السبت، 6 أغسطس، 2016

من يكمل السطر الخامس *؟

لقد كان البيان الرئاسي الذي هو آخر بيان يوقعه الرئيس المعتقل لا يتجاوز أربعة أسطر وكان كل سطر من هذه الأسطر الأربعة يعلن استبدال ضابط كبير بضابط آخر.
أربعة أسطر كانت كلفتها باهظة وباهظة جدا ليس بالنسبة للرئيس ولوزيره الأول فقط بل إن كلفة هذه الأسطر الأربعة سيدفعها الجميع ـ بأثمان مختلفة طبعا ـ بما فيهم الجنرال الذي قرر أن يكتب السطر الخامس بلغة عربية " فصيحة " وبانقلاب عربي "أصيل" جاء بيانه الأول علي لسان "مبدع" لم يوصله إلي وزارة الثقافة ـ في بلد المليون شاعر ـ إلا إبداعه في نقد الشعر الحساني .
السطر الخامس قد يعيد هذا البلد المغلوب علي أمره إلي "الحظيرة" التي تمتد من الماء إلي الماء وقد يعيد هذا الشعب الجائع الفقير إلي "رشده " وإلي تراثه وحاضره "المجيد" الذي لا يقبل للزعيم أن يكون زعيما إلا إذا كان يعرف جيدا كيف يمتطي صهوة حصان أو ظهر دبابة هذا إذا لم يكن من سلالة أصيلة عريقة تتوارث العرش جيلا بعد جيل .
ومع أن الكلمة التي تسبق نقطة النهاية من هذا السطر لم تكتب بعد إلا أنه مع ذلك وجدت من الضروري أن أتحدث عن حقائق تم تغييبها ـ بقصد أو بغير قصد ـ من طرف نخبنا السياسية والإعلامية التي منحتها " قناة الجزيرة " ـ كما تفعل دائما ـ الوقت الكافي لكشف هذه الحقائق .
الحقيقة الأولي:
العجز الذي أصبح صفة مزمنة للنخب السياسية من أحزاب ونواب وشيوخ وأصحاب رأي. فبالرغم من أن الوسائل كانت متاحة للجميع إلا أن كلا الفريقين وقف عاجزا حائرا مثله مثل المواطن العادي الذي لا حول له ولا قوة .فلا الفريق الداعم للانقلاب استطاع أن يعزل الرئيس بالطرق الدستورية ولا الفريق الرافض للانقلاب استطاع أن يحميه بوسائل ديمقراطية .البعض كان يصف الرئيس المعتقل بالضعف والعجز وربما يكون هذا هو السبب الذي جعله يكتب ـ في جوف الليل ـ تلك الأسطر الأربعة التي عجلت في عزله .
وحقيقة الأمر أن الرئيس المعتقل لم يكن ضعيفا لوحده بل أن الجمعية الوطنية بغرفتيها كانت أيضا تعاني من ضعف شديد جعلها عاجزة تماما عن حماية الرئيس المعتقل أو عن عزله مما "شََرَّع " للجيش التدخل لتصحيح الأوضاع حسب البعض أو لتعقيدها حسب البعض الآخر .هذا العجز الذي تعاني منه نخبنا في ممارسة صلاحياتها الدستورية هو الذي برر للجنرالات التحرك للدفاع عن المؤسسات الديمقراطية حسب أنصار الانقلاب أو للدفاع عن وظائفهم الشخصية حسب المعارضين .
الحقيقة الثانية :
لأني كنت من أكثر من كتب للرئيس المعتقل عن أخطائه (سبعة وعشرون رسالة مفتوحة نشرت في أغلب الصحف الوطنية كتبت له الأولي بعد تنصيبه مباشرة أما الأخيرة فكتبتها قبل عزله بأيام معدودة ) أستطيع اليوم ـ وبدون حرج ـ أن أتحدث عن احدي إيجابياته وهي الإيجابية الني أصبح يحتج بها البعض ـ وهذا من غرائب الأمور ـ لتبرير عزله. أصبح اليوم يقال إن الرئيس المعتقل كان يريد أن ينفرد بالسلطة وأن يتعدي علي صلاحيات المؤسسات الأخرى، ومع أنني أعترف بأن الرئيس المعتقل كان قد قام بتعيين بعض أفراد الأسرة والأقارب في مناصب محددة إلا أني مع ذلك لم أزل أتذكرـ هذا ليس من الماضي البعيد ـ بأن الكل كان يعيب علي الرئيس المعتقل عدم استخدام صلاحياته فالمعارضة السابقة تحتج بذلك علي عجزه والموالاة السابقة تحتج به لتطالبه بالمزيد من الامتيازات والصلاحيات .
الطريف هنا هو أن أحد النواب الذي لمع نجمه كثيرا في الأشهر الأخيرة والذي يتهم اليوم الرئيس المعتقل بتجاوز صلاحياته الديمقراطية كان قد نقل عن الرئيس المعتقل بمناسبة قتل السواح الفرنسيين مقولته الشهيرة التي طلب فيها أن لا يُسْْمَحَ لتلك الأحداث بأن تُؤثر ولو قليلا علي ديمقراطيتنا الفتية .
فالرئيس المعتقل ـ وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها ـ كان من أكثر المؤمنين بالديمقراطية لدرجة أنه طالب الجميع ـ بمناسبة ذكري التنصيب ـ أن يجعل من هذه الديمقراطية تعويذة للتبرك.
الحقيقة الثالثة : الخطأ الذي وقع فيه الرئيس السابق ـ والذي طالما نبهناه عليه ـ هو أنه حاول كثيرا أن يرضي نخب هذا البلد التي لا يرضيها القليل والتي يتنكر كثير منها في أوقات الشدة والعسرة وترك المواطن البسيط ـ الذي يرضيه القليل ـ لهمومه اليومية .
لم يحاول الرئيس المعتقل بشكل جاد أن يخوض حربا جادة ضد الفساد تنعكس آثارها إيجابا علي الواقع المعيشي للمواطن العادي الذي ساءت ظروفه جدا في زمن الشرعية لأسباب بعضها دولي لا يتحكم فيه وبعضها الآخر عائد لسوء التسيير وللفساد .
ولو أن الرئيس المعتقل رَشَّّدَ موارد الدولة وأنفقها علي الفقراء بدلا من تبذيرها في أسفاره أوفي احتفاله بذكري التنصيب أو في تلميع وجهه لخرج كثير من بسطاء هذا البلد ـ وبشكل عفوي ـ لنصرته في ساعة العسرة .
فهؤلاء البسطاء ـ عكس النخب ـ تكفيهم وجبة طعام أو حبة دواء أو شربة ماء لبذل أرواحهم في سبيل من قََََدََّمَ لهم ذلك.
الحقيقة الرابعة : هناك أزمة مصداقية عميقة بين المواطن العادي ونخب البلاد ولغة الحوار غائبة تماما فلا النخب تريد أن تسمع أنين المواطن العادي ولا المواطن العادي يفعل شيئا لكي يسمع أنينه لهذه النخب .
العلاقة بين الناخب والمنتخب هي علاقة نفعية تبدأ مع الحملة الانتخابية وتنتهي مع غروب شمس يوم التصويت، وهذه هي نقطة الضعف الأكبر التي تعاني منها ديمقراطيتنا الفتية وهي السبب الرئيس في عجز هذه الديمقراطية من أن تحمي نفسها أو أن تنعكس إيجابا علي الواقع الصعب الذي يعيشه المواطن العادي . ديمقراطيتنا ليست لها أذرع تبطش بها وليست لها أرجل تمشي عليها ولن يكون لها ذلك إلا إذا استطاعت النخبة أن تتواضع قليلا وأن تتنكر لذاتها قليلا وأن تحب بصدق ـ ولو قليلا ـ هذا البلد الذي أخذت منه كثيرا وكثيرا.
الحقيقة الخامسة : بلغة العسكر يقال نفذ ثم فكر وهذا ما حدث تماما لعزل الرئيس فالحجج التي تقدم لنا اليوم لتبرير ما حدث هي حجج جاءت بعد الشروع في تنفيذ ما حدث .
لقد طالب أحد الشيوخ ـ وهو من قادة التحرك ضد الرئيس ـ من العسكر أن يتدخلوا لعزل الرئيس ، لقد طالب "الشيخ " بذلك علنا وفي ضحي النهار وذلك قبل أن يجري الرئيس مقابلته مع الجزيرة وقبل أن يَرْفِضَ عقد دورة برلمانية للمصادقة علي محكمة سامية أو لتأسيس لجان تحقيق .
الحقيقة السادسة : لقد التهمت سيئات السادس من أغسطس كل حسنات الثالث منه، كما أن موقف "التكتل" من السادس من أغسطس التهم كثيرا من رصيد ثمانية عشر عاما من النضال والكفاح المتواصل وذلك بعد أن ظهر جليا أن طموح رئيس "التكتل" هو طموح شخصي وليس طموحا من أجل موريتانيا كما كنا نعتقد سابقا.
كما أن السادس من أغسطس قد أظهر لنا الفرق الكبير بين أخلاق الرئيس المعتقل وبين أخلاق وزيره الأول السابق فالرئيس كان دائما يعترف بالواقع الصعب للمواطن (خاصة بعد ثورة الجياع ) أما الوزير الأول السابق الذي كان دائما ينكر هذا الواقع السيئ ويحتج دائما بأرقامه التي لا تكذب قد أطل علينا اليوم لِيُُكَذِّبََ نفسه في محاولة بائسة لعرض نفسه علي سكان القصر الجدد .
والسادس من أغسطس قد وضع البلد أمام مفترق طرق، فإما أن نكون أهلا للديمقراطية وقادرين علي الدفاع عنها ليبقي لدينا الأمل في حياة كريمة حتى ولو عجزنا عن تحقيقها في الأشهر الستة عشر الأولي من عمر هذه الديموقراطية .
وإما أن نترك مصيرنا يتحدد وفق رغبة كل من كان له من الطموح والقوة ما يكفي لأن يوصله إلي القصر .
هذه حقائق أقدمها للمواطن العادي الذي يجب عليه أن يشارك في كتابة الكلمة الأخيرة من السطر الخامس ، وهي كلمة سيترتب عليها مصير بلد بكامله لذلك فليس من المقبول أن يبقي هذا المواطن متفرجا ـ مهما كانت صعوبة الواقع ـ علي الآخرين وهم يكتبون بدلا منه هذه الكلمة .
ــــــــــــــــــــ
*فكرت في أن أكتب مقالا عن الذكرى الثامنة للسادس من أغسطس، ولكن ، وبعد العودة إلى الأرشيف ارتأيت أن أكتفي بإعادة نشر أول مقال كنت قد كتبته عن هذا الانقلاب وهو حسب علمي كان أول مقال ينشر في صحفنا ومواقعنا الوطنية عن انقلاب السادس من أغسطس. هناك فقرة في المقال لم تعجبني، وفكرتُ في حذفها، ولكن الأمانة كانت تقتضي أن لا أعدل في المقال، ولذلك فإني أرجو من القراء الكرام أن يقرؤوا المقال وكأنهم يعيشون الأسبوع الأول من أغسطس ٢٠٠٨ لا الأسبوع الأول من أغسطس ٢٠١6.
لمطالعة المقال :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق