تأتي هذه الوثيقة في إطار التحضير للحوار المنتظر، والذي يُراد له أن يُناقش أمهات القضايا الكبرى في وطننا العزيز، ومن المعلوم بداهة أن الإشكال اللغوي يُعدُّ من الإشكالات الكبرى التي صاحبت ميلاد الدولة الموريتانية، وما زال هذا الإشكال قائما إلى يوم الناس هذا، حتى وإن كان قد حُسم دستوريا منذ أكثر من ثلث قرن.
لقد جاء في ديباجة دستور 21
يوليو 1991: "تشكل اللغة العربية، اللغة الرسمية للبلاد واللغات الوطنية
الأخرى، البولارية والسوننكية والولفية، كل في حد ذاتها، موروثا وطنيا مشتركا
لجميع الموريتانيين يجب على الدولة باسم الجميع أن تحفظه وتطوره".
كما جاء في المادة السادسة من هذا الدستور: "اللغات الوطنية هي
العربية والبولارية والسنونكية والولفية. اللغة الرسمية هي العربية".
ويتضح من ديباجة الدستور ومادته السادسة، أن الإشكال اللغوي قد حُسم دستوريا،
وما كان له أن يُناقش أصلا، ولكن المشكلة أن هذا الحسم كان نظريا فقط، أما واقعيا،
وخاصة على المستوى الإداري، فما زال هذا الإشكال قائما، رغم مرور أكثر من ثلاثة
عقود ونصف على المصادقة على دستور 1991، ويعود ذلك إلى طبيعة تعامل الأنظمة
المتعاقبة ومعارضاتها مع المادة السادسة من الدستور الموريتاني، فلا الأنظمة فعَّلت
تلك المادة، ولا الأحزاب السياسية المعارضة ضغطت من أجل تفعيلها. لقد كان تعامل
الجميع في السلطة والمعارضة مع هذه المادة بالذات من الدستور تعاملا سلبيا، يتراوح
ما بين التجاهل التام في كثير من الأحيان، والمجاملات والحذر المفرط أكثر من
اللازم في أحايين أخرى، وهذا ما أوصلنا في المحصلة النهاية إلى ما نعيشه اليوم من
مشاهد غريبة تُناقض ـ وبشكل فج ـ ديباجة الدستور ومادته السادسة.
وكأمثلة على ذلك التناقض، فما زالت بعض الوزارات السيادية ترفض حتى اليوم
استقبال عروض للمشاركة في مناقصات، إذا ما كانت تلك العروض قد كُتبت باللغة
الرسمية للبلد، وما زال خطاب رئيس أعلى هيئة دستورية في البلاد يصدر بلغة أجنبية
في واحدة من أهم المناسبات الوطنية (تنصيب رئيس الجمهورية)، ومن المشاهد التي
تناقض الدستور، يمكن أن نذكر أيضا، اضطرار بعض الوزراء لإصدار تعميمات وزارية لتعريب
المراسلات في وزاراتهم، وكأن الأصل هو أن تكون تلك المراسلات بلغة أجنبية، وأن
تعريبها هو الاستثناء، ويحتاج إلى اتخاذ إجراءات استثنائية كإصدار تعميمات بذلك.
ومن الأمثلة على ذلك التناقض أن يتحدث وزير موريتاني بلغة أجنبية في
نشاط رسمي تَحَدَّث فيه سفير فرنسا في بلادنا باللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية
الموريتانية، أو أن يبرر عمدة من عمد العاصمة نواكشوط عدم تحدثه باللغة الرسمية
للبلد، في خطاب يلقيه من داخل الجمعية الوطنية، بالقول إنه تعلم اللغة الفرنسية
والانجليزية والاسبانية والألمانية هنا في العاصمة نواكشوط، دون أن يتمكن من تعلم
اللغة العربية، ولهذا فهو لا يستطيع ـ حسب تبريره الغريب ـ أن يتحدث باللغة
العربية، بينما يستطيع أن يتحدث بأربع لغات أجنبية أخرى، تعلمها هنا في موريتانيا:
الفرنسية، والانجليزية، والاسبانية، والألمانية!.
هذا عن مظاهر عدم تفعيل اللغة الرسمية للبلد، أما بخصوص لغاتنا
الوطنية الأخرى، فهي أيضا لم تحفظ ولم تطور، بصفتها موروثا وطنيا مشتركا لجميع
الموريتانيين، حسب ما جاء في ديباجة الدستور، فما زال هناك تقصير كبير ـ على
المستويين الرسمي والشعبي ـ في التعامل مع هذه اللغات وتطويرها، وهنا سنكتفي
بتقديم مثال واحد، يتعلق بردة الفعل الغريبة التي اتخذها العديد من النواب ذات ثلاثاء
صادف يوم 5 يونيو 2012، عندما تحدث يومها نائب بوكي الراحل "سي صمبا"،
داخل الجمعية الوطنية، ولأول مرة في تاريخ الجمعية الوطنية باللغة البولارية، فثارت
ثائرة بعض النواب بسبب ذلك، وطالبه البعض ـ
وبكل استفزازـ أن يتحدث بلغة أجنبية بدلا
من التحدث بلغته الأم (البولارية)، والتي صنفها الدستور الموريتاني ـ مع بقية
اللغات الوطنية الأخرى ـ موروثا وطنيا مشتركا لكل الموريتانيين، وطالب الدولة
بحفظها وتطويرها.
فكيف لنا أن نطور لغاتنا الوطنية ما دام لا يتم التحدث بها في الأنشطة
الرسمية التي يتعذر فيها الحديث باللغة الرسمية للبلد؟ وكيف لنا أن نظورها إذا ظل
بعض النواب يرفض أن يتحدث بها في البرلمان، بعد توفير الترجمة منها وإليها، ويُصِرُّ على أن يتحدث بلغة أجنبية مع عدم توفر الترجمة
منها وإليها؟
ألم يكن
الأولى برئيس المجلس الدستوري أن يتحدث بإحدى لغاتنا الوطنية في حفل تنصيب رئيس
الجمهورية إذا ما تعذر عليه الحديث باللغة الرسمية للبلد، بدلا من الحديث بلغة أجنبية؟
ألم يكن
الأولى ببعض الوزراء والنواب أن يتحدثوا في الجمعية الوطنية بلغاتهم الأم إذا ما
تعذر عليهم الحديث اللغة العربية، بدلا من الحديث بلغة أجنبية، خاصة وبعد أن أصبحت
الجمعية الوطنية توفر الترجمة الفورية من وإلى كل اللغات الوطنية، على العكس مما
هو الحال بالنسبة للغة الفرنسية التي لم تعد الترجمة توفر منها ولا إليها.
الإشكال اللغوي: المسار التاريخي
لم يكن هناك أي إشكال في موريتانيا في التعايش بين المكونات الوطنية
من أصول عربية أو افريقية، ولا بين اللغة العربية ولغاتنا الوطنية الأخرى، قبل
دخول الاستعمار، بل كان التعايش قائما بين هذه المكونات واللغات، فنسبة كبيرة من
مفردات لغاتنا الوطنية من أصل عربي، وكانت هذه اللغات تكتب بالحرف العربي، وكانت اللغة
العربية هي لغة المحاظر المنتشرة في ولايات الضفة، وهي لغة المعاملات والتوثيق
الشرعي لجميع مكوناتنا الوطنية.
ولكن، ومع مجيء الاستعمار، بدأ العمل على خلق صراع بين المكونات
الوطنية العربية والافريقية، فعمل المستعمر على قطع كل الصلات القائمة بين اللغة
العربية واللغات الوطنية الأخرى، فأحرق المكتبات الإسلامية في كيدي ماغا، وعندما
بدأ يفتح مدارسه، خصص مدارس لمدن الضفة كانت اللغة الفرنسية فيها إلزامية، ولم تكن
تدرس فيها اللغة العربية، وخصص مدارس أخرى للمكونة العربية، وكانت اللغة الفرنسية
في هذه المدارس اختيارية في مرحلة أولى، في حين كانت اللغة العربية إلزامية.
لقد أراد المستعمر بهذه الثنائية في مدارسه أن يجعل اللغة العربية لغة
هوية خاصة بإحدى المكونات الوطنية، وذلك بدلا من أن تظل ـ كما كانت قبل مجيئه ـ لغة
لجميع الموريتانيين، وقد نجح للأسف، وإلى حد كبير، في ذلك.
المطالبة المبكرة بالتعريب
خطط الاستعمار الفرنسي لأن تبقى لغته مسيطرة في البلاد، حتى بعد إعلان
الاستقلال، ونجح في ذلك كثيرا، ومع ذلك فلم تغب الدعوات المبكرة لاستعادة اللغة
العربية لمكانتها التي تستحق في موريتانيا. ويبقى
المثال الأبرز للوقوف عمليا ضد المخطط الفرنسي، مدارس الفلاح الإسلامية التي أسسها
العالم الموريتاني الجليل الحاج محمود با رحمه الله، والذي يعتبر بحق رائد التعريب
في موريتانيا، بل ورائد التعريب في غرب إفريقيا. لقد أقام هذا العالم الجليل أسلوبا
متميزا لنشر اللغة العربية في الأوساط غير الناطقة بها، داخل البلد وخارجه، وكان
هذا الأسلوب قائما على التعليم، لا على الصدام السياسي، ولا على فرض القوانين،
فجعل اللغة العربية لغة تعليم يومي في بيئات مجتمعية تقطنها مكونات غير عربية،
وربطها بالعلم والدين والترقية الاجتماعية، وكان بالإضافة إلى ذلك يوفر المنح
لتعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية لأبناء المكونات غير العربية في مؤسسة الأزهر،
وفي غيرها من المؤسسات التعليمية في بلدان المشرق العربي.
ومن الأمثلة التي يمكن أن نوردها كذلك هنا، والتي دافع أصحابها في وقت
مبكر عن اللغة العربية، وبأسلوب مختلف، يمكن أن نذكر المناضل سيدي محمد ولد سميدع
الذي حمل مشعل النضال من أجل التعريب في وقت مبكر جدا، وقد وقف أمام الرئيس الراحل
المختار ولد داداه خلال زيارة له للثانوية الوطنية، وخاطبه قائلا: " كيف يعقل
أن تدرسوا أجيال المستقبل بلغة المستعمر؟ نريد ترسيم اللغة العربية وتعليمها
حالا".
هذا الجانب المتعلق بالدفاع عن اللغة العربية، يتم إهماله دائما عند
الحديث عن نضال سميدع، ويتم التركيز على جوانب أخرى، ربما لأسباب إيديولوجية.
الصدامات العرقية المبكرة
كانت صدامات 1966 هي أول صدامات عرقية يشهدها البلد، وقد تحدث الرئيس
الراحل المختار ولد داداه في مذكراته عن تلك الصدامات التي أدت للأسف إلى سقوط 6
قتلى و70 جريحا.
يقول المختار ولد داداه في مذكراته: "لا شك أن بداية تعريب
التعليم لن تسلم من بعض المظاهرات والعداء نظرا لما اتسمت به تلك المشكلة من تسييس،
ولما لها من طابع عاطفي فضلا عن كون تلك المظاهرات موجهة، ولو جزئيا، من قبل جهات
غير موريتانية فرنسية وسينغالية.
في سنة 1965 بالذات كان ينتابنا قلق كبير كلما اقترب 18 أكتوبر تاريخ
افتتاح المدارس الثانوية. فلماذا؟ لأن هذا الافتتاح يعنى دخول القانون الذي صادقت
عليه الجمعية الوطنية بالإجماع يوم 12 من يناير من تلك السنة حيز التنفيذ. ويقضى
ذلك القانون بإعادة تنظيم التعليم الثانوي وبوجوب تعلم اللغة العربية إلى جانب
اللغة الفرنسية ابتداء من السنة الأولى من الإعدادية.
فقد نصت المادة العاشرة من ذلك القانون على أن "يتم تعليم اللغة
الفرنسية وتعليم اللغة العربية بصورة إلزامية في مؤسسات التعليم الثانوي".
وكنا نعلم من مصادر عدة أن بعض الأطر الناطقين بالفرنسية من الزنوج، والمدرسين
منهم على وجه الخصوص، قد انتهزوا فرصة العطلة الصيفية لتعبئة التلاميذ من بنى
جلدتهم ضد تعليم اللغة العربية ولإعدادهم للقيام بالإضراب وتنظيم المظاهرات عند
الافتتاح. وقد أشرت فيما سبق إلى أسباب هذا الموقف ولن أعود إليها الآن، ولكنني في
المقابل سأسرد الأحداث التي وقعت في النصف الأول من سنة 1966 بصورة تفصيلية أحيانا
لعل ذلك يسهل فهمها.
وهكذا بدأت سنة 1966 تحت شعار الاضطرابات المدرسية. ففي 4 يناير بدأ
جميع التلاميذ الزنوج في نواكشوط وروصو إضرابا ضد إلزام تعليم اللغة العربية في
التعليم الثانوي، فدعوت إلى اجتماع مشترك بين أعضاء المكتب السياسي الوطني
والحكومة، وأقر المجتمعون أن يوجه وزير التهذيب آنذاك بكار ولد سيدى هيبه نداء عبر
الإذاعة، وهو ما فعله في اليوم الموالي. وقد طلب من الطلبة العودة إلى فصولهم
مهددا إياهم بالطرد إذا لم يعودوا للدراسة من الغد. ثم مددت فترة السماح إلى يوم
10 من يناير.
وفى يوم 6 من الشهر نفسه، وزع منشور مطول تحت عنوان "بيان التسعة
عشر" أعلن فيه 19 موظفا ساميا كلهم من منطقة النهر أنهم "يساندون إضراب
التلاميذ الزنوج من أجل سد الطريق أمام التعريب القسري ومن أجل فرض تعديل قوانين
30 يناير 1965 لأن الازدواجية ليست سوى خدعة لإقصاء المواطنين السود من كل شؤون
الدولة".
كان تدخل فرنسا والسنغال واضحا في تلك الأحداث، وهو ما ذكره الرئيس
الرحل المختار ولد داده في مذكراته، وكان بيان التسعة عشر بيانا عرقيا بامتياز،
مليئا بالعبارات العنصرية، فاعتبر هذا البيان أن قرار إلزامية تدريس اللغة العربية
هو بمثابة "خدعة وخيانة تستهدف اضطهاد السود ثقافيا وإقصاءهم من أجهزة الدولة"،
وأن: "اللغة العربية ليست لغة الأفارقة، وأن التلاميذ الأفارقة سيجدون غبنا
كبيرا بدراسة لغة لا يعرفونها إلى جانب العرب الذين يتكلمونها، وأن فرض التعريب
مقدمة لتغيير هوية الأفارقة".
وجاء في البيان: "يعرف البيظان (العرب) أن التعريب القسري سيقود
البلد إلى الفشل، لكنهم مصرون على المضي في ذلك الاتجاه، تدفعهم عقدة النقص أمام
التفوق النوعي للأطر السود، كما تدفعهم الرغبة الجامحة في اجتثاث المجموعة السوداء
من محيطها الإفريقي وبالتالي احتوائها وإخضاعها لنمط حياتهم وتفكيرهم."
وأضاف البيان “من الجلي أن الدراسة الإلزامية للغة العربية هي بالنسبة
للسود اضطهاد ثقافي. كما أنها تمثل عائقا أمام النجاح في جميع الامتحانات للتلاميذ
السود الذين، وبشكل واع، كانوا دائما يرفضون دراسة اللغة العربية لمعرفتهم أنها
تكبح تطورهم الثقافي والعلمي وأنها ليست في مصلحتهم".
لم يقف بيان “التسعة عشر” عند هذا الحد من معاداة اللغة العربية،
والدفاع المستميت عن اللغة الفرنسية (لغة المستعمر)، بل إن البيان قال بالحرف
الواحد: "ننظر إلى هذه اللحظة باعتبارها بداية إعادة النظر في بعض أسس
التعايش بين المجموعة السوداء والمجموعة البيضاء."
لم تكن فرنسا غائبة عن كل ذلك، ولم تكن تخفي عداءها للغة العربية،
وهذا ما ظهر جليا في حفل اختتام السنة الدراسية في العام 1964. فقد جرت العادة في
حفل الاختتام الدراسي أن يحضر رئيس الجمهورية رفقة عدد من الوزراء وأعضاء السلك الدبلوماسي
في البلد، لحفل الاختتام في الثانوية الوطنية، وجرت العادة كذلك أن يلقي أصغر
الأساتذة سنا وأحدثهم اكتتابا خطاب افتتاح الحفل، فاجتمعت تلك الصفات في الأستاذ
محمذن ولد باباه الوزير السابق أطال الله في عمره.
أصر الأستاذ محمذن ولد باباه
على إلقاء خطابه بلسان عربي مبين، فغضب السفير الفرنسي غضبا شديدا من ذلك، فانفرد
في نهاية الحفل بالرئيس الراحل المختار ولد دداه، وحذره من الأستاذ محمذن ولد
باباه، وخطورة ما قام به، مطالبا باعتقاله فورا.
تشخيص الإشكال اللغوي في موريتانيا
رغم وضوح الإطار الدستوري المنظم للمسألة اللغوية في موريتانيا منذ
المصادقة على دستور يوليو 1991، فإن الواقع العملي يكشف عن وجود اختلال بنيوي عميق
بين النصوص القانونية والممارسة اليومية، وهو اختلال تراكم عبر عقود، وتحول مع
الزمن إلى وضع شبه طبيعي، رغم كلفته الباهظة على الدولة والمجتمع.
ومن مظاهر ذلك الاختلال:
1 ـ وجود فجوة كبيرة بين الترسيم في الدستور
وتطبيق الترسيم على أرض الواقع
ينص الدستور الموريتاني بوضوح على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية،
وأن اللغات الوطنية هي البولارية والسنونكية والولفية. غير أن هذا الحسم الدستوري لم
يُترجم، في أغلب القطاعات، إلى إجراءات حكومية والتزامات إدارية، مما خلق فجوة
واضحة بين:
- ما هو
منصوص عليه قانونا؛
- ما هو
معمول به فعليًا في التعليم والإدارة والفضاء العمومي بشكل عام.
وقد أدى هذا الوضع إلى ازدواجية لغوية غير معلنة، تتحكم فيها الأعراف
الإدارية أكثر مما تحكمها النصوص القانونية، وهو ما أضعف هيبة الدستور، وأربك
علاقة المواطن بالدولة.
2 ـ اختلال في الإدارة العمومية
إن الإدارة العمومية هي الواجهة الأولى للدولة، وهي صلة الدولة
بالمواطن، ولكن هذه الصلة ظلت ضعيفة جدا بسبب اعتماد لغة أجنبية في تحرير الوثائق
والمراسلات والعقود والمعاملات الإدارية مع المواطنين، وهذا ما جعل نسبة كبيرة جدا
من المواطنين غير قادرة على فهم ما يُوجَّه إليها من وثائق أو إدارية، أو فهم ما
توقّعه من وثائق عند التعاقد مع مؤسسات عمومية كشركة الكهرباء أو الماء أو مؤسسات
خصوصية كشركات الاتصال والبنوك.. إلخ، الأمر الذي أدى إلى:
- ضعف مبدأ
تقريب الإدارة من المواطن؛
- تكريس
اللامساواة في النفاذ إلى الخدمات؛
- تحويل لغة
الإدارة والقطاع الخاص من أداة خدمة إلى أداة إقصاء غير معلن.
إن أهم خطوة في إصلاح الإدارة تتمثل في تقريب خدماتها من المواطن،
ويبقى الشرط الأول في تقريب خدمات الإدارة من المواطن، مخاطبة المواطن بلغته
الرسمية التي يفهمها أو يفترض فيه أنه يفهمها.
وبكلمة واحدة: لا إصلاح للإدارة دون تقريب خدماتها من المواطن، ولا
تقريب لخدمات الإدارة من المواطن دون مخاطبته بلغته الرسمية.
3 ـ أثر الإشكال اللغوي على محاربة الفساد
لا يمكن أن نتحدث عن محاربة الفساد، دون أن تكون هناك رقابة شعبية على
إنفاق المال العام، ولا يمكن أن نتحدث عن رقابة شعبية على إنفاق المال العام، وذلك
في وقت تنفق فيه 60 % من الميزانية على الصفقات العمومية، وكل الوزارات والمؤسسات
العمومية تشترط استخدام اللغة الفرنسية فقط في كل مراحل إبرام وتنفيذ الصفقات
العمومية (العروض؛ العقود؛ المراسلات.. إلخ).
فمن أجل أن تكون هناك رقابة شعبية على الصفقات العمومية التي تستنزف
فيها نسبة كبيرة من ميزانية الدولة، فقد تم الإلزام من طرف المؤسسات الدولية بنشر
كل ما يتعلق بالصفقات العمومية، وبالفعل فإن النشر يتم في بلادنا، ولكنه يتم بلغة
أجنبية لا تفهمها أغلبية الشعب الموريتاني، مما يعني أن الهدف من النشر لم يتحقق أصلا،
على الأقل بالنسبة لأكثر من 90% من الموريتانيين الذين لا يفهمون اللغة الفرنسية.
خلاصة القول في هذه النقطة أنه لا حرب على الفساد بدون رقابة شعبية، ولا رقابة
شعبية فعالة في ظل إدارة تتحدث بلغة أجنبية لا يفهمها المواطن.
إن اللغة ليست مسألة ثقافية فحسب، بل إنها شرط أساسي لتكريس مبادئ
الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد.
4 ـ الإشكال اللغوي وأثره على تساوي الفرص والترقية الاجتماعية
أفرز الواقع اللغوي الحالي تمييزا بين المواطنين، خاصة في الولوج إلى
الوظيفة العمومية، والترقية الإدارية، والاستفادة من فرص التكوين والعمل، حيث بات
إتقان لغة أجنبية شرطا ضمنيا للتوظيف في بعض القطاعات وللترقي في قطاعات أخرى،
وهذا الشرط لا يبرره القانون ولا تستوجبه طبيعة المهام.
وقد انعكس ذلك سلبا على فئات واسعة من حملة الشهادات باللغة العربية،
وعلى أبناء الأسر ذات الدخل المحدود، التي لا تتمكن من تعليم أبنائها في مدارس
خاصة يتعلمون فيها اللغة الأجنبية التي تهيمن في الإدارة، مما وسَّع من الفجوة
الاجتماعية، وربط الإشكال اللغوي بالتمايز بين طبقات ومكونات المجتمع.
إنه ليس من الممكن أن نتحدث عن ترقية اجتماعية، ولا عن نهوض بالفئات
الهشة دون أن نعطي للغة العربية مكانتها في التعليم والإدارة، فأبناء الفئات الهشة
لا يستطيعون تعليم أبنائهم في المدارس الخصوصية، ولا يستطيعون التكفل بدروس خصوصية
في المنزل، عكسا لأبناء الأسر الميسورة الذين يدرسون أبناءهم في المدارس الفرنسية
ذات الكلفة العالية جدا.
وبعد التخرج، وكما يحدث دائما، تتناقص حظوظ أبناء الفئات الهشة في
الحصول على وظائف، وذلك بسبب الوساطة أولا، وثانيا بسبب فرنسة سوق العمل: الإدارة،
البنوك، شركات الاتصال، الشركات الأجنبية، وممثليات الهيئات الدولية العاملة في موريتانيا.
بكل تأكيد، ستبقى حظوظ أبناء الفئات الهشة ضعيفة في الحصول على وظائف
ما دامت اللغة الفرنسية هي المسيطرة على سوق العمل في موريتانيا.
5 ـ الإشكال اللغوي وإصلاح التعليم
من المعروف أن إصلاح التعليم هو الخطوة الأولى لإحداث أي نهضة في بلد
ما، ويتفق خبراء التربية والمنظمات الدولية المختصة، أن التعليم باللغة الأم يعدُّ
شرطا أساسيا للنهوض بالتعليم، ولإنجاح أي إصلاح تعليمي.
إن تذبذب السياسة اللغوية في التعليم في بلادنا أدَّى إلى:
- ضعف
المردودية التعليمية؛
- ارتفاع
نسب التسرب المدرسي؛
- إرباك
المتعلمين بازدواجية لغات التدريس، وتفضيل اللغة الأجنبية في سوق العمل.
6 ـ الإشكال اللغوي والوحدة الوطنية
إن غياب سياسة لغوية واضحة ومُعلَنة، تُطبَّق على الجميع دون استثناء،
يفتح المجال أمام التأويلات، ويُغذّي الشكوك المتبادلة، ويُستثمر أحيانًا لإثارة
حساسيات لا تخدم التماسك الوطني.
فالوحدة الوطنية لا تُبنى على الغموض، بل على الوضوح، ولا تُحمى
بتأجيل القضايا ذات الصلة بهوية البلد، وإنما بحسم تلك القضايا في إطار القانون
والاحترام المتبادل.
لا وحدة وطنية يمكن أن تتحقق في بلدنا إلا إذا كانت هناك لغة رسمية جامعة
يتحدث بها الجميع في الفضاءات الرسمية.
7 ـ اللغة والقانون
على من يسعى حقا لبناء دولة قانون ومؤسسات، أن يدرك بأنه لا يمكن أن
نبني دولة قانون ومؤسسات ونحن نعطل مادة من مواد الدستور الموريتاني. لا يمكن أن
نبني دولة قانون ومؤسسات ونحن نميز بين مواد الدستور الموريتاني، نتحرك بقوة عندما
نشعر بمحاولة المساس بالمادة 28 من الدستور مثلا، والتي تقول: " يمكن إعادة
انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة". وفي المقابل فإننا نبقى على الصامت، ونحن
نتابع الانتهاك اليومي للمادة السادسة من نفس الدستور التي تقول: " اللغات
الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية . اللغة الرسمية هي العربية".
فبأي منطق ندافع بقوة عن المادة 28 من الدستور، ونتجاهل بشكل كامل
الانتهاكات اليومية للمادة السادسة من الدستور نفسه؟
لقد آن الأوان لأن نتوقف فورا عن هذه الازدواجية في التعامل مع مواد الدستور الموريتاني، وذلك
من خلال التفعيل الكامل للمادة السادسة من الدستور، أو الدعوة إلى تعديل تلك
المادة إذا كنا لا نريد تفعيلها. إن المشكلة التي تواجه الذين يعطلون تفعيل المادة
السادسة من الدستور، أو لا يريدون تفعيلها على الأقل، هي أنهم يدركون جيدا بأن أي
محاولة لتعديل هذه المادة سيرفضها الشعب الموريتاني ـ بقوة ـ في حالة استفتائه،
ولن يكون بالإمكان تمريرها عن طريق البرلمان، وهو ما يعني في المحصلة النهائية استحالة
تعديلها.
8 ـ اللغة وحقوق المستهلك
يُوَقِّع المستهلك الموريتاني على عقود عديدة مع شركة الماء والكهرباء
والبنوك وشركات الاتصال، دون أن يفهم أي شيء مما وقع عليه، وتأتيه فواتير من شركة
الكهرباء والماء بلغة لا يفهمها، وبذلك يضيع أحد أهم حقوقه كمستهلك، أي معرفة
تفاصيل ما في الفواتير التي سيسدد، وما في العقود التي سيوقع.
إن مخاطبة المستهلك بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفترض أنه يفهمها،
هي حق أساسي من حقوقه التي لا يجوز تعطيلها.
9 ـ اللغة والدين
لقد أنعم الله علينا في هذه البلاد بأن جعلنا جميعا مسلمين، ولقد
اختار الله لحكمة يعلمها هو أن ينزل آخر كتبه باللغة العربية، ولذا فعلى من أراد
أن يتدبر القرآن وأن يتعلم اللغة العربية، وأن يؤدي صلاته على أحسن وجه، أن يتعلم
اللغة العربية أولا.
إن اللغة العربية لم تعد لغة قوم بعد أن نزل بها القرآن، بل أصبحت لغة
دين ولغة أمة إسلامية، وهذا يكفي لوحده لأن يتمسك بها الموريتانيون جميعا،
ويدافعون عنها جميعا، ويتعلموها جميعا، فتعلمها ليس ترفا، وإنما هو ضرورة لكل مسلم
يريد أن يتعلم دينه، ويمارس شعائره الدينية بشكل صحيح.
غياب سياسة لغوية وطنية شاملة
رغم تعدد النصوص والمبادرات، لا تزال موريتانيا تفتقر إلى سياسة لغوية
وطنية مكتوبة، واضحة، ومعلنة، تحدد:
- أدوار كل
لغة؛
- مجالات
استخدامها؛
- حدودها
الوظيفية؛
- وآليات
تطويرها وحمايتها.
وقد أدى هذا الغياب ـ وكما أشرنا إلى ذلك سابقا ـ إلى اجتهادات
متفرقة، وقرارات ظرفية، ومعالجات جزئية، لم تُنتج حلا مستداما، وإنما زادت المشهد
تعقيدا.
واليوم، ونحن مقبلون على حوار وطني شامل، فلم يعد مقبولا الاستمرار في
تعطيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني، فهذا التعطيل لا يطرح إشكالا لغويا
فحسب، كما بينا سابقا، بل يطرح إشكالات عديدة أخرى، سيادية وتنموية وثقافية
ودبلوماسية واقتصادية ...إلخ
ومن هذا المنطلق بالذات، تنطلق هذه الوثيقة من قناعة أساسية مفادها أن
حسم الإشكال اللغوي ليس موجَّها ضد أي مكوّن وطني، ولا ضد أي لغة، بل هو شرط ضروري
لبناء دولة عادلة، تحترم دستورها، وتصون تنوعها، وتمنح كل لغة مكانتها الطبيعية
دون تضخيم أو إقصاء.
وتؤكد الوثيقة أن اللغة العربية في موريتانيا ليست لغة فئة أو عرق، بل
هي:
- لغة دين
لجميع الموريتانيين،
- اللغة الرسمية
الوحيدة حسب دستور 1991،
- لغة جامعة
تاريخيًا لكل الموريتانيين، وكانت تكتب بها اللغات الوطنية الأخرى قبل مجيء
الاستعمار،
- لغة أم
لأغلبية السكان،
- لغة يزداد
حضورها في إفريقيا، وأصبحت تحتل المرتبة الأولى أو الثانية إفريقيا، وذلك في
وقت تتراجع فيه اللغة الفرنسية، والتي أصبحت تأتي في الرتبة الرابعة إفريقيا،
- لغة
عالمية حية، معتمدة من طرف أغلب المؤسسات الدولية، وتحتل مكانة متقدمة في
العالم المعاصر. هذا فضلا عن كونها لغة مستقبل، حسب
الدراسات المختصة.
لكل هذه الأسباب، ولغيرها، فإن اعتماد اللغة العربية لغة رسمية وحيدة
في الجمهورية الإسلامية الموريتانية يبقى هو القرار السليم، وبالنسبة للغات
الوطنية الأخرى فهي تمثل ثراءً ثقافيا وموروثا حضاريا مشتركا، يستوجب الحماية
والتطوير والدعم المؤسسي، بما يعزز حضورها الثقافي والتعليمي والإعلامي، دون أن
يؤدي ذلك إلى إرباك البنية الدستورية للدولة أو المساس بوحدتها اللغوية الرسمية.
أما اللغات الأجنبية، وفي مقدمتها اللغة الفرنسية، فإن الوثيقة تتعامل
معها بمنطق المصلحة الوطنية لا بمنطق الصراع، فتعترف بدورها كلغة أجنبية أولى،
وبأهميتها في الانفتاح والتعاون، شريطة ألا تتحول من أداة تواصل وانفتاح إلى أداة
هيمنة وإقصاء، أو إلى بديل غير معلن عن اللغة الرسمية للدولة، أو إلى عائق يقف
أمام تطوير لغاتنا الوطنية، وتوسيع مجال استخدامها.
إن هذه الوثيقة لا تسعى إلى إعادة فتح نقاشات محسومة، ولا إلى تأجيج
حساسيات تاريخية، بل تهدف إلى:
- توحيد
الرؤية الوطنية حول السياسة اللغوية؛
- وضع إطار
عملي لتفعيل النص الدستوري؛
- تحقيق
توازن عقلاني بين الوحدة والتنوع؛
- وبناء عقد
لغوي واضح بين الدولة والمجتمع.
إن هده الوثيقة ستقدم للأطراف المشاركة في الحوار بصفتها مقترحًا
وطنيًا مفتوحًا للنقاش المسؤول، وهو مقترح يستند إلى الدستور، ويحترم الخصوصيات،
ويتطلع إلى مستقبل تتعايش فيه اللغات الوطنية كما كان حاصلا قبل مجيء الاستعمار،
وتُمارَس فيه السيادة اللغوية دون حساسيات، ويشعر فيه كل مواطن بأن الدولة تخاطبه
بلغته، وتحترم هويته، وتضمن له المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات.
إن تفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني تقتضي:
1 ـ أن تكون اللغة العربية هي اللغة الأولى في التعليم، وهي اللغة
الرسمية الوحيدة في الإدارة العمومية. من المهم أن يتم ذلك بتدرج، ولكن وفق سقف
زمني محدد؛
2 ـ أن تمنح اللغات الوطنية مكانة خاصة في التعليم الأساسي، وأن يُضمن
لها حضور أكبر في الفضاء العمومي، وخاصة الإعلام، مع توسيع نطاق تدريسها في
المدرسة الوطنية للإدارة والصحافة والقضاء، وإعطاء ميزات وظيفية أكبر للموظف الذي
يتحدث بلغة وطنية ثانية بالإضافة إلى اللغة العربية؛
3 ـ تدرس اللغة الفرنسية في المرحلتين الابتدائية والثانوية بصفتها مادة
فقط، لا بصفتها لغة تدريس، وهذا يتناغم مع روح القانون التوجيهي للنظام التربوي، ويبقى
ذلك هو حالها حتى المرحلة الجامعية، ففي هذه المرحلة يمكن أن تصبح مادة تدريس،
ولكن بشكل محدود.
4 ـ يحظر ـ وبشكل متدرج ـ استخدام اللغة الفرنسية في الإدارة وفي
الفضاءات العامة.
إن حسم الإشكال اللغوي في موريتانيا لا يمكن أن يتم بمعالجات جزئية أو
بخطاب عاطفي أو بإجراءات ظرفية، بل يتطلب رؤية شاملة، تستند إلى مرجعيات واضحة،
متفق عليها، تشكل الأساس النظري والعملي لأي سياسة لغوية وطنية ناجحة.
المرجعيات المؤسسة للرؤية المقترحة
تنطلق هذه الوثيقة من قناعة راسخة مفادها أن أي معالجة جادة ومستدامة
للإشكال اللغوي في موريتانيا لا يمكن أن تقوم على الانطباعات أو المزايدات أو
الحلول الظرفية، بل يجب أن تُؤسَّس على مرجعيات واضحة ومتكاملة، تشكل إطارًا
ضابطًا للرؤية، وموجِّهًا للسياسات العمومية، وضامنًا للتوازن بين الوحدة الوطنية
والتنوع الثقافي.
1 ـ المرجعية الدينية والحضارية
تستند هذه الوثيقة إلى حقيقة مركزية في تاريخ موريتانيا وهويتها، وهي
أن الإسلام يشكل القاسم المشترك الجامع لكل الموريتانيين، بمختلف أعراقهم
وانتماءاتهم الثقافية.
ومنذ أن نزل القرآن الكريم باللغة العربية، لم تعد هذه اللغة مجرد لغة
قوم أو عرق، بل أصبحت:
- لغة دين؛
- لغة
عبادة؛
- لغة شريعة
وفقه؛
- ولسانا
جامعا للأمة الإسلامية.
وانطلاقًا من هذه المرجعية، ترى الوثيقة أن تعزيز مكانة اللغة العربية
لا يتعارض مع التنوع الثقافي، بل يشكل عامل توحيد واستقرار، حين يُمارس في إطار
جامع وغير إقصائي.
2 ـ المرجعية الدستورية والقانونية
تشكل المرجعية الدستورية الأساس القانوني الذي تقوم عليه هذه الوثيقة.
فقد حسم الدستور الموريتاني، منذ سنة 1991، مسألة اللغة بشكل صريح،
حين نص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، وأن اللغات الوطنية هي البولارية
والسنونكية والولفية.
وانطلاقًا من مبدأ سمو الدستور، فإن أي ممارسة لغوية في الإدارة، أو التعليم،
أو الإعلام العمومي، وأي سياسة عمومية لغوية، يجب أن تكون منسجمة مع هذا النص
الدستوري، لا متجاوزة له ولا معطِّلة لمقتضياته.
وتؤكد هذه الوثيقة أن احترام الدستور في هذا المجال ليس خيارا سياسيا
ولا موضوع تفاوض، بل هو التزام قانوني، وأساس من أسس دولة القانون والمؤسسات.
3 ـ المرجعية الوطنية والاجتماعية
تؤكد هذه الوثيقة أن موريتانيا بلد متعدد المكونات، غني بتنوعه
الثقافي واللغوي، وأن اللغات الوطنية الأخرى تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية
الجماعية، وموروثًا ثقافيًا مشتركًا لجميع الموريتانيين.
ومن هذا المنطلق، فإن:
- حماية
اللغات الوطنية؛
- تطويرها؛
- دعم
حضورها في التعليم والثقافة والإعلام؛
تشكل التزامًا وطنيًا وأخلاقيًا، لا يتناقض مع ترسيم لغة واحدة، بل يكمّلها.
وترى الوثيقة أن الجمع بين لغة رسمية جامعة ولغات وطنية مصونة
ومطوَّرة، هو الخيار الأكثر انسجامًا مع:
- متطلبات
الوحدة الوطنية؛
- واقع
الدولة؛
- قدرتها
الإدارية والمؤسسية.
4 ـ المرجعية التنموية والتربوية
تستند هذه الوثيقة إلى خلاصات علمية وتجارب دولية تؤكد أن:
- التعليم
باللغة الأم يعزز الفهم والاستيعاب؛
- الإدارة
التي تخاطب المواطن بلغته الرسمية تكون أقرب وأكثر نجاعة؛
- السياسات
اللغوية الواضحة تحسن من الحكامة.
ومن هذا المنطلق، تعتبر الوثيقة أن حسم الإشكال اللغوي شرط من شروط
الإصلاح التنموي، وليس عبئًا عليه، وأن استمرار الغموض اللغوي ينتج عنه:
- ضعف
المردودية التعليمية؛
- هشاشة
الإدارة؛
- تفاقم
الفوارق الاجتماعية.
5ـ المرجعية القائمة على التجارب الدولية
الناجحة
تنطلق هذه الوثيقة من وعي بأن الدول التي نجحت في بناء إدارات قوية
وتعليم فعّال، هي الدول التي اعتمدت لغة رسمية واحدة أساسا للعمل والتعليم، مع
الانفتاح المتوازن على اللغات الأجنبية. هناك دول محدودة في العالم لها لغات رسمية
متعددة، ولكنها تجد إشكالات كبيرة، مع العلم أن هذه الدول هي دول عريقة، وذات
موارد مالية كبيرة، تسمح لها بالإنفاق على تعدد اللغات الرسمية.
وتؤكد الوثيقة على أن:
- اعتماد
لغة رسمية واحدة لا يُعد استثناءً دوليًا،
- ولا
يتعارض مع التعدد الثقافي، بل هو القاعدة في أغلب دول العالم، بما فيها الدول
متعددة الأعراق مجاورة لنا.
وانطلاقًا من هذه المرجعيات المتكاملة، تقترح هذه الوثيقة رؤية وطنية
واضحة لحسم الإشكال اللغوي في موريتانيا، تقوم على تحديد دقيق لوظائف اللغات، وضبط
مجالات استخدامها، ووضع آليات عملية لتفعيل ذلك على أرض الواقع.
ثالثا: التصور المتكامل للحل المقترح
انطلاقًا من التشخيص السابق، واستنادًا إلى المرجعيات الدينية والدستورية
والوطنية والتنموية، تقترح هذه الوثيقة حلًا وطنيا متكاملا للإشكال اللغوي في
موريتانيا، يقوم على الوضوح، والتوازن، والتدرج، ويهدف إلى إنهاء حالة الالتباس
القائمة، وبناء سياسة لغوية مستقرة ومستدامة.
1 ـ المبدأ العام للحل
يقوم الحل المقترح على مبدأ أساسي مفاده:
لغة رسمية واحدة جامعة، لغات وطنية مصونة ومطوَّرة، ولغات أجنبية
منفتَح عليها في حدود وظيفتها الطبيعية.
وهو مبدأ يجمع بين:
- احترام
الدستور؛
- صيانة
الوحدة الوطنية؛
- تثمين
التنوع الثقافي؛
- الانفتاح
على العالم.
2 ـ تفعيل ترسيم اللغة العربية
أ. في الإدارة العمومية
- اعتماد
اللغة العربية وجوبًا في:
- جميع
الوثائق والمراسلات الإدارية؛
- النماذج
والعقود؛
- البيانات
والقرارات والبلاغات؛
- الخدمات
الموجهة للمواطن.
- اعتبار أي
وثيقة رسمية غير محررة بالعربية غير مكتملة الأثر، مع اعتماد التدرج في
التطبيق.
- تأهيل
الموارد البشرية عبر:
- برامج
تكوين لغوي للموظفين؛
- تحفيزات
للملتزمين؛
- آجال
زمنية واضحة للتعميم.
ب. في التعليم
- اعتماد
اللغة العربية لغة التدريس الأساسية في جميع المراحل، مع:
- تحسين
جودة المحتوى؛
- تطوير
المناهج؛
- ربط
اللغة بسوق العمل.
- تدريس
اللغات الأجنبية بوصفها مواد، لا لغات تدريس في مختلف المراحل الدراسية
ج. في الإعلام العمومي
- الإلزام باستخدام
اللغة العربية حصرا في:
- البيانات
الرسمية؛
- الخطابات
الرسمية؛
- البلاغات
الرسمية.
- إعطاء
الأولوية للعربية في الإعلام العمومي، مع ضمان مساحات عادلة للغات الوطنية.
3 ـ تطوير وحماية اللغات الوطنية
- الاعتراف
عمليا باللغات الوطنية (البولارية، السنونكية، الولفية) بوصفها موروثًا
وطنيًا مشتركًا.
- دعم
حضورها في:
- الإعلام
العمومي؛
- الأنشطة
الثقافية؛
- التعليم
الأساسي.
- تطوير اللغات
الوطنية في مجالي كتابتها وتدريسها؛
- توفير
الترجمة بينها وبين اللغة الرسمية.
- التأكيد
على أن تطوير هذه اللغات لا يستلزم ترسيمها، ولا يتعارض مع وجود لغة رسمية
واحدة جامعة.
4 ـ تحديد مكانة اللغات الأجنبية
- منح اللغة
الفرنسية صفة اللغة الأجنبية الأولى في موريتانيا.
- حصر
استخدامها في:
- التعاون
الدولي؛
- التكوين
المتخصص؛
- البحث
العلمي؛
- الانفتاح
الثقافي.
- منع حضورها
في:
- الإدارة؛
- الوثائق
الموجهة للمواطن؛
- التدريس
بها في المرحلة الابتدائية والثانوية.
- فتح
المجال لتقوية الصلة باللغات الأجنبية أخرى، وخاصة اللغة الإنجليزية، والتي
تعتبر لغة العالم في هذه الفاصلة الزمنية من تاريخ البشرية.
5 ـ الإطار المؤسسي والتنظيمي
- إنشاء
هيئة وطنية مختصة بالسياسة اللغوية، تتولى:
- متابعة
التنفيذ؛
- تقييم
الأداء؛
- اقتراح
التعديلات؛
- التنسيق
بين القطاعات.
- ربط
السياسة اللغوية بمخططات:
- إصلاح
التعليم؛
- إصلاح
الإدارة؛
- محاربة
الفساد.
6 ـ التدرج الزمني وضمان الاستقرار
- اعتماد
خطة مرحلية:
- مرحلة
انتقالية للتأهيل والتكوين؛
- مرحلة التعميم؛
- مرحلة التثبيت.
- تجنب
القرارات الفجائية أو الصدامية.
- إشراك
الفاعلين:
- الإدارة؛
- النقابات؛
- المجتمع
المدني؛
- الخبراء.
إن هذا التصور المتكامل لا يهدف إلى فرض واقع لغوي جديد بقدر ما يسعى
إلى تصحيح مسار مختل، وإعادة الانسجام بين الدستور والممارسة، وبين الدولة
والمجتمع، وبين الوحدة والتنوع.
رابعا: البعد والاستشرافي
/ موريتانيا قطب معرفي إسلامي ولغوي
لا تتوقف هذه الوثيقة
عند حسم الإشكال اللغوي داخليًا، بل تتطلع إلى تحويله إلى فرصة استراتيجية، تمكّن موريتانيا
من استعادة دورها التاريخي في نشر العلوم الشرعية واللغة العربية، وبناء اقتصاد معرفي
ذي أثر ثقافي ودبلوماسي إيجابي.
وفي هذا الإطار، تقترح
الوثيقة ثلاثة مشاريع عملية قابلة للتنفيذ:
1
ـ إطلاق جامعة رقمية دولية للمحظرة الموريتانية، تُدرّس العلوم الشرعية واللغة العربية
عن بُعد، وتفتح أبوابها لعشرات الآلاف من الطلبة حول العالم.
2
ـ إنشاء مركز دولي للتدقيق اللغوي عن بُعد، يستثمر الكفاءات الوطنية ويخدم المؤسسات
العلمية والإعلامية في العالمين العربي والإسلامي.
3
ـ الدعوة والمطالبة بتأسيس منظمة دولية تُعنى باللغة العربية، على غرار منظمة الفرانكفونية،
تنتسب لها الدول غير العربية التي تستخدم فيها اللغة العربية كلغة ثانية أو ثالثة،
أو توسيع مهام المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لتصبح منظمة دولية تعنى
باللغة العربية ومفتوحة أمام الدول غير العربية، مع اقتراح موريتانيا مقرا دائما لها.
وتزداد أهمية هذا الدور
في ظل تعطل مؤسسات كانت تضطلع سابقًا بربط العربية باللغات الإفريقية، مثل جامعة إفريقيا
العالمية، وتوقف أنشطة مركز يوسف الخليفة لكتابة اللغات بالحرف العربي، بسبب ما
يعرفه السودان الشقيق من فتن داخلية.
ختاما
إن العمل بمضامين
هذه الوثيقة، يعدُّ واجبا دستوريا، ومطلبا تنمويا، ومظهرا دستوريا، وهو ما يستجوب
تضافر جهود الجميع حتى تدمج مضامين هذه الوثيقة في مخرجات الحوار الوطني المنتظر
انطلاقه قريبا.
المرفقات:
1 ـ نص مقترح
قانون نظامي يتعلق بتطبيق المادة 6 من الدستور بشأن اللغة الرسمية واللغات الوطنية
2 ـ عريضة الثامن والعشرين من نوفمبر للسيادة اللغوية (موقعة من طرف
67 هيئة ومنظمة).
والله ولي التوفيق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق