الجمعة، 2 أكتوبر 2026

ركلة الجاهل.. من ضفاف النيل إلى منصات التواصل الاجتماعي!


في يوم السبت الموافق، 5 ذو الحجة من العام 338 هجري، كان أبو جعفر النحاس في جلسة تأملية على ضفاف النيل، عند درج قياس منسوب المياه، وكان يقوم بتقطيع أبيات من الشعر، وربما تمتم أثناء تقطيع تلك الأبيات بكلمات قد تبدو طلاسم للعامة، وربما رفع بها صوته مرددا: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعل. 

أثناء جلسته تلك، مرَّ به شخص من عامة الناس، ظن أنه يسحر النيل، فركله، فسقط في النيل، فغرق، فمات.

هذا المشهد ليس تخيليا، حتى وإن كان من صياغتي أنا، فهو مأخوذ من مضامين القصة كما وردت في كتب السير والتراجم، فقد جاء في البداية والنهاية لابن كثير: "وكان سبب وفاته أنه جلس عند المقياس يُقَطّع شيئًا من العروض، فظنه بعض العامة يسحر النيل، فرفسه برجله فسقط فغرق، ولم يدر أين ذهب". وبصياغة مشابهة، وردت القصة نفسها في "سير أعلام النبلاء" و "تاريخ الإسلام" للإمام الذهبي، وفي "وفيات الأعيان" لابن خلكان، وفي "إنباه الرواة على أنباه النحاة" للقفطي، وفي "بغية الوعاة" للسيوطي.

هكذا ـ وبكل بساطة ـ قُـُتل أحد علماء الأمة الكبار في اللغة والأدب والتفسير، ممن كانت له تصانيف كثيرة، وإسهامات عديدة في مجالات شتى. ولو كان الجاهل الذي قتل هذا العالم الكبير، يعيش بيننا في زمن "التواصل الاجتماعي"، لأعدَّ بثا مباشرا من ركلته لأبي جعفر النحاس، ولحُظي بثته المباشر بسيل عارم من الإعجابات والتعليقات، ولصدَّق كثير من "النشطاء" في منصات التواصل الاجتماعي تهمة سحر النيل التي ألصقها هذا الجاهل بالعالم الجليل أبي جعفر النحاس. 

إن هذه القصة المأساوية تتكرر كثيرا في أيام الناس هذه، وبصور مختلفة، حتى وإن اختلفت في بعض التفاصيل، فالركلة قد لا تكون اعتداءً بالقدم، وإنما قد تكون بمنشور أو صوتية أو بث مباشر مليء بالأكاذيب والتلفيقات، والقتل قد لا يكون جسديا، وإنما معنويا، من خلال تشويه السمعة وتلطيخ المصداقية، وتهمة المقتول قد لا تكون "السحر"، فربما كانت تهمة تتعلق بالفساد أو الفشل في الأداء.

فكم من موظف نزيه وسياسي صادق ومهتم بالشأن العام جاد، تم اغتياله معنويا، من طرف مدون لأنه لم يدفع له؟ وكم من موظف فاشل وسياسي فاسد ومتظاهر بالاهتمام بالشأن العام رَفَع المدونون من شأنه لأنه كان ينفق عليهم بسخاء من ماله الحرام؟

إن من سلبيات عصر "التواصل الاجتماعي" أن التفاعل والإعجاب والتعليق يزداد كلما كان المحتوى تافها أو سطحيا أو مسيئا أو رديئا، وينقص ـ بل ويكاد ينعدم ـ إن كان المحتوى جادا ونافعا وهادفا. 

وليتَ الأمر توقف عند التفاعل، فالمحتوى التافه والسطحي والرديء والمسيء، هو الذي يجلب مع الإعجابات أموالا كثيرة تنفق ـ بكرم ـ على المدون، تنفق عليه من بند "التسويق" و"الترويج" و"التلميع" وتشويه سمعة المنافسين والخصوم، ويبدو أن هذه البنود أصبحت تخصص لها مبالغ معتبرة، معلنة أو غير معلنة، لدى المؤسسات، عامة كانت أو خاصة، ولدى الأشخاص كذلك موظفين كانوا أو ساسة أو رجال أعمال.

فبأي منطق تعتقدون أن جاهلا ـ عفوا مؤثرا ـ سيغلق "منجما" من ذهب يمنحه قيمة مجتمعية عالية من خلال التفاعل، ويُدِرُّ عليه في الوقت نفسه أموالا طائلة مقابل ما يقوم به من تسويق وتلميع وابتزاز وتشويه للخصوم والمنافسين؟

إن أغلب المدونين الذين هاجروا إلى أمريكا وغيرها من دول الغرب، لم يهاجروا دعاة في سبيل الله، وإنما هاجروا طلبا للمال، فهل تعتقدون أن جميع هؤلاء سيتورعون عن جمع المال السهل الذي يأتي مدرارا من خلال فتح حسابات في منصات التواصل الاجتماعي، وتخصيصها لتقديم "خدمات إعلامية" أصبحت مطلوبة كثيرا من "قادة المجتمع"، وهي خدمات تتعلق بتلميع الفاشلين في أداء مهامهم، وتشويه خصومهم ومنافسيهم. فإن تورعت طائفة من هؤلاء عن تقديم هذا النوع من الخدمات المربح والرائج، فإن طوائف كثيرة أخرى لن تتورع عن تقديم تلك الخدمات.

وحتى تكتمل الصورة أكثر، فلابد من القول كذلك، إن غالبية المدونين الذين لم يتمكنوا من الهجرة، فبقوا في الديار، وقعدوا مع القاعدين، لم يبقوا للانشغال بالدعوة في سبيل الله، وكثير من هؤلاء لا يختلف عن كثير من أولئك في عدم التورع عن جمع المال السهل الذي يأتي مدرارا من خلال فتح حسابات في منصات التواصل الاجتماعي، تلمع وتلطخ وتبتز وتلفق حسب ما يدفع من مال.

ولكن، وحتى لا نظلم المدون الذي جعل من التدوين مصدرا مدرا للدخل، من خلال تقديم خدمات التلميع والتلطيخ والابتزاز، فإن المسؤول الأول في رواج تلك الخدمات، هو من يدفع مقابل تقديم تلك الخدمات، وإذا ما حاولنا أن نرتب مسؤوليات الضالعين في هذه التجارة القذرة التي أفسدت القيم، وزادت من انتشار المحتوى الهابط والتافه والمسيء، فسيكون من يدفع الأموال هو المسؤول الأول الذي يجب أن يُحاسب أولا، ومن يتلقى الأموال، أي المدون، هو المسؤول الثاني الذي يجب أن يُحاسب ثانيا.

ليس من المقبول إطلاقا، أن يتوقف التحقيق الجاري حاليا في نصف الطريق، ولا أن يقتصر العقاب على المدونين الذين كانوا يستلمون أموالا مقابل خدمات غير مشروعة، سواء كانوا في الداخل أو الخارج، دون أن يُعاقب معهم ـ بل وقبلهم ـ كل أولئك الذين كانوا يرسلون لهم تلك الأموال مقابل تقديم خدمات غير مشروعة.

إن من المسؤولين الذين يجب أن يطالهم التحقيق:

1 ـ الموظف الذي لا يؤدي عمله على الوجه المطلوب، فينفق من مال الشعب على المدونين لتلميعه؛

2 ـ السياسي الفاشل في أداء مهامه السياسية، فينفق لتلميع نفسه وتشويه خصومه السياسيين؛

3ـ الموظف الذي يفشي معلومات للإضرار بخصومه ومنافسيه، أو يفشي معلومات سرية للدولة من أجل كسب ثقة مدون للاستفادة من خدماته مستقبلا؛

4 ـ التطبيقات البنكية: رغم الإيجابيات العديدة للتطبيقات البنكية، إلا أنه ظهر معها تنافس قوي لكسب الزبناء، كانت له نتائج كارثية على القيم المجتمعية، فلجأت هذه التطبيقات البنكية في منافستها على الإنفاق بكرم على أصحاب المحتوى التافه والسطحي مما عزز من قيمتهم، ورفع من شأنهم، وزاد من قدرتهم على التأثير في المجتمع. يحدث ذلك في وقت لا تتحمس فيه هذه التطبيقات على التسويق من خلال الإنفاق على أنشطة ذات نفع عام، تفيد المجتمع، ولدي الأدلة القوية على ذلك.

ولعل المفارقة الغريبة هنا، أن بعض التدوينات أو المقاطع المنفق عليها ـ بسخاء ـ من طرف تطبيقات أو مؤسسات تجارية أخرى كانت تسيء إلى المدرس والمحظرة وإلى مدن موريتانية عريقة، بل إن بعضها روج صراحة للسرقة من خلال "السارق الأنيق".

وتبقى هناك ظاهرة ذات صلة قوية بهذا الموضوع، تستحق هي الأخرى اهتماما خاصا، وأقصد هنا، "ظاهرة الزيدنة"، فمن المخجل حقا، أن تشاهد "قادة المجتمع" من سياسيين وموظفين ومثقفين ورجال أعمال ينتظرون "شهادات تزكية" من زيدان، وينفقون مبالغ مالية كبيرة للحصول على تلك التزكيات، والراجح أن تلك الأموال المنفقة على التزكيات الزيدانية منهوبة ومسروقة من أموال الشعب الموريتاني.

المخجل أكثر، أن يكون زيدان، هو من يُقدم ويؤخَر في المجالس والانشطة العامة، فيقول لهذا الموظف أجلس هنا في هذا المكان المتقدم، ويقول لذلك الموظف تأخر قليلا، فربما تكون قلة عطائه لزيدان هي التي أخرته في المجالس العامة.

أذكر في هذا المقام أن صديقا دعاني لمناسبة اجتماعية، وعندما قدمتٌ إليها، كان أول من صادفني زيدان، فعدت مسرعا، ولم أعتذر لذلك الصديق عن الحضور. وأذكر أيضا أن صديقا آخر أو أخا أكبر على الأصح، مر بحالة تستدعي زيارته، ولكني لم أزره، وقلتُ له ـ معتذرا عن الزيارة ـ بأني اتخذتُ قرارا بأن لا أدخل في مكان يوجد به زيدان.

إني على يقين، بأن زيدان لن يتضرر من هذا القرار، وإن كان هناك من متضرر فهو أنا، وأدرك أيضا أن زيدان ـ ومن سار على نهجه ـ يزن في مجتمعنا المصاب بلوثة في ذائقته العشرات إن لم أقل المئات من أمثالي، فنحن مجتمع لم يعد يقدر إلا المال، حلالا كان أو حراما، وأنا أعلم أنه لو تصادف أن طلبتُ أنا وزيدان لقاء موظف سام، وجئت أنا بفكرة تخدم المجتمع، وجاء هو لأخذ "غرامته" من ذلك الموظف، لقدّم هو وأخرتُ أنا، بل الراجح ألا يسمح لي أنا ـ ولا لأمثالي ـ بالدخول أصلا.

اليوم عندما تأتي لموظف سام حاملا فكرة أو مقترح يفيد المجتمع ولا يحقق لك أنت، ولا له هو مصلحة خاصة، ففي أحسن الأحوال سينظر إليك نظرة شفقة، وينهي اللقاء مبكرا بنية ألا يستقبلك مرة أخرى، أما إذا جئته عارضا عليه فكرة لتلميعه أو لتشويه خصومه ومنافسيه، انبسط وانشرح واستقبلك بالأحضان وأنفق عليك الأموال، ولا تسألني عن المصلحة العامة في ذلك، فالغالب أن المصلحة لا تهمه أصلا، ولا تهم كذلك أغلب أولئك الذين يطرقون باب مكتبه طلبا للقائه.

ختاما

إني من الذين يشجعون فتح الملف الذي بات يعرف "بملف مدوني الخارج"، وإني من الذين يطالبون بمعاقبة كل الضالعين فيه، من دفع منهم المال ومن أخذه، ولكن لابد من أقول إن المخاطر التي تواجهنا أكبر بكثير من هذا الملف، ونحن إن لم نع تلك المخاطر، ونبدأ في مواجهتها بحزم، فإن بلادنا ستجرفها التفاهة والشعبوية و"قيم الرداءة" بمختلف أصنافها وأشكالها وألوانها، والمؤسف حقا، أن الدولة وقادة المجتمع ونخبه قد انقسموا إلى فسطاطين: فسطاط يشجع قيم الرداءة، وفسطاط آخر، حتى وإن لم يكن يشجع تلك القيم، فإنه أجبن من أن يعلن عن مواجهتها بلا تردد.

حفظ الله موريتانيا...

الخميس، 1 أكتوبر 2026

تعهد شخصي


 تعهد شخصي باحترام الحياة الخاصة للأشخاص، مع الالتزام بأخلاقيات النقد السياسي والحقوقي والإعلامي

دعا النائب بيرام الداه اعبيد، في مقطع مرئي متداول، المدونين والفاعلين في المجال العام إلى الالتزام بأخلاقيات النقد السياسي واحترام الحياة الخاصة للشخصيات العامة. وطالب في المقطع ذاته بأن يقتصر النقد على الشأن العام، بعيدا عن الإساءة إلى الأشخاص أو التطرق لحياتهم الخاصة التي لا علاقة لها بالمجال العام.

لقد استوقفتني هذه الدعوة التي تأخرت كثيرا، وقد أعجبني ما تضمنته من مطالبة للمهتمين عموما بالشأن العام، ولنشطاء "إيرا" خصوصا، بضرورة الارتقاء بمستوى الخطاب السياسي والحقوقي والإعلامي في بلادنا.

صحيح أن لي ملاحظات موثقة على خطابات الرئيس بيرام، ولكني مع ذلك لا أستطيع إلا أن أتعامل مع هذه الدعوة بإيجابية وجدية وتفاؤل، وأتمنى أن تكون هذه الدعوة دعوة صادقة تولدت عن قناعة مستجدة بأهمية احترام خصوصيات الأفراد التي لا صلة لها بالشأن العام، والابتعاد عن الإساءة والتجريح.

وانطلاقًا من كل ذلك، فإني أتعهد باسمي الشخصي بالآتي:

■ أولا: أتعهد بأن يقتصر نقدي للسياسيين والمسؤولين، في الأغلبية والمعارضة، على الشأن العام وأدائهم ومسؤولياتهم ومواقفهم في القضايا المستجدة، بعيدا عن الإساءة الشخصية، أو التطرق إلى حياتهم الخاصة، أو تناول ما يمس أعراضهم أو يخدش الحياء.

■ ثانيا: بما أن هذا التعهد جاء استجابة للدعوة التي وجهها النائب بيرام الداه اعبيد في المقطع المذكور، فإنني أدعوه في المقابل إلى أن يكون أول الملتزمين بما دعا إليه، وأن يحافظ على هذا الالتزام بشكل مستمر، وأن يجدد مع كل مناسبة دعوته لأنصاره وداعميه إلى الالتزام بمضامين دعوته.

■ ثالثا: أدعو النائب بيرام الداه اعبيد إلى تحويل دعوته هذه إلى مبادرة مفتوحة أمام جميع الموريتانيين المهتمين بالشأن العام، في الأغلبية والمعارضةوخارجهما، بهدف المساهمة في بناء خطاب سياسي وحقوقي وإعلامي يحترم الأشخاص، ويبتعد عن الإساءة والتجريح والخوض في الخصوصيات.

■ رابعا: إذا أطلق النائب بيرام هذه المبادرة المفتوحة، فسأكون من أوائل المنخرطين فيها والداعمين لها؛ لأنني أعتقد أن بلادنا بحاجة فعلا إلى تخفيف حدة الخطاب، والانتقال من التجريح الشخصي إلى نقد السياسات والأفكار والأداء والمواقف.

وأعتقد كذلك أن أفضل من يمكنه أن يطلق مبادرة من هذا النوع هو النائب بيرام، وأنه إذا التزم بها باستمرار ودعا إليها بصدق وجدية فإنها قد تشكل خطوة مهمة نحو خطاب عام أكثر احتراما ومسؤولية.

كتبه: محمد الأمين الفاضل، بتاريخ: 1 أكتوبر 2026.

أنت أيضا يمكنك أن تلتزم بهذا التعهد من خلال نشره وتوقيعه باسمك.

توقفوا عن التنافس في مجالات محددة


 لماذا يتنافس نشطاء المجتمع المدني في مجالات محددة، قد تكون أقل إلحاحا، بينما تُترك مجالات أكثر أهمية دون اهتمام كاف؟

ولماذا يستمر تجاهل بعض الضحايا، فلا يجدون من يتحدث عنهم أو يطلق حملات لحمايتهم؟

أتحدث هنا، على وجه الخصوص، عن ضحايا التنقيب عن الذهب، وضحايا الغرق خلال موسم الخريف.

لقد فقدنا، خلال السنوات الماضية، عددا كبيرا من الأرواح في حوادث مرتبطة بالتنقيب عن الذهب، كما فقدنا أعدادا أخرى في حوادث الغرق خلال مواسم الخريف، وكان أغلب الضحايا من الأطفال.

ومع ذلك، لم تتحرك ــ حسب علمي ــ جمعية واحدة بشكل منتظم لحماية هؤلاء الضحايا المنسيين، من خلال العمل على الوقاية من وقوع تلك الحوادث.

لقد مرّ موسم الخريف لهذا العام، رغم الحصيلة الثقيلة لحوادث الغرق، دون أن تظهر، حسب علمي، جمعية أو حملة توعوية متخصصة في حماية الأطفال من الغرق.

فهل سيستمر الحال على ما هو عليه؟

هذه دعوة للتحرك مبكرا، والاستعداد من الآن لموسم الخريف القادم، حتى لا ننتظر وقوع الفاجعة ثم نكتفي بتعداد الضحايا.

وهذا مقترح من خمس خطوات وقائية يمكن أن تشكل أساسا لحملة وطنية لحماية الأطفال من الغرق:

1. إعداد خريطة وطنية لمواقع الخطر

تُحدد المدن والقرى والبرك ومجاري السيول والمستنقعات التي سبق أن شهدت حوادث غرق، حتى تُوجَّه جهود التوعية والوقاية إلى المناطق الأكثر عرضة للخطر.

2. تنظيم حراسة مجتمعية في مواقع الخطر

في كل قرية أو حي سبق أن شهد حوادث غرق، يمكن تنظيم حراسة تطوعية أو مجتمعية لأماكن تجمع المياه الخطرة خلال موسم الخريف، لمنع الأطفال من السباحة والاقتراب من أماكن الخطر.

3. إشراك الأئمة والدعاة

دعوة الأئمة في القرى والمناطق المعرضة للخطر إلى تخصيص بعض خطب الجمعة والدروس والمواعظ للتحذير من مخاطر السباحة في البرك ومناطق السيول، وحث الأسر على تشديد الرقابة على الأطفال خلال موسم الأمطار.

4. إطلاق حملات توعوية ميدانية

حث الجمعيات والنوادي الشبابية في المناطق الأكثر عرضة للخطر على تنظيم حملات ميدانية، تشمل زيارة الأحياء، والتواصل المباشر مع الأسر، وتوزيع رسائل توعوية حول مخاطر الغرق وطرق الوقاية منه.

5. وضع لافتات تحذيرية في مواقع الخطر

وضع لافتات واضحة عند البرك ومجاري السيول والمستنقعات التي تشكل خطرا على الأطفال، بالتعاون مع البلديات والسكان والجمعيات المحلية، لتنبيه الأسر والأطفال إلى خطورة الاقتراب منها.

أتمنى أن تظهر جمعية أو حملة توعوية تتخصص في هذا الموضوع بالذات، وأن تبدأ عملها مبكرا، قبل حلول موسم الخريف القادم.

وأتمنى، على وجه الخصوص، أن تكون مدينة أغشوركيت نقطة انطلاق هذه الحملة، فقد شهدت في موسم الخريف لهذا العام فاجعة مؤلمة، راح ضحيتها أربعة أطفال في حادث واحد.

الصورة من موقع الحفر في أغشوركيت، والذي غرق فيه الأطفال الأربعة يوم 21 يوليو 2026.

عن الدركي المستلقي على ظهر حمار!


قبل أن أدخل في تفاصيل هذا العنوان، اسمحوا لي أن أرد، بدءاً، على تعليقات عدد قليل من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، ثمّنوا ما قمنا به من عمل بخصوص صباغة بعض المطبات، لكنهم وجّهوا إلينا، في الوقت نفسه، نقدا لاذعا وغير مؤسس، مفاده أنه كان علينا أن نتقيد بالألوان المستخدمة في طلاء المطبات، بدلا من استخدامنا اللون الأبيض فقط، وأن استخدامنا لهذا اللون يدل على جهلنا الكبير بما يجب أن تكون عليه المطبات.

ولهؤلاء المتسرعين والجريئين في النقد، نقدم التوضيحات التالية:

1- لا يوجد، بحسب علمنا، نص قانوني موريتاني يتعلق بالتشوير الطرقي، ويحدد، بالتالي، طبيعة ألوان المطبات على الطرق الوطنية.

2- جرت العادة، بالنسبة إلى المؤسسات الرسمية المعنية بالمطبات، أن تكتفي باللون الأبيض في صباغة المطبات التي تشيدها على الطرق الوطنية، ونحن في هذا العمل قلدنا المؤسسات المعنية.

3- كنا سنرتكب خطأ فادحا لو خالفنا، في الحملة، الألوان التي تعتمدها شركة أشغال صيانة الطرق (ETER)، فمثل هذه المخالفة ستشوش على سالكي الطرق، وعلى الهوية البصرية للمطبات، من دون أن تضيف أي قيمة فنية إلى المطب.

4- في مثل هذه الأمور، فإننا في العادة نقلد، في هذه البلاد، فرنسا، البلد المستعمر سابقا، والنص الوارد في التعليمات الوزارية الفرنسية الخاصة بالتشوير الطرقي، في مادته 118-9، ينص، بالنسبة إلى المطب، على ما يلي: "يُشار إلى وجود مطب من نوع dos-d’âne بواسطة علامات أرضية تتكون من مجموعة من ثلاثة مثلثات بيضاء، توضع فوق المطب في محور كل مسار من مسارات حركة المرور، وتكون رؤوسها موجهة في الاتجاه الطبيعي لحركة السير.".

وهذا هو، بالتمام والكمال، ما تقيدت به شركة أشغال صيانة الطرق في مطباتها، وهو ما تقيدت به كذلك الحملة في المطبين اللذين قامت بطلائهما في قرية أكيمي.

5- بحثت عن نصوص قانونية تتعلق بالتشوير الطرقي في بعض الدول المجاورة، كالمغرب والسنغال ومالي، فلم أجد، في حدود ما تمكنت من الوصول إليه، نصوصا مماثلة تحدد ألوان طلاء المطبات. أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن النص القانوني قريب جدا من النص الفرنسي، ويتحدث عن ثلاثة مثلثات بيضاء على الجزء الصاعد من المطب.

والآن، وبعد الرد على هذه الانتقادات غير المؤسسة، فلنعد إلى العنوان، الذي ربما تكون صياغته قد تمت بهذا الشكل لجلب المزيد من القراء، مع أنه، وهذا مهم جدا، تبقى له صلة واضحة بالنص؛ أي إن صياغته بهذا الشكل لم تكن مجرد تحايل على القراء لدفعهم إلى قراءة المنشور.

هناك تسميات متداولة عندنا في موريتانيا للمطبات، أخذنا بعضها من اللغة الفرنسية، وأجرينا عليها تحويرات بسيطة لتكون أقرب إلى الحسانية، ومن تلك التسميات:

• "دودان"، وهي مأخوذة من العبارة الفرنسية Dos d’âne، أي "ظهر الحمار". وقد أطلق الفرنسيون على المطب عبارة "ظهر الحمار" للتشابه الحاصل بين ظهر الحمار وشكل المطب.

• والعبارة الثانية التي نستخدمها عند الحديث عن المطب هي: Gendarme couché، والمقصود بها أن هناك دركيا حقيقيا يوقف السيارات في نقاط معينة وهو واقف، وهناك "دركي آخر" مستلق على قفاه، يوقف، بشكل أو بآخر، السيارات، وهو المطب.

ويبقى السؤال: لماذا نستخدم، نحن الموريتانيين، هذه العبارات الأجنبية الثقيلة لوصف المطب: "ظهر الحمار" و"الدركي المستلقي"؟ ولماذا لا نستخدم بدلا منها كلمة "مطب"، وهي كلمة عربية قصيرة، لا تتجاوز ثلاثة أحرف، وتعبّر، في الوقت نفسه، عما نريد وصفه أحسن تعبير؟