الأربعاء، 17 يوليو، 2013

خيال في خيال!!



تخيلت أن في موريتانيا رئيسا للفقراء، وتخيلت أن رئيس الفقراء هو فعلا رئيسا للفقراء، وتخيلت أنه قرر عندما شاهد إحدى حلقات برنامج "ويؤثرون على أنفسهم" قرر أن يتكفل بعلاج كل المرضى الذين ظهروا في تلك الحلقات، على حسابه الخاص، أو على حساب ميزانية القصر، أو على حساب الدولة الموريتانية

وتخيلت أن في الحكومة وزيرا للتوجيه الإسلامي، وأنه عندما شاهد إحدى حلقات البرنامج المذكور، قرر أن يتبرع ـ وهو ليست به خصاصة ـ بنصف راتبه لهذا الشهر لعلاج أحد المرضى الذين ظهروا في حلقات البرنامج.
وتخيلت أنه سن سنة حسنة لبقية الوزراء، في شهر البذل والإنفاق، وذلك عندما قرر أن تتكفل وزارته بعلاج عشرة على الأقل من أولئك المرضى الذين ظهروا في حلقات البرنامج. وتخيلت أن باقي الوزراء ساروا على نهج الوزير الفقيه، فأخذ الوزراء يتبرعون بنسب من رواتبهم لضيوف حلقات البرنامج، ويتكفلون بعلاج العشرات منهم على حساب وزاراتهم.
وتخيلت أن وزير الإسكان قرر أن يمنح لكل مريض ظهر في ذلك البرنامج قطعة أرضية، خاصة لأولئك الذين ظهروا في البرنامج وهم في مساكن غير لائقة بالبشر.
وتخيلت أن مفوض الأمن الغذائي تكفل بالنفقة الشهرية من المواد الغذائية لأولئك المرضى، خلال الشهر الكريم على الأقل.
بل أني تماديت في التخيل، وتخيلت أن المفوض قرر أن يحمل على ظهره ـ في مشهد مثيرـ خنشة من الأرز أو السكر ليوصلها لأحد أولئك المرضى، كما فعل وزير فرنسي سابق رغم أنه ليس مسلما، ولا ينتمي لهذا الدين الذي أحدث ثورة في مفهوم العمل الخيري، من خلال توسيع مجالات الصدقة والإنفاق، لتتسع لكل ذي كبد رطب، ومن خلال تنويع تلك المجالات، لتشمل كل ما يدخل السرور في النفس البشرية، سواء كان ذلك بشق تمرة، أو بابتسامة عابرة، أو بكلمة طيبة، أو حتى بنية صادقة.
وتخيلت أن وزيرة المرأة تكفلت بعلاج كل الأطفال المرضى الذين ظهروا في حلقات البرنامج المذكور.
وتخيلت أن بعض رجال الأعمال قرروا أخيرا أن يتنافسوا على علاج مرضى برنامج "ويؤثرون على أنفسهم". وتخيلت أن المريض الواحد كانت تأتيه بعد بث الحلقة عدة عروض من عدة رجال أعمال.
وتخيلت أن الإنفراد بعلاج مرضى البرنامج أحدث صراعا وخلافات شديدة بين رجال أعمال الأغلبية ورجال أعمال المعارضة. وتخيلت أن منسقية أحزاب المعارضة أصدرت بيانات قاسية اتهمت فيها الحكومة بالانحياز لرجال أعمال الأغلبية، على حساب رجال المعارضة. وهو ما تسبب ـ حسب المنسقية ـ في حرمان العديد من رجال أعمال المعارضة من الفوز ببعض تلك "الصفقات الأخروية"، التي يوفرها علاج مرضى البرنامج.
وتخيلت أن رجال الأعمال تبرعوا لضيوف برنامج "ويؤثرون على أنفسهم" ب5% من مجموع ما ينفقونه عادة في جلب الصور، وتنظيم السهرات المفتوحة في الخيام، لدعم مرشح هنا أو هناك في انتخابات رئاسية أو برلمانية أو بلدية.
وتخيلت أن "شنقيتل" ـ والتي يقال إنها أكثر مما أتخيل ـ قررت أن تتكفل بعلاج كل ضيوف البرنامج في هذا الشهر، وتخيلت أن ذلك جعل "موريتل" و"ماتال" تبحث في أرشيف البرنامج للسنوات السابقة عن مرضى للتكفل بعلاجهم ، بعد أن احتكرت "شنقيتل" رعاية برنامج " ويؤثرون على أنفسهم"، مع احتكار علاج كل المرضى الذين سيظهرون في حلقات البرنامج لهذا العام.
وتخيلت أن القسم التطوعي في حزب الاتحاد من أجل الجمهورية ـ إن كان للحزب قسما تطوعيا حقيقيا ـ قرر أن ينظم حملة تبرعات خلال الشهر الكريم لصالح ضيوف البرنامج.
وتخيلت أن كل مناضل في الاتحاد من أجل الجمهورية تبرع بمائة أوقية خلال الشهر الكريم، وهو ما مكن الحزب من جمع 80 مليون أوقية لصالح مرضى البرنامج (يقال أن عدد منتسبي الاتحاد من أجل الجمهورية يزيد على ثمانمائة ألف مناضل).
مر يوم من الشهر الكريم ولم يتحقق أي شيء مما تخيلت..
مر يومان...
مرت ثلاثة أيام..
مرت ثمانية أيام ، ولم يتحقق أي شيء مما تخيلت.
فأين هو رئيس الفقراء، إن كان في البلد رئيسا للفقراء؟ وأين هو وزير التوجيه الإسلامي، إن كان في البلد وزيرا للتوجيه الإسلامي؟ وأين بقية الوزراء؟ وأين رجال الأعمال؟ وأين الميسورين؟ أجيبوني يرحمكم الله..
تقبل الله من أولئك الفقراء والذين بهم خصاصة ومع ذلك لم تتوقف تبرعاتهم لأولئك المحتاجين بعدما تخلف الميسورون. وتقبل الله من تجارنا في الخارج، خصوصا في الدول الإفريقية والذين لم تتوقف تبرعاتهم لهؤلاء المرضى الذين تقطعت بهم السبل، في عام الناس هذا.
حفظ الله موريتانيا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق