الأربعاء، 1 يوليو 2026

بيان من حملة معا للحد من حوادث السير


تُثمن حملة "معا للحد من حوادث السير" الإجراء الذي أعلنت عنه سلطة تنظيم النقل الطرقي، والقاضي بعدم منح إذن خروج لحافلات النقل العمومي غير المزودة بمثبتات السرعة، ابتداءً من فاتح يوليو 2026. وتعتبر الحملة أن هذا الإجراء يشكل خطوة مهمة في اتجاه تعزيز السلامة الطرقية، والحد من حوادث السير الناجمة عن السرعة المفرطة.

وتذكِّر الحملة بأن إلزام الحافلات بمثبتات السرعة شكَّل أحد أبرز مطالبها منذ أواخر العام 2018، بعد حادث أغشوركيت الأليم الذي تعرضت له إحدى حافلات أكبر شركة نقل في البلاد يوم 11 نوفمبر 2018، وأدى إلى وفاة 11 راكبًا بشكل فوري. وفي يوم 27 ديسمبر 2019، تقدمت الحملة برسالة إلى وزارة التجهيز والنقل تطالب فيها بإلزام حافلات النقل العمومي بين المدن بتركيب مثبتات السرعة، وقد تلقت بشأنها ردا رسميا بتاريخ 3 يناير 2020، تضمن تعهد الوزارة بإلزام شركات النقل بتركيب هذه الأجهزة. ولأن التعهد لم ينفذ، وجهت الحملة رسالة إلى وزير التجهيز والنقل في يوم 29 سبتمبر 2022، ذكّرت فيها بالتعهد السابق، وطالبت بالمسارعة إلى تنفيذه.

ويسرُّ الحملة ـ وهي تُحَضِّر لتخليد ذكرى تأسيسها العاشرة ـ أن ترى أحد مقترحاتها الرئيسية يجد طريقه إلى التنفيذ، بعد سنوات من المتابعة والمراسلات والدعوة المتواصلة إلى العمل به.

والحملة إذ تجدد ترحيبها بهذا الإجراء المهم الذي طال انتظاره لست سنوات، فإنها تنبه إلى أن التطور الكبير الذي شهدته السنوات الأخيرة في أنظمة التتبع والرقابة الذكية المعتمدة على الشرائح وتقنيات تحديد المواقع، يدعو إلى التفكير في اعتماد هذه الأنظمة باعتبارها حلا أكثر شمولا وملاءمة لعصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وهي ـ بالإضافة إلى ذلك ـ تنسجم مع توجه الدولة نحو التحول الرقمي. فهذه الأنظمة لا تقتصر على مراقبة السرعة فحسب، بل تتيح كذلك رصد ساعات القيادة، وإرسال تنبيهات فورية عند المخالفات، وبناء قواعد بيانات دقيقة تسهم في تحسين جودة القرارات، وتعزيز فعالية الرقابة، والحد من حوادث السير على مختلف محاور الشبكة الطرقية.

وفي هذا السياق، تعلن الحملة أن فريق المهندسين المتطوع لديها يواصل العمل منذ فترة على تطوير منظومة رقمية متكاملة للسلامة الطرقية من خلال "تطبيق سلامتي"، الذي يهدف إلى توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الوقاية من حوادث السير، وتوفير حلول رقمية عملية تدعم جهود السلطات العمومية وكافة الفاعلين في مجال السلامة الطرقية.

وتؤكد الحملة، في ختام هذا البيان، استعدادها الكامل للتعاون مع الجهات الحكومية وكافة الشركاء في كل ما من شأنه أن يحدَّ من حوادث السير، ويقلل من خسائرها البشرية والمادية الجسيمة، حفظا للأروح وصونا للممتلكات.

نواكشوط، بتاريخ: 1 يوليو 2026

حملة معا للحد من حوادث السير

عشر سنوات بلا مقر ( الحلقة الثانية: حملات معا)


في ضحى يوم الأحد الموافق 7 أغسطس 2016، ومن حفرة بالغة الخطورة تقع على الكلم 29 من طريق الأمل، أطلق ثمانية أشخاص أول نشاط ميداني لحملة معا للحد من حوادث السير، وتمثل هذا النشاط في ردم وترميم تلك الحفرة. 

هكذا ظهرت حملة معا للحد من حوادث السير في أول إطلالة ميدانية لها، وقبل ذلك بأيام،  قرر ستة أشخاص، يمكن وصفهم بالأعضاء المؤسسين، أن يطلقوا أنشطة للحد من حوادث السير، وذلك بعد أن سُجِّل في تلك الفترة عدد من الحوادث الأليمة، كانت من بينها حوادث راحت ضحيتها أسر كاملة.

مرَّت عشر سنوات تقريبا على الانطلاقة، والتحق بالحملة عدد كبير  من النشطاء، غالبيتهم شباب، فتباينت مساهمات المنخرطين بين من يشارك في نشاط أو نشاطين، ومن يُشارك في موسم أو موسمين ثم  تشغله مشاكل الحياة. ومن بين كل الذين مروا بالحملة صمدت ثلة من الشباب، يمكن أن نصفها بفريق العمل الميداني للحملة. ومن أبرز ما يميز هذا الفريق أنه على استعداد تام للنزول إلى الميدان في أي وقت، والعمل في ظروف بالغة الصعوبة، حيث لا يوجد مقر، ولا موارد، ولا شركاء داعمين، ورغم ذلك فقد استطاع هؤلاء الشباب أن يتركوا أثرا طيبا، خلال عقد من الزمن قضته الحملة بلا مقر.

من التصور إلى الميدان

عزيزي القارئ والمتابع لأنشطة حملة معا للحد من حوادث السير، إن كل ما تريد أن تعرفه عن رؤية الحملة، ورسالتها، وفلسفتها في العمل، ستجده في تسميتها وأنشطتها الميدانية، ويكفي هنا أن نجيب على سؤال واحد لتعرف كل شيء عن الحملة.

لماذا "حملة" ولماذا "معا"؟

يندر في بلادنا إطلاق اسم "حملة" على الأنشطة غير السياسية ذات الطبيعة الانتخابية، ولذلك، ورغم مرور عشر سنوات تقريبا على اختيارنا لهذه التسمية، فما زال الإعلام يرفض تسميتنا بالحملة، فهناك من يطلق علينا جمعية أو منظمة معا للحد من حوادث السير، وهناك من يطلق علينا مبادرة معا للحد من حوادث السير. لقد اخترنا تسمية هذا المشروع التوعوي الطموح بالحملة ليبقى مفتوحا في كل الأوقات أمام الجميع، فالحملات ليست حكرا لأصحابها، ويمكن لكل مهتم أن يشارك فيها بما يشاء وكيفما شاء، هذا أولا. أما ثانيا فإن لكل حملة مواسم، تكثف فيها الأنشطة، ومواسم حملتنا معروفة، فهي المواسم التي تكثر فيها الحوادث: فصل الخريف، أيام الأعياد، فترات الانتخابات والمهرجانات.

وبخصوص كلمة "معا"، فإن الرسالة أوضح وأفصح، وقد اخترنا كلمة "معا" لسببين اثنين:

الأول: إن المسؤولية فيما يقع على شبكتنا الطرقية من مجازر يومية، لا تتحمله جهة واحدة. صحيح أن السلطة تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية، لكن الصحيح أيضا أن السائق، والراكب، والمشاة، والمسجد، والإعلام، والمدرسة، والأسرة، والمجتمع بكامله، يتحملون هم كذلك جزءا من المسؤولية. لقد أردنا أن تكون كلمة "معا" إقرارا بالمسؤولية المشتركة، قبل أن تكون دعوةً للعمل المشترك، ولذا فقد رفعنا في أحد مواسمنا التوعوية شعار "حوادث السير: الكل متضرر.. الكل مسؤول". لقد رفضنا رفع شعارات جذابة ومريحة لنا من قبيل "أوقفوا حوادث السير" أو "أوقفوا مجازر الطرق"، لأن من يطلق تلك الشعارات يحمل المسؤولية لجهة واحدة، ويوهم نفسه أنه بريء مما يحدث ، وأنه بالتالي غير معني بالمشاركة والمساهمة في الحل.

الثاني: أننا كنا نستحضر عند الانطلاقة بصفتنا أعضاء مؤسسين، منظومة متكاملة من المبادرات التوعوية. كان التصور لدينا في ذلك الوقت أننا سنطلق في كل عام حملة توعوية جديدة للمساهمة في حل واحدة من "كبريات المشاكل" التي تعاني منها بلادنا. وعلى هذا الأساس فقد خصصنا العام 2016 للتوعية ضد حوادث السير، فأطلقنا حملة "معا للحد من حوادث السير"، وكنا نخطط لأن نخصص العام 2017 للتوعية ضد الجريمة مثلا، فنطلق حملة "معا للحد من الجريمة"، وفي العام 2018 نشتغل على التوعية ضد المخدرات، فنطلق حملة "معا ضد المخدرات"، وفي العام 2019 نطلق حملة ضد الأغذية الفاسدة والأدوية المزورة، فنطلق حملة "معا لحماية المستهلك"، وهكذا...

لقد اكتشفنا مبكرا أن ملف حوادث السير أخطر وأكثر تعقيدا من أن تكفيه سنة واحدة، ولا حتى عقد واحد، فالتوعية ضد حوادث السير، تحتاج إلى عمل متواصل، ونفس طويل، وجهد يتراكم لسنوات وربما لعقود، ولذا فقد استمرت حملتنا للحد من حوادث السير لعشر سنوات دون إطلاق حملة أخرى، وتمكنتُ أنا من بين كل الأعضاء المؤسسين من الصمود لعقد كامل مع الشباب في الميدان، ومع ذلك، فلا أخفيكم أني بدأتُ أفكر فعلا في تخفيف حضوري في الحملة بعد موسمها العاشر، وسأكتفي في العقد القادم، إن كتب الله لي الحياة، وإن راى الشباب ذلك، أن ألعب دورا استشاريا أو إشرافيا عن بعد، فمأموريتين من خمس سنوات لكل مأمورية تكفيان، وأنا سأكمل مأموريتي الثانية كمنسق للحملة في السابع من أغسطس القادم.

لقد أصبح للحملة شبابها الرائع، وربما يكون أداؤه أفضل من أدائنا نحن الجيل المؤسس، ثم إننا في الحملة نشتغل حاليا على إطلاق منظومة رقمية متكاملة في السلامة الطرقية، تماشيا مع عصر الرقمنة، إن وجدنا دعما لذلك، وجيل الحملة من الشباب المتطوعين سيكون أكثر قدرة على تطويع الرقمنة في مجال السلامة الطرقية من مؤسسيها الكهول.

لن أترك الحملة بشكل كامل، ولكن لدي العديد من المجالات الأخرى التي أتطوع فيها، والتي تستحق اهتماما أكبر، وفي خطتي الشخصية للسنوات القادمة، سيكون تركيزي بإذن الله، على ترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيزها أكثر من أي مجال آخر، وذلك نظرا للحاجة الكبيرة لتأسيس دولة المواطنة.

تشتيت الجهود أم محاولة لسد الثغور؟

ينتقدني البعض بسبب انشغالي بعدة مجالات في وقت واحد، ويرى أولئك المنتقدين أن في ذلك تشتيتا للجهد والوقت. بكل تأكيد إن التركيز على ملف واحد سيكون هو الأنجع والأعمق أثراً. ويمكنني أن أزيد منتقدي ببيت من الشعر، فأنا من الذين ينصحون الشباب في الدورات التدريبية بضرورة التخصص في مجال واحد، حتى يراكموا فيه خبرة، ويتميزوا فيه. وأنصحهم دائما بعدم تشتيت الجهد والوقت والتركيز. إن المشكلة التي تجعلني لا أتقيد بما أنصح به الآخرين من عدم تشتيت الجهد، هي أني أعاني من "حالة مرضية" يبدو أنها سترافقني طويلا، مع أنها ترهقني كثيرا، تجعلني لا أستطيع أن أبقى متفرجا على خلل ما، لا يجد من يهتم بتصحيحه أو إصلاحه. لم يكن بإمكاننا كأعضاء مؤسسين أن نواصل التفرج على مجازر الطرق اليومية دون أن نتحرك توعويا على الأقل، وضمن دائرة المتاح التي تحدثنا عنها في الحلقة الأولى من هذه السلسلة.

إن هذا التشتت ليس ناتجا عن عدم الاقتناع بأهمية التخصص، وإنما هو محاولة لسد بعض الثغرات أو الثغور إذا شئتم، والتي لا تجد من يهتم بها، سدها بالحد الأدنى مما يُتاح لي القيام به.

إني اشتغل منذ سنوات في عدة مجالات:

1. التنمية البشرية: عبر "برنامج خطوة التدريبي" لاكتشاف وتنمية المواهب الشبابية.

2. محاربة الفساد:  من خلال "الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد".

3. التمكين للغة العربية:  تحت عنوان"الحملة الشعبية للتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية".

4. تعزيز قيم المواطنة: ضمن بنود "ميثاق المواطنة"، وهذا الملف الأخير أي تعزيز قيم المواطنة هو الذي سيرتكز عليه جهدي الأكبر في خطتي الخمسية الحالية.

إني من الذين يرون أن للاهتمام بالشأن العام ثلاثة مستويات تتفاوت كثيرا من حيث الأهمية والجدوى.

المستوى الأول: وهو الأهم والأصعب، أن تنزل إلى الميدان، وتبذل وقتك وجهدك ومالك لإصلاح خلل قائم بما تملك من وسائل، مهما كانت تلك الوسائل بسيطة.

المستوى الثاني: أن تنتج الأفكار، وتقدم المقترحات والحلول لمن يمتلك القرار والقدرة على القيام بالإصلاح.

المستوى الثالث: في حالة عدم التمكن من الاشتغال في المستوى الأول والثاني يتم الاكتفاء بنقد الواقع، والكتابة 

 والحديث عنه في وسائل الإعلام والفضاءات العامة. وهذا هو أضعف مستويات التدخل، وأقلها أثرا.

ختاما

نذكر بأن موسمنا التوعوي العاشر سيبدأ يوم السابع من أغسطس 2026، ونخطط إن وجدنا شراكات لتثبيت المزيد من المجسمات التوعوية على أهم المحاور الطرقية خلال هذا الموسم، وإطلاق منظومة رقمية متكاملة في السلامة الطرقية، وتنظيم نسخة جديدة من قافلة معا من أجل خريف آمن، هذا فضلا عن عقد ندوات ونقاشات حول نداء جوك للسلامة الطرقية والذي نعتبره يشكل خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا إن تم العمل به.

حفظ الله موريتانيا..

عشر سنوات بلا مقر (الحلقة الأولى: تحديات الانطلاقة)


بعد أربعة وأربعين يوما فقط، وتحديدا في السابع من أغسطس 2026، ستكمل حملة "معا للحد من حوادث السير" عشر سنوات من العمل التطوعي المتواصل خدمة للسلامة الطرقية في موريتانيا.

عشر سنوات كاملة من الأنشطة التوعوية، والوقفات التحسيسية، والزيارات الميدانية لمواقع الحوادث، وإطلاق القوافل، وتنظيم الندوات، وتقديم المقترحات، والمتابعة اليومية لحوادث السير والنشر عنها، وفي حالات نادرة جدا عقد شراكات أو تعاون، كل ذلك كان من أجل إنقاذ الأرواح وصيانة الممتلكات، من خلال الحد من حوادث السير في موريتانيا. 

عشر سنوات من العمل الميداني، استطعنا خلالها ـ وإلى حدٍّ ما ـ أن نجعل من ملف السلامة الطرقية قضية رأي عام وطني يتحدث عنها الجميع، وكان ذلك أحد أهدافنا الأساسية، فقد انطلقنا في فترة لم يكن فيها هذا الموضوع البالغ الأهمية يجد ما يستحق من اهتمام لدى الرأي العام الوطني.

عشر سنوات من العمل الميداني، في ظروف بالغة الصعوبة، لم نجد فيها من يدعمنا في أنشطتنا التوعوية الهادفة إلى الحد من نزيف الطرق الذي تضرر منه الجميع، فيصعب أن تجد اليوم أسرة موريتانية إلا ولها ذكريات أليمة مع حوادث السير، ومع ذلك ظل الإسهام المجتمعي في هذا الجهد محدودا للغاية، فنحن في الحملة لم نتمكن من عقد تعاون أو شراكة مع أي مؤسسة عمومية أو خصوصية إلا في حالات نادرة جدا، وفي نطاق محدود جدا.

 عشر سنوات من العمل في ظل تحديات قاسية، من حيث توفر الوسائل، ومن حيث تعاون الجهات المعنية بالسلامة الطرقية، وسأكتفي هنا بأن أكشف لكم أن الحملة منذ انطلاقها وحتى كتابة هذه السطور، لم تمتلك مقرا، ولكنها مع ذلك حاولت بوسائلها الذاتية أن تترك أثرا. 

إن هذه الحملة التي أصبح يعرفها آلاف الموريتانيين، والتي نزلت إلى الميدان في فترة كان الحديث فيها عن السلامة الطرقية محدودا جدا، لا تمتلك منذ تأسيسها وحتى اليوم، مقرا ـ حتى ولو متواضعا ـ يجتمع فيه أعضاؤها، ويحفظ أرشيفها، وتُحضر فيه أنشطتها.

الراجح أننا لو وجدنا خلال السنوات العشر الماضية دعما أكبر، وشراكات أوسع، ووسائل أكثر، لكانت نتائج الحملة أكبر بكثير مما تحقَّق على أرض الواقع. ومع ذلك، فإننا على قناعة تامة بأن للنجاح الذي يتحقق في ظل شح الوسائل طعما خاصا لا يعرفه إلا من عاش التجربة. فحين تنجح في تحقيق أثر ملموس رغم قلة الإمكانات، فإنك ستشعر بأنك انتصرت مرتين: مرة على المشكلة التي كنت تسعى لمعالجتها، ومرة على الظروف التي كانت تحاول أن تمنعك من القيام بواجبك.

لم يكن غياب المقر هو التحدي الأصعب الذي واجهته الحملة، بل كانت هناك تحديات عديدة أخرى، سنتوقف مع اثنين منها في هذه الحلقة الأولى، من هذه السلسلة التي سأنشرها بمناسبة التحضير لتخليد الذكرى العاشرة لانطلاق الحملة، وإطلاق موسمها التوعوي العاشر.

لم يكن بإمكان التحديات أن توقفنا مهما تنوعت وتزاحمت عن مواصلة هذا العمل العظيم، فكيف نتوقف، ونحن نعلم يقينا بأن حوادث السير لن تتوقف عن حصد الأرواح وإتلاف الممتلكات بشكل يومي؟

إن من أصعب تحديات الانطلاقة، أن العديد من السائقين كان يتعامل معنا بسلبية كبيرة، بل وبغضب في بعض الأحيان، عندما نسلمه قصاصة إرشادية أو نتحدث معه عن إجراءات السلامة الطرقية. كان العديد من السائقين، يطلب منا ترميم وإصلاح الطرق المتهالكة، بدلا من انشغالنا بالتوعية، بحجة أن تهالك الطرق هو السبب الأول في حوادث السير.

كان يطلب منا ذلك، معتقدا أن لنا صلة بالقطاعات الحكومية المعنية، وخاصة منها وزارة التجهيز والنقل، وفاته أن وزارة التجهيز والنقل ـ وهذا هو التحدي الثاني الذي واجهناه عند الانطلاقة ـ حاولت أكثر من مرة، أن توقف أنشطتنا عند نقطة تفتيش الدرك بتيفيريت (طريق الأمل)، وطلب بعض موظفيها من عناصر الدرك أن يطردونا ويوقفوا أنشطتنا التوعوية عند تلك النقطة، بحجة أن التوعية في مجال السلامة الطرقية يجب أن تبقى عملا رسميا حكرا للوزارة المختصة، والجهات الحكومية ذات الصلة بالملف.

العمل في دائرة المتاح

إن من أهم الدروس التي تعلمنا في الحملة بعد عشر سنوات من العمل الميداني في ظروف غير مواتية، هي أن العمل في دائرة المتاح سيبقى هو الطريق المضمون لتحقق إنجازات ملموسة. وهنا أود أن أوجه رسالة إلى نشطاء المجتمع المدني، مفادها أن الوسائل مهمة، ولكنها إذا غابت فذلك لا يبرر الانسحاب من الميدان، فنحن في الحملة لم ننسحب رغم غياب المقر وشح الوسائل، بل على العكس، واصلنا العمل في دائرة المتاح. وكما أقول دائما للشباب في الدورات التدريبية، إن من يشتغل منهم في دائرة المتاح، سيجد أن هذه الدائرة ستتسع أمامه شيئا فشيئا مع مرور الوقت، ومع بذل المزيد من الجهد، إلى أن يصل اتساعها إلى ما كان يعتقد عند الانطلاقة بأنه يدخل في دائرة المستحيل، وحينها سيجد أنه أصبح قادرا على التأثير في المجتمع، وبأنه قد أصبح بإمكانه أن يطرق باب المستحيل.

وفي المقابل، فإن عدم استغلاله للمتاح حاليا، اعتقادا منه بأن دائرته أصغر من طموحه، ومن الحد الأدنى المطلوب، فإن ذلك سيؤدي مع الوقت إلى انكماش دائرة المتاح، والتي ستظل تضيق وتنكمش حتى تختفي تماما، وحينها سيجد بأنه لم يعد له أي دور أو أي قدرة على التأثير في المجتمع، وأنه لم يعد من المتاح له إلا أن يبقى داخل دائرة العجز الكامل، يندب حظه، ويتفرج على ما يدور حوله دون أبسط تأثير.

وحتى لا أطيل عليكم، فسأكتفي بهذا القدر في الحلقة الأولى من هذه السلسلة التي ارتأيت أن أنشرها في إطار تخليد الذكرى العاشرة لانطلاق الحملة، والتي نحلم بأن نخلدها بأنشطة نوعية، إن وجدنا دعما أو شراكات تمكن من ذلك:

تثبيت ثلاثة مجسمات توعوية جديدة على المحاور الطرقية: نواكشوط – روصو، ونواكشوط – نواذيبو، ونواكشوط – أكجوجت، على غرار المجسم التوعوي المقام على طريق الأمل قرب واد الناقة.

إطلاق تطبيق في السلامة الطرقية يوفر للسائق تنبيهات صوتية عن الحفر والمطبات والألسنة الرملية والأشغال والمقاطع المتهالكة، التي تواجهه في طريقه، وهذا التطبيق يعمل دون الحاجة إلى الإنترنت.

إطلاق نسخة جديدة من قافلة "معا من أجل خريف آمن" تجوب مختلف ولايات الوطن، وتمر بمختلف المحاور الطرقية طوال شهر كامل من التوعية الميدانية.

تنظيم سلسلة ندوات حول "نداء جوك للسلامة الطرقية" باعتباره خريطة طريق متكاملة للحد من حوادث السير في بلادنا.

عشر سنوات مضت على الحملة بلا مقر، وبإمكانات محدودة، وبشراكات نادرة جدا، ولكنها مع ذلك تركت أثرا طيبا، ونعتقد أن ذلك الأثر كان يمكن أن يتسع أكثر لو حصلنا على شراكات ودعم. ما نرجوه اليوم هو شراكات ذات نفع عام، ودعما لرسالة توعوية هدفها، أن يعود المسافر إلى أهله سالما، وأن لا تفجع أسرة في أحد أفرادها، وأن يتناقص عدد حوادث السير في بلادنا بنسبة كبيرة جدا. 

يتواصل إن شاء الله..

السلامة الطرقية مسؤولية الجميع..

معا للحد من حوادث السير..

حفظ الله موريتانيا...