الخميس، 4 يونيو، 2015

زيارات الرئيس: أسئلة وملاحظات

هناك مجموعة من الأسئلة والملاحظات التي تتجدد مع كل زيارة جديدة يقوم بها الرئيس إلى بعض الولايات الداخلية، ومن هذه الأسئلة والملاحظات:
(1)
 منذ يوم 16 مارس الذي شكل بداية لهذه الموجة من الزيارات، وإلى يومنا هذا، وأنا أبحث عن إجابة مقنعة لسؤال في غاية البساطة، وفي غاية التعقيد أيضا، يقول السؤال: ماذا يريد الرئيس من زياراته إلى الولايات الداخلية؟

إلى الآن لم أجد جوابا مقنعا على هذا السؤال.
نفس هذا الكلام ينطبق على المؤتمرات الصحفية التي تعود الرئيس أن يعقدها بعد كل زيارة ينظمها لمجموعة من الولايات، فأنا وإلى الآن، لم أستطع أن أحدد الهدف من تنظيم تلك المؤتمرات الصحفية، ولا الرسائل التي أراد الرئيس أن يرسلها من خلال تلك المؤتمرات الصحفية.
(2)
لم أفهم أيضا لماذا يصر البعض من "علية القوم" أن يذل نفسه وأن يهينها، وأن يعرضها للكمات الحرس الرئاسي ولعجرفتهم مقابل أن يصافح الرئيس!؟
قد أتفهم أن يذل شخص ما من "كبار القوم" نفسه من أجل أن يحصل على لقاء منفرد بالرئيس، ومن أجل أن يتقدم إليه بطلبات خاصة، ولكن ما لا يمكن تفهمه هو أن يقبل ذلك الشخص بأن يُذل ويُهان، وأن تشاهده "جماعته" وهو يذل ويهان أمام الملأ مقابل أن يصافح الرئيس مصافحة سريعة، ثم يمضي من بعد تلك المصافحة إلى حال سبيله، وكأنه عاد إلى قومه بخير الدنيا والآخرة.
إن تكرر ذلك المشهد جعلني أتساءل إن كانت هناك بركة في يد الرئيس قد اكتشفها أولئك القوم، وإذا كانت هناك بركة في يد هذا الرئيس، فهل تلك البركة كانت موجودة أيضا في أيادي كل الرؤساء الذين سبقوه؟ ولماذا يفرط أولئك في تلك البركة الموجودة في راحة يد الرئيس عند أول دقيقة ينضم فيها ذلك الرئيس إلى نادي الرؤساء السابقين؟
إن الأمر لا يتعدى كونه تملقا ونفاقا، وإنه لمن المخجل حقا أن التملق قد أصبح في بلادنا"قيمة فاضلة" تتنافس النخب على إبرازها وعلى التحلي بها كلما وجدت فرصة لذلك. كما أن هناك ظاهرة مناقضة تماما للتملق، قد ظهرت خلال الزيارات الأخيرة، وتتعلق بسب وشتم الرئيس، وبتعرضه لما لا يليق بمقام الرئاسة..إن كلا الأمرين يعتبر فعلا مسيئا: التملق للرئيس، وسب وشتم الرئيس.
(3)
لقد أثبتت هذه الزيارات بأن الشباب الموريتاني هو أشد نفاقا وتطبيلا من الشيوخ ومن كبار السن الذين شابت رؤوسهم واحدودبت ظهورهم في التصفيق والتطبيل للرؤساء: رئيسا بعد رئيس. فمن الملاحظ خلال هذه الزيارات أنه كلما أتيحت الفرصة لأي شاب لأن يتحدث أمام الرئيس، فإذا به يُخرج من "نفائس" عبارات التطبيل والتملق ما لم يهتد إليه من بلغ في التطبيل والتملق للرؤساء عمرا عتيا.
يبدو أن مخزوننا من التطبيل والتملق ليس مهددا بالانقراض، بل إن هذا المخزون هو من الثروات المتجددة، على العكس من ثرواتنا الطبيعية الأخرى.
(4)
يكاد يُجمع المتابعون على أن الشخص الأكثر إبداعا في التطبيل والتملق خلال هذه الزيارات كان ذلك الشخص الذي أعلن عن استعداده لابتلاع كميات من العلف الحيواني لإثبات جودة هذا العلف. وفي المقابل فإن الشخص الأكثر إبداعا في مكافحة التطبيل والتملق هو ذلك الشخص الذي قال بأن المشكلة ليست في عدم اقتناع البشر بجودة العلف، وإنما تكمن في عدم اقتناع قطعان الحيوان بجودة ذلك العلف، ولذلك فالمطلوب هو إقناع قطعان الحيوان، لا إقناع قطعان، عفوا، لا إقناع البشر. لقد تمنيت أن تُرفع لافتة تطالب الرئيس بأن يخصص بعض زياراته لقطعان الحيوان في المدن والقرى المزورة من أجل إقناعها بجودة العلف الحكومي.
(5)
هناك عبارة ترددت في المدن المزورة، وعلى أكثر من لسان، لم أستطع أن أفهمها، فلقد سمعتُ وبصياغات مختلفة من يشكر الرئيس على الانجازات الهائلة التي تحققت في عهده، ولكن في نهاية مداخلته يذكر بأن مدينته أو قريته تعاني من العطش الشديد، ومن تردي الخدمات الصحية، ومن انهيار التعليم، ومن العزلة!! فكيف يمكننا أن نجمع بين الانجازات الهائلة التي تحققت في مدينة ما، وأزمة العطش، والعزلة، وتدني الخدمات الصحية والتعليمية التي تعاني منها تلك المدينة؟
(6)
لقد كان الحاضر الأبرز في كل الولايات التي زارها الرئيس هو "البيدون الأصفر". لقد رُفع هذا "البيدون" في وجه الرئيس في شرق البلاد وفي غربها، في شمالها وفي جنوبها، بل إنه قد رُفع في بعض المدن والقرى أكثر مما رُفع من صور الرئيس.
إنه لا يمكننا أن نتحدث عن انجازات عظيمة على أرض تتراقص في سمائها "لبادين الصفر"، وتعاني كل مدنها وقراها، شرقا وغربا، جنوبا وشمالا، من عطش شديد. لقد أثبت "البيدون الأصفر" أو "جركان الأصفر" بلغة أخرى، بأنه هو "الشخصية" الأكثر حضورا في المشهد السياسي والاحتجاجي للعام 2015، ولذلك فقد يكون من المنصف أن يتم تكريم  "البيدون الأصفر"  في نهاية هذا العام على حضوره البارز في المشهد الوطني.
(7)
عندما أتابع بعض المشاهد من استقبالات الرئيس في مدن وقرى الداخل، فإن أول شيء يخطر ببالي هو الظلم الكبير الذي يتعرض له رؤساء الحكومات في الدول الغربية. فرؤساء هذه الحكومات لم يقصروا في حق بلدانهم، وقد حققوا لشعوبهم انجازات عظيمة، ومع ذلك فإن تلك الشعوب لم تكافئهم ولا بمبادرة داعمة واحدة.
حقق رؤساء حكومات الدول الغربية انجازات كبيرة لصالح شعوبهم ودولهم، ومع ذلك فعندما يظهر أحدهم على  الشارع فوق دراجة أو في قطار أو في تاكسي فإنه لا يجد من يهتم بأمره، ولا بمن يصفق له، ولا بمن يصطف تحت الشمس ليتمتع برؤيته، ولا بمن يبذل جهدا خارقا ليضع يده في يده.
حقا، إن رؤساء الحكومات في الدول الغربية ليثيرون الشفقة.
(8)
عندما يقف أحد أفراد جماعة الدعوة والتبليغ في مسجد ما، ويبدأ يخاطب المصلين، ويقول لهم بأن الله هو الخالق وبأنه هو الرزاق، فكثيرا ما يغضب بعض المصلين بحجة أن الكل يعرف بأن الله هو الخالق وبأنه هو الرزاق، وبأن الناس لا حاجة لهم بمن يقول لهم ذلك، وإنما هم بحاجة لمن يفقههم في أمور دينهم.
ولكن عندما  نتابع بعض المبادرات، وعندما نشاهد تنافس العلماء والوجهاء والأطر لمصافحة الرئيس فإننا نتأكد بأننا بحاجة ماسة لمن يكرر على مسامعنا، بالغدو والآصال،  بأن الرئيس محمد ولد عبد العزيز ليس هو الرزاق، وإنما الله جل جلاله هو الرزاق ذو القوة المتين.
حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق