شهدت السنوات الست الماضية عدة مبادرات لإطلاق حوار وطني شامل، تعددت الجهات المشرفة عليها وتنوعت صيغها، وآليات إخراجها، ومع ذلك فلم ينطلق الحوار، فأين الخلل؟
الغريب في الأمر أن الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة تبدي
دائما رغبتها في الحوار، وتعبر عن استعدادها للمشاركة فيه، الشيء الذي يجعل
المواطن في حيرة من أمره، فما دام كل المعنيين بالحوار يرحبون به ويدعون له،
فلماذا لم يتحاوروا حتى الآن؟
ليس من السهل إطلاقا أن نفسر للرأي العام الوطني، أسباب عدم تنظيم
حوار حتى الآن، فربما يكمن السبب في ضعف الثقة بين الأطراف السياسية، أو في غياب
آليات واضحة لإدارة المسار التحضيري، أو في قدرة الأقلية غير الراغبة في الحوار من
الطرفين (الأغلبية والمعارضة) في إفشال أي مسعى جدي لتنظيم حوار وطني شامل.
مسار طويل… وتعثر مستمر
صدرت أول دعوة موثقة للحوار في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في
يوم 14 مايو 2020، وكانت عبارة عن بيان موقع باسم الأحزاب السياسية الممثلة في
البرلمان، والتي شكلت في تلك الفترة منسقية للتصدي لجائحة كورونا، تقول خاتمة
البيان: " تأمل أحزاب الموالاة والمعارضة الممثلة في البرلمان أن تفضي خطوات
التنسيق الحالي إلى الدخول في مرحلة جديدة، تمهد لنقاش القضايا الجوهرية للبلاد،
ووضع تصور لمعالجاتها، وفق جدول زمني متفق عليه".
في يوم 24 فبراير 2021 أصدرت أحزاب الموالاة الممثلة في البرلمان وبعض
أحزاب المعارضة (التكتل؛ اتحاد قوى التقدم؛ التحالف الشعبي التقدمي؛ الصواب) خارطة
طريق من أجل تشاور وطني شامل بين القوى السياسية، وحددت لتلك الخريطة سقفا زمنيا
للتشاور: ثلاثة أو أربعة أسابيع للمرحلة التحضيرية، وخمسة أو ستة أسابيع لانطلاق
التشاور. وشكلت هذه الأحزاب لجنة كلفتها بالاتصال بالحزبين اللذين انسحبا في وقت
سابق من منسقية الأحزاب الممثلة في البرلمان (تواصل، وحركة التجديد)، كما كلفتها
أيضا بالاتصال ببقية الأحزاب والقوى السياسية الأخرى لدعوتها للمشاركة في اللجنة
التحضيرية التي ستتشكل مستقبلا للتحضير للتشاور.
في يوم 16 أغسطس 2021، أصدرت الأحزاب: تواصل؛
التحالف الشعبي التقدمي؛ المستقبل؛ تحالف العيش المشترك بشطريه؛ مشروع حزب
"الرك"، وفي إطار ما يسمى ب"أحزاب وتحالفات المعارضة الديمقراطية"
بيانا مشتركا دعوا فيه إلى حوار جدي.
في يوم 18 أكتوبر 2021 أعلنت منسقية أحزاب وتحالفات المعارضة
الديمقراطية من خلال بيان صحفي لم يوقعه مشروع حزب "الرك" الذي كان عضوا
فيها، أنها قررت المشاركة في الحوار الذي كان يحضر له في تلك الفترة، وذلك
"بعد تقويم مجمل الاتصالات السياسية مع السلطة القائمة والطبقة السياسية،
واستجابة لتطلعات الرأي العام الوطني" حسب ما جاء في نص البيان.
في يوم 6 إبريل 2022 كلف رئيس الجمهورية الوزير الأمين العام للرئاسة
يحيى ولد أحمد الوقف
بالإشراف على عمل اللجنة التحضيرية للتشاور، وقد غاب حزب التحالف الشعبي التقدمي عن
اللجنة التحضيرية لذلك التشاور بلغة الأغلبية أو الحوار بلغة المعارضة، وقد درات
حينها حرب مصطلحات طاحنة، ربما تكون قد استنزفت كل جهود السياسيين قبل أن ينطلق
الحوار أو التشاور، وفي يوم 16 مايو 2022 انسحب قطب التناوب الديمقراطي الذي يتشكل
من حزب الصواب ومشروع حزب "الرك" من اللجنة التحضيرية، وفي يوم 1 يونيو
2022
أعلن
الوزير الأمين العام للرئاسة عن تعليق التشاور أو الحوار، وذلك في انتظار:
"خلق ظروف جديدة تمكن من تنظيم تشاور كامل".
في يوم 12 يوليو 2022، وتحضيرا لانتخابات 13 مايو 2023 أطلقت وزارة
الداخلية تشاورا مع الأحزاب السياسية المعترف بها، تم توقيع نتائجه يوم الاثنين 26
سبتمبر 2022، وقد وقعته كل الأحزاب المعترف بها في موريتانيا باستثناء حزب واحد.
وبموجب هذا الحوار تم الاتفاق على تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات بالتناصف بين
الأغلبية والمعارضة.
في يوم 21
سبتمبر 2023، تم التوقيع على "الميثاق الجمهوري" كمبادرة جديدة للحوار
أطلقها حزبا تكتل القوى الديمقراطية واتحاد قوى التقدم من المعارضة، وحزب الإنصاف
من الأغلبية، ولكن بعض أحزاب المعارضة رفضت الانخراط في هذه المبادرة الجديدة مما
أدى إلى فشلها المبكر كسابقاتها.
في يوم 10 مارس 2025، وعلى هامش إفطار في الرئاسة، عيَّن رئيس
الجمهورية منسقا للحوار الوطني، وهو السياسي المخضرم موسى فال. وبعد العديد من
اللقاءات والمشاورات التي أجراها منسق الحوار الوطني مع الطيف السياسي، وبعد مرور
أكثر من عام على تعيينه منسقا وطنيا للحوار، فإن الحوار لم ينطلق حتى الآن.
في ظل هذه الإخفاقات المتكررة، تظهر الحاجة إلى دخول المجتمع المدني
كفاعل جديد، ليس كبديل عن الفاعلين السياسيين، بل كطرف مستقل، يمكنه أن يلعب دور "المسهل"
الذي يقرّب المسافات، ويخفف من حدة التوتر، ويفتح قنوات اتصال قد لا تكون متاحة لغيره.
هل من مبادرة جديدة لإنعاش الحوار؟
في اعتقادي أن المجتمع المدني هو الأكثر تأهيلا في الوقت الحالي
لإطلاق مبادرة من هذا النوع، وذلك نظرا لطبيعته، فهو لا يسعى إلى السلطة، وليس
طرفا سياسيا منافسا، ولا يرتبط بحسابات انتخابية مباشرة، مما يمنحه ـ بالفعل ـ هامشًا
أوسع للتحرك، وقدرة أكبر على بناء الثقة بين الأطراف السياسية في الأغلبية
والمعارضة.
لقد آن الأوان لأن ينتقل المجتمع المدني من موقع المتفرج على تعثر الحوار،
إلى موقع المساهم في إطلاقه وإنجاحه، ويمكن أن يتم ذلك من خلال إطلاق مبادرة تقوم
على ثلاثة أدوار رئيسية:
أولا، دور الوسيط والمسهل، عبر العمل على تقريب وجهات النظر بين
الأطراف السياسية، وفتح قنوات اتصال معها، وتقديم مقترحات عملية لتجاوز نقاط
الخلاف القائمة.
ثانيا، دور المكاشفة والمسؤولية، بحيث لا يظل تعثر الحوار في منطقة
ضبابية، بل يتم ـ عند الضرورة ـ كشف أسباب تعثره للرأي العام الوطني، وتحديد
الجهات التي تتحمل مسؤولية تعطيله، بكل موضوعية وشفافية.
ثالثا، ضمان مشاركة فعالة للمجتمع المدني في الحوار في حال انطلاقه،
من خلال تنظيم جمعياته الجادة والمؤهلة للمشاركة في الحوار، وتوحيد مواقفه قبل
وأثناء وبعد الحوار، وتقديم مساهمات نوعية في جلسات الحوار، خاصة في ملفات الفساد
وحقوق الإنسان وتمكين الشباب والنساء، ترفع من مستوى النقاش، وتدفع نحو توصيات عملية
قابلة للتنفيذ.
ولتحقيق ذلك، يصبح من الضروري التفكير في إنشاء إطار منظم للجمعيات
الفاعلة، يعمل على تسريع انطلاق الحوار، وضمان تمثيل يليق بالمجتمع المدني في
الحوار.
وجود هذا الإطار لن يعزز فقط من حضور المجتمع المدني، بل سيساهم أيضًا
في إعطاء الحوارـ إن انطلق ـ طابعًا أكثر شمولية، ومخرجات أكثر توازنا وقابلية
للتطبيق.
حفظ الله موريتانيا...
