتاني، مما يعني أن الهدف من النشر لم يتحقق أصلا، على الأقل بالنسبة لأكثر 90% من الشعب الموريتاني ممن لا يفهمون اللغة الفرنسية. إن اللغة الفرنسية من هذا المنظور أصبحت تشكل عائقا لتفعيل الرقابة الشعبية على المال العام، وبذلك فهي تحمي الفساد والمفسدين.
لا يمكن أن نحقق وئاما مجتمعيا بدون محاربة الفساد، ولا يمكن أن نحارب الفساد دون أن تكون هناك رقابة شعبية فعالة، ولا رقابة شعبية فعالة في ظل إدارة تتحدث بلسان أجنبي غير مبين لا يفهمه المواطن.
ثالثا/ الحد من الفوارق الاجتماعية
لا يمكن أن نحقق الوئام المجتمعي إلا من خلال القضاء على التفاوت الطبقي والحد من الفوارق الاجتماعية بين المواطنين. لقد أفرز واقعنا اللغوي المختل تمييزا بين المواطنين، خاصة في الولوج إلى الوظيفة، والترقية الإدارية، والاستفادة من فرص التكوين والعمل، حيث بات تعلم اللغة الفرنسية ونيل الشهادات بها شرطا غير معلن للتوظيف في الكثير من القطاعات وللترقي في قطاعات أخرى، وهذا الشرط لا أساس قانوني له، ولا تفرضه طبيعة الوظائف والمهام.
لقد انعكس ذلك سلبا على فئات واسعة من حملة الشهادات باللغة العربية، وعلى أبناء الأسر ذات الدخل المحدود، التي لا تتمكن من تعليم أبنائها في مدارس خاصة تُدرس باللغة الفرنسية، مما وسَّع من الفجوة الاجتماعية، وربط الإشكال اللغوي المفروض في بلادنا بالتمايز الطبقي داخل مكونات المجتمع.
فبعد التخرج، وكما يحدث دائما، تتناقص حظوظ أبناء الفئات الهشة في الحصول على وظائف، وذلك بسبب الوساطة أولا، وبسبب سيطرة اللغة الفرنسية على سوق العمل ثانيا.
إنه ليس من الممكن أن نتحدث عن وئام مجتمعي دون سياسة اجتماعية تمكن من نهوض الفئات الهشة، ولن نتمكن من النهوض بالفئات الهشة دون أن نعطي للغة العربية مكانتها التي تستحق في التعليم والتوظيف في القطاعين العام والخاص.
رابعا/ إصلاح التعليم
يعدُّ إصلاح التعليم شرطا اساسيا لإحداث أي نهضة في أي بلد، ولا يمكن لبلد متعثر تنمويا أن يحقق انسجاما اجتماعيا بين مكوناته، ويتفق خبراء التربية والمنظمات الدولية المختصة، على أن التعليم باللغة الأم يعدُّ شرطا أساسيا للنهوض بالتعليم، ولإنجاح أي إصلاح تعليمي.
إن التعليم باللغة العربية يعدُّ شرطا أساسيا لإصلاح التعليم، وإصلاح التعليم يعد شرطا أساسيا لتحقيق التنمية في بلادنا، وبدون تحقيق تنمية فلن يكون بإمكاننا أن نحقق الوئام المجتمعي بين مكونات شعبنا، وهنا تظهر أيضا الصلة القوية التي تربط اللغة العربية بالوئام الاجتماعي.
خامسا/ تعزيز الوحدة الوطنية
إن غياب سياسة لغوية واضحة ومُعلَنة، تُطبَّق على الجميع دون استثناء، سيفتح دائما المجال أمام التأويلات، ويُغذّي الشكوك المتبادلة، ويُستثمر أحيانًا لإثارة حساسيات لا تخدم الوئام المجتمعي.
فالوحدة الوطنية لا تُبنى على الغموض، بل على الوضوح، ولا تُحمى بتأجيل القضايا ذات الصلة بهوية البلد، وإنما بحسم تلك القضايا في إطار القانون والاحترام المتبادل.
إن تعليم أطفال موريتانيا ـ كل أطفال موريتانيا ـ بلغة واحدة مشتركة (اللغة العربية)، ستجعل كل طفل يشعر أنه جزء من مشروع مجتمعي واحد، في حين أن تعليمهم بلغات متعددة كما كان يحدث في الماضي، تنتج أجيالا يصنف بعضها البعض ب "الآخر".
لا وئام مجتمعي دون وحدة وطنية، ولا وحدة وطنية يمكن أن تتحقق في بلدنا إلا إذا كانت هناك لغة جامعة في التعليم والإدارة، أي لغة رسمية يتحدث بها الجميع في الفضاءات الرسمية.
سادسا/ دولة القانون
على من يسعى حقا لبناء دولة قانون ومؤسسات، قادرة على خلق وئام مجتمعي بين مكونات الشعب، أن يدرك أنه لا يمكن أن نبني دولة قانون ومؤسسات ونحن نعطل مادة من مواد الدستور الموريتاني.
لا يمكن أن نبني دولة قانون ومؤسسات ونحن نميز بين مواد الدستور الموريتاني، نتحرك بقوة عندما نشعر بمحاولة المساس بالمادة 28 من الدستور مثلا، والتي تقول: " يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة". وفي المقابل فإننا نبقى على الصامت، ونحن نتابع الانتهاك اليومي للمادة السادسة من الدستور نفسه، والتي تقول: " اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية . اللغة الرسمية هي العربية".
فبأي منطق ندافع بقوة عن المادة 28 من الدستور، ونتجاهل بشكل كامل الانتهاكات اليومية للمادة السادسة من الدستور نفسه؟ وهل يمكن بناء دولة قانون ومؤسسات في بلد تمارس نخبه تمييزا فاضحا بين مواد الدستور؟ وهل يمكن أن نحقق وئاما مجتمعيا خارج دولة القانون والمؤسسات؟
سابعا/ حقوق المستهلك
يُوَقِّع المستهلك الموريتاني على عقود عديدة مع شركة الماء والكهرباء والبنوك وشركات الاتصال، دون أن يفهم أي شيء مما وقع عليه، وتأتيه فواتير من شركة الكهرباء والماء بلغة لا يفهمها، وبذلك يضيع أحد أهم حقوقه كمستهلك، أي معرفة تفاصيل ما في الفواتير التي سيسدد، وما في العقود التي سيوقع.
إن مخاطبة المستهلك بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفترض أنه يفهمها، هي حق أساسي من حقوقه التي لا يجوز تعطيلها، وعندما يُحرَم أغلب المواطنين من معرفة ما يُوقّعون عليه من عقود، وما يدفعون ثمنه من فواتير، ستتولد لديهم مشاعر الظلم والإقصاء في بلدهم، وهي مشاعر تؤثر سلبا على التماسك والوئام المجتمعي.
ختاما
أختم هذه المداخلة التي أعِدت على عجل بالقول إنه لن يكون بإمكاننا في موريتانيا أن نحقق العدالة، ونضمن تكافؤ الفرص، ونعزز من الشفافية، ونرسخ دولة القانون والمؤسسات، ونبني الثقة بين المواطن والإدارة، إلا إذا جعلنا من اللغة العربية لغة رسمية جامعة في التعليم والإدارة. فاللغة العربية، بحكم مكانتها الدينية، ووضعها الدستوري، ودورها التاريخي في موريتانيا، تمثل لغة جامعة، في الوقت الذي تمثل فيه لغاتنا الوطنية الأخرى ثروة ثقافية وحضارية مشتركة، يجب أن نحافظ عليها جميعا ونعمل معا على تطويرها.
تنبيه: هذا المقال بعد تعديلات بسيطة هو نص لمداخلة رئيسية قدمتها في ندوة نظمها مجلس اللسان العربي في موريتانيا في مقره يوم السبت 1 أغسطس 2026، وكانت بعنوان:" اللسان والإنسان... العلاقة بين اللغة العربية والوئام المجتمعي".
حفظ الله موريتانيا..
السبت، 1 أغسطس 2026
10 سنوات من التوعية... 10 مطالب لإنقاذ الأرواح
شاركتُ بالأمس في ورشة تحسيسية نظمتها سلطة تنظيم النقل الطرقي. وكانت لي مداخلة عن دور المجتمع المدني في الحد من حوادث السير، وقد اختتمتُ مداخلتي بحزمة من المقترحات والتوصيات، وذكرت في المداخلة بعض المطالب التي سنرفعها خلال الموسم التوعوي العاشر للحملة الذي سنطلقه يوم السبت القادم (7 أغسطس 2026) من ساحة أول مجسم توعوي للسلامة الطرقية في موريتانيا...
10 سنوات من التوعية... 10 مطالب لإنقاذ الأرواح.
■ 1 - تأسيس هيئة عليا خاصة بالسلامة الطرقية تتبع للرئاسة أو الوزارة الأولى؛
■ 2 - المسارعة بتشييد طريق مزدوج بين نواكشوط ـ بوتلميت؛
■ 3 - تعزيز الطب الاستعجالي بمروحيات طبية، مع توفير آليات تدخل ثقيلة للتعامل مع انقلاب وسقوط الشاحنات؛
■ 4 - نشر الإحصائيات الرسمية المتعلقة بحوادث السير بشكل فوري ومستمر؛
■ 5 - افتتاح السنة الدراسية (2026 ـ 2027) بدرس موحد في السلامة الطرقية؛
■ 6 - إطلاق "تطبيق سلامتي" واعتماد الرقمنة بشكل أوسع في مجال السلامة الطرقية؛
■ 7 - توحيد الهوية البصرية لنقاط التفتيش على مختلف المحاور الطرقية؛
■ 8 - إطلاق حملة توعوية تستهدف الدراجات النارية التي أصبحت تشكل جزءا مهما من مشهد حركة السير في بلادنا؛
■ 9 - الصرامة في منح رخص السياقة، وتحديد مدة زمنية لصلاحية الرخصة، وإدخال نظام التنقيط لسحبها؛
■ 10 - تنظيم منتديات وطنية حول السلامة الطرقية، واعتماد "نداء جوك" كوثيقة تأطيرية.
#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع
#معا_للحد_من_حوادث_السير
#الذكرى_العاشرة.
الأربعاء، 29 يوليو 2026
عن الملتمس الذي يدعو خفية لدولة المحاصصة
يمكن تلخيص أبرز مكامن خطورة الملتمس الذي ألقي به مؤخرا في ساحتنا الإعلامية والحقوقية والسياسية العقيمة، في النقاط التالية:
أولا: أنه يدعو إلى الانتقال من دولة تقوم على فكرة الشعب الواحد، إلى دولة قائمة على فكرة المكونات المتعددة المعترف بها دستوريا؛
ثانيا: أن الاعتراف الدستوري بالمكونات سيفتح بابا يصعب غلقه مستقبلا، فبعد فتح هذا الباب البالغ الخطورة، فلن يكون بالإمكان منع أي جماعة أو مجموعة من الموريتانيين من المطالبة بالاعتراف بها هي الأخرى كمكون معترف به دستوريا؛
ثالثا: أن الملتمس يجعل الانتماء العرقي أو الشرائحي أساسا للحقوق والامتيازات، بينما كان أساسها في الدستور هو المواطنة؛
رابعا: أن الملتمس يسعى إلى معالجة التمييز والتفاوت الاجتماعي باستحداث تمييز دستوري جديد، أي إنه يقترح مكافحة التمييز من خلال خلق تمييز دستوري جديد قائم على أساس الانتماء العرقي أو الشرائحي؛
خامسا: أن ما قد تلجأ إليه الدولة من تمييز إيجابي في بعض سياساتها العمومية يظل، من حيث الأصل، تدابير مرحلية مؤقتة، قابلة للمراجعة والتقييم والتعديل في أي وقت. أما إذا أدرج هذا التمييز في الدستور، فإنه يتحول إلى مادة دستورية ثابتة، لا يمكن تغييرها إلا عبر تعديل دستوري جديد؛
سادسا: أن الملتمس يعزز الانتماءات الفرعية والضيقة، ويمنحها مكانة دستورية، وسيكون ذلك ـ وبكل تأكيد ـ على حساب الانتماء الوطني الجامع.
سابعا: أن ما يدعو إليه الملتمس يحمل مخاطر جدية على الوحدة الوطنية، لأنه يؤسس تدريجيا لدولة المحاصصة، وتجارب دول المحاصصة معروفة؛
ثامنا: أن الملتمس يسعى، من الناحية العملية، إلى إخراج فئة من المواطنين من دائرة المواطنة الجامعة، التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون، إلى دائرة الانتماء الشرائحي بوصفه مكسبا للحصول على حقوق أو امتيازات خاصة.
الثلاثاء، 28 يوليو 2026
من الاقتراح إلى التنفيذ... (النسخة الأولى من جائزة الحافظ المتفوق)
على بركة الله..
قبل أيام نشرتُ مقالا بعنوان "حفظوا القرآن فتفوقوا"، قدمتُ فيه سبعة مقترحات لجهات متعددة، قناعة مني بأن أبناءنا التلاميذ الذين جمعوا بين حفظ القرآن الكريم والتفوق الدراسي يستحقون علينا تكريما ولو رمزيا، وأن ذلك التكريم سيكون له أثر تربوي كبير.
إن من واجبنا جميعا أن نكرمهم ونقدمهم قدوات لأبنائنا الذين يواجهون تحديات كبيرة في عصر سيطرة التفاهة، وتفشي الجريمة، وانحلال الاخلاق.
ولأنني أومن أن من يقدم مقترحا -أَيًّا كان- ينبغي عليه أن يكون أول الساعين إلى تنفيذه، وأن السعي إلى ذلك هو ما سيشجع عمليا الجهات المعنية إلى تبنيه وتنفيذه، وعليه، أعلن اليوم على بركة الله عن الشروع في محاولة تنفيذ المقترحين الأول والسادس من المقال المذكور:
■ إطلاق النسخة الأولى من جائزة "الحافظ المتفوق".
■ تنظيم ندوة فكرية بعنوان: "حفظ القرآن والتفوق الدراسي".
سيتم دمج المقترحين في نشاط واحد، أي تنظيم ندوة وعلى هامشها توزع الجوائز، احتفاءً بالنماذج المتميزة التي جمعت بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي، وإبراز تلك النماذج لتكون قدوة لأبنائنا وبناتنا.
ولعل أكثر ما شجعني على الشروع في محاولة إطلاق النسخة الأولى من جائزة " الحافظ المتفوق"، ولو بشكل رمزي، هو تجربة سابقة عشتها قبل ثلاث سنوات.
ففي السادس والعشرين من أغسطس من العام 2023، وبعد أن طالبتُ قبل ذلك بتنظيم استقبال رسمي وشعبي لمن يعود من شبابنا إلى أرض الوطن بجائزة متقدمة في مسابقة إقليمية أو دولية في القرآن الكريم، بادرت حينها بإطلاق دعوة لتنظيم استقبال شعبي رمزي للقارئة المتميزة خديجة سيدي المختار بعد حصولها على المركز الثالث في مسابقة ماليزيا الدولية للقرآن الكريم.
وقد استجاب البعض - مشكورا - لتلك الدعوة، فنظمنا استقبالا رمزيا للقارئة خديجة، وكان - بحمد الله - بداية لسنة حسنة. فمنذ ذلك الوقت أصبح كبار الموظفين في وزارة الشؤون الإسلامية يستقبلون رسميا في المطار أبناءنا وبناتنا الفائزين بجوائز متقدمة في المسابقات القرآنية الدولية، كما أصبحت الاستقبالات الشعبية والتكريمات الرمزية عادة حسنة يحرص عليها القراء والشباب.
ومن تلك التجربة ومن غيرها من التجارب، أصبحتُ أؤمن أن مثل هذه الأنشطة الرمزية، قد تكون بداية لأنشطة رسمية وشعبية أوسع، وبذلك يتحقق الهدف المطلوب منها.
▪︎ دعوة خاصة بالمتفوقين
أدعو جميع المتفوقين في باكالوريا 2026 الذين جمعوا بين حفظ القرآن الكريم والتفوق الدراسي، ممن تنطبق عليهم إحدى الحالات التالية:
- الثلاثة الأوائل وطنيا في مختلف الشعب.
- الثلاثة الأوائل في كل شعبة.
- الأول على مستوى ولايته، أو عاصمة ولايته، في أي شعبة.
- الأوائل وطنيا في شهادة ختم الدروس الإعدادية ومسابقة دخول سنة أولى إعدادية.
أدعو من كان موجودا من هؤلاء في العاصمة نواكشوط حاليا، أو يستطيع الحضور للمشاركة في حفل التكريم، أن يتواصل معي على الخاص، حتى أتمكن من إعداد القائمة النهائية للحفاظ المتفوقين الذين نسعى إلى تكريمهم.
▪︎ دعوة خاصة بالمؤسسات ورجال الأعمال والمحسنين
كما أدعو كل مؤسسة، أو رجل أعمال، أو جمعية، أو شخصية وطنية، أو أي محسن، يرغب في تقديم جائزة تحمل اسمه أو اسم مؤسسته، ويسلمها هو أو من ينوب عنه ضمن هذا الحفل، إلى التواصل عبر الخاص.
وستتراوح قيمة الجوائز حسب مستوى الحفظ والتفوق بين 500 و100 ألف أوقية قديمة، مع ضرورة التأكيد على أن القيمة الحقيقية لهذه الجائزة ليست في جانبها المادي، وإنما في رسالة التكريم المعنوي والرمزي التي تقول لأبنائنا المتميزين: إن المجتمع يثمن اجتهادكم، ويقدر حفظكم لكتاب الله، ويفتخر بتفوقكم الدراسي.
كما أن باب المساهمة مفتوح لكل من يرغب في دعم الجوانب التنظيمية الأخرى، مثل:
- توفير قاعة الاحتفال.
- استراحة القهوة والشاي.
- الدروع والشهادات التكريمية.
- التغطية الإعلامية.
- الجوانب اللوجستية والتنظيمية الأخرى.
اليوم المتوقع للحفل التكريمي: السبت، 15 أغسطس 2026
#حفظوا_القرآن_فتفوقوا
#حفظوا_القرآن_فتميزوا
الصور من حفل استقبال القارئة المتميزة خديجة سيدي المختار عند ملتقى البراد على طريق المطار..
دعاة المأمورية الثالثة في الماضي والحاضر
إذا رأيتم الرجل - موظفا كان أو سياسيا - يدعو إلى مأمورية ثالثة، وخاصة بعد المؤتمر الصحفي للرئيس، فاعلموا أنه فشل تماما في تأدية مهامه، وفي دعم الرئيس في مأموريته الثانية. ولأنه فشل في مهامه، فلم يجد وسيلة للظهور إلا من خلال الدعوة لمأمورية ثالثة..
من الطبيعي جدا أن يسعى السياسي إذا لم يذكر إيجابا بعمل حسن، أن يسعى لأن يذكر سلبا بعمل سيء ..المهم أن يذكر، فاحرموا من يطالب بمأمورية ثالثة من التعليق، حتى ولو كان نقدا، فتلك هي أنجع وسيلة لعقابه.
سأضيف إلى هذا المنشور مضمون مكالمة غريبة من أحد سلف دعاة المأمورية الثالثة، ولكن قبل ذلك، أقول لمن سيسأل عن فشل من دعا اليوم لمأمورية ثالثة.
من دعا لمأمورية ثالثة هو رئيس جهة لبراكنة، ولبراكنة بالمناسبة هي من الولايات التي تقلص فيها الفارق بشكل كبير بين فخامة الرئيس ومعارضيه في الانتخابات الرئاسية الماضية، رغم وجود رئيس الجهة الذي يدعو اليوم لمأمورية ثالثة، والذي لم يكن وحده في الميدان، فقد وجد الدعم من رئيس البرلمان ورئيس المجلس الدستوري والوزير الأول ومدير سنيم ومع ذلك فلم يستطع أن يجعل ولاية لبراكنة من الولايات التي تمكنت من أن تزيد من حجم الفرق بين الرئيس ومنافسيه في الانتخابات الرئاسية الماضية.
إن أفضل وسيلة للتغطية على الفشل في زيادة حجم الفارق بين الرئيس ومنافسيه في انتخابات ما قبل المأموريته الثانية، هي أن تدعوه للترشح لمأمورية ثالثة.
قصة من سلف دعاة المأمورية الثالثة
لما طالب بعض الوزراء في عهد الرئيس السابق بمأمورية ثالثة (لا تسألوني أين هم الآن)، اتصلت بأحد كبار المحامين في البلد، وسألته إن كان بإمكاني أن أرفع قضية ضد أولئك الوزراء بمناسبة دعوتهم لانتهاك الدستور.
أكد لي المحامي أنه لا احتمال لكسب تلك القضية قانونا، ولكن في المقابل، يمكنني أن استغلها إعلاميا ضدهم، وذلك بصفتهم دعاة لانتهاك الدستور.
المهم أنني بدأت العمل بنصيحة المحامي، وركزت في تلك القضية على الشق الإعلامي مع علمي أني لن أكسبها قانونا.
في بداية الحملة الإعلامية ضد الوزراء الثلاثة الذين دعوا للمأمورية الثالثة، اتصل بي هاتفيا شخص معروف، وسألني إن كنت أنا محمد الأمين فأجبته بنعم، فانفجر غاضبا بكلام بلا أول ولا آخر خلاصته أنه أراد أن يسألني: بأي منطق أشكو من الوزير فلان وفلان وفلان ( وزراء العدل والداخلية والثقافة)، ولا أشكو منه هو، فهو صاحب أول دعوة لانتهاك الدستور، وهو من فعل كذا وكذا في سبيل تعديل الدستور من أجل مأمورية ثالثة؟
المهم أني فهمت من كلام محدثي الغاضب أنه يريدني أن أشكو منه قبل أن أشكو من أي شخص آخر لأنه هو صاحب براءة اختراع أول دعوة للمأمورية الثالثة.
بعد أن خف غضب محدثي قليلا، بدأ يحدثني بأسلوب أكثر هدوءا ولباقة، وألمح أنه يريدني أن أزوره في المنزل للتعارف أكثر (دعوة لوليمة)، ويبدو أن الهدف من كل ذلك هو أن أرفع شكوى ضده لأنه دعا لانتهاك الدستور، فهو أولى بتلك الشكوى من الوزراء، خاصة وأن دعوته لانتهاك الدستور جاءت قبل دعوتهم لانتهاكه.
منذ تلك المكالمة العجيبة الغريبة أدركت أن ما يريده دعاة انتهاك الدستور هو أن يتهجم عليهم الآخرون، وتشن ضدهم حملات إعلامية، حتى يلعم الرئيس بما دعوا إليه، وحتى يظهروا بمظهر من يتعرض لحملات تشويه إعلامية بسبب وقوفهم مع الرئيس، ودعوتهم لاستمرار حكمه.
إنه مستوى من التطبيل لا يفهمه إلا المطبلون الكبار.
لذلك. فقد قلتُ في منشوري لسابق بأن أفضل وأنجع وسيلة للتعامل مع دعاة المأمورية الثالثة، هي تجاهلهم بشكل كامل.
لا تعلقوا على دعواتهم لمأمورية ثالثة، حتى ولو كان تعاليقكم منتقدة لهم، فتجاهلهم التام هو أخطر سلاح يمكن أن نواجههم به.
اسمحوا لي فقد علقت على أحدهم في هذا المنشور، عكس لما طلبت منكم. ولكن دافعي في ذلك هو تنبيهكم على أهمية التعليق عندهم، فاحرموهم مما يحبون ومما يريدون.
الأحد، 26 يوليو 2026
قراءة تحليلية معمقة في مؤتمر فخامة الرئيس
تابعتُ من خلال البث المباشر المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية بحضور أكثر من 100 صحفي ومدون، وقد استمر هذا المؤتمر لثلاث ساعات وأربعين دقيقة، طرح خلالها 14 سؤالا، مما يعني بلغة المتوسطات الإحصائية أن طرح السؤال والإجابة عليه استغرقا في المتوسط ربع ساعة، وهو ما يعني أن الرئيس قد وجد الوقت الكافي لتقديم إجابات مفصلة على الأسئلة التي طرحت.
سأقدم في هذا المقال المطول قراءة تحليلية معمقة للمؤتمر الصحفي
للرئيس، وأرجو لهذه القراءة أن تتسم بالموضوعية والمهنية، وأنصح ـ مسبقا ـ الذين
يبحثون عن آراء انطباعية مختصرة جدا ألا يتعبوا أنفسهم بقراءة المقال، كما أنصح
الذين يبحثون عن قراءة "موالية" لا ترى نقصا في المؤتمر الصحفي للرئيس،
أو قراءة "معارضة" لا ترى فيه فضلا. أنصح هؤلاء وأولئك بعدم قراءة هذا
المقال المطول الذي سيستهلك الكثير من أوقاتهم الثمينة، دون أن يجدوا فيه بضاعتهم
التي يبحثون عنها.
خروج مشرف من مخاطرة التوقيت
لقد كانت هناك مخاطرة كبيرة في اختيار التوقيت، فأن يعقد رئيس
الجمهورية مؤتمرا صحفيا بعد سبع سنوات من الحكم لم ينظم خلالها مؤتمرا صحفيا بهذا
الشكل، ولم يظهر فيها أي انفتاح يذكر على الصحافة الوطنية، وأن يأتي هذا المؤتمر
في ظل أزمة عالمية انعكست آثارها بشدة على البلاد، خاصة في شقها المتعلق بارتفاع
أسعار المحروقات، وأن يأتي كذلك قبل انطلاق الحوار الذي تعثر كثيرا، وفي ظل تفجر
نقاش سياسي حاد بسبب الإجراءات المتخذة ضد نائبتين محسوبتين على المعارضة، وأن
يتزامن مع إعلان نتائج الباكالوريا التي لم تكن جيدة، وأن يستبق موسم الخريف الذي
يتراجع فيه قلق وتوتر الكثير من الموريتانيين. أن يأتي المؤتمر الصحفي للرئيس في
ظل كل هذه التعقيدات التي ذكرنا وتعقيدات أخرى لم نذكرها، فإن في ذلك لمخاطرة
كبيرة، ولذا فقد كان يكفي للقول بنجاح هذا المؤتمر أن يخرج الرئيس منه دون خسائر
تذكر، والحق يُقال، فالرئيس لم يكتف بالخروج من هذه المخاطرة بأقل خسائر، وإنما
خرج منها بنجاح كبير.
لقد جاء الصحفيون للمؤتمر وهم يسرون في أنفسهم بعض المآخذ على الرئيس
الذي لم يظهر أي انفتاح عليهم خلال سنواته السبع الماضية، ولا يحتاج المتابع للشأن
العام للكثير من الفطنة لاستشعار ما كان يخبئه الصحفيون في أنفسهم، فكثير منهم جاء
وفي مخيلته صورة نمطية عن رئيس يتهرب من الصحافة، ويتحاشى مواجهتها، ومنهم من جاء يسعى
لإحراج الرئيس في بث مباشر سيتابعه عشرات الآلاف على الأقل.
تبخرت الصور النمطية من مخيلة الصحفيين مبكرا، وأظهر الرئيس الكثير من
المرونة واللباقة مع الصحفيين، فخاطب الكثير منهم بأسمائهم، وبذلك أبطل مفعول بعض
الأسئلة "المخصبة نوويا"، فلم تنفجر في القاعة، بل أكثر من ذلك فقد حوًّل
أجواء المؤتمر الصحفي التي كان يتوقع لها "خبراء الرصد" أن تمطر مفاجآت ولقطات
إثارة وربما تشنجات في غير صالحه، حولها إلى أجواء هادئة وودية، وبقيت كذلك رغم
طول مدة المؤتمر، وما سبقه من طول انتظار، وفي ظل غياب أي شيء يمكن اللجوء إليه،
حتى الماء فقد كان غائبا، ولم يوضع أمام الرئيس كأس ماء يأخذ منه جرعة بين السؤال
والسؤال، أو بين الساعة والساعة.
وفي مداخلة ذكية، جمعت بين الجدية والدعابة، وربما تكون من أكثر
الوسائل فعالية لتلطيف أجواء المؤتمر، برر الرئيس تأخر اللقاء مع الصحافة بكونها لم
تعبر فيما مضى عن الحاجة إلى لقاء معه، وأن عندها من الأخبار الكثير. قال ذلك
بطريقة يفهم منها أنه أراد أن يقول إنها تمتلك من الأخبار أكثر مما يمتلك القائمون
على إدارة شؤون البلد.
خلاصة هذه الفقرة الأولى من المقال: لقد خاطر الرئيس في تنظيم مؤتمره
الصحفي في توقيت حرج، ومع ذلك فقد استطاع أن يحطم الصورة النمطية التي رسمها عنه
بعض الصحفيين. كما استطاع أن يظهر للرأي العام الوطني وللشعب عموما، من خلال هذا
المؤتمر، أنه يتابع جميع الملفات بشكل جيد، وعلى إلمام بكل تفاصيلها.
الرئيس والإعلام
قبل أن أبدأ في التعليق على بعض الأسئلة وأجوبتها، قد يكون من المهم أن
نتحدث قليلا عن إخفاق الذراع الإعلامي للرئيس أو على الأصح للنظام بشكل كامل،
وللتحدث كذلك عن إخفاق الإعلام العمومي الذي تنفق عليه المليارات من أموال الشعب
الموريتاني، والذي يبدو أنه فشل كما فشل الذراع الإعلامي للنظام في تسويق منجزات
الحكومة.
قد يقول قائل إن تسويق العمل الحكومي ليس أولوية من أولويات للإعلام
العمومي. هذا قولٌ صحيحٌ، ولكن من المعروف أن مهمة الإعلام العمومي الأولى في
بلدنا، وربما الأخيرة، هي تسويق إنجازات الحكومة، وهو عندما يفشل في تسويق إنجازات
الحكومة يكون قد فشل في كل شيء.
من الراجح، حسب بعض المؤشرات الدالة، أن الرئيس غير راض عن أداء الذراع
الإعلامي لنظامه في تسويق منجزاته، ويظهر عدم الرضا في خطاباته التي يلقي في المناسبات
المعهودة كمناسبة الاستقلال مثلا، فهو في هذه المناسبة يلقي خطابا مطولا، يعدد فيه
الإنجازات، وكأنه يشعر بأن إنجازاته لم تسوق إعلاميا وسياسيا بشكل جيد، وربما يكون
سبب تنظيم المؤتمر الصحفي هو شعور الرئيس بأن إنجازاته لم تسوق بشكل جيد، وإذا كانت
هذه الفرضية صحيحة، فمن حقنا أن نسأل لماذا تأخر الرئيس في تنظيم مؤتمره الصحفي لسبع
سنوات؟ أليس في تأخيره إضاعة لفرصة التحدث بشكل مباشر للصحفيين ومن خلالهم للرأي
العام الوطني عن المنجزات التي تحققت؟ وإذا كان الرئيس غير راض عن أداء الذراع
الإعلامي لنظامه فلماذا لا يحدث تغييرا جوهريا في هذا الذراع؟
إن فرضية عدم الرضا عن الذراع الإعلامي، إن استخدمناها في هذا
التحليل، فإنها ستصطدم بقوة بإحدى إجابات الرئيس التي قال فيها إنه راض تماما عن
أداء الحكومة، فهذا يعني أنه راض تماما عن أداء الإعلام الرسمي الذي يشكل جزءا لا
يتجزأ من أداء الحكومة.
في المجمل، فإن هناك مقاييس وأدلة
قد تساعدنا في الحكم على حسن أو جودة أداء الحكومة، أي حكومة كانت، ويمكن أن نجمع
هذه الأدلة والمقاييس في شرطين أساسيين، لا بد من توفرها للحكم بالإيجاب على
الأداء الحكومي:
1 ـ أن تكون هناك إنجازات ملموسة قد تحققت على أرض الواقع؛
2 ـ أن يتولد لدى المواطن شعور قوي بوجود تلك الإنجازات.
وفي ظل غياب أي من الشرطين فسيكون من الصعب جدا الحكم إيجابا على حسن
الأداء الحكومي، فإذا ما تحققت إنجازات على الأرض، ولم يتم تسويقها إعلاميا لدى
المواطن حتى يستشعرها، فسيبقى الأداء الحكومي في هذه الحالة دون المستوى المطلوب.
وإذا ما اعتبرنا أن الشرط الأول قد تحقق، فمن المؤكد أن الشرط الثاني لم يتحقق،
فالكثير من المواطنين لا يشعر اليوم بما تحقق من إنجازات.
يمكنني أن أجزم بأن أكثر من 90 % من النخبة، ولا أقول من المواطنين العاديين، لم
تكن على علم قبل مؤتمر الرئيس من أن نسبة صفقات التراضي كانت تمثل 27% في العام 2019، وأنها انخفضت إلى 4.6% في نهاية العام 2025. على
الأقل هذا إنجاز مهم لم يسوق للمواطنين، بل إنه لم يسوق للنخبة.
قد لا نحمِّل الحكومة بكاملها
مسؤولية ذلك، فمهمة تسويق الإنجازات تبقى من مسؤولية الذراع السياسي والإعلامي
للنظام.
الشيء المؤكد لدي بخصوص هذه الجزئية هي أن مؤسسات الإعلام الرسمي،
والمكتب الإعلامي للرئاسة ووزارة الإعلام، وكل الجهات المعنية الأخرى، لم تتمكن
حتى الآن من تسويق الأداء الحكومي الذي أعلن الرئيس عن رضاه عنه في مؤتمره الصحفي،
ولا أظنها ستتمكن من ذلك مستقبلا، ما دامت تستخدم نفس الأساليب التقليدية،
فاستخدام نفس الأساليب يؤدي دائما إلى نفس النتائج.
رحب الرئيس في مؤتمره الصحفي بنقد السياسات
العمومية، وذلك خلال إجابته على سؤال متعلق بما بات يعرف بقانون الرموز، وأكد أنه
يحبذ النقد المرفق بمقترحات، وعملا بذلك في هذه الفقرة
من المقال، فأذكر في هذا المقام أني قدمتُ مقترحا لمعالي الوزير الأول عن ضرورة
إطلاق منصة رقمية لمراقبة ومتابعة الأداء الحكومي، وذلك بعد إعلانه أمام البرلمان
عن 304 التزامات في خطة الحكومة السنوية للعام 2025. تقوم الفكرة على إطلاق منصة
تتضمن برنامج "طموحي للوطن" بشكل عام، وتظهر فيها مع كل سنة خطة الحكومة
لتلك السنة، مع خريطة موريتانيا، وبها كل الولايات، وعلى خريطة كل ولاية توضع الالتزامات
الخاصة بتلك الولاية في خطة الحكومة لذلك العام، وكلما نفذَت الحكومة أحد تلك
الالتزامات بشكل كامل تحول لونه إلى اللون الأخضر. أما إذا كان ذلك الالتزام ما
زال في طريقه للإنجاز فإنه يلون باللون الأصفر، أما إذا تعثر تنفيذه مع انقضاء
الأجل، فيلون باللون الأحمر. مع نهاية السنة سيكون بإمكان كل مواطن ـ أينما كان ـ
أن يعرف ما تحقق في ولايته أو مدينته من الإنجازات التي تعهدت بها الحكومة في ذلك
العام، وما هو في طريقه للتحقق، وما تعثر من مشاريع. ليس هذا فقط، فالالتزامات
يمكن أن توزع أيضا حسب القطاعات الحكومية، وبضغطة زر في نهاية العام يمكن أن نعرف
ما تحقق من التزامات كل وزارة، وما هو في طريقه للتحقق، وما تعثر من التزامات،
وبذلك يكون بإمكان كل واحد منا أن يحكم إيجابا أو سلبا على أداء الحكومة بكاملها،
وعلى أداء كل وزير على حدة. هذه المنصة يمكن أن تطلقها الحكومة، مع أن ذلك ليس هو
الخيار الأفضل، ويمكن أن يطلقها المجتمع المدني ـ وذلك ما كنتُ أسعى إليه ـ ولكن
تبقى هناك الحاجة دائما إلى تعاون الحكومة، فهي التي ستزود بالمعلومات، وبما تحقق
ميدانيا من إنجازات، مع العلم أن كل إنجاز تحقق لن توضع له الإشارة الخضراء قبل أن
تنظم له زيارة ميدانية له، وتجمع عنه معلومات شاملة، وتؤخذ منه صور لتوضع على منصة
مراقبة ومتابعة الأداء الحكومي.
سؤال المأموريات والتمديد
كان السؤال الأول في المؤتمر الصحفي عن الحوار والمأموريات والتمديد،
وهذا طبيعي جدا، فالحديث عن تعديل الدستور وفتح المأموريات يحتلُّ مساحة واسعة في
نقاشات الموريتانيين في الفضاءات العامة والخاصة، وبخصوص الجواب على السؤال، ففي
اعتقادي أن الرئيس قد حسم موضوعا كان محسوما أصلا من خلال الدستور ومواده المحصنة.
المشكلة أن هذا الموضوع يُثار دائما بطريقة غير مناسبة، وما كان من
المناسب أن يثار اصلا، فربما تكون بعض الأطراف في الأغلبية قد طرحته كردة فعل على
أصوات أخرى داخل الأغلبية بدأت في السنة الأولى من المأمورية الثانية، وفي وقت
مبكر جدا، بتسويق هذا الموظف السامي أو ذاك على أنه سيكون مرشح النظام في العام
2029، ولا تخفي خطورة ذلك، فالنظام يجب ألا يعلن عن مرشحه إلا في آخر سنة من
المأمورية الثانية، على العكس من المعارضة، التي يطلب منها أن تعلن عن مرشحها قبل
العام الثالث من المأمورية، والراجح أنها لن تتمكن من ذلك، ولا من الاتفاق على
برنامج موحد ومرشح توافقي أو شبه توافقي.
تُشارك أيضا المعارضة في إثارة موضوع التعديلات الدستورية وفتح
المأمورية، وهذا أيضا خطأ، فالمعارضة يجب أن تظهر دائما على أن ملف المأموريات غير
مطروح أصلا للنقاش، وعليها أن تعتبر أي إثارة لهذا الملف من طرف شخص هنا أو هناك
في الأغلبية بأنه حديث غير جاد، ولا يستحق الرد، فتكرار حديث المعارضة عن رفض فتح
المأموريات، قد يعطي الانطباع أن فتحها أمر ممكن وقابل للنقاش.
خلاصة هذه الفقرة، هي أن الرئيس لا يتوقع منه الآن في العام 2026، أن
يقول بشكل فصيح وصريح أنه سيغادر السلطة في العام 2029، فقول ذلك له كلفته السياسية
الكبيرة. ومع ذلك فيمكن القول إن الرئيس قد أغلق في مؤتمره الصحفي هذا الملف، الذي
ما كان يجب أن يفتح أصلا، ولكن المشكلة أن بعض الأطراف في الأغلبية قد تعود لطرحه
من جديد، فترد عليها بعض الأطراف في المعارضة، فنعود من جديد إلى نقاش ساذج وعقيم
عن فتح المأموريات.
سؤال الفساد: الأطول إجابة والأوسع تفاعلا
حُظي سؤال الفساد بإجابة هي الأطول، وبتفاعل هو الأوسع في إطار
التعليقات على المؤتمر الصحفي في منصات التواصل الاجتماعي، ويؤكد ذلك مدى اهتمام
الرأي العام الوطني بمحاربة الفساد. الرئيس تحدث في جوابه عن مؤشرات تدل على عكس
ما جاء في السؤال من التفشي الواسع للفساد في هذا العهد، فتحدث عن زيادة الموارد
المالية للدولة، وارتفاع حجم المشاريع والبرامج الممولة من ميزانية الدولة، وتراجع نسبة الدين من الناتج الداخلي الخام من 91% في العام 2019 إلى نسبة
تتراوح ما بين (40 ـ 45) % في العام الحالي، وكذلك تراجع نسبة صفقات التراضي.
كما تحدث الرئيس أيضا عن المنظومة القانونية
لمحاربة الفساد، وعن إصدار التقارير من طرف المؤسسات الرقابية، وعن سلطة مكافحة
الفساد المستحدثة مؤخرا، كما تحدث عن الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي.
كل هذه الإنجازات التي تحدث عنها الرئيس مهمة، ومع
ذلك فلا بد من المطالبة بالمزيد من الصرامة في تنفيذ العقوبات ضد المفسدين، وإبعاد
كل من تدور حوله شبهة الفساد من التعيينات والترقيات، فبدون ذلك، فإن كل الإجراءات
الأخرى المتخذة لمحاربة الفساد ستبقى ذات تأثير ضعيف، حتى لا نقول منعدمة التأثير.
معلومات كشفت لأول مرة في المؤتمر
كشف
الرئيس أنه لما قرر توسعة جامعة نواكشوط، بما يمكن من استيعاب 11 ألف طالب جديد،
نصحه البعض بترك هذه التوسعة، وتشييد جامعة جديدة في مكان آخر، تحسب له مستقبلا
بصفتها إنجازا شخصيا، ولكنه رفض الفكرة لأنه يرى أن المهم هو قيمة المنجز لا لمن
سيحسب ذلك الإنجاز.
الشيء
نفسه حدث مع توسعة مستشفى القلب، فالتمويل الذي حصل عليه كان كافيا لتشييد مستشفى
جديد للقلب، ولكن الرئيس بدلا من تشييد مستشفى جديد للقلب ينسب له مستقبلا كمنجز
شخصي، فضل تحسين خدمات مستشفى القلب القائم، مؤكدا أن ذلك لن يمنع مستقبلا من
تشييد مستشفيات جديدة.
هذه
المعلومات التي كشفها الرئيس تستحق الإعجاب، ويجمعها خيط ناظم مع معلومات وأجوبة
أخرى، وهي تعكس في مجملها جانبا من أسلوب الرئيس في الحكم لم يحظ بما يستحق من
إنارة، فالرئيس يسعى لبناء دولة مؤسسات أكثر من سعيه لبناء مجد شخصي، وهو يتحدث
دائما عن أهمية استقلال السلط، ويؤكد كلما وجد مناسبة لذلك أنه لا يتدخل في عملها،
وأن مكافحة الفساد عمل مؤسسي، وهكذا...حتى إنه عندما سئل عن كيف يريد أن يتذكره
التاريخ، لم يقل إنه يريد أن يتذكره التاريخ بإنجازات عملاقة تحسب له في مجال شق
الطرق أو تشييد المنشآت بمختلف أصنافها، وإنما تحدث عن الاستقرار والأمن، وتكريس
استقلالية المؤسسات الدستورية، وتعزيز الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية، وتراجع
الغبن والهشاشة إلى أقصى حد.
ملفات
غابت عن المؤتمر
لقد غابت ملفات مهمة عن المؤتمر كملف التعليم،
حيث تراجعت نسبة النجاح في الباكالوريا من 39% في العام 2024، إلى 20% في العام
2025، إلى 13% في هذا العام دون إضافة نتائج الدورة التكميلية التي لم تظهر. فإدا
كان هذا التراجع نتيجة للمحاربة الصارمة للغش فهذا مؤشر جيد، وإذا لم يكن نتيجة لذلك،
فنحن أمام كارثة حقيقية.
كما
غاب عن المؤتمر الصحفي ملف ارتفاع أسعار المحروقات، وبناء دولة المواطنة، وقد تحدث
الرئيس في جملة واحدة عن المواطنة، والتي تهمنا كثيرا في "ميثاق
المواطنة".
لم
تغب المواطنة وقيمها عن برنامج الرئيس ولا عن خطاباته، وبالفعل، فقد اتخذت إجراءات
مهمة في سبيل تعزيز قيم المواطنة وترسيخها، ولكن في المقابل اتخذت إجراءات معاكسة
أخرى شوشت على الإجراءات الهادفة لتعزيز قيم المواطنة، ومن ذلك تعيين شخصيات في
وظائف سامية، نظمت قبيل تعيينها أنشطة قبلية تمت تغطيتها في منصات التواصل
الاجتماعي، نصبت فيها تلك الشخصيات أمراء في قبائلها، وتلقت المباركة من شخصيات
سامية في الدولة.
من
المؤكد أن تعيين شخصيات في مناصب سامية نظمت اجتماعات قبلية تمت تغطيتها إعلاميا،
بعد إصدار تعميم من وزارة الداخلية يحظر مثل هذه الاجتماعات القبلية، من المؤكد أن
ذلك سيشوش كثيرا على الجهود المبذولة لبناء دولة المواطنة. الشيء نفسه يمكن أن
نقوله عن تعيين أصحاب الخطابات الشرائحية والفئوية في وظائف عادية أو سامية.
ومما
يشوش أيضا على الجهود المبذولة لبناء دولة المواطنة الاستمرار في التقليد القاضي
بأنه كلما أقيل موظف من قبيلة معينة عُيِّن بدلا منه موظف من القبيلة نفسها، وكلما
أقيل موظف من فئة أو مكونة وطنية عُيِّن بدلا منه موظف من الفئة أو المكونة نفسها.
أذكر
أني كنتُ مع صديق في سيارته، وكنا ذاهبين لتعزية صديق آخر، وكان صديقي يعتمد
للوصول إلى مكان التعزية على وسيلتين في تحديد المواقع، إحداهما تقليدية، وتتمثل
في رسالة صوتية تحدد مكان التعزية بالأساليب التقليدية المعروفة، أي اذهب في اتجاه
كذا، حتى تصل لشارع كذا، ثم انحرف في اتجاه بقالة هناك، وهكذا.. أما الوسيلة
الثانية فهي حديثة وتعتمد على تشغيل خرائط "غوغل". كان صديقي يستخدم مرة
الرسالة الصوتية وأسلوبها التقليدي في تحديد الموقع، ويستخدم مرة أخرى تحديد
الموقع عن طريق الخرائط وأسلوبه المعاصر، وسبب لنا الجمع بين الأسلوبين التقليدي
والمعاصر إرباكا كبيرا عقد علينا عملية الوصول إلى المنزل المستهدف.
طلبتُ
من صديقي أن يعتمد بشكل كامل على إحدى الوسيلتين للوصول إلى المنزل المستهدف، وأن
يتجاهل بشكل كامل الوسيلة الثانية، وهذا هو ما نحتاجه اليوم في بناء الدولة، فإما
أن نعتمد على الأساليب التقليدية من خلال إرضاء من يرفعون لواء القبيلة أو الشريحة
أو الفئة، أو نعتمد على الأسلوب المعاصر، من خلال بناء دولة المواطنة، يكون التعيين
فيها على أساس الكفاءة والجدارة، مع غلق الأبواب والمنافع ـ وبشكل كامل ـ أمام كل
من يقحمون القبيلة أو الشريحة أو الفئة في قضايا الشأن العام.
تغطية
متميزة
أظنها
أول مرة في تاريخ البلد تتم فيها ترجمة فورية وتغطية مباشرة لحدث كبير باللغات
الوطنية. لقد خصصت التلفزة الموريتانية قنواتها لنقل المؤتمر الصحفي وبثه بشكل
مباشر بكل لغاتنا الوطنية. فبُثَّ المؤتمر بترجمة فورية وبشكل مباشر بالبولارية
على قناة الموريتانية الثانية، وبالسوننكية على القناة الثقافية، وبالولفية على القناة
الرياضية.
إن
هذه التغطية المتميزة التي تحدث لأول مرة تستحق التثمين، ونأمل في الحملة الشعبية
للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية، أن تكون بداية لاعتماد مقترح تقدمنا
به إلى وزارة الثقافة منذ خمس سنوات تقريبا، وتحديدا في يوم 21 أكتوبر 2021، وذلك من
خلال رسالة رسمية وقعها رئيس الحملة، معالي الوزير السابق صو آبو دمبا، دعت إلى
تخصيص بث بعض قنوات الموريتانية، خاصة في أوقات الذروة، للغات الوطنية: البولارية
والسوننكية والولفية، وبما يضمن حضورا أوسع لهذه اللغات في وسائل الإعلام العمومية.
إن
التفعيل الكامل والشامل لترسيم اللغة العربية وتطوير اللغات الوطنية يمثلان خيارا
وطنيا متكاملا، يعزز الوحدة الوطنية ويحافظ على التنوع الثقافي، ولهذا فإننا ندعو
قناة الموريتانية والجهات المعنية إلى تحويل الترجمة الفورية للمؤتمر الصحفي
لفخامة الرئيس إلى سياسة إعلامية دائمة، تسهم في حضور أوسع للغات الوطنية في
البرامج والنشرات والخدمات الإعلامية العمومية، انسجاما مع ديباجة الدستور التي
نصت على أن اللغات الوطنية تعتبر موروثا وطنيا مشتركا لجميع الموريتانيين يجب على
الدولة باسم الجميع أن تحفظه وتطوره.
ختاما
لقد
نجح فخامة الرئيس في تصحيح العديد من الصور والأحكام النمطية، وبدأ في إعادة بناء
علاقة قوية بين الرئاسة والرأي العام الوطني، قائمة على التواصل المباشر مع الصحافة،
ومن هذا المنظار يمكن القول إن المؤتمر الصحفي كان ناجحا، وحقق الرئيس من ورائه
مكاسب كبيرة.
ومع
ذلك يبقى السؤال الكبير مطروحا: كيف نحول رضا الرئيس عن الأداء الحكومي إلى رضا
شعبي عن الأداء الحكومي؟
في
اعتقادي الشخصي أننا بحاجة إلى عمل كبير ليرضى المواطن بشكل كامل عن أداء الحكومة،
ولن يتحقق ذلك إلا بالمزيد من الإنجازات على أرض الواقع، وبعمل استراتيجي كبير
يهدف إلى تسويق تلك الإنجازات إعلاميا وسياسيا حتى يستشعرها المواطن أينما كان.
حفظ
الله موريتانيا...
الخميس، 23 يوليو 2026
حفظوا القرآن فتفوقوا
منذ العام 2023 وأنا أتابع نتائج الامتحانات والمسابقات الوطنية، كما أتابع نتائج الباكالوريا على مستوى بعض دول العربية والإسلامية، ولقد استوقفني أن كثيرا من المتفوقين كانت لهم صلة قوية بالقرآن، وهو ما أحاول إبرازه، وفي هذا الإطار فإني أتقدم بالمقترحات التالية إلى جهات متعددة.
1 ـ إطلاق جائزة "حافظ ومتفوق"
تُخصص هذه الجائزة للذين جمعوا بين حفظ القرآن الكريم والتفوق في الامتحانات والمسابقات الوطنية، ويمكن أن تتولى تقديمها وزارة الشؤون الإسلامية، أو وزارة التعليم، أو هيئة العلماء، أو قناة المحظرة.
كما يمكن للتطبيقات البنكية التي تنفق أموالا طائلة على المتسربين دراسيا من "المؤثرين"، مما يشكل ترويجا للمحتوى السطحي والتافه، أن تكفر عن شيء من "سيئاتها الجارية" فتقدم جوائز للطلاب الذين جمعوا بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي.
2 ـ تكريم الأسر: وراء كل تلميذ متفوق أسرة ربت فأحسنت التربية: تستحق الأسر التي ربت فأحسنت التربية أن تأخذ حقها من التكريم، حتى ولو كان ذلك التكريم رمزيا من خلال إطلاق برنامج تلفزيوني أسبوعي يمتد لسنة دراسية كاملة، يستضيف أسر المتفوقين، ويقدم تجاربهم في تربية الأبناء التي جمعت بين تعليم القرآن والتميز الدراسي. هذا البرنامج يمكن أن تقدمه إحدى مؤسسات الإعلام الرسمي، وهو يناسب بشكل خاص قناة الأسرة أو قناة المحظرة.
3 ـ إبراز هذه النماذج في منصات التواصل الاجتماعي التي تسيطر عليها السطحية والتفاهة: من المهم أن يكون هناك محتوى رقمي جذاب، يعرف بقصص الشباب الذين جمعوا بين حفظ القرآن والتفوق في الدراسة، وتقديمهم كقدوات للتلاميذ.
إن الجهة التي عليها أن تتبنى هذا المقترح: الشباب الجاد الناشط في مواقع التواصل الاجتماعي والقادر على أن يقدم محتوى احترافيا وجذابا، يمكن أيضا للمنصات أن تتبنى هذا المقترح.
4 ـ إنشاء قاعدة بيانات تُوثق أسماء الطلاب الذين جمعوا بين حفظ القرآن والتفوق في الامتحانات والمسابقات الوطنية، مع تحديثها سنويا، على أن تشمل قاعدة البيانات هذه سير المتفوقين، وتجاربهم مع حفظ القرآن، وأساليبهم في تنظيم الوقت، والمذاكرة، والتغلب على الصعوبات، ليكونوا مصدر إلهام للأسر والطلاب.
5 ـ تخصيص خطبة جمعة (والأفضل أن تكون الجمعة القادمة) للحديث عن التكامل بين المحظرة والمدرسة وأهمية الجمع بينهما، وتقديم نماذج من التلاميذ الحفاظ المتفوقين دراسيا.
6 ـ تنظيم ندوة فكرية تحت عنوان "حفظ القرآن والتفوق الدراسي". الجهة التي نقترح عليها هذه الندوة: إحدى الجمعيات الدعوية الفاعلة.
7 ـ إجراء بحوث تخرج ودراسات علمية حول العلاقة بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي، فتكرر تفوق حفاظ القرآن في الامتحانات والمسابقات يستوجب البحث والدراسة للوصول إلى نتائج مثبتة علميا.
حفظ الله موريتانيا..
#حفظوا_القرآن_فتفوقوا
#حفظوا_القرآن_فتميزوا.
الثلاثاء، 21 يوليو 2026
عن تضرر الخزانات
لا يمكن أن نُفَسِّر ما حدث البارحة إلا بواحد من أمرين:
1 - إما أن يكون تضرر المخازن نتيجة لفساد في الصفقة. وأسباب سوء الظن حاصلة: فشركة آداكس غير متخصصة أصلا في بناء المخازن، وتعاملت مع شركة أخرى بعد حصولها على الصفقة، وماطلت كثيرا في بناء المخازن لأن بناءها ليس في مصلحتها أصلا، فهو سيسحب منها احتكار توريد المحروقات الذي كانت تتمتع به عمليا؛
2- في حالة عدم وجود فساد، فسيكون الاحتمال الثاني هو عدم التوفيق. فأن تأتي رياح عادية ترفع الوزارة سرعتها إلى 80 كلم للساعة، لتتسبب فيما تسببت فيه للمخازن، في وقت حرج يتسم بالتالي:
■ حرب أمريكا وإيران تعود بقوة؛
■ المواطن الموريتاني يعاني منذ مدة من أزمة محروقات مزدوجة: ارتفاع أسعارها، وعدم توفر البنزين الذي أصبح الحصول عليه يحتاج للدخول في طوابير طويلة؛
■ أن تأتي الرياح بعد منشور لمعالي الوزير الأول يبشر فيه بأن العمل في المخازن سينتهي مع نهاية السنة.
■ أن تتضرر المخازن بهذا الشكل أياما قليلة قبل مؤتمر صحفي لفخامة الرئيس طال انتظاره.
أمام كل هذه المصادفات التي تمس الأمل الوحيد المتبقي لنا في ضبط أسعار المحروقات وتوفيرها بالكميات المطلوبة مستقبلا، فقد أصبح من اللازم معاقبة جهة ما على هذه الأخطاء التي جاءت في وقت حرج، والخطأ يعظم بالتوقيت الذي جاء فيه.
عاقبوا تلك الجهة على فسادها إن كانت هناك عملية فساد، أو عاقبوها على سوء طالعها على الأقل، فليس من المناسب أن يمر تضرر هذه المخازن دون حساب.
الأربعاء، 15 يوليو 2026
فلنخلد ذكراهم بالمزيد من التوعية
فقدنا خلال السنة الدراسية المنتهية العديد من المدرسين من أساتذة جامعيين وأساتذة تعليم ثانوي ومعلمين، كما فقدنا كذلك عددا من التلاميذ في حوادث سير أليمة.
كنا نعبر مع كل حادث - وبكل صدق - عن صدمتنا الكبيرة، وحزننا العميق، ولكننا كنا نفشل دائما في تحويل ذلك الحزن الصادق إلى فعل إيجابي من شأنه أن يقلل من حوادث السير مستقبلا، حتى لا نفقد أحباء آخرين.
خيَّم علينا حزن كبير بعد وفاة ثلاثة من خيرة أساتذة المحظرة الشنقيطية الكبرى في حادث سير أليم على طريق أكجوجت، وتألمنا كثيرا، ونحن نتابع التفاصيل المؤلمة للحادث الأليم الذي تعرض له الطفل جليس في أحد شوارع العاصمة.
لا يمكن التشكيك إطلاقا في صدق حزننا، ولكن الحزن لن يحول دون وقوع الحادث التالي، ولن ينقذ الضحية القادمة، ولذا فأنا أتساءل دائما عن السبب الذي يمنعنا من تحويل هذا الحزن إلى جهد توعوي للحد من حوادث السير في بلادنا؟
إن الدموع لن تمنع حادثا من أن يقع، ولكن التوعية قد تمنعه من الوقوع.
لقد حاولنا في الحملة أن ننظم يوما توعويا لتذكر ضحايا حوادث السير في موريتانيا، ولكننا لم نجد تفاعلا إيجابيا من ذوي الضحايا، ولا من الضحايا الذين تسببت لهم حوادث السير في إصابات دائمة، ولذلك فقد ألغينا هذا اليوم، وسنكتفي بانطلاقة الموسم العاشر للحملة، في يوم 7 أغسطس 2026.
أعلم أن هناك آباء وأمهات تألموا كثيرا - وما زالوا يتألمون حتى اليوم - بسبب فقدانهم لفلذات أكبادهم في حوادث سير، بعضها كان نتيجة لعملية دهس قرب المدرسة، وبعضها الآخر كان نتيجة لأخذ الأبناء لسيارات ـ بعلم ذويهم أو بدون علمهم ـ قادوها بسرعة مفرطة، فكانت الفاجعة.
وأعلم كذلك أن هناك أساتذة ما زالوا يتذكرون بألم زملائهم الذين فقدوهم في حوادث سير أليمة.
ومع ذلك، وفي ظل ارتفاع عدد ضحايا حوادث السير في قطاع التعليم كغيره من القطاعات الأخرى، فإن أكثر ما يثير الاستغراب أن المؤسسة التعليمية الوحيدة التي اتصلت بنا في الحملة خلال العقد الماضي، وعرضت علينا نشاطا مشتركا، لم تكن مؤسسة وطنية، بل كانت مؤسسة أجنبية (تحديدا الثانوية الفرنسية)، وقد عرضت علينا في مطلع العام 2020 تنظيم جهد توعوي مشترك في السلامة الطرقية، يستهدف تلاميذها، وذلك بعد أن لاحظت تزايد حالات الوفاة في صفوفهم بسبب حوادث سير في سباقات استعراضية "اتكاسكادي". لم ينفذ ذلك العمل المشترك، لأسباب أعلنا عنها في تلك الفترة، من خلال بيان موثق، ومع ذلك تبقى هذه المبادرة مقدرة.
أذكر أيضا ان المستشارة الإعلامية في السفارة الأمريكية في بلادنا، اتصلت بي، وهنأتني على جهود الحملة التوعوية في السلامة الطرقية. كما أن المستشار الإعلامي في السفارة الفرنسية أكد لي أنه يتابع أنشطة الحملة. لم يترتب على كل ذلك أي شراكة من أي نوع، ولكن ما لفت انتباهنا في الحملة هو هذا التثمين لجهودنا من طرف سفارات أجنبية، وهو تثمين مقدر، وعدم تلقي أي تثمين من مؤسسات وطنية.
فكم هو مؤلم حقا، أنه لا مؤسسة تعليمية وطنية واحدة، اتصلت بنا في الحملة، واقترحت علينا شراكة لحماية تلاميذها من حوادث السير، فبمَ تفسرون اهتمام الأجنبي بسلامة أبنائنا أكثر من اهتمامنا نحن بهم؟
إننا في الحملة ندعو كل أب فقد ابنه في حادث سير، أن يجعل حزنه سببا في وقاية أبناء الآخرين من حوادث السير، وندعو كل مدرس فقد زميلا له بسبب حادث سير، أن يخلد ذكرى زميله بالمزيد من التوعية في السلامة الطرقية. وإننا ندعو الجميع، وخاصة نقابات المعلمين والأساتذة وروابط آباء التلاميذ أن يرفعوا معنا هذه المطالب الأربعة:
1 ـ تخصيص أول درس في السنة الدراسية القادمة للسلامة الطرقية (في الابتدائية يركز الدرس على خطورة تسلق السيارات والعبور غير الآمن للطريق، وفي الثانوية يضاف إلى ذلك خطورة قيادة السيارات لمن لا يمتلك الأهلية، وخطورة القيادة المتهورة والاستعراضية)؛
2 ـ إطلاق أسبوع وطني للسلامة الطرقية داخل المؤسسات التعليمية؛
3 ـ تنظيم مسابقات حول السلامة الطرقية في المدارس، بما يعزز مشاركة التلاميذ في نشر الوعي في مجال السلامة الطرقية.
4ـ إشراك نقابات الأساتذة وروابط آباء التلاميذ في التوعية في مجال السلامة الطرقية.
#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع
#معا_للحد_من_حوادث_السير
#الذكرى_العاشرة.
الثلاثاء، 14 يوليو 2026
إلى معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم
إلى معالي وزيرة التربية وإصلاح نظام التعليم
معالي الوزيرة،
لقد وجهنا لكم مع افتتاح العام الدراسي (2025 ـ 2026) رسالة دعوناكم فيها إلى تخصيص درس موحد في السلامة الطرقية في جميع المدارس والمؤسسات التعليمية، في أول يوم دراسي، وكنا نأمل أن تجد تلك الرسالة ما تستحق من اهتمام وتفاعل، في إطار السعي للوقاية من حوادث السير التي تسببت في هذه السنة الدراسية ـ وكما يتكرر دائما في كل سنة دراسية ـ في وفاة العديد من المدرسين والتلاميذ
واليوم، مع اختتام العام الدراسي، فإننا نجدد لكم الدعوة، نجددها بعد أن تلقينا ببالغ الأسى وفاة الأستاذ محمد الأمين محمد يحظيه في حادث سير اليم وقع قرب قرية أغشوركيت، ليصل بذلك عدد المدرسين الذين توفوا في حوادث سير خلال السنة الدراسية المنتهية إلى عشرة مدرسين على الأقل، أي وفاة مدرس واحد على الأقل كل شهر (نشير إلى أن هذا العدد يخص فقط الحوادث التي وثقتها الحملة، فهناك حوادث سير كثيرة لا نطلع على تفاصيلها، كما أنه لا يشمل أيضا من توفوا خارج موقع الحادث نتيجة لمضاعفات الإصابة).
ولم يقتصر ضحايا القطاع على المدرسين، فقد سجل خلال هذا العام الدراسي وفاة عدد كبير من التلاميذ بسبب حوادث سير، وتعددت أسباب تلك الحوادث، وكان من بين أهم أسبابها، السياقة دون رخصة، والسياقة المتهورة والاستعراضية، وتسلق السيارات، هذا فضلا عن عمليات دهس، تعرض لها عدد من التلاميذ، وبعضها كان أمام المدارس.
معالي الوزيرة،
إن سقوط هذا العدد الكبير من المدرسين والتلاميذ بسبب حوادث السير، خلال العام الدراسي المنصرم، هو الذي جعلنا نجدد لكم الدعوة مرة أخرى، لبرمجة درس موحد في السلامة الطرقية، تفتتح به السنة الدراسية المقبلة، وقد ارتأينا هذه المرة أن نخاطبكم عند اختتام السنة الدراسية، لا مع الافتتاح، وذلك لتجدوا الوقت الكافي لبرمجة هذا الدرس ليكون أول درس في الافتتاح القادم.
ونقترح في هذا الإطار أن يركز الدرس الخاص بتلاميذ المرحلة الابتدائية على مخاطر تسلق السيارات، والطريقة الآمنة لعبور الطريق ولقيادة الدراجات، وكل الإجراءات التي من شأنها أن تحمي الأطفال من حوادث السير.
أما في المرحلة الإعدادية والثانوية، فمن المهم أن يركز الدرس على مخاطر تأجير السيارات وأخذها دون علم الآباء، وخطورة السياقة المتهورة والاستعراضية، والسياقة بسرعة مفرطة، والقيادة دون تأهيل، والقيادة الآمنة للدراجات.
معالي الوزيرة،
وحتى لا يبقى هذا الدرس مجرد نشاط يتيم يقدم في أول يوم دراسي وينتهي الأمر، فإننا نقترح عليكم أن تجعلوا منه انطلاقة لبرنامج تربوي متكامل في مجال السلامة الطرقية، يشمل:
ـ تخصيص نصف ساعة على الأقل من أول يوم دراسي من كل سنة دراسية للسلامة الطرقية؛
- إطلاق أسبوع وطني للسلامة الطرقية داخل المؤسسات التعليمية؛
- تنظيم مسابقات حول السلامة الطرقية في المدارس، بما يعزز مشاركة التلاميذ في نشر الوعي في مجال السلامة الطرقية.
ـ إشراك آباء التلاميذ في السلامة الطرقية، وحثهم على تحمل مسؤولياتهم في حماية أبنائهم من تسلق السيارات ومن القيادة المتهورة والقيادة دون تأهيل.
إن هذا الجهد التوعوي في مجال السلامة الطرقية يجب أن يشارك فيه أيضا جميع أفراد الأسرة التربوية؛ من مفتشين، ومديرين، وأساتذة، ومعلمين.
ولعل أعظم وفاء يمكن أن يقدمه المدرسون لزملائهم الذين فقدوهم في حوادث سير خلال هذا العام الدراسي، وفي الأعوام التي سبقته، هو أن يجعلوا من ذكرى رحيلهم وآلام فقدهم دافعا قويا لمضاعفة جهود التوعية داخل المدارس والمؤسسات التعليمية، حتى نحدَّ من حوادث السير ومن خسائرها البشرية والمادية الجسيمة.
معالي الوزيرة،
لا يفوتنا في ختام هذه الرسالة أن نجدد التعبير عن استعدادنا الكامل للتعاون مع قطاعكم في إعداد محتوى الدرس الموحد، والمساهمة في أي برنامج توعوي تطلقونه في مجال السلامة الطرقية، إيمانا منا بأن حماية الأرواح مسؤولية وطنية مشتركة، وأن المدرسة هي المؤسسة الأقدر على الوصول إلى الأطفال والشباب، وتوعيتهم بمخاطر حوادث السير، والتي أصبحت ـ حسب منظمة الصحة العالمية ـ هي السبب الأول للوفاة في الفئة العمرية من 5 إلى 29 سنة.
نواكشوط بتاريخ: 14 يوليو 2026
المنسق العام لحملة معا للحد من حوادث السير
محمد الأمين الفاضل.
الاثنين، 13 يوليو 2026
من سيكون رئيس موريتانيا في العام 2029؟
كثيرا ما يُطرح عليَّ سؤال سابق لأوانه بثلاث سنوات على الأقل، وهناك من يذكرني ـ عند طرحه لهذا السؤال ـ بمقال استشرافي نشرته في العام 2018 عن رئيس موريتانيا القادم في العام 2019، ووفقتُ فيه ـ بفضل الله ـ إلى حد كبير. فهل التوفيق في ذلك المقال يسمح لي بإعادة التجربة، والمجازفة بمحاولة الإجابة في وقت مبكر جدا على أولئك الذين طرحوا عليَّ السؤال السابق لأوانه: من سيكون رئيس موريتانيا في العام 2029؟
في العام 2018 لم يكن يفصلنا عن الانتخابات الرئاسية إلا عام واحد، وكانت معالمها في تلك السنة قد أصبحت واضحة إلى حد بعيد، ولذلك فلم يكن من الصعب استشراف رئيس موريتانيا القادم، فالراجح حينها أن المعارضة لن تتقدم بمرشح توافقي قوي مما يعني أنها لن تكسب رئاسيات 2019. أما بخصوص النظام، فعلى طول فترة حكم الرئيس السابق، كان هناك دائما "الرجل الثاني"، وهو الرئيس الحالي الذي تُجمع الأغلبية على أنه هو الأحق بالرئاسة في العام 2019، فهو خيار المؤسسة العسكرية الأول بل الوحيد، وهو محل اطمئنان دبلوماسي لدى دول المنطقة ولدى الدول الغربية أيضا، وهو بالإضافة إلى كل ذلك يحظى بثقل ودعم شعبي واسع، حتى خارج الأغلبية، وبالتالي فقد كان احتمال ترشيحه من أقوى الاحتمالات، وكان احتمال فوزه في الانتخابات ـ إن ترشح ـ شبه مؤكد، ولذلك فلم أكن بحاجة للكثير من القدرات الاستشرافية، لأن أتوقع في العام 2018 أن رئيس موريتانيا في العام 2019 سيكون على الراجح فخامة الرئيس محمد الشيخ الغزواني.
وعلى العكس مما كان قبل العام 2019، فإن الأمور لن تكون سهلة بالنسبة للأغلبية في الانتخابات الرئاسية القادمة، فإذا كان النظام قد وُجِد به منذ العام 2008 من يمكن أن نصفه ب "الرجل الثاني"، والذي لن يطرح ترشيحه أي إشكال داخل الأغلبية، لأن الجميع كان يتفق على أنه هو الأجدر بتولي الرئاسة في العام 2019، فإن الحاصل حاليا، هو أنه لم تظهر حتى الآن داخل النظام القائم حاليا، أي شخصية يمكن أن نمنحها صفة الرجل الثاني في النظام الذي يسلم له الجميع داخل الأغلبية بأحقيته في الترشيح، وتولي الرئاسة في العام 2029.
صحيح أنه توجد حاليا شخصيات في النظام يمكن أن نصفها بأنها تشكل أركانا قوية فيه، وقد يكون من بينها من يطمح للترشيح أو الترشح في العام 2029، ولكن الصحيح أيضا أنه لا أحد من تلك الشخصيات ارتقى إلى مرتبة الرجل الثاني في النظام، وهي المرتبة التي تؤهله لأن يكون مرشحا توافقيا للنظام، وفي ظل غياب ذلك المرشح التوافقي، فإن مرشح النظام في العام 2029 قد لا يحصل على إجماع داخل الأغلبية، بل إنه قد يجد منافسين جديِّين من داخل الأغلبية نفسها مما قد يصعب فوزه.
كان النظام في العام 2019 يمتلك جوابا واضحا على سؤال الخلافة، ولكني لا أعتقد أنه سيمتلك جوابا بنفس الوضوح في العام 2029، لغياب "الرجل الثاني"، وهذا وحده يصنع فارقا كبيرا بين رئاسيات 2019 ورئاسيات 2029، ولن يكون هذا هو التحدي الوحيد الذي سيواجهه النظام في العام 2029، بل إن هناك تحديا آخر لم يكن مطروحا في العام 2019.
فإذا ما بقي الوضع القانوني للرئيس السابق على ما هو عليه حتى الانتخابات الرئاسية القادمة، فسيعني ذلك أنها ستجري في ظل وجود رئيس سابق في السجن، على العكس مما كان حاصلا في العام 2019، وبطبيعة الحال، فإن ذلك سيلقي بظلاله الثقيلة على تلك الانتخابات، وسيجعل من سلاسة التناوب السلمي على السلطة، أكثر تعقيدا مما كانت عليه في العام 2019.
وفي الجانب الآخر، وعلى مستوى المعارضة، فإن أمورها ستزداد سوءا عما كان عليه حالها في العام 2019، وستكون حظوظها في الفوز في انتخابات 2029 أضعف بكثير مما كانت عليه حظوظها الضعيفة أصلا في العام 2019، فالمعارضة قبل العام 2019 كانت قادرة دائما على أن تتوحد في تكتلات كبرى (الجبهة، المنسقية، المنتدى..إلخ)، ولم تكن هذه التكتلات الكبرى تتفكك إلا قبيل الحوارات، أو خلال المواسم الانتخابية. ومنذ العام 2019، أي منذ وصول الرئيس الحالي للسلطة، ظلت المعارضة تعاني من التفكك والتشظي حتى من قبل أن يعلن عن حوار أو أن تكون هناك انتخابات، فهي منقسمة اليوم إلى ثلاثة تكتلات في غاية الهشاشة، وعاجزة حتى الآن عن إصدار بيانات أو تنظيم مهرجانات ومسيرات تحت عنوان واحد وموحد، وذلك مما يعكس تراجعا كبيرا في قدرتها على التنسيق والعمل المشترك.
فإذا كانت المعارضة قد عجزت عن التقدم بمرشح توافقي أو رئيسي على الأقل في العام 2019، وهذا أحد أهم الشروط التي لابد من توفرها لوصولها إلى السلطة (سأتحدث ـ إن شاء الله ـ في حلقة من هذه السلسلة عن بقية الشروط)، فإنها ـ أي المعارضة ـ ستكون أكثر عجزا عن التقدم بمرشح توافقي أو حتى رئيسي في العام 2029، وذلك حسب ما تقوله كل المؤشرات المتاحة حاليا، مما يعني أن احتمال وصولها إلى الرئاسة سيكون أكثر استبعادا في العام 2029 مما كان عليه حالها في العام 2019.
خلاصة القول، للإجابة على السؤال العنوان، هي أن غياب الرجل الثاني في النظام، وضعف احتمال ـ إن لم أقل استحالة ـ أن تتقدم المعارضة بمرشح توافقي، هما ملمحان بارزان سيُصَعِّبان كثيرا من تقديم استشراف يتسم بالموضوعية والدقة، في مثل هذا الوقت المبكر جدا، عن رئيس موريتانيا في العام 2029. حتى الآن ما زالت مساحة المجهول أكبر بكثير من مساحة المعلوم في كل ما يتعلق برئاسيات 2029.
في الحلقة القادمة من هذه السلسلة، سنبدأ ـ إن شاء الله ـ في الحديث عن المعارضة، وأسباب فشلها في الوصول إلى السلطة، وسأكشف عن بعض محطات فشلها التي كنتُ شاهدا عليها، لأختم الحديث عنها بتقديم جملة من الشروط التي لابد من أن تتوفر فيها إذا ما أرادت أن تكون منافسا قويا في رئاسيات 2029. وبعد الانتهاء من الحديث عن المعارضة، سنفتح كتاب النظام وأغلبيته، وفي ذلك الكتاب الكثير مما يُقال.
وأختم بالقول إني قررتُ كتابة ونشر هذه السلسلة، نظرا لعدم تمكني من إصدار الجزء الثاني من كتب سلسلة الإصلاح في موريتانيا الذي كان سيخصص للمعارضة، والجزء الثالث الذي كان سيخصص للأغلبية، وذلك بسبب انشغالات ضاغطة حالت دون إعداد محتواهما وإصدارهما بعد ذلك.
سأحاول أن أقدم خلاصات ما كنتُ سأنشره في الكتابين عن المعارضة والأغلبية، من خلال هذه السلسلة، والتي أرجو أن تكون مفيدة للطرفين في الأغلبية والمعارضة.
يتواصل إن شاء الله..
حفظ الله موريتانيا..
السبت، 11 يوليو 2026
عشر سنوات بلا مقر (الحلقة الثالثة: ماذا حققت الحملة؟)
هذا سؤال يجب أن يطرح بعد عقد من الانطلاقة والأنشطة المستمرة، فالأنشطة في حدّ ذاتها ليست هدفا ولا غاية، وإنما هي وسيلة لتحقيق هدف ما أو غاية ما، ولذا فإن تقييم عمل الحملة بعد اكتمال عقدها الأول لن يكون باستعراض ما راكمته من أنشطة، وهي بالمناسبة أنشطة كثيرة ومتنوعة، وإنما سيكون بقياس أثر تلك الأنشطة، وما أحدثت من تغيير على أرض الواقع، وسنقتصر في هذه الحلقة على الإنجازات التي نفذتها الحكومة استجابة للمطالب والعرائض التي تقدمت بها الحملة.
وكما قلنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، وهو ما ثبتناه في عنوانها، فإن الحملة لم تمتلك منذ تأسيسها مقرا، وكانت تعمل في أغلب الأحيان في ظروف صعبة جدا، معتمدة في تمويل أنشطتها على تبرعات أعضائها، وأغلب أعضائها هم شباب عاطلون عن العمل، ورغم كل ذلك فقد استطاعت أن تحقق التالي:
1 ـ نجاحها في أن تجعل من حوادث السير وما تخلف من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات قضية رأي عام وطني، وكان هذا هو هدفها الأبرز عند انطلاقها في يوم 7 أغسطس 2016، وقد نجحت إلى حد كبير في تحقيق هذا الهدف؛
2 ـ إعداد عريضة مطلبية من 7 مطالب، وتسليمها في يوم 28 مايو 2019 لفخامة رئيس الجمهورية محمد الشيخ الغزواني، وكان حينها مترشحا للرئاسة، وقد تبنى الرئيس كل مطالب العريضة، وتعهد بتنفيذها في حال انتخابه رئيسا للجمهورية؛
3 ـ مناقشة ملف السلامة الطرقية في أول اجتماع مجلس وزراء ينعقد تحت رئاسة محمد ولد الشيخ الغزواني بعد انتخابه رئيسا في العام 2019، هذا إذا ما استثنينا اجتماع التعارف الذي سبق ذلك الاجتماع، والذي خُصّص حصرا للتعارف، ولم يناقش فيه أي ملف.
فأن يكون ملف السلامة الطرقية، لا أي ملف آخر، هو أول ملف يناقشه مجلس الوزراء بعد تنصيب رئيس الجمهورية، فذلك مما يؤكد أن التزامات الرئيس لوفد الحملة الذي سلمه العريضة المطلبية، لم تكن مجرد التزامات انتخابية؛
4 ـ نشر أول ثلاث سيارات إسعاف خاصة بضحايا حوادث السير على المقطع (نواكشوط ـ ألاك) بعد 130 يوما فقط من تنصيب رئيس الجمهورية، وكان نشر سيارات الإسعاف على الطرق من بين أهم مطالبنا في العريضة، وقبل هذا التاريخ لم تكن توجد سيارة إسعاف واحدة خاصة بضحايا حوادث السير، على كافة أراضي الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وكان المصابون ينقلون في الغالب في أول سيارة يقبل صاحبها بنقلهم، وكانوا في بعض الأحيان ينقلون كما تنقل البضائع، مما كان يزيد من تفاقم إصاباتهم، بل ويتسبب في وفاة بعضهم.
لقد تم نشر سيارات الإسعاف الثلاث كخطوة أولى من مشروع كبير، سيعرف فيما بعد بالعون الطبي الاستعجالي، وجرت عملية النشر ضمن سلسلة من الأنشطة على طريق الأمل أطلقها الوزير الأول الأسبق إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا، ودعيت لها الحملة بشكل رسمي، وقد ثمَّن الوزير الأول ـ أمام الوفد المرافق وأمام الإعلام ـ جهود الحملة، مؤكدا أن نشر سيارات الإسعاف على الطرق كان من مطالبها، ومتعهدا في الوقت نفسه بأن الحملة ستبقى شريكا للحكومة في كل الأنشطة ذات الصلة بالسلامة الطرقية.
إننا في الحملة فخورون بما تحقق في العهد الحالي على مستوى منظومة التدخل الطبي الاستعجالي، ولكي تكتمل هذه المنظومة، فستبقى هناك ضرورة لاستحداث نقاط تدخل ثابتة أو متحركة، مزودة بآليات ثقيلة لإزاحة الشاحنات عند سقوطها على الطرق مما يمكن من فتح الطرق بشكل سريع، أو عند سقوطها على سيارات صغيرة، مما يمكن من الوصول إلى الضحايا لإنقاذهم قبل فوات الأوان.
هذا فضلا عن ضرورة اقتناء مروحية إسعاف طبي، للتدخل السريع في الحوادث التي تقع في أماكن بعيدة، أو تلك التي تؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا.
5 ـ من المطالب التي تضمنتها العريضة: ترميم طريق الأمل بشكل كامل، وتوفير نظام صيانة مستدام، مع تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت). لقد تم ترميم طريق الأمل بشكل كامل، وهذا إنجاز كبير لا يدرك أهميته إلا من اعتاد سلوك هذا الطريق خلال العقود الماضية، فخلال تلك العقود كان كلما رُمّم مقطع من هذا الطريق الحيوي، تهالكت مقاطع أخرى، وهكذا.. الجديد في هذا العهد هو أن عملية الترميم هذه المرة جاءت شاملة للطريق بأكمله.
ونأمل في الحملة أن يتم تشييد طريق مزدوج على المقطع (نواكشوط ـ بوتلميت) في أسرع وقت ممكن، وعندها يكون هذا المطلب قد تحقق بشكل كامل.
ولن أختم الحديث عن مطالب الحملة التي تحققت، دون الحديث عن مطلب مهم، تمت الاستجابة له، ولكن في وقت متأخر جدا، ويتعلق الأمر بإلزام حافلات النقل العمومي باقتناء مثبتات السرعة، وكانت وزارة التجهيز والنقل قد وجهت للحملة رسالة بتاريخ 3 يناير 2020 ردت فيها على رسالة سابقة للحملة، وتعهدت بموجبها أنها ستلزم حافلات النقل باقتناء مثبتات السرعة.
لم يتم البدء في تنفيذ هذا التعهد إلا بعد مرور ست سنوات على الالتزام به، وفي وقت لم تعد فيه مثبتات السرعة هي الخيار الأفضل لإجبار حافلات النقل العمومي على سرعة محددة، فالعالم قد عرف خلال السنوات الأخيرة تطورا هائلا في مراقبة السرعة عن طريق الرادارات والشرائح الذكية، ولذا فإن أي مراقبة للسرعة دون الاعتماد على التقنيات الجديدة ستكون إضاعة للوقت والجهد والمال.
ورغم أهمية ما تحقق من مطالب، ونحن فخورون بما تحقق، فما تزال الحملة ترى أن بلوغ مستوى متقدم من السلامة الطرقية، يتطلب الاستجابة لمطلبين استراتيجيين رفعتهما الحملة بعد تسليم عريضتها المطلبية:
المطلب الأول: تبني الحكومة لنداء جوك للسلامة الطرقية الذي أعدته الحملة بعد سنوات من العمل الميداني، واعتباره خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا؛
المطلب الثاني: اعتماد تطبيق "سلامتي" المعد أيضا من طرف الحملة، والذي يمكن أن يشكل الخطوة الأولى في بناء منظومة رقمية متكاملة في مجال السلامة الطرقية، تعتمد على الشرائح الذكية، وخرائط تحديد المواقع، وتقنيات الاتصال، وأدوات الذكاء الاصطناعي.
وتبقى كلمة أخيرة: إن النتائج التي تحققت تثبت أن الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني هي شراكة في غاية الأهمية، ولو استمرت الحكومة في التعامل مع حملة معا للحد من حوادث السير كشريك أساسي من المجتمع المدني، كما حصل في السنة الأولى من المأمورية الأولى، لكان حجم الإنجازات في مجال السلامة الطرقية أكبر وأعمق أثرا.
#السلامة_الطرقية_مسؤولية_الجميع
#معا_للحد_من_حوادث_السير
#الذكرى_العاشرة.















