الاثنين، 19 أكتوبر 2026

من تحذير أمير قطر إلى احتجاجات فرنسا.. هل من رسائل لنا في موريتانيا؟


نشرتُ قبل ثلاثة أيام مقالا بعنوان "إذا كانت قطر تستعد لأسوأ الاحتمالات.. فماذا نفعل في موريتانيا؟"، تعليقا على التحذير الذي أطلقه أمير قطر، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، حين دعا المواطنين والمؤسسات في بلده إلى الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، في ظل الأزمات المتفاقمة التي يشهدها العالم.

واليوم، وجدتني مضطرا إلى العودة إلى الموضوع نفسه، بعد اندلاع احتجاجات واسعة ضد غلاء المعيشة في عدد من الدول الأوروبية، على رأسها فرنسا، التي شهدت يوم السبت 17 أكتوبر احتجاجات عنيفة، شارك فيها، حسب الإحصائيات المتداولة، ما يتراوح بين 500 ألف و800 ألف محتج.

أن تصل إلينا في موريتانيا، وإلى غيرنا من الدول الفقيرة في المنطقة، رسالتان متزامنتان، بالبريد السريع والمضمون، غير مشفرتين، في ظل أزمة عالمية مرجحة للتفاقم، أولاهما من أمير خليجي في دولة غنية، والثانية من فرنسا التي ينبهر بها أغلبنا، فهذا أمر جلل، يستوجب منا أن نسارع إلى استخلاص الدروس والعبر من هاتين الرسالتين، ما دام في الوقت متسع لذلك، إن كان في الوقت متسع أصلا.

ليس من الحكمة إطلاقا أن نتعامل مع تحذيرات أمير قطر باعتبارها شأنا قطريا داخليا لا يعنينا، أو أن ننظر إلى الاحتجاجات العنيفة في فرنسا باعتبارها أحداثا بعيدة عنا لا تعنينا في شيء. فالقاسم المشترك بين تحذيرات أمير قطر واحتجاجات فرنسا هو أن العالم يعيش اليوم أزمات متفاقمة، وأنه لا يوجد بلد، أيًّا كان، محصن تماما من آثار تلك الأزمات وتداعياتها. ويتأكد ذلك بالنسبة إلى البلدان الفقيرة التي تستورد أغلب احتياجاتها من الخارج، ويتأكد أكثر بالنسبة إلى بلد مثل موريتانيا، لم يكتمل فيه حتى الآن تشييد مخازن للمحروقات تتيح له تأمين احتياجاته منها لعدة أشهر.

لقد أقلقتني كثيرا مشاهد العنف والنهب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة في فرنسا، البلد الذي يعتبره كثيرون منا بلد الحرية والديمقراطية والتقدم. وأقلقني أكثر أن تصدر هذه المشاهد من شباب متعلم، في بلد يُنظر إلى شعبه - من طرف بعضنا - باعتباره شعبا راقيا. فأن تتحول احتجاجات ضد غلاء المعيشة في بلد متقدم كفرنسا إلى عمليات سطو ونهب وإحراق وإتلاف للممتلكات العامة والخاصة، فهذا أمر مقلق لنا في أفريقيا، ويستدعي أن نطرح السؤال التالي: كيف سيكون الحال إذا شهدت بلدان أفريقية، تنتشر فيها الأمية، وتتفشى فيها الخطابات القبلية والشرائحية والعرقية، ولم تترسخ فيها المؤسسات وقيم المواطنة، احتجاجات مماثلة على غلاء المعيشة؟

من يتابع الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها بلدان مختلفة خلال السنوات الأخيرة، متقدمة كانت أو نامية، سيجد أن الكثير منها شهد أعمال عنف ونهب واعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. وهنا مكمن الخطورة: أن تتحول المطالب المشروعة إلى احتجاجات واضطرابات لا يمكن التحكم في مسارها.

ليس من الحكمة، في هذه الفترة الحرجة التي يمر بها العالم، الاستهانة بمخاطر الاحتجاجات أو التعامل معها باعتبارها أحداثا يمكن ضمان بقائها سلمية. فلا أحد يستطيع أن يضمن مسار أي احتجاج إن انطلق، ولا أن يستبعد انحرافه إلى أعمال سطو ونهب واعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، مثلما حدث في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية.

قد تتردد النخب الوطنية، حتى المعارضة منها، في الدعوة إلى احتجاجات لا تستطيع ضمان سلميتها أو التحكم في مسارها. لكن المشكلة أن الاحتجاجات قد تندلع فجأة، دون إشعار مسبق وبلا قيادة معروفة، بفعل تراكم صعوبات الحياة وانسداد آفاق الحل. وهذا تحديدا هو ما ينبغي أن تنتبه إليه الحكومات في البلدان الفقيرة. 

إن غياب الاحتجاجات لا يعني بالضرورة غياب أسبابها، والغضب المتراكم قد يظهر بصورة مفاجئة يصعب احتواؤها.

على الحكومات في منطقتنا أن تدرك أنه إذا كان الفساد، وسوء التسيير، وتعيين غير الأكفاء في الوظائف الخدمية الحساسة، جرائم في حق الشعوب والدول في الماضي، فإنها اليوم، في ظل هذه الأزمات المتفاقمة، لم تعد مجرد جرائم عادية، بل أصبحت من أمهات الجرائم ومن كبائرها، في حق الشعوب والدول، وذلك لأنها قد تفاقم الاحتقان الاجتماعي، وتُضعف قدرة الدولة على الصمود، وتفتح الباب أمام اضطرابات تهدد استقرار البلدان وتماسكها.

إن محاربة الفساد، وانتقاء الأكفاء للوظائف الخدمية والإنتاجية، والمحاسبة الصارمة على الأخطاء الفادحة في التسيير والأداء، لم تعد اليوم مجرد مطالب إصلاحية، بل أصبحت من أهم شروط استقرار الدول وضمان قدرتها على البقاء والصمود في عالم تتفاقم فيه الأزمات، وتزداد فيه معاناة الشعوب، في الدول الغنية والفقيرة على حد سواء.

المقلق في الأمر أن كثيرا من كبار الموظفين في بلدنا لا يدركون، فيما يبدو، حجم التحديات والمخاطر التي تواجه موريتانيا وغيرها من بلدان العالم، وخاصة البلدان الفقيرة، في ظل تفاقم الأزمات العالمية.

المقلق أكثر أنه لا يوجد في بلادنا "مفسدون عاقلون"، هذا إذا افترضنا جدلا أن الفساد والعقل يمكن أن يجتمعا في قلب أو عقل موظف واحد، فأي مفسد يفكر اليوم بعقل راجح، لابد وأن يتوقف فورا عن ممارسة الفساد في ظل هذه الفاصلة الزمنية من تاريخ العالم الحبلى بالأزمات، وذلك خوفا من أن تنفجر الأوضاع في بلده، وتندلع احتجاجات، يقع فيها نهب واعتداء على الأملاك العامة والخاصة، فتنهب أموال ذلك المفسد، الحلال منها والحرام، فيكون هو الخاسر الأكبر في نهاية المطاف.

فيا أيها المفسدون في بلادنا، كونوا عاقلين راشدين، ولو لفترة مؤقتة، وتوقفوا فورا عن الفساد، لا لمصلحة البلد، بل لمصلحتكم أنتم أولا، فمصلحتكم تقتضي أن تتوقفوا فورا عن الفساد في ظل هذه الأزمات العالمية المتفاقمة، وذلك قبل أن تصيبنا عدواها لا قدر الله، فعندما تصيبنا عدوى تلك الاحتجاجات، فإن أموالكم التي جمعتم بالحلال أو الحرام لن تكون في مأمن. 

علينا في هذه البلاد، أن ندرك ـ وبمن فيها من المصلحين والمفسدين ـ أن الاستقرار في أوقات الأزمات العالمية، لا يُحمى بتجاهل أسباب غضب الشعوب، ولا بالتعويل على صبر المواطنين، وإنما يحمى بمعالجة المظالم، واختيار الأكفاء، ومحاربة الفساد بشكل صارم.

فهل سنقرأ في موريتانيا الرسائل التي وضعت في صناديق بريدنا قادمة من الخليج ومن أوروبا، فنتخذ ما يلزم قبل فوات الأوان، أم أننا سننتظر حتى تتحول التحذيرات إلى وقائع يصعب التعامل معه؟

حفظ الله موريتانيا...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق