الثلاثاء، 26 أكتوبر 2021

معا لتفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني (1)

 


ستحاول هذه السلسلة من المقالات أن تتحدث عن "الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية"، والتي كانت قد أعلنت عن انطلاقتها يوم الأحد 8 أغسطس 2021 تحت شعار "معا لتفعيل المادة السادسة من الدستور الموريتاني".

لقد حاولت الحملة أن تتجنب بعض الأخطاء القاتلة التي وقع فيها أغلب الذين طالبوا في الماضي بالتمكين للغة العربية، وكذلك الذين طالبوا بتطوير اللغات الوطنية. كما أنها حاولت ـ بالإضافة إلى تجنب تكرار أخطاء الماضي ـ أن تستفيد من تنامي الوعي لدى الموريتانيين بخطورة استمرار سيطرة لغة أجنبية على التعليم والإدارة في بلد حسم دستوره لغته الرسمية ولغاته الوطنية منذ أكثر من ثلاثة عقود.

لدى الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية العديد من نقاط القوة التي قد تساعد في تفعيل المادة السادسة من الدستور، إن هي استثمرت بشكل جيد نقاط القوة تلك، ومن أهم نقاط القوة التي تمتلكها الحملة:

1 ـ أنها جمعت في مكتبها التنفيذي وفي واجهتها كل مكونات وشرائح المجتمع، بل أكثر من ذلك، فإن من يتولى قيادتها هم أشخاص من مكونات يعتبرها البعض هي الأكثر تضررا من تعريب التعليم والإدارة، وذلك أمرٌ غير صحيح؛

2 ـ أنها جمعت في مكتبها التنفيذي أعضاء من أهم الحركات الإيديولوجية المعروفة في موريتانيا، ففي المكتب التنفيذي يوجد بعثيون وناصريون وإسلاميون...؛

3 ـ أنها جمعت في مكتبها التنفيذي شخصيات من المعارضة وأخرى من الموالاة، هذا فضلا عن المستقلين الذين ليست لهم انتماءات أو تخندقات سياسية؛

4 ـ أنها تنظر إلى مسألة اللغات (اللغة الرسمية واللغات الوطنية) نظرة شاملة، وتتعامل مع هذه اللغات كوحدة واحدة غير قابلة للتجزئة والتقسيم.

إن من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها النخب في الماضي هو أن طائفة من الموريتانيين ظلت خلال العقود الماضية تطالب بترسيم اللغة العربية وتنسى المطالبة بتطوير بقية لغاتنا الوطنية، وطائفة أخرى من الموريتانيين ظلت تطالب بتطوير لغاتنا الوطنية وتنسى المطالبة بترسيم اللغة العربية، الشيء الذي جعل الفرانكفونيين ومن كل المكونات يستغلون بمكر هذه الوضعية المختلة، وهذا "التناقض الظاهري" لتخويف هؤلاء من أولئك، وأولئك من هؤلاء، فضمنوا بذلك بقاء اللغة الفرنسية مسيطرة، الشيء الذي أدى في المحصلة النهائية إلى عدم ترسيم اللغة العربية بشكل فعلي، وإلى عدم تطوير لغاتنا الوطنية.

هذا الخطأ الكبير هو الذي عملت الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية على تفاديه، فجعلت من مطلب التمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية مطلبا واحدا غير قابل للتجزئة أو التقسيم.

5 ـ  لم تأت الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية بمطلب جديد، ولم يجتهد مؤسسوها ـ ولهم الحق في ذلك ـ  ليأتوا بمقترح جديد يمكن أن يتفق عليه الموريتانيون أو يختلفون. لم تأت الحملة باجتهادات ولا بمطالب جديدة من صياغة المنخرطين فيها، وإنما اكتفت برفع مطلب وحيد يتمثل في تفعيل مادة من الدستور الموريتاني الذي صادق عليه الموريتانيون منذ أكثر من ثلاثة عقود، ولذا فالحملة تمتلك أقوى شرعية قانونية، وستبقى تمتلك تلك الشرعية القانونية القوية ما دام لم يتم تعديل الدستور وإلغاء المادة السادسة منه.

6 ـ من نقاط القوة التي تمتلكها الحملة هي أن المزاج الشعبي لصالحها، فقد ازداد الوعي لدى النخب الموريتانية بأهمية التعليم باللغة الأم، وذلك بعد أن ظهرت النتائج الكارثية لإصلاح 1999، كما اتسع الاستياء من استمرار هيمنة لغة أجنبية على الإدارة، هذا فضلا عن تراجع مكانة فرنسا في المنطقة، وانسحاب بعض الدول الإفريقية من منظمة لفرانكفونية.

7 ـ نقطة القوة التي سنختم بها نقاط القوة هذه تتمثل في أهمية التوقيت الذي اختارته الحملة للإعلان عن انطلاقتها، فالحملة انطلقت قبيل تشاورين هامين، أحدهما خاص بإصلاح النظام التربوي، وقد انطلق بالفعل، والثاني عام وشامل ومن المتوقع أن ينطلق قريبا.

إن تنظيم هذين التشاورين سيتيح للحملة تقديم رؤيتها وإيصال مطلبها لكل المشاركين في التشاور، ومن الراجح أن يتم التفاعل الإيجابي مع مطلبها من طرف الكثير من المشاركين في التشاور.

حفظ الله موريتانيا... 

السبت، 9 أكتوبر 2021

لن أتبرأ من ممارسة هذا الصنف من العنصرية!


منحني رئيس هيئة حقوقية معروفة لقب "أستاذ في العنصرية"، وكان ذلك من خلال تعليق له على منشور كنتُ قد كتبته عن الشيخ صاحب عربة التجارة اليدوية الذي انتشرت صورته بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تم استقباله من بعد ذلك من طرف وزيرة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة في مكتبها، مع التعهد له بإعانة شهرية.

ما أغضب رئيس الهيئة الحقوقية هو أني رفضتُ أن أنخرط فيما أسميه بالازدواجية اللونية في اتخاذ المواقف، والتي يُحاول أصحابها أن يفرضوها على كل من يكتب في الشأن العام. في هذا المقال سأقدم للسادة القراء عدة أمثلة من قضايا سياسية وحقوقية وإنسانية تأثرت المواقف حولها بما أسميته بالازدواجية اللونية، وستكون البداية بالمنشور الذي كتبته عن الشيخ صاحب عربة التجارة اليدوية.

(1)

في العام الماضي تم تداول صورة بشكل واسع لصاحب النتيجة الثانية في الباكالوريا شعبة الآداب العصرية، وهو فوق عربة يجرها حمار، وقد نال صاحب تلك الصورة من الجوائز والتكريمات ما لم ينله صاحب الرتبة الأولى في نفس الشعبة...يومها لم نسمع عن تمييز لوني ممن يتحدثون اليوم عن تمييز لوني، وذلك على الرغم من أن المنطق السليم يقول بتكريم الأول قبل الثاني بغض النظر عن أي أسباب أخرى.

تم تكريم الطالب الثاني لأنه من شريحة ما زال الكثير من أبنائها ـ وللأسف الشديد ـ يتسرب من الدراسة في وقت مبكر، وذلك بسبب الفقر وصعوبة الحياة...تكريم ذلك الشاب ـ حسب وجهة نظري المتواضعة ـ يعدُّ تشجيعا لشباب تلك الشريحة لكي يهتم بمواصلة التعليم مهما كانت قسوة الفقر وصعوبة الحياة ..بنفس المنطق تم تكريم شيخ من شريحة أخرى يُعرف الكثير من أبنائها بالكسل ونبذ العمل رغم انتشار الفقر في العديد من أبنائها...تكريم هذا الشيخ ـ وحسب وجهة نظري المتواضعة ـ يعدّ هو أيضا تشجيعا لممارسة العمل لدى شريحة ينتشر فيها الكسل والتكبر عن الكثير من أصناف العمل الشريف.

إن تشجيع التعليم في شريحة معينة قد يبرر تجاهل الأول في لائحة الناجحين من شعبة الآداب العصرية وتكريم الثاني من نفس الشعبة، وإن تشجيع العمل في شريحة معينة قد يبرر تكريم شيخ مسن يمارس نفس العمل الذي  يمارسه الكثير من شيوخ مكونة أخرى.

إن النظر إلى الاستقبالين من هذه الزاوية التي لا تؤمن بالازدواجية اللونية هو الذي جعلني أتفهم استقبال الوزيرة في مكتبها لصاحب الرتبة الثانية في باكالوريا الآداب العصرية 2020، رغم أنها لم تستقبل صاحب الرتبة الأولى، وهو الذي جعلني أتفهم أيضا استقبالها لشيخ مسن يمارس عملا يمارسه شيوخ كثر من شريحة أخرى لم تستقبلهم الوزيرة في مكتبها.

هذه هي وجهة نظري، والتي حصلتُ بموجبها على لقب "أستاذ في العنصرية" من رئيس هيئة حقوقية، وفي اعتقادي الشخصي فإن تلاميذ العنصرية وأساتذتها الكبار هم أولئك الذين أعجبوا باستقبال الوزيرة لصاحب الرتبة الثانية في الباكالوريا، ونددوا ـ في الوقت نفسه ـ  باستقبالها للشيخ صاحب عربة التجارة اليدوية، و أولئك الذين أعجبوا باستقبالها للشيخ صاحبة العربة بعد أن كانوا قد نددوا باستقبالها للطالب صاحب الرتبة الثانية. أما أولئك الذين أعجبوا بالاستقبالين معا، أو انتقدوهما معا، فيمكن وصفهم بكل شيء، ولكن لا يمكن وصفهم ـ بأي حال من الأحوال ـ بالعنصرية إلا من طرف عنصري تغضبه مثل هذه المواقف المتوازنة الخالية من أي ازدواج لوني.

(2)

في يوم 16 مارس 2019 تسبب إطلاق نار من طرف جندي موريتاني في وفاة شيخ في انبيكت لحواش ، وفي يوم 28 مايو 2020 تسبب إطلاق نار من طرف جندي آخر في وفاة شاب موريتاني في قرية ويندنيك التابعة لمقاطعة أمبان.

دعونا نجري مقارنة سريعة بين هاتين الحادثتين الأليمتين.

حادثة أمبان وقعت الساعة التاسعة ليلا، وفي فترة حظر شامل وإغلاق كامل للحدود بسبب جائحة كورونا، والضحية كان شابا في عمر 35 سنة، والحادثة جاءت بعد عملية مطاردة مجموعة من المهربين حسب بيان الجيش حول الحادثة. أما حادثة انبيكت لحواش فقد وقعت في وضح النهار، وفي ظروف أمنية وصحية عادية جدا، والضحية كان شيخا مسنا في العقد الثامن من عمره، و كان وحيدا على جمل في عملية بحث عن قطيع سائم حسب بيان الجيش.

قوبلت حادثة مقتل الشيخ الثمانيني بصمت مطلق، فلم يندد أي حزب سياسي ولا أي منظمة حقوقية ولا أي جهة أخرى معروفة أو غير معروفة بهذه الحادثة، لم تندد أي جهة على الإطلاق ـ وسواء كانت سياسية أو حقوقية ـ بتلك الحادثة. أما حادثة قتل الشاب الثلاثيني فقد ندد بها العديد من الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية من خلال بيانات شديدة اللهجة، والمؤسف أن كل تلك البيانات حاولت أن تستحضر ـ بشكل مباشر أو غير مباشرـ اللون والبعد العنصري في هذه الحادثة. فحزب تواصل والذي كان هو أول من ندد بالحادثة دعا في بيانه: " كل الموريتانيين إلى رص الصفوف ووحدة الكلمة واستحضار الأخوة الإسلامية في وجه دعاة التفرقة"، نفس الدعوة جاءت من حزب اتحاد قوى التقدم الذي حذر في بيانه " كافة المواطنين من التأثر ببعض الخطابات والشائعات المشبوهة، التي تسعى إلى تسميم الأجواء والمساس بوحدة الشعب وسكينته". ولم يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لحزبي التكتل وإيناد، فقد دعا الحزبان في بيانهما المشترك كافة المواطنين "إلى الوقوف بحزم ضد كل ما من شأنه أن يثير الفتنة والشحناء بين مكونات الشعب وشرائحه".

(3)

في عاصمة تشهد الكثير من عمليات السرقة، تعرض منزل الرئيس صمبا تام لمحاولة سرقة ليلة السبت الموافق 11 يوليو2020، وكانت هذه المحاولة من أبسط محاولات السرقة التي تشهدها العاصمة بشكل يومي، ومع ذلك فقد تم تهويل حادثة السرقة هذه، وقيم بمحاولات إعلامية وسياسية واسعة من أجل إخراج حادثة السرقة تلك من دائرة العمليات الإجرامية العادية التي تحدث يوميا في العاصمة نواكشوط إلى دوائر أخرى ذات أبعاد عنصرية وعرقية وإقصائية!! تم تداول الخبر إعلاميا على أن الحادثة تدخل في إطار تهديد الرئيس صمبا تام وتخويفه، وأنها كانت من أجل إسكاته.

بعد تداول الخبر إعلاميا أصدر تحالف سياسي ينخرط فيه صمبا تام بيانا يندد فيه بشدة بالعملية، وحذر هذا التحالف السياسي من تداعيات هذه الحادثة "على السلام والتماسك الاجتماعي في بلد يعاني من صدمات الماضي ومن تهور في الحاضر" حسب ما جاء في البيان، واعتبر التحالف بأن هذه الحادثة تدخل في إطار "تخويف أو إزعاج شخصية تعتبر رمزا في المشهد السياسي الوطني والدولي".

بعد ذلك أصدرت شخصيات سياسية ومنظمات حقوقية تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية بيانا في نفس الاتجاه، وحاولت هي الأخرى أن تعطي للاعتداء على منزل صمبا تام بعدا عنصريا، وأن تربطه ـ وتأملوا في محاولة الربط تلك ـ  بحادثة قتل الشاب الذي تحدثنا عن عملية قتله في الفقرة السابقة من هذا المقال.

اللافت في الأمر أنه قبل ذلك بفترة قصيرة، وتحديدا في يوم الجمعة الموافق (12 يونيو 2020) تعرض منزل عضو المجلس الدستوري الدكتور محمد محمود الصديق لعملية سرقة، تمت خلالها سرقة هواتف من غرفة نومه وكذلك حاسوبه الشخصي الذي توجد به حصيلة سنوات من إنتاجه الفكري، ومع ذلك لم يقل قائل بأن تلك العملية كانت مدبرة، ولم يتحدث عضو المجلس الدستوري المنحدر من حزب معارض عن عملية استهداف لإجباره على السكوت.

وقبل ذلك أيضا، وتحديدا في يوم الجمعة الموافق (08 ـ 11 ـ 2019)  تعرضت سيارة ومنزل النائب محمد الأمين ولد سيدي مولود لعملية سرقة، ومع ذلك فلم يدعي النائب بأن حادثة الاعتداء على منزله كانت عملية مدبرة لإجباره على السكوت، ولا أظن بأن مثل ذلك قد خطر بباله أصلا.

 

إن محاولة تسييس عمليات السطو والسرقة، وإعطائها بعدا عنصريا، يذكرنا بما كان يجري من محاولة لتسييس تعقيدات وعراقيل الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة، ففي العام 2011 على سبيل المثال تم حرمان السيد محمد يحظيه ولد المختار الحسن وهو وزير داخلية سابق، ورئيس سابق لحزب حاكم من أوراقه الثبوتية بحجة أن أمه مولودة في الخارج.لم تأخذ عملية الحرمان تلك بعدا عنصريا، ولم تجد أي اهتمام إعلامي وسياسي يذكر، ولكن عندما تحدث عملية مماثلة لمواطن موريتاني من مكونة أخرى تتحول عملية الحرمان تلك ـ وبشكل تلقائي ـ  إلى فعل عنصري وإلى عملية إقصاء منظم، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى.

إن هذا التداول الإعلامي والسياسي الخاطئ مع التعقيدات والعراقيل التي تطبع عمل  الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة هو الذي جعل الكثير منا  يعتقدون أن المتضرر الأول من هذه الوكالة هو مكونة واحدة وولايات محددة، وذلك على الرغم من أن نتائج دراسة أعدتها لجنة تم تشكيلها لدراسة المشاكل المتعلقة بالوثائق المؤمنة برئاسة الوزير السابق السيد تام جمبار توصلت إلى أن عدد الذين لم يحصلوا في الحوض الشرقي على وثائقهم المدنية نتيجة للعراقيل التي تم وضعها من أجل التأكد من انتمائهم الموريتاني  يفوقون عدد الذين تم حرمانهم من وثائقهم بسبب نفس التعقيدات في ولايتي لبراكنة و كوركول.

(4)

تلكم كانت مجرد أمثلة من أمثلة كثيرة أخرى لا يتسع المقام لبسطها. وتبين هذه الأمثلة أن هناك من يحاول أن يُخرج أحداثا عادية عن سياقها الطبيعي بسبب اتخاذه لمواقف سياسية أو حقوقية على أساس ازدواجية لونية غير سليمة، فجرائم السرقة المنتشرة في العاصمة نواكشوط قد تتحول في حالة من حالاتها ـ بسبب حضور الازدواجية اللونية عند اتخاذ المواقف ـ  إلى مؤامرة تشكل خطرا على التماسك الاجتماعي، والأخطاء التي قد يرتكبها الجندي أو عنصر الأمن تختلف عند البعض حسب الضحية، فبعض الضحايا قد لا يحتاج استهدافه لإصدار أي بيان من أي جهة سياسية أو حقوقية، والبعض الآخر قد يستدعي استهدافه إصدار الكثير من البيانات مع استحضار البعد العنصري والعرقي، وعراقيل وتعقيدات الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة قد ينظر إليها بازدواجية لونية حسب الضحايا، وحتى استقبالات وزيرة لبعض المواطنين قد ينظر إليها بتلك الازدواجية اللونية التي لن تأتي ـ قطعا ـ  بمواقف سليمة.

إن هذا التمييز اللوني يشكل وجها آخر من عنصرية مسكوت عنها، ولذا فلم يكن غريبا أن تلصق تهمة العنصرية بمن حاول أن يكسر الصمت حول تلك العنصرية المسكوت عنها.

ويبقى أن أقول لرئيس الهيئة الحقوقية ولغيره ممن يوزعون التهم بالعنصرية بكرم وسخاء، بأني أعرف نفسي، وأعرف أني لستُ عنصريا، ولذا فلن أنشغل بتبرئة نفسي من اتهام بالعنصرية جاء من أشخاص لا تشهد كتاباتهم ولا أحاديثهم على عدم عنصريتهم.

 

حفظ الله موريتانيا... 

الثلاثاء، 5 أكتوبر 2021

هل اجتمع الفساد وعدم الكفاءة والارتجالية في مفوضية واحدة؟

 


أحسبني من الذين يتابعون الإعلام المحلي بشكل منتظم، ومع ذلك فإني لم أكن على علم بوجود مؤسسة عمومية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية تدعى "المفوضية العامة للمعارض". لم آخذ علما بوجود هذه المفوضية إلا ساعات قليلة قبل تفجر فضيحة المدون العاجي.

كنتُ أناقش مع صديق مهتم بالشأن العام ـ ساعات قبل تفجر تلك الفضيحة ـ الأخطاء التي طبعت التحضير لمشاركة بلادنا في "اكسبو 2020 دبي"، وقد سألت صديقي خلال ذلك النقاش عن الجهة المعنية بشكل مباشر بالتحضير لمشاركة موريتانيا في المعرض، فأخبرني بأن الجهة المسؤولة بشكل مباشر عن تلك المشاركة هي : المفوضية العامة للمعارض.

لم أكن على علم بوجود هذه المفوضية من قبل ذلك النقاش، وخوفا من أن يكون عدم الاطلاع على وجود هذه المفوضة ناتج عن تقصير شخصي مني فقد ارتأيت أن أبحث عنها في خانة البحث في موقع الوكالة الموريتانية للأنباء، والتي لا يمكن أن تتهم بالتقصير في نشر الأخبار عن هذه المفوضية ولا عن غيرها من المؤسسات العمومية.

جاءت نتيجة البحث كالآتي:

ـ في يوم 09 ـ 08 ـ 2021 نشرت الوكالة خبرا تم فيه ذكر المفوضية العامة للمعارض، ويتعلق هذا الخبر بزيارة نظمتها وزيرتا البيئة والتجارة للمفوضية؛

ـ في يوم 21 ـ 06 ـ 2021 نشرت الوكالة خبرا يتعلق بتدشين المفوضية من طرف وزيرة التجارة والصناعة والسياحة؛

في يوم 12 ـ01ـ 2012 يبدو أنه تم ذكر المفوضية في الحصيلة التي قدمها الوزير الأول أمام البرلمان لعمل الحكومة لسنة 2011. لم أقف على الموضع الذي ذكرت فيه المفوضية  لعدم التمكن من قراءة الحصيلة لطولها.

إن الاستنتاج الذي لا يحتاج للكثير من الذكاء، والذي يمكن أن نخرج به من هذا البحث، هو أن المفوضية العامة للمعارض كانت غائبة تماما في الفترة الماضية والتي يُفترض فيها أنها فترة تحضير مكثف لمشاركة بلادنا في واحد من أكبر المعارض العالمية، منظم من طرف دولة شقيقة، من المؤكد أنها لن تقصر في دعمنا وفي تسهيل مشاركتنا في هذا المعرض. لم تستطع المفوضية أن تُعرف بنفسها محليا، فكيف ستستطيع أن تعرف ببلادنا في هذه المعرض؟

هذا الاستنتاج يكفي لوحده كدليل على عدم كفاءة القائمين على المفوضية العامة للمعارض، فمن لم يستطع أن يعرف محليا بالمفوضية لن يتمكن من التعريف ببلده دوليا. وقديما قيل إن فاقد الشيء لا يعطيه.

ومما يزيد من خطورة الأمر هو أن الأخطاء لا تتعلق فقط بضعف في الكفاءة، وإنما هناك ارتجالية وفساد حسب ما يتم تداوله على نطاق واسع. فمما يتم تداوله بشكل واسع، وعلى الجهات المعنية أن تحقق في دقة ما يتم تداوله، فإن كان صحيحا تمت معاقبة المعنيين، وإن لم يكن صحيحا تم تقديم نفي رسمي مدعوم بالأدلة. فمما يتم تداوله أن المفوضة العامة للمعارض تم تعيينها في إطار مكافأة لجهد سياسي وانتخابي حصل بموجبه مرشح الحزب السياسي الذي ترأسه وزيرة التجارة على مقعد العمدة في بلدية مقامة.

بعد تعيين المفوضة كمكافأة سياسية لحلفها، قامت هي بدورها بتعيين الأقارب فكان الإعلام في المفوضية من نصيب الأخت، وكانت الصفقات والمعاملات التجارية من نصيب الزوج، وهكذا..  

أغلب معاملات المفوضية ـ وحسب ما يتم تداوله على نطاق واسع ـ كانت تتم بدون عقود وبلا مناقصات، ولذا فكان بالإمكان نفي توقيع أي عقد مع مدون عاجي، ولكن القرائن، وطبيعة تعاملات المفوضية التي تتم بالمباشر يزيدان من الشكوك حول وجود عقد غير مكتوب مع هذا المدون.

يبدو أن المفوضية العامة للمعارض قد جمعت بين الفساد في التسيير، وعدم الكفاءة والارتجالية في التحضير، ويكفي كدليل على الارتجالية أن المهندس محمدو ولد صلاحي الراعي الرمزي لمشاركة موريتانيا في المعرض لم يتمكن من الحضور للافتتاح الرسمي للمعرض!

هناك أخطاء كثيرة تم ارتكابها، بعضها واضح ولا يحتاج إلى دليل، وبعضها الآخر تدعمه بعض القرائن، ولذا فعلى الدولة الموريتانية أن تُعالج تلك الأخطاء في أسرع وقت ممكن، وأن تُعاقب المسؤول عنها، وأن تحاول في الوقت نفسه استغلال ما تبقى من وقت لضمان مشاركة جدية لموريتانيا في هذا المعرض الهام.

حفظ الله موريتانيا... 

الخميس، 23 سبتمبر 2021

هذا ما علينا أن نستخلصه من أحداث أركيز


في يوم 24 إبريل 2021 شهدت مدينة باسكنو احتجاجات عنيفة وأعمال شغب، وكان السبب المباشر في تلك الاحتجاجات غياب الحماية المدنية في المدينة وعدم تدخلها بعد حدوث حريق في محل تجاري، وقد تم خلال هذه الاحتجاجات رفع نفس الشعار المطالب بتوفير بالماء والكهرباء.

في يوم 3 مايو 2021 شهدت مدينة الطينطان احتجاجات عنيفة وأعمال شغب، وكان السبب المباشر في تلك الاحتجاجات هو الانقطاع المتكرر للكهرباء والماء.

في يوم 2 يوليو 2021 شهدت مدينة كبني احتجاجات عنيفة وأعمال شغب، وكان السبب المباشر في تلك الاحتجاجات هو أيضا الانقطاع المتكرر للكهرباء والماء.

في يوم 22 سبتمبر 2021 شهدت مدينة أركيز احتجاجات كانت هي الأعنف، وأعمال شغب كانت هي الأخطر، وقد تجاوزت هذه المرة المباني الحكومية لتصل إلى منزل عمدة المدينة، وكان السبب المباشر والمعلن لهذه الاحتجاجات هو نفس السبب المباشر لاحتجاجات الطينطان وكبني، أي الانقطاع المتكرر للكهرباء والماء.

إن تكرر مثل هذه الاحتجاجات العنيفة يعدُّ أمرا مقلقا وفي غاية الخطورة، وهو يستوجب منا جميعا ( سلطة وساسة وصناع رأي ) وقفة تأمل، وأخذ دروس وعبر، حتى لا يتكرر هذا النوع من الاحتجاجات العنيفة التي يتخللها تخريب ونهب للأملاك العامة والخاصة.

 بداية ردة الفعل يجب أن تتمثل في توقيف ومحاسبة  كل من شارك من قريب أو بعيد في نهب وتخريب الأملاك العامة والخاصة في مدينة أركيز. وعلى السلطات الأمنية والقضائية أن لا تتساهل إطلاقا مع أي شخص ثبتت مشاركته في أعمال الشغب هذه، وأن لا تقبل فيه شفاعة أو تدخل. يجب على السلطة أن تثبت عمليا أن الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة هو خطٌ أحمر، وأن من يتجرأ على تجاوز ذلك الخط الأحمر سيدفع الثمن باهظا.

هذا أول ما يجب أن يُقام به كردة فعل على أحداث أركيز، وهذا هو أبسط ما يمكن أن يُقام به، فأعمال الشغب موثقة بالصوت والصورة والسلطات الأمنية لن تجد صعوبة في التعرف على مرتكبي أعمال الشغب ومحرضيهم، وما إن كان هناك استغلال لتلك الاحتجاجات لأغراض أخرى. إن الأصعب يتمثل في تحديد ومحاسبة من هيأ الأجواء والظروف لأعمال الشغب التي شهدتها مدينة أركيز، وشهدتها من قبل ذلك مدن باسكنو والطينطان وكبني.

ما حدث في أركيز وفي مدن أخرى ليسا حدثا عابرا، وعلينا أن لا نتجاهل تسلسل الأحداث، لنتوقف فقط مع اللقطة الصادمة في المشهد (اللقطة الأخيرة).

بدءا لابد من التذكير بأننا نعيش ـ حالنا في ذلك كحال بقية بلدان العالم ـ ظرفية اقتصادية واجتماعية صعبة بسبب جائحة كورونا، والتي ضايقت الناس في أرزاقهم، والتي كان من آثارها ارتفاع كبير في أسعار بعض المواد الأساسية. لقد كان المواطن يعاني بشكل كبير من قبل جائحة كورونا، ولا شك أن معاناته قد ازدادت بسبب تلك الجائحة، والمقلق أكثر أن معاناته قد تزداد في صيف هذا العام الذي شهد تناقصا في مستوى تهاطل الأمطار.

هذه الوضعية الصعبة تستلزم من السلطة أن تكون أكثر صرامة في محاسبة كل موظف عمومي ضعيف الأداء أو مارس فسادا، ويتأكد الأمر عندما يكون ذلك الموظف يعمل في مؤسسة خدمية حساسة أو في قطاع خدمي حيوي ذي علاقة مباشرة مع المواطنين.

لا يجوز في أي وقت من الأوقات أن يتم التساهل مع ضعف الأداء أو مع ممارسة الفساد، ويتأكد ذلك أكثر في الأوقات الصعبة التي تزداد فيها معاناة المواطنين لسبب أو لآخر، ويتأكد أكثر من ذلك عندما يكون سوء الأداء أو ممارسة الفساد يتم داخل قطاع حيوي حساس يقدم خدمة أساسية للمواطنين (الماء، الكهرباء، التعليم، الصحة...).

لقد زرت مع نشطاء في المجتمع المدني مدينة أركيز قبل  شهرين من الآن، وكان ذلك بدعوة من بعض الأهالي للاطلاع على ما يعتبرونه فسادا في مرفق شبه عمومي يتبع للبلدية. حدثنا بعض الأهالي هناك عن سوء خدمات الماء والكهرباء والاتصال في المدينة، وعن عمليات بيع  معلنة ومتكررة لمحروقات شركة الكهرباء من طرف القائمين عليها، وعن مظاهر ثراء فاحش لبعض العاملين في فرع الشركة، وذلك في ظل انقطاعات متكررة للكهرباء.

ما قيل لنا في أركيز، سنسمع شيئا مشابها له إن زرنا كوبني أو باسكنو أو الطينطان أو أي مدينة أخرى في الداخل.

في أغلب مدن الداخل ـ بل في كلها ـ هناك استياء كبير من ضعف بعض الخدمات الأساسية، وهناك فساد بَيِّن يُمارس في المرافق العمومية، ودون أن تكون هناك محاسبة صارمة أو عقوبة قاسية ضد من يُمارس ذلك الفساد البَيِّن.

لقد أصبح من الضروري، بل ومن الملح جدا، وفي ظل هذه الظرفية الصعبة التي يعيشها المواطن أن يتم التعامل مع القطاعات والمؤسسات الحساسة التي تقدم خدمة أساسية للمواطنين بأسلوب جديد يختلف عن أساليبنا القديمة، يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية:

1 ـ أن يكون التعيين في القطاعات والمؤسسات الخدمة خاضعا لمعايير انتقاء صارمة، حتى يتم اختيار الأكفأ والأفضل لإدارة وتسير تلك المؤسسات وفروعها في الداخل؛

2 ـ أن تكون الرقابة على هذه القطاعات والمؤسسات رقابة صارمة ومستمرة؛

3 ـ أن تكون العقوبة مشددة على كل من تثبت عليه ممارسة فساد في أي قطاع أو مؤسسة من المؤسسات التي تقدم خدمة حيوية للمواطنين.

إن ضعف أداء المرافق الخدمية في الداخل بسبب التسيب الإداري والفساد، وغياب المنتخبين والسياسيين المحليين الذين لا يرون ضرورة في خدمة المواطنين في دوائرهم الانتخابية إيمانا منهم بأن السلطة ستواصل فرضهم على أهل تلك المناطق، وأنه سيكفيهم إنفاق نسبة من الأموال التي نهبوها في الحملات الانتخابية للمحافظة على مقاعدهم الانتخابية. إن استمرار ضعف أداء المرافق العمومية، وغياب المنتخبين المحليين عن دوائرهم الانتخابية هو ما يشكل الأرضية المناسبة لحدوث مثل هذه الاحتجاجات، ولذا فإن العقوبة يجب أن تشمل بالإضافة إلى كل من شارك ـ بشكل مباشر ـ  في تلك الاحتجاجات العنيفة، كل أولئك الذين شاركوا في تهيئة الأجواء لحصول تلك الاحتجاجات. هناك ثلاثة أنماط من العقوبة يجب أن تنفذ ضد من شارك في تلك الاحتجاجات ومن هيأ لها الأجواء، وهذه الأنماط الثلاث هي :

1 ـ عقوبة أمنية وقضائية ضد كل من شارك بشكل مباشر أو غير مباشر في أعمال الشغب؛

2 ـ عقوبة إدارية ضد كل موظف للدولة يعمل في فرع مؤسسة خدمية في الداخل ظهر أنه ضعيف الأداء أو ممارس للفساد؛

3 ـ عقوبة سياسية : وهذه على الحزب الحاكم أن ينفذها، وتتمثل في معاقبة كل منتخب أو سياسي محلي عُرِف بالغياب عن دائرته الانتخابية في أغلب أوقات مأموريته الانتخابية. إن الدور الأول للمنتخبين والسياسيين المنتمين للحزب الحاكم ـ أي حزب حاكم ـ  يجب أن يكون خدمة المواطنين في الدوائر الانتخابية، وبعث الأمل في نفوسهم بغد أفضل، وتسويق منجزات الأنظمة التي يمثلونها. ويكفي لمعرفة ضعف الأداء السياسي والإعلامي للنظام أنه لا أحد يتحدث اليوم عن القطع الأرضية المزودة بالماء والكهرباء التي توزع على الحراس في تفرغ زينة، والتي تمنح معها مبالغ مالية وبطاقات تأمين صحي.    

حفظ الله موريتانيا... 

الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

تعليق سريع على فقرتين من خطاب الرئيس


هناك فقرتان استوقفتاني في الخطاب الذي افتتح به فخامة رئيس الجمهورية المنتديات العمومية لقطاع البناء والأشغال.
الفقرتان تتحدثان عن موضوعين هامين، أحدهما اقتصادي واجتماعي يتعلق بالأسعار والقدرة الشرائية للمواطن، والثاني سياسي يتعلق بالتشاور المنتظر.

الفقرة الأولى

"ولذلك قررنا، في ظل أزمة ارتفاع الأسعار الأخيرة، استحداث آلية وطنية لاستيراد المواد والسلع الأساسية، وتوفيرها للمواطن بأسعار مناسبة، بعيدا عن المضاربات، لتكون بذلك أداة تنظيم وعامل استقرار لسوق هذه المواد. كما وجهنا مندوبية "تآزر" بتوفير السلع بالكميات المطلوبة في جميع محلات البيع المدعومة، وألزمنا الحكومة بالمحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين الأكثر فقرا بصرف النظر عن تكلفة ذلك."

هناك ثلاثة عناصر مهمة جدا في هذه الفقرة :

1 ـ استحداث آلية وطنية تستورد المواد والسلع الأساسية لتوفيرها للمواطن بأسعار مناسبة؛

2 ـ أن مندوبية "تآزر" ستوفر السلع بالكميات المطلوبة في جميع محلات البيع المدعومة؛

3 ـ إلزام الحكومة بالمحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين مهما كانت كلفة ذلك.

هذه ثلاثة عناصر مهمة جدا، وتتكامل فيما بينها، فمندوبية تآزر يُفترض فيها أنها ستكون جاهزة من الآن لتوفير السلع بالكميات المطلوبة في جميع محلات الدعم، كما يُفترض أيضا أن العمل على استحداث آلية وطنية لاستيراد المواد والسلع الأساسية سيبدأ من الآن، ومن المهم تسريع إجراءات تأسيس هذه الآلية لترى النور في أقرب وقت ممكن. أما العنصر الثالث فله صبغة الديمومة، أي أن الحكومة عليها أن تُحافظ ـ وبشكل دائم ـ على القدرة الشرائية للمواطنين، ومهما كانت كلفة ذلك.

إنها بالفعل عناصر مهمة بل مهمة جدا، ومن أجل تحقيقها على أحسن وجه، فيجب أن تكون هناك محاسبة صارمة لكل المعنيين بالتنفيذ إن هم قصروا، كما أنه من المهم جدا البحث عن خيرة الموظفين من حيث الاستقامة والقدرة على وضع التصورات وتنفيذ البرامج والخطط لتولي تأسيس وتسيير هذه الآلية الجديدة التي ستعنى باستيراد المواد والسلع الأساسية وتوفيرها للمواطن بأسعار مناسبة.

 

الفقرة الثانية

"التشاور الوطني المرتقب، والذي لن يستثني أحدا، ولن يحظر فيه موضوع، من أجل أن نتوصل معا إلى أمثل الحلول الممكنة في مواجهة مختلف التحديات."

بهذه الكلمات التي اختتم بها الرئيس خطابه، تم تحديد ملامح التشاور المنتظر، وستكون من أبرز ملامح التشاور المنتظر أنه:

1 ـ  لن يستثني أحدا؛

2 ـ  لن يحظر فيه أي موضوع؛

3 ـ أن الهدف منه هو التوصل معا (ومن المهم التوقف مع كلمة معا) إلى أمثل الحلول الممكنة لمواجهة مختلف التحديات.

هذه النقطة الثالثة تؤكد أن الرئيس يرى أن الحلول المثلى للتحديات المطروحة لا يمكن أن تحتكرها جهة سياسية معينة، وإنما تتحصل من تلاقح أفكار الجميع، وبذلك يظهر أن الرئيس ينظر إلى معارضيه نظرة أخرى غير معهودة في هذه البلاد، فهو يرى أن المعارضة ليست "عدوا" ولا مجموعة من "خائني الوطن" وإنما هي شريك سياسي قد يساعد من خلال التشاور في إنتاج "الحلول المثلى " لمواجهة التحديات القائمة.

هذه النظرة المختلفة للمعارضة ظهرت في نهج الرئيس في وقت مبكر، حتى وإن كان هناك من يُريد أن يشوش عليها.

ـ ظهرت من خلال خطاب إعلان ترشحه؛

ـ ظهرت خلال الحملة الانتخابية حيث أن المرشح غزواني ـ وفي سابقة من نوعها في الحملات الانتخابية ـ تفادى أن يتحدث عن منافسيه في الانتخابات بأي كلمة سوء، بل تفادى نقدهم ونقد برامجهم الانتخابية، ومن المعروف أن ذلك يمثل أبسط حقوق أي مترشح؛

ـ ظهرت من خلال خطابه في يوم التنصيب؛

ـ ظهرت من بعد التنصيب حيث لم ينقطع الاتصال بالمعارضين لدرجة أنه لم يعد بالإمكان أن نجزم إن كان عدد من يدخل القصر الرئاسي من قادة الأغلبية أكثر ممن يدخله من قادة المعارضة؛

ـ ظهرت من خلال عدم سماحه بأن تُقابل بعض التصريحات والبيانات الحادة للأطراف غير المتحمسة للحوار بتصريحات مماثلة، بل على العكس من ذلك تماما، فكلما تمادى البعض في إطلاق المزيد من التصريحات الحادة من التشاور المنتظر جاء الرد هادئا وواضحا ومطمئنا على أن التشاور القادم:

ـ لن يستثني أحدا؛

ـ لن يحظر فيه أي موضوع؛

ـ أن الهدف منه هو التوصل معا (ومن المهم التوقف مرة أخرى مع كلمة معا) إلى أمثل الحلول الممكنة لمواجهة مختلف التحديات.

حفظ الله موريتانيا... 

الاثنين، 20 سبتمبر 2021

هكذا نُهبت أموال صندوق كورونا


تابعتُ خلال الأيام الماضية في مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من المنشورات والتعليقات والصوتيات التي تتحدث عن نهب 50 مليار أوقية قديمة من صندوق كورونا. فهل تم بالفعل نهب 50 مليار أوقية قديمة من موارد الصندوق؟

إليكم هذه المعلومات التي قد تساعد في الإجابة على السؤال أعلاه.

لقد تم بالفعل إنفاق 49.82 مليار أوقية قديمة من موارد الصندوق النقدية والعينية، منذ تأسيسه وحتى يوم 31 أغسطس 2021،  وهذه تفاصيل نفقاته.

1 ـ مقتنيات عينية : وقد بلغت قيمتها 20.33 مليار أوقية قديمة، وهي عبارة عن هبات من دول شقيقة وصديقة ومن منظمات دولية، وهي ليست أموالا دخلت في الصندوق كما يتخيل الكثيرون، بل إنها عبارة عن مواد وتجهيزات طبية ساعدت في مواجهة كوفيدـ19، فاللقاحات التي تسلمتها بلادنا من بعض الدول والمنظمات تدخل في هذا البند. وقد ساهمت تلك المواد والتجهيزات في حماية منظومتنا الصحية الهشة من الانهيار، كما أنها مكنت من الوصول إلى نسبة تلقيح معتبرة، فمن النادر جدا أن لا تتذيل بلادنا من حيث المؤشرات القوائم الإقليمية والدولية، ولكن على مستوى مؤشر نسبة التلقيح ضد كورونا فقد حاولت بلادنا أن تكسر القاعدة هذه المرة، وذلك من خلال احتلال الرتبة 12 إفريقيا.

خلاصة هذه الفقرة هي أن 20.33 مليار أوقية من نفقات الصندوق لم تكن أموالا، وهذا المبلغ يمثل نسبة 40.8% من مجموع نفقات الصندوق منذ تأسيسه، وحتى اليوم.

2 ـ الإعفاءات الضريبية : هذه أيضا ليست أموالا دخلت الصندوق، وإنما هي عبارة عن إعفاءات من الرسوم الجمركية لبعض المواد الأولية (الخضروات؛ الفواكه؛ القمح؛ الأدوية؛ الزيت النباتي)، وتم الإعفاء في الفترة ما بين (26/ 03/ 2020 إلى 31/10/ 2020). نفس الشيء يمكن أن يُقال عن إعفاء أصحاب المهن والأنشطة الصغيرة من ضرائب البلدية لمدة شهرين. هذه الإعفاءات بلغت في مجموعها 5.68 مليار أوقية قديمة وهو ما يمثل نسبة 11.76% من مجموع نفقات الصندوق.

يمكنكم أن تلاحظوا أن أكثر من نصف نفقات الصندوق (تحديدا 52.56%) لم تكن في الأصل أموالا تنهب أو لا تنهب، وإنما كانت عبارة عن مواد عينية و إعفاءات ضريبية.

3 ـ الإعانات : هنا بدأنا ندخل بالفعل في صرف أموال من الصندوق، وقد وصلت الإعانات إلى 7.45 مليار أوقية قديمة، واستفادت منها 396.293 أسرة في الداخل و40 ألف أسرة في نواكشوط، وتمثل نسبة الإعانات 14.95% من مجموع نفقات الصندوق.

هذه الإعانات هي عبارة عن الأموال والمواد الغذائية التي وزعتها مندوبية تآزر، وقد تمت عملية التوزيع وفق أساليب شفافة. قد يكون هناك من ينتقد هذه العملية لقلة المبلغ الذي حصلت عليه كل أسرة، ولكن لا أحد يستطيع أن يشكك في عدم وصول تلك المبالغ إلى الأسر المستفيدة، ذلك أن عملية التسليم كانت موثقة وتوجد صور من بطاقات تعريف وأرقام هواتف المستفيدين.

4 ـ المياه والكهرباء :  بلغت النفقات على المياه والكهرباء ما مجموعه 3.9 مليار أوقية قديمة. فبالنسبة لمجانية المياه فقد استفاد منها 2055 تجمعا قرويا تحمَّل الصندوق وبشكل كامل نفقاته على الماء لمدة تسعة أشهر (من 1 إبريل إلى 31 ديسمبر 2020)، هذا فضلا عن 191831 في الوسط الحضري تحمل الصندوق فواتيرها لمدة شهرين. أما بالنسبة للكهرباء فقد استفاد منها 32 تجمعا قرويا، و173924 أسرة لمدة شهرين. كل هذه الأموال يمكن تتبعها، وقد أُنفقت بالفعل على شركتي الماء والكهرباء والمكتب الوطني لخدمات الماء في الوسط الريفي ..إلخ

نعم لقد حدثت هنا بعض الأخطاء بالنسبة للمستفيدين من مجانية الماء والكهرباء في الوسط الحضري لمدة شهرين، ذلك أن الإعلان عن تحمل الصندوق لشهرين من الاستهلاك لم تصاحبه حملة إعلامية موازية توضح للمستفيدين أن زيادة الاستهلاك قد تنقلهم من التعريفة الاجتماعية إلى التعريفة العادية، وسيؤدي ذلك في المحصلة النهائية إلى خسارتهم.

كانت هناك خسائر تكبدها بعض المستفيدين من مجانية الماء والكهرباء في الوسط الحضري، ولكن بالنسبة للتجمعات القروية فقد كانت الاستفادة واضحة، وعموما فإن المبالغ المنفقة من الصندوق على هذا البند ليست محل تشكيك، وهي تمثل 7.82% من مجموع نفقات الصندوق.

إن هذه البنود الأربعة التي تمثل في مجموعها 75 % من نفقات الصندوق ليست محل تشكيك، ذلك أنها تتوزع بين مقتنيات عينية (20.33 مليار أوقية قديمة) وإعفاءات ضريبية (5.68 مليار أوقية قديمة )، وإعانات تم تسلمها من طرف المستفيدين (7.45 مليار أوقية)، وسداد فواتير الماء والكهرباء في الوسط الريفي لتسعة أشهر ولمدة شهرين في الوسط الحضري (3.9 مليار أوقية). كل هذه البنود لا أظنها محل نقاش أصلا. إن النقاش حول شفافية نفقات الصندوق عليه أن ينحصر في البند الموالي.

5 ـ نفقات الصحة ونفقات مختلفة أخرى :  وصلت نفقات الصحة في مجموعها إلى 11.53 مليار أوقية قديمة، بالإضافة إلى نفقات قطاعات أخرى وصلت إلى 0.93 مليار أوقية، ومجموع هذه النفقات يصل إلى 12.46 مليار أوقية قديمة ..هذه النفقات يجب أن تبقى محل نظر، ذلك أنها تتضمن الكثير من الصفقات، ومن المعروف أن الصفقات في هذه البلاد هي المجال الأكثر شبهة لممارسة الفساد، ويؤكد ذلك أن الصندوق كان قد استعاد بعض الأموال من خلال عمليات تفتيش سابقة في بعض صفقات وزارة الصحة، وعمليات التفتيش هذه ما تزال مستمرة، وتتولاها مفتشية الدولة ومحكمة الحسابات.

يتضح من خلال تحليل نفقات الصندوق بأن القول بنهب 50 مليار أوقية من صندوق كورونا هو قولٌ بعيدٌ جدا من الدقة، ولكن ومع ذلك، فلا يمكن لوم من نشر تلك المعلومات غير الدقيقة، دون لومنا نحن في لجنة المتابعة على تقصيرنا في إطلاع الرأي العام على وضعية الصندوق.

من المعروف أن مجتمعنا هو مجتمع يصدق كل ما سمع، وهو ومولع بالشائعات وترويجها، ولذا فستبقى الوسيلة الوحيدة للحد من الشائعات تتمثل في المسارعة في تقديم المعلومات الصحيحة من مصادرها، والعمل على زيادة تدفق تلك المعلومات الصحيحة عبر كل الوسائط المتاحة، ولعلكم تذكرون حجم الشائعات التي تم تداولها مع بداية ظهور جائحة كورونا، هذه الشائعات لم تتوقف إلا بعد أن قررت وزارة الصحة أن تنظم مؤتمرا صحفيا يوميا تقدم فيه كل مستجدات الجائحة. لا أحد يتحدث اليوم بغير الأرقام التي تقدمها وزارة الصحة في مؤتمرها الصحفي الدوري. نفس الشيء حدث خلال الأشهر الماضية مع الشائعات المتعلقة بالجريمة، حيث تم استغلال حدوث بعض الجرائم الصادمة في العاصمة نواكشوط لإطلاق شائعات بلا أول ولا آخر عن جرائم أخرى لم تقع أصلا، ومنذ أن أطلقت الشرطة الوطنية صفحة رسمية لها على الفيسبوك، تنشر فيها ـ وبشكل شبه فوري ـ كل ما يحدث من جرائم، خفت كثيرا تلك الشائعات، وأصبحت كل وسائل الإعلام وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي تأخذ أخبار الجريمة من الصفحة الرسمية للشرطة الوطنية.

لا يمكن مواجهة الشائعات والأخبار الكاذبة إلا من خلال تدفق المعلومات من المصادر الرسمية، وهذا ما جعلني اقترح على لجنة المتابعة في أكثر من مرة أن تستدعي الصحافة والمدونين مع صدور كل تقرير جديد عن وضعية صندوق كورونا لتطلعهم على ما في التقرير من معلومات، ولتجيب على كل أسئلتهم التي سيطرحونها عن الصندوق وعن نفقاته.

من حق المواطن، أي مواطن، أن تصله كل المعلومات المتعلقة بإنفاق المال العام، ويتأكد الأمر بالنسبة للأموال التي وُجهت إلى صندوق كورونا، ذلك أن أموال الصندوق تتميز عن بقية المال العام بوجود مساهمات من مواطنين عاديين تبرعوا من مالهم الخاص لصالح الصندوق، ومن حقهم أن يحصلوا على كل التفاصيل المتعلقة بإنفاق تبرعاتهم، ومن واجب الحكومة أن تطمئنهم على حسن إنفاق تبرعاتهم، ومثل ذلك سيشجعهم مستقبلا على التبرع للدولة في أوقات الأزمات والكوارث إن طُلب منهم ذلك.

إن حجب المعلومات قد تتضرر منه أيضا الحكومة، ذلك أن الصورة التي تترسخ في ذهن المواطن قد تكون في بعض الأحيان أقوى من الحقيقة وأهم منها، ومما يؤسف له أن الصورة التي ترسخت في أذهان الكثير من المواطنين عن صندوق كورونا هي أن أمواله قد نٌهبت، والحقيقة ليست كذلك، ولكن تلك الحقيقة تحتاج إلى جهد إعلامي كبير حتى يُصدق المواطن أنها حقيقة.

حفظ الله موريتانيا... 

 

السبت، 11 سبتمبر 2021

لماذا لم يجدد الحزب الحاكم واجهته السياسية والإعلامية؟


لم تكن وضعية حزب الاتحاد من أجل الجمهورية وضعية طبيعية خلال السنتين الماضيتين، فبعد حسم معركة المرجعية ظهرت تحديات أخرى للحزب كان من أصعبها الجمع في خطابه السياسي والإعلامي بين أمرين في غاية التناقض.

الأول : فتح ما بات يُعرف بملف فساد العشرية، وقد كان دور الحزب ونوابه حاسما في فتح هذا الملف، ذلك أنه لم يكن بالإمكان التفكير أصلا في تشكيل لجنة تحقيق برلمانية من دون تحمس نواب الحزب؛

الثاني: أن أغلب من احتلوا واجهة الحزب السياسية والإعلامية خلال العشرية الماضية وعُرفوا ـ بالتالي ـ بالدفاع المبالغ فيه عن العشرية ومنجزاتها، هم الذين تولوا ـ أو على الأقل طائفة كبيرة منهم ـ الحديث عن فساد العشرية خلال العامين الماضيين!

لا شك أن هذا التناقض الكبير قد أربك الرأي العام، وقد أثر سلبا على تسويق إنجازات النظام، وخاصة ما يتعلق منها بفتح أكبر ملف فساد في تاريخ البلاد، كما أنه قد أوقع أولئك الذين جمعوا بين تصدر الواجهة خلال العشرية والترويج لها، وتصدر الواجهة ما بعد العشرية والحديث عن فساد تلك العشرية، قد أوقع أولئك في تناقض كبير، وأظهرهم في مواقف لا تليق كانوا في غنى عنها.   

 أن تبقى واجهة حزب الاتحاد من أجل الجمهورية في فترة "فساد العشرية"، ومن بعد ذلك في فترة "محاكمة العشرية" هي نفس الواجهة تقريبا، فهذا أمرٌ كان ـ وسيبقى ـ في غاية الإرباك للرأي العام الوطني، ومن الراجح أن استمراره سيضع الحزب في موقف انتخابي صعب في أول استحقاقات يتم تنظيمها مستقبلا.

خلال الأسابيع الماضية تم تداول تسريبات تتحدث عن استياء بعض قادة الحزب "القدامى" من اختطاف الحزب من طرف بعض المنضمين الجدد (عادل؛ راشدون ..إلخ)، ويعني ذلك بلغة سياسية فصيحة وصريحة أن أولئك "القدامى" يريدون الحزب أن يبقى على حاله الذي كان عليه من قبل تنصيب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وأنه لا مكان في الحزب للذين حلوا أحزابهم أو انسحبوا من أحزاب معارضة كانوا يتولون فيها مناصب قيادية للانخراط في حملة المرشح محمد ولد الشيخ الغزواني.

إن ما يُثار من نقاش حول هذا الموضوع يستوجب منا طرح السؤال التالي : 

أي واجهة سياسية وإعلامية تُناسب الحزب في هذه المرحلة؟

هذا سؤال هام سأحاول أن أجيب عليه من خلال هذا المقال، ولكن، ومن قبل ذلك، فلا بأس بالعودة قليلا إلى بعض الفرص السياسية الضائعة، والتي لا شك أن ضياعها زاد من إرباك المشهد السياسي على مستوى المعارضة والأغلبية على حد سواء.

الشيوخ : أسوأ استثمار سياسي لأهم حدث خلال العشرية!

لم يكن إسقاط الشيوخ للتعديلات الدستورية في يوم 17 مارس 2017 بالحدث العادي، بل كان بمثابة زلزال سياسي كبير لم يُعرف له مثيلا في كل تاريخ الأنظمة الحاكمة في موريتانيا. المؤسف أن هذا الحدث الكبير لم يتم استثماره سياسيا، وبذلك ضاعت واحدة من أهم الفرص السياسية التي أتيحت خلال العشرية. بعد إسقاط التعديلات الدستورية، وبعد حل المجلس وتشكيل الشيوخ لمكتب جديد، وجد الشيوخ أنفسهم أمام ثلاث خيارات:

أولها : أن يكتفوا بالإنجاز الكبير الذي حققوه من خلال إسقاط التعديلات الدستورية، وينسحبوا نهائيا من المشهد السياسي تاركين للشعب الموريتاني وقواه السياسية مهمة الدفاع عن التصويت ب"لا" على التعديلات الدستورية .. هذا الخيار يمكن اعتباره خيارا سلبيا.

ثانيها: أن يتمسكوا بنتائج تصويتهم، ويعتبروا أن غرفة مجلس الشيوخ لا تزال موجودة على الأقل نظريا، وأن يأخذوا ـ بالتالي ـ مسافة من المعارضة والموالاة وذلك باعتبارهم يمثلون هيئة دستورية لا يمكنها أن تنخرط بشكل مباشر في العمل السياسي. هذا الخيار يعتبر خيارا مثاليا وغير واقعي، ومع ذلك فقد كان هو الخيار الذي تم اعتماده.

ثالثها : أن ينخرطوا في المعارضة ما دام النظام قد ألغى نتائج تصويتهم، وأن يناضلوا من داخل المعارضة من أجل استعادة مجلس الشيوخ.. هذا الخيار كان خيارا عمليا وذكيا، وقد تم طرحه بقوة من طرف بعض الشيوخ، ولكن لم يأخذ به.

كنتُ أحضر في بعض الأحيان لنقاشات الشيوخ في تلك الفترة حول هذه الخيارات، وكنتُ من الذين يرون أن الخيار الثالث هو الخيار الأمثل والأنسب للمرحلة، ذلك أنه كان سيأتي بنتيجتين في غاية الأهمية :

أولهما : أنه كان سيضخ دماءً جديدة في المعارضة الموريتانية، وكانت المعارضة في ذلك الوقت ـ وكما هي الآن ـ  في أمس الحاجة إلى دماء جديدة، وذلك بعد أن فشلت في خلق قيادات جديدة من داخلها تشكل بديلا لقادتها التاريخيين؛

ثانيهما : أنه كان سيتيح للشيوخ استثمار تصويتهم ب"لا" على التعديلات الدستورية استثمارا سياسيا جيدا بدلا من السير في مسار بلا أفق كما حدث بالفعل.

كنتُ أحضر لتلك الاجتماعات بوصفي أمينا عاما متطوعا للمكتب الجديد الذي تم تشكيله بعد حل المجلس، وكنتُ من أنصار الخيار الثالث، بل وأكثر من ذلك فقد اقترحتُ على رئيس المجلس وبعض أعضائه أن نبدأ من بعد إسقاط التعديلات الدستورية في تسويق رئيس المجلس كمرشح توافقي للمعارضة الموريتانية في انتخابات 2019، ولكن رئيس المجلس كان يرى بأنه من غير المناسب للشيوخ أن ينخرطوا في أي عمل سياسي أو انتخابي من قبل استعادة مجلسهم، وأن أي مشاركة في الانتخابات من طرف الشيوخ ستعتبر خيانة واعترافا ضمنيا بحل المجلس.

هذا القوس الطويل الذي فتحته عن ماضي الشيوخ دون إشعار القراء، والذين قد يعتقد بعضهم ولأول وهلة أنه قوسٌ لا صلة له بعنوان المقال، قد جئتُ به هنا لأبين أن الشيوخ الذين ضيعوا فرصة استغلال المزاج المعارض الواسع الذي تعاطف معهم بعد إسقاط التعديلات الدستورية، قد ضيعوا من بعد ذلك أيضا فرصة أخرى لا تقل أهمية، وكانت هذه المرة على مستوى حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، والذي لم نسمع إلى الآن أنهم قد استقالوا منه. حتى مطلبهم الذي يتمسكون به، أي عودة مجلس الشيوخ، فكان بإمكانهم أن يُطالبوا به من داخل الحزب بعد أن فشلت مطالبتهم به من خارج الحزب.

وبخصوص الفرصة الضائعة على مستوى حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، والمتمثلة في عدم تجديد واجهة هذا الحزب بعد تنصيب رئيس جديد للبلاد، فلم يكن شيوخ الحزب هم وحدهم من ضيع تلك الفرصة، بل كانت هناك مجموعات أخرى بالإضافة إلى الشيوخ قد شاركت هي أيضا في تضييع تلك الفرصة الثمينة، ومن بين تلك المجموعات:

ـ نواب الحزب الذين رفضوا ـ وبقوة ـ المأمورية الثالثة؛

ـ أطر الحزب ومناضلوه الذين عبروا بصراحة عن رفضهم للمأمورية الثالثة؛

ـ أحزاب المعارضة والشخصيات المعارضة وكل الذين التحقوا بحملة المرشح محمد ولد الغزواني من خارج أغلبية الرئيس السابق، سواء كانوا قد جاؤوا من المعارضة أو من خارجها.

هذه المجموعات (وخاصة منها 60 شيخا ونائبا التي تنتمي للحزب، والتي عارضت الرئيس السابق من خلال إسقاط التعديلات الدستورية ورفض التمديد) هي التي كانت تمتلك الشرعية السياسية والأخلاقية لأن تكون هي الواجهة السياسية والإعلامية للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خلال السنتين الماضيتين، فكان عليها أن تتحالف فيما بينها لتشكل بذلك التحالف قوة سياسية داخل الحزب يُحسب لها ألف حساب. ولكنها ـ  وبدلا من ذلك ـ تقاعست في لحظة سياسية حاسمة، لم يكن يناسبها التقاعس، ولا التأخر في أخذ زمام المبادرة، ولا التردد في المخاطرة..تقاعست هذه المجموعات، وتحركت مجموعات أخرى بذكاء، وكان ما كان من غياب أو تغييب أغلب من يمتلك الشرعية الأخلاقية والسياسية لتصدر واجهة الحزب من بعد تنصيب رئيس جديد للبلاد، وقد تسبب ذلك الغياب في عجز الحزب عن بلورة خطاب سياسي وإعلامي مقنع،  يناسب المرحلة، ويلقى قبولا لدى الرأي العام الوطني.

بعد تنصيب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كان من الواضح جدا أن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية مقبل على أيام حاسمة، فلم يكن من المنطقي ـ ورغم كل ما كان يُقال حينهاـ  أن يتعدد ولاء الحزب لأكثر من رئيس، ولا أن يُقاد البلد برئيسين.

بعد ثلاثة أسابيع من التنصيب، وتحديدا في يوم 22 أغسطس 2019، ومن قبل أن تُثار نازلة المرجعية تقدمت باستشارة مجانية إلى المجموعات أعلاه، وكان ذلك من خلال تدوينة تحت عنوان "استشارة مجانية لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية"، وقد جاء في هذه الاستشارة المجانية : " ومن المؤكد أيضا أن في هذا الحزب من لا تعجبه تلك اللجنة (لجنة التسيير المؤقتة، وكان نائب رئيسها السيد بيجل قد تحدث  بتصريحاته الشهيرة والتي أثارت جدلا في ذلك الوقت)، وفيه من يريد لهذا الحزب أن يبدأ مرحلة جديدة يكون فيها الولاء المطلق للرئيس الحالي لا للرئيس السابق.

 هذه الطائفة الأخيرة أمامها الآن فرصة ثمينة للتشكل وللتعبير عن نفسها، والتعبير عن "النفس" في هذا الوقت لا يعني بالضرورة أن تصرح  بأن ولاءها للرئيس الحالي وليس للرئيس السابق، فذلك أمرٌ سابق لأوانه، وإنما يعني إظهار شيئ من القدرة على التشكل والتميز، وذلك في انتظار تطورات المشهد السياسي داخل الحزب وداخل فسطاط الأغلبية الداعمة."

تطورت بعد ذلك الأمور داخل الحزب من بعد نازلة المرجعية، وغابت المجموعات التي تم تعدادها في هذا المقال، والتي كان من المفترض أن تقود ذلك الحراك، فضيعت بذلك فرصة ثمينة جدا قد لا تتكرر أبدا.

من المفارقات التي تستحق التأمل والدراسة في هذه البلاد أن الأشخاص الذين يمكن وصفهم بالأشخاص الأنظف سياسيا، وسواء كانوا في المعارضة أو الأغلبية، هم في الغالب أشخاص يمتازون بعدة صفات سلبية منها:

ـ عدم القدرة على أخذ زمام المبادرة؛

ـ نقص في الحيوية والنشاط، والذي قد يتحول إلى خمول مزمن؛

ـ عدم القدرة على توحيد الجهود والتنسيق بخصوص الحد الأدنى من المصالح المشتركة.

هذا في حين أن الأشخاص الذين يوصفون في العادة بكل الصفات السياسية السلبية، هم في الغالب أشخاص مبادرون، حيويون، ويمتلكون قدرة كبيرة على التنسيق فيما بينهم لضمان عدم تعطل مصالحهم المشتركة.

ربما تكون هذه الصفات، مع أسباب أخرى لا يتسع المقام لبسطها، قد منحت هذه الطائفة الأخيرة من السياسيين القدرة على البقاء في الواجهة مهما حدث من هزات سياسية عنيفة في البلاد، ومهما حدث من تغييرات على مستوى هرم السلطة.

إن بقاء هؤلاء في الواجهة قد يُحقق لهم مصالح ضيقة، ولكنه قد يضر كثيرا بالنظام الذي يرفعون شعار الدفاع عنه، ولا يعني هذا الكلام أنه يجب إقصاء هؤلاء وإبعادهم عن الحزب بشكل كامل، فوجود مثل هؤلاء قد يكون ضروريا للأحزاب الحاكمة، وهم بإمانكهم دائما أن يلعبوا أدوارا مهمة من خلف الستار، ولهم الحق ـ كل الحق ـ في أن يحصلوا على مكاسب سياسية مقابل تلك الأدوار والجهود، ولكن كل ذلك يجب أن لا يكون على حساب واجهة الحزب، والذي يحتاج اليوم إلى واجهة جديدة قادرة على أن تُبلور خطابا سياسيا وإعلاميا جديدا ذا مصداقية، ويمكن تسويقه للرأي العام، وإن لم يحصل ذلك، فإن الحزب الذي كان يفترض فيه أن يكون ذراعا سياسيا وإعلاميا داعما للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ونظامه الحاكم سيتحول من داعم سياسي وإعلامي للنظام إلى عبء ثقيل، وإلى بالوعة تلتهم رصيد الرئيس. ثم إن عدم تغيير الواجهة السياسية والإعلامية للحزب، والاستمرار في التمسك بنفس الخطاب السياسي والإعلامي المتناقض ستكون لهما كلفتهما الكبيرة على النظام الحاكم، وسيظهر ذلك في نتائج الانتخابات البرلمانية البلدية القادمة.

حفظ الله موريتانيا... 

الأحد، 5 سبتمبر 2021

كيف نواجه ارتفاع الأسعار؟


يعيش العالم وضعية صعبة جدا بسبب جائحة كورونا، وأخطر ما في هذه الوضعية الصعبة هو أنه لا أحد يمكنه التنبؤ بنهايتها. هناك مصاعب عديدة تسببت فيها جائحة كورونا على المستوى العالمي، ومن تلك المصاعب الارتفاع الكبير الذي تشهده أسعار بعض السلع والمواد الأساسية، والمرجح لأن يستمر بعض الوقت، مما قد يتسبب في مشاكل عديدة لكثير من دول العالم، وخاصة الفقيرة منها.

هذه الوضعية الصعبة جدا، والتي تمرُّ بها أغلب دول العالم، تفرض علينا في هذه البلاد أن نتخذ ما يلزم من إجراءات لمواجهتها، وخاصة في الشق المتعلق منها بالارتفاع المتصاعد في أسعار بعض السلع والمواد الأساسية. تزداد الحاجة لاتخاذ مثل هذه الإجراءات بعد موسم الخريف لهذا العام، والذي اتسم ـ حتى الآن ـ بنقص كبير في تهاطل الأمطار.

هذه 12 نقطة قد تفيد في مواجهة الغلاء، ثلاثة منها يمكن اعتبارها إجراءات فورية من المهم أن يتم اتخاذها في أسرع وقت (المدى القصير)، وثلاثة منها يمكن اعتبارها إجراءات إستراتيجية يمكن اتخاذها على المدى المتوسط والطويل. أما النقاط الست المتبقية فهي عبارة عن إجراءات موازية بدونها لن تكون الإجراءات الفورية ولا الإستراتيجية فعالة. ثلاثة من هذه الإجراءات الموازية تتعلق بحسن التسيير والشفافية، والثلاثة الباقية تتعلق بالخطاب الإعلامي والإرادة السياسية.

الإجراءات الفورية (قصيرة المدى)

1 ـ بعث الشركة الوطنية للإيراد والتصدير (سونمكس)، أو إنشاء شركة وطنية أخرى تُعنى باستيراد المواد الأساسية والضرورية وتعمل على توزيعها وبيعها للمواطنين دون أرباح، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق دكاكين مثل دكاكين أمل؛

2ـ المزيد من الاهتمام بالفئات الهشة، والعمل على زيادة أصحاب الرواتب الدنيا.

3 ـ ضبط وتنظيم السوق، والعمل على كسر احتكار استيراد بعض المواد الأساسية من طرف عدد قليل من التجار، فحسب بعض الدراسات فإن هامش أرباح التجار في بلادنا ما زال مرتفعا جدا بسبب الاحتكار وفوضى السوق، وقد يصل في بعض الأحيان إلى 50% من السعر. هذا الهامش الكبير قد يسمح بتخفيض أسعار بعض المواد مع المحافظة على  أرباح معقولة للتجار.

هاتان فقرتان مع تصرف بسيط ترجمهما المهندس أبوبكر أحمد من تقرير نشره البنك الدولي بالانجليزية في العام 2017، والتقرير يتحدث عن أسباب الفقر في موريتانيا، والتي كان في مقدمتها ارتفاع أسعار المواد الغذائية حسب التقرير.

الفقرة الأولى : " الأسعار المحلية للقمح والأرز في نواكشوط أعلى بكثير من الأسعار العالمية. في الفترة ما بين 2004-2016، كان متوسط سعر القمح ودقيق القمح في نواكشوط أعلى بنسبة 73% و130% من الأسعار العالمية ، بينما بلغ متوسط الفجوة في الأرز 92 % و 134 %."

الفقرة الثانية : " يكشف تحليل تركيبة تكلفة القمح والأرز المستورد في نواكشوط في عام 2014 أن أكثر من نصف سعر التجزئة يمكن أن يُعزى إلى هوامش ربحية للتجار الموزعين، بينما تلعب التعريفات والضرائب وتكاليف الحمالة والنقل دورًا ثانويًا فقط.

على الرغم من أن نظام استيراد المواد الغذائية يبدو ليبراليًا وشفافًا، إلا أن الأسعار المحلية والتي تتأثر بهوامش ربح المستورد تشير إلى أن القطاع، من الناحية العملية، تهيمن عليه لوبيات المصالح ويتأثر بممارسات غير تنافسية." 

الإجراءات الإستراتيجية (متوسطة أو طويلة المدى)

1 ـ العمل بشكل جدي و مدروس للنهوض بالزراعة حتى توفر اكتفاءً ذاتيا في مجال الحبوب والخضروات، ولمَ لا حتى تصبح بلادنا من مصدري الحبوب والخضروات إلى الخارج؛

2 ـ العمل بشكل جدي ومدروس على تطوير قطاع الصيد البحري وجعل السمك مادة تستهلك بشكل يومي في كل بقاع موريتانيا : تحت الخيمة وداخل الكوخ والعريش، أينما كانت تلك الخيمة والكوخ والعريش؛

3 ـ العمل بشكل جدي ومدروس للاستفادة من ثروتنا الحيوانية، وذلك من خلال العمل على تصدير اللحوم الحمراء، وتحقيق اكتفاء ذاتي في مرحلة أولى من المنتجات الحيوانية ( الألبان ومشتقاتها؛ الجلود)، والعمل على تصدير تلك المنتجات في مرحلة ثانية؛

الإجراءات الموازية في مجال الشفافية وحسن التسيير

1ـ محاربة الفساد بشكل صارم؛

2ـ إعادة النظر في ملف التعيينات والعمل على أن تكون الأولوية في التعيين لأصحاب الكفاءة المشهود لهم بالاستقامة؛

3ـ هناك قطاعات ومؤسسات يجب أن يتم التعامل معها بصرامة أكبر، ويجب أن يكون الاهتمام بها في مجال التعيين والرقابة يختلف عن بقية القطاعات والمؤسسات، وذلك لحساسيتها ولأهمية الخدمات التي تقدم أو الأدوار التي تقوم بها. ومن تلك المؤسسات والشركات يمكننا أن نذكر شركتي الماء والكهرباء، أما على مستوى القطاعات فيمكن أن نذكر: التعليم؛ الصحة؛ التشغيل.

الإجراءات الموازية في مجالي الخطاب الإعلامي والإرادة السياسية

1 ـ وضع خطة إعلامية تهدف إلى إطلاع المواطن على الصعوبات التي يعيشها العالم اليوم، وخاصة ما يتعلق منها بالارتفاع الكبير في أسعار بعض المواد والسلع الأساسية؛

2 ـ إطلاع المواطن على أهمية الإجراءات التي سيتم اتخاذها، ذلك أن شعور المواطن بأن هناك إجراءات تم اتخاذها لصالحه هو أمرٌ مهم جدا. لابد من اتخاذ إجراءات فعلية للتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار، ولابد في الوقت نفسه من العمل على خلق شعور قوي لدى المواطن بأهمية تلك الإجراءات التي اتخذت لصالحه.

3 ـ تبقى النقطة الأهم في هذه النقاط، وقد أخرتها لأهميتها، تتمثل في ضرورة تدخل فخامة رئيس الجمهورية بشكل مباشر في ملف ارتفاع الأسعار، وإظهار وجود إرادة سياسية عليا تهتم وتتابع ـ أولا بأول ـ كل التفاصيل المتعلقة بارتفاع الأسعار، وكذلك كل الإجراءات المتخذة للحد من تأثيراتها السلبية على القدرة الشرائية للمواطنين من أصحاب الدخول المتدنية.

حفظ الله موريتانيا...