الاثنين، 23 فبراير، 2015

بأي لغة نتحدث عن الجيش؟

لستُ من أولئك الذين يعتبرون بأن كل حديث عن مؤسسة الجيش الوطني هو حديث مباح، ولستُ أيضا من أولئك الذين يعتبرون بأن كل حديث عن تلك المؤسسة هو حديث ممنوع، فبين هؤلاء الذين يستبيحون كل حديث، وأولئك الذين يُحَرمون كل حديث فإنه يمكننا دائما  أن نجد منطقة وسطى أو لغة وسطى قد تكون هي الأنسب للاستخدام عند الحديث عن المؤسسة العسكرية.

فمتى يجوز لنا أن نتحدث عن الجيش؟ ومتى يجب علينا أن نتوقف عن الحديث عنه؟ وبسؤال أكثر اختصارا: فمتى يكون الحديث عن الجيش مباحا ومتى يكون ممنوعا؟
 يريد منا البعض أن لا نتحدث إطلاقا عن الجيش، ويرى هؤلاء بأنه علينا أن نبعد الجيش عن السياسة.. حاضر يا سادة، سنبعد الجيش عن السياسة، وعن أحاديث السياسة، ولكن على الجيش أيضا، وهذا هو الوجه الآخر للإشكالية، أن يبتعد عن السياسية. إن هؤلاء الذين يطلبون منا أن نبعد الجيش عن السياسة لا يستطيعون أن يطلبوا من ضابط عسكري أن يبعد الجيش عن السياسة إذا ما قابلوا ذلك الضابط في حملة انتخابية وهو يعمل المنكب بالمنكب والساق بالساق مع مناضلي الحزب الحاكم.
إننا نؤمن بضرورة إبعاد الجيش عن السياسة، ولكن ذلك لا يعني إطلاقا بأننا لن ننتقد أي ضابط قرر أن يقحم نفسه في العمل السياسي، فالضابط الذي يفعل ذلك هو الذي أقحم الجيش في السياسة، وليس من انتقدوا سلوك ذلك الضابط هم من أقحم الجيش في السياسة. ولكن هنا يجب علينا أن نضع حدودا لذلك النقد، لأنه لا يحق لنا أن ننتقد مؤسسة الجيش بكاملها لأن هناك ضابطا أو مجموعة من الضباط انخرطت في العمل السياسي.
نفس هذا الكلام ينطبق على أي ضابط أو على أي مجموعة من الضباط تشارك في أي عمل انقلابي، فهذه يحق لنا أن ننتقدها دون أن ننتقد المؤسسة العسكرية بكاملها، ولكن هنا يجب أن نوضح أيضا بأنه ليس من اللائق بمن ينتقد ضابطا أو مجموعة من الضباط بسبب انقلاب أن يطلب تلميحا أو تصريحا من ضابط آخر أو من مجموعة من الضباط أن ترتكب نفس الجرم الذي كان ينتقده.
هذا عن الأفراد، ولكن ماذا عن المؤسسة العسكرية بكاملها؟ فمتى يجوز لنا أن ننتقد المؤسسة العسكرية بكاملها؟
الجواب على هذا السؤال قد يكون ضروريا، خاصة في مثل هذا الوقت الذي يراد فيه منا أن نتجاهل الأخطاء التي ترتكبها المؤسسة العسكرية، والتي أدت في محصلتها إلى مثل هذه الكوارث والمآسي التي تكررت كثيرا في الفترة الأخيرة، والتي كان آخرها انقلاب شاحنة عسكرية عند منعرج "ولد أبنو".
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول :" ويلك يا عمر لو أن بغلة تعثرت في العراق لسئل عنها عمر لمَ لم تمهد لها الطريق".
إن ما حدث عند منعرج ولد "أبنو" لم يكن مجرد بغلة تعثرت، بل كان أخطر من ذلك وأعظم، إنه يتعلق بشاحنة انقلبت كانت تقل العشرات من جنودنا الأبرار. أفلا تريدوننا بعد انقلابها أن نطالب بتحقيق جدي عن أسباب سقوطها وبمعاقبة من تسبب في ذلك إن كان هناك من تسبب في ذلك؟ إن المطالبة بتحقيقات عن مثل هذه الحوادث لا يمكن أن يعد استغلالا سياسيا لفاجعة، وإنما هو أمر ضروري يفرضه علينا الواجب الديني، والوطني، والأخلاقي، والإنساني حتى.
أوَ لا تريدوننا أن نطالب بحداد على أرواح خمسة عشر من جنودنا الأبرار؟ أليس من حقنا أن نستغرب من حرمانهم من جنازة رسمية مهيبة؟ أليسَ من حقنا أن نستغرب من عدم تسجيل أي زيارة للجرحى من طرف الرئيس، أو من طرف وزير دفاعه، أو قائد جيوشه؟ أليس من حقنا أن نطالب بتكريم أسر شهداء الجيش وبمنحهم تعويضات مادية معتبرة؟
البعض يريدنا أن لا نطرح مثل هذه الأسئلة في مثل هذا الوقت، فطرح مثل هذه الأسئلة بالنسبة له يعد استغلالا سياسيا للفاجعة. على هؤلاء أن يعلموا بأن مواقفهم السياسية هي التي أخرستهم، وهي التي منعتهم من طرح مثل هذه الأسئلة في مثل هذا الوقت، وأن تطبيلهم للسلطة الحاكمة هو الذي جعلهم يتعاملون مع هذه الفاجعة المؤلمة بعدم اكتراث، تماما كما تعاملت معها السلطة، وكأن الشاحنة التي انقلبت لم تكن تحمل جنودا موريتانيين.
فعلى أولئك أن يعلموا بأن تجاهلهم لهذه الفاجعة لأن السلطة كانت قد تجاهلتها هو أيضا استغلال سياسي لفاجعة أليمة، ولكن بشكل سلبي.
إننا لن نقبل بأن تظل ردود الأفعال الرسمية  مع كل فاجعة هي نفسها: صادمة في مجملها، مؤلمة بكل تفاصيلها، ومقلقة على مستقبل بلد لا يتغير أبدا، ولا يعرف كيف يقدر أبناءه وهم أحياء يؤدون واجبهم الوطني، ولا يعرف كيف يقدرهم إذا ما رحلوا أثناء تأديتهم لذلك الواجب.
إننا لن نتحدث عن القضايا الأمنية ولا عن الأسرار العسكرية لمؤسسة الجيش، لن نتحدث عنها إطلاقا، ولكننا في المقابل لن نسكت أبدا عن التقصير الإداري ولا عن الفساد الذي قد يحدث داخل هذه المؤسسة، والذي قد يتسبب في تكرار مثل هذه الحوادث المفجعة.
إن من حقنا، بل من واجبنا أن نُطالب بتحقيق جدي في مثل هذه الكوارث، ولو أن الجيش فتح تحقيقا جادا بعد سقوط طائرة "شنقيط"، الطائرة الأولى التي سقطت في العام 2011،  ولو أن ذلك التحقيق أعقبته إجراءات سلامة جديدة لصالح بقية الطائرات العسكرية، لربما ساعد ذلك في عدم سقوط  طائرة عسكرية من بعد ذلك في "أطار".
ولو أن الجيش فتح تحقيقا جادا بعد سقوط طائرة "أطار"، الطائرة الثانية التي سقطت في العام 2011،  ولو أن ذلك التحقيق أعقبته إجراءات سلامة جديدة لصالح بقية الطائرات العسكرية، لربما ساعد ذلك في عدم سقوط  طائرة عسكرية من بعد ذلك في "اكجوجت".
ولو أن الجيش فتح تحقيقا جادا بعد سقوط طائرة "اكجوجت"، الطائرة الثالثة التي سقطت في العام 2011،  ولو أن ذلك التحقيق أعقبته إجراءات سلامة جديدة لصالح بقية الطائرات العسكرية، لربما ساعد ذلك في عدم سقوط  طائرة عسكرية من بعد ذلك قرب مطار العاصمة.
طائرات عسكرية تسقط بالجملة، وكأن شيئا لم يحدث، فلا تحقيقات جدية تفتح، لا مساءلة لموظف، لا إقالة، لا توبيخ.
إننا لا نريد أن يتكرر نفس السيناريو المؤلم مع الشاحنات العسكرية، فلو أن المؤسسة العسكرية قامت بتحقيق جدي بعد انقلاب شاحنة عسكرية قرب نواكشوط كانت تقل 70 جنديا يوم 19 سبتمبر من العام 2014، فلو أن المؤسسة العسكرية قامت بتحقيق عن تلك الحادثة لربما كان بالإمكان أن نتفادى ما حدث يوم الجمعة الماضي عند منعرج "ولد أبنو"، ولو أننا فتحنا تحقيقا جديا في الفاجعة الأخيرة فربما يساعدنا ذلك في تفادي مثل هذه الكوارث مستقبلا.
من حقنا أن ننتقد ردود الأفعال الباهتة التي تتعامل بها السلطة مع مثل هذه الكوارث الأليمة، ولكن لا يحق لنا إطلاقا أن نعطي لذلك تفسيرا عنصريا أو عرقيا، وذلك، وببساطة شديدة، لأن الحقيقة ليست كذلك، ثم إن مثل هذه التفسيرات قد تتسبب في مخاطر كثيرة لبلادنا، خاصة في مثل هذا الظرف الحرج.
فمما لا شك فيه أن كل الأعراق وكل الشرائح قد نالت نصيبها من مثل هذه الكوارث، وقد نالت أيضا نصيبها من اللامبالاة الرسمية التي تعقب مثل هذه الكوارث، وذلك بدءا بفاجعة سقوط طائرة المقدم "ولد بوسيف" والوفد المرافق له في عمق المحيط قبالة العاصمة السنغالية دكار في العام 1981، وانتهاءً بانقلاب شاحنة عسكرية عند منعرج "ولد أبنو" مرورا باختفاء طائرة والي داخلة "انواذيبو"  في العام 1992، وسقوط طائرة  "تجكجة" في العام 1994،. وسقوط طائرة عسكرية كانت تحمل فرقة الموسيقى العسكرية في العام 2000، بالإضافة إلى حفنة من الطائرات العسكرية التي سقطت في السنوات الأخيرة.
إ
حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق