الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

لم تعد مغالطاتكم لتخدع أحدا...


تعايشنا في موريتانيا مع العديد من الخدع والمغالطات الكبرى التي اختلقتها وروجت لها فرنسا، وكل من يدور في فلكها في هذه البلاد، وما أكثر الدائرين في فلكها، وصدَّق تلك المغالطات الكثير من الطيبين في هذه البلاد، فانخدعوا بها هم أيضا، وأصبحوا يروجونها بسذاجة ـ عفوا ـ بطيبة وبحماس منقطع النظير.

المغالطة الأولى: التعريب القسري

عانت موريتانيا منذ قدوم المستعمر الفرنسي من "فرنسة قسرية"، وما تزال تعاني منها حتى يومنا هذا. لقد جاء المستعمر الفرنسي إلى هذه البلاد، واللغة العربية تعتبر لغة لكل الموريتانيين، فبحروفها تكتب لغاتنا الوطنية، ونسبة كبيرة جدا من مفردات تلك اللغات أصلها عربي، وكانت هي لغة الفتاوى، والقضاء والمراسلات والمحاظر عند كل الموريتانيين، بمختلف مكوناتهم وأعراقهم، أي أنها كانت بالمفهوم المعاصر، لغة التعليم والإدارة عند كل الموريتانيين.

جاء المستعمر وفرْنََسََ التعليم والإدارة بشكل قسري، وظل يعمل على "الفرنسة القسرية" في بلادنا، حتى بعد الاستقلال، والغريب أنه عندما يُطالب موريتاني بالعودة إلى الأصل، أي العودة إلى اللغة العربية بصفتها لغة تعليم وإدارة لكل الموريتانيين كما كانت قبل مجيء المستعمر، فإنه يتهم من طرف فرنسا وعملائها، ومن طرف الكثير من الطيبين في هذه البلاد ـ لا أريد أن أقول السذج ـ بأنه يسعى لفرض التعريب، أي أنه يسعى للتعريب القسري!

هكذا، وبكل بساطة، قلبوا المفاهيم رأسا على عقب، فتجاهل الجميع "الفرنسة القسرية" التي تعرضت لها هذه البلاد، ولم نسمع من يتحدث عن الفرنسة القسرية، ولو بشكل عابر، وفي المقابل، أصبح كل من يُحاول أن يصحح هذا الخلل، يصنف على أنه من جماعة التعريب القسري!

المغالطة الثانية: وحيد اللغة

تم تداول هذا المصطلح بشكل ماكر وخبيث في الأيام الأخيرة، والحقيقة أن لهذا المصطلح جذورا قديمة بنيت على مغالطة كبيرة، رُوِّج لها منذ أن كان التعليم عندنا مقسم إلى قسمين أو مسارين: مسار تكون فيه اللغة العربية مادة أساسية، وتدرس فيه كل المواد بها، مع تخصيص ساعات محدودة للغة الفرنسية ومنحها ضاربا ضعيفا، ومسار ثان تكون فيه اللغة الفرنسية مادة أساسية، وتدرس بها كل المواد، مع تخصيص ساعات محدودة وضارب ضعيف للغة العربية.

الغريب أن المسار الفرنسي كان يوصف ب"المسار المزدوج"، والمسار العربي كان يوصف بالعربي فقط، ودون ذكر لأي ازدواجية، فكان يُخيَّل للطيبين من الناس، ولا أريد أن أقول السذج، أن المتخرج من المسار الفرنسي مزدوج لغويا، أي أنه يتقن اللغة العربية والفرنسية، وأن المتخرج من المسار العربي، وحيد اللغة، ولا يعرف إلا اللغة العربية.

هذه المغالطة هي التي تجعل اليوم الكثير من السذج ـ ولن أحَسّن العبارة هذه المرة فأرفع السذج إلى مرتبة الطيبين ـ يصفون على سبيل الذم والقدح الموظف الذي لا يعرف إلا اللغة العربية بأنه وحيد اللغة. أما الموظف الذي لا يعرف إلا اللغة الفرنسية، فلا يصفونه بوحيد اللغة.

لا بأس، دعونا نتفق على أن الموظف "وحيد اللغة" يجوز لنا أن ننتقده لأنه وحيد اللغة، ولكن، أرجو أن تسمحوا لي بطرح هذا السؤال: أيهما أولى بالنقد أكثر، الموظف وحيد اللغة الذي لا يعرف إلا لغة أجنبية واحدة (اللغة الفرنسية)، أم الموظف وحيد اللغة الذي لا يعرف إلا اللغة العربية، والتي هي بالمناسبة اللغة التي نزل بها القرآن، وهي وعاء الشريعة الإسلامية، وقد اختارها الشعب الموريتاني لأن تكون لغته الرسمية بنص المادة السادسة من الدستور؟

المغالطة الثالثة: الفرنسية أقرب للوطنية ولكل القيم الراقية!

من المغالطات التي تم ترسيخها في أذهان الناس، أن اللغة الفرنسية لغة عالمية، ولغة حضارة وتواصل مع الآخر، بل ولغة مواطنة، وما إلى ذلك من قيم جميلة وفاضلة، أما اللغة العربية فهي على العكس من ذلك، فإنها تتصف بأضداد كل الصفات التي ذُكرت عن اللغة الفرنسية.

كان ينظر إلى المتعلمين باللغة العربية نظرة ازدراء، بينما ينظر إلى المتعلمين باللغة الفرنسية نظرة فخر واعتزاز، ولذا فقد كان التلاميذ الذين يدرسون باللغة العربية يوصفون، على سبيل ب: "Les arabisants"، ولعل من أغرب الغرائب التي تتجلى فيها هذه المغالطة بشكل واضح وبيّن، تسمية أول ثانويتين في العاصمة نواكشوط، فالثانوية التي تُدرس باللغة الفرنسية، سميت الثانوية الوطنية، والثانوية التي تدرس بالعربية، سميت الثانوية العربيةّّ!

ولو أن الأمور كانت تسير في هذا البلد بشكل طبيعي، لسميت الثانوية العربية بالثانوية الوطنية، وسميت الثانوية الوطنية بالثانوية الفرنسية، فالعربية مظنة للوطنية ولكل ما له صلة بالوطن أكثر من الفرنسية، والتي هي في نهاية المطاف لغة مستعمر، لم يكن من خيرة المستعمرين، ولا خير في كل المستعمرين.

المغالطة الرابعة: الأقلية تستحق الشفقة أكثر من الأغلبية

كلما تم الحديث عن تعريب الإدارة تفعيلا للمادة السادسة من الدستور الموريتاني، ذكرنا بعض أصحاب القلوب الطيبة، بأن هناك حملة شهادات باللغة الفرنسية يستحقون أن نتذكرهم، وأن نبحث لهم عن مخرج، فهم لا ذنب لهم، إلا أنهم درسوا في مدارس بلدهم باللغة الفرنسية، ولذا فعلى الدولة أن تجد لهم حلا قبل أي تعريب شامل للإدارة.

كلام جميل، لا اعتراض عليه، وأنا اتفق مع أصحاب هذه القلوب الطيبة التي تنادي بضرورة البحث عن حل منصف لكل الذين تعلموا باللغة الفرنسية.

ولكن، وليسمح لي أصحاب هؤلاء القلوب الطيبة، أن أطرح عليهم هذا السؤال: لماذا غابت طيبتكم وشفقتكم كل العقود الماضية، وأضعاف من تشفقون عليهم اليوم قد تم اقصاؤهم من الإدارة، ولا ذنب لهم إلا أنهم تعلموا في المدارس بلغة بلدهم الرسمية؟

لماذا تصمتون عندما يُظلم أصحاب الشهادات بالعربية، وترفعون أصواتكم عندما يظلم أصحاب الشهادات بالفرنسية؟

المغالطة الخامسة: اللغة ليست مهمة

كلما اتخذت خطوة ـ حتى ولو كانت بسيطة ـ لصالح اللغة العربية في هذه البلاد، أطلت علينا جماعة المغالطات الكبرى لتقول لنا إن اللغة غير مهمة، فالمراد من اللغة حسب تلك الجماعة هو التواصل فقط، ولذا فلا مشكلة في استخدام الإدارة لأية لغة، عربية كانت أو فرنسية أو انجليزية. دعونا نفترض جدلا أن اللغة غير مهمة، على رأي أصحاب المغالطات الكبرى، فإذا كانت اللغة غير مهمة، فلماذا الإصرار على الإبقاء على الفرنسية في الإدارة؟ ولماذا الاعتراض على إحلال العربية محلها؟  

إن القول بأن اللغة غير مهمة ما هو إلا حيلة مكشوفة يدفع بها المتمسكون ببقاء اللغة الفرنسية مسيطرة على الإدارة في هذه البلاد، ولأنهم لا يملكون حجة واحدة متماسكة منطقيا يدافعون بها عن بقاء اللغة الفرنسية مسيطرة في بلادنا، جاؤوا بمغالطة اللغة غير مهمة، فاللغة الفرنسية ليست لغة أم لأي مكون في موريتانيا، ولا هي لغة نحتاجها لتأدية شعائرنا الدينية، ولم تعد لغة تواصل أكثر من اللغة العربية، فاللغة العربية تحتل المرتبة الرابعة عالميا، والأولى أو الثانية افريقيا، في حين أن اللغة الفرنسية تحتل الرتبة الرابعة افريقيا، وهي في تراجع مستمر. لقد كانت آخر الحجج عند المدافعين عنها أنها تشكل لغة اتصال لامتداد بعض مكوناتنا الوطنية في أفريقيا، والحقيقة أن اقبال تلك المكونات على العربية أصبح أعلى من اقبالها على اللغة الفرنسية. 

ولأنهم لم تعد لديهم حجة واحدة مقنعة للدفاع عن اللغة الفرنسية، جاؤوا بمقولة اللغة غير مهمة، سعيا منهم إلى إبقاء الحال على ما هو عليه، أي أن تبقى اللغة الفرنسية مسيطرة، وأن يستمر تهميش اللغة العربية في الإدارة.

المغالطة السادسة: ترشيح كمبا با لا يستوجب أي تنازل عن مكانة اللغة العربية

إن ترشيح معالي الوزيرة كمبا با للأمانة العامة لمنظمة لفرانكفونية لا يستوجب تقديم رشوة لفرنسا من خلال إعطاء اللغة الفرنسية مكانة لا تستحقها، وهذا مما يؤكده ماضي وحاضر ومستقبل المنظمة، وإليكم الدليل:


1. في الماضي: فاز الدكتور بطرس غالي بمنصب أول أمين عام لمنظمة لفرانكفونية في العام 1997، رغم أن استخدام اللغة الفرنسية في مصر محدود جدا، ولا يتجاوز نسبة 1%؛

2. في الحاضر: الأمينة العامة الحالية للمنظمة، هي السيدة "لويز موشيكيوابو" من رواندا، وقد فازت بالمنصب بعد أن انقلبت بلادها على اللغة الفرنسية، فأبدلت اللغة الفرنسية التي كانت لغة التعليم في رواندا باللغة الإنجليزية. كما أن بلادها انضمت لمنظمة "الكومنولث" (التي تجمع الدول الناطقة بالإنجليزية) منذ العام 2009.

3. إن رومانيا والتي ينافس أحد مواطنيها مرشحتنا، لا تعطي قيمة كبيرة للغة الفرنسية، فحضور الفرنسية في رومانيا محدود جدا، والبرلمان الروماني - عكس برلماننا - يحظر استخدام اللغة الفرنسية تحت قبته، عكس ما هو حاصل في برلماننا.

المغالطة السابعة: التدرج الذي لا يبدأ بخطوة أولى

كلما قرر موظف أن يُعَرِّبَ قطاعه طبقا لروح المادة السادسة من دستور1991، تحدث البعض عن ضرورة التدرج، والتدرج عند هؤلاء القوم هو مجرد حق أريد به باطل. نعم إنه حق أريد به باطل، فأي تدرج تريدون، بعد مرور 35 سنة كاملة على المصادقة على دستور 1991 الذي جعل من اللغة العربية لغة رسمية وحيدة للجمهورية الإسلامية الموريتانية؟ فهل تريدون 35 سنة إضافية أخرى لنبدأ هذا التدرج؟

لقد طالبنا في عريضة الثامن والعشرين من نوفمبر للسيادة اللغوية بالتدرج في تفعيل المادة السادسة من الدستور، ولكن تدرجنا يختلف كثيرا عن تدرج أصحاب المغالطات الكبري، الذين يريدون بقاء الحال على حاله، لتتعقد الأمور أكثر، ويصبح تفعيل المادة السادسة من الدستور أكثر صعوبة مستقبلا.

إن التدرج الذي نتبناه في عريضة السيادة اللغوية، يقوم على شرطين أساسيين، لا بد أن يتوفرا في أي تدرج جاد وحقيقي، أولهما أن تكون هناك بداية فعلية وخطوة أولى لانطلاق مسار تعريب الإدارة بشكل كامل، وثانيهما أن تكون هناك نهاية محددة لهذا التدرج، أي أن نحدد موعدا غير بعيد (سنوات محدودة جدا) ليكتمل فيها التعريب الشامل للإدارة.

المغالطة الثامنة: تعريب المراسلات يحتاج إلى تعميم!

لو كانت الأمور تسير في إدارتنا بشكل طبيعي، لما احتاج وزير الثقافة لأن يصدر تعميما حتى يلزم موظفي قطاعه بتعريب الوثائق والمراسلات والتقارير التي يرسلونها إليه، فالأصل هو أن تكون كل تلك المراسلات باللغة العربية.

لقد أصبح تطبيق الدستور داخل "إدارتنا الوطنية" يحتاج لإصدار تعميم من وزير، فيا للغرابة! إن من يحتاج لإصدار هذا التعميم هم أولئك الوزراء الذين تأتيهم المراسلات باللغة الفرنسية، فهؤلاء هم الذين يفترض فيهم أنهم يشكلون استثناءً، وكان عليهم أن يصدروا تعميما يطالب بمراسلتهم باللغة الفرنسية، حتى وإن خالف ذلك التعميم الدستور.

للأسف، لقد أصبح الوزير الذي يريد أن يطبق الدستور في قطاعه، هو الاستثناء، ولذا فهو يحتاج إلى إصدار تعميم حتى تأتيه المراسلات داخل قطاعه باللغة العربية، اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية. وأصبح مثل هذا الوزير يستحق دعما شعبيا مع أنه لم يقم إلا بواجبه، وذلك لأن غالبية الوزراء في الحكومة لم يقوموا بواجبهم بخصوص تفعيل المادة السادسة من الدستور.

ختاما

لم أجد ما أفسر به عدم إصدار بقية الوزراء لتعميمات مشابهة، سوى عدم التوفيق، فإصدار تعميمات من هذا القبيل يعد من جهة واجبا دستوريا، ومن جهة ثانية، فهو سيمنح لمن أصدر ذلك التعميم إشادة شعبية واسعة، وخير دليل على ذلك ما لقي تعميم وزير الثقافة من إشادة، ولكم إن أردتم أن تتأكدوا من حجم الإشادة أن تتصفحوا مواقع التواصل الاجتماعي لدقائق معدودة.

حفظ الله موريتانيا...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق