الاثنين، 29 سبتمبر، 2014

غاز وماء وطين وأشياء أخرى!!


لقد سمعت ذات مرة عن قصة رجل أعمال خليجي أصيب بمرض غريب وغامض لم يستطع كبار الأطباء في العالم أن يشخصوا مرضه، وبالتالي فقد عجزوا عن علاجه رغم أن رجل الأعمال المريض كان قد تردد على أشهر العيادات في العالم.
وتقول القصة بأنه في يوم من الأيام، بدأ الغاز يتسرب من غرفة المطبخ بمنزل رجل الأعمال المريض، وكان المريض يومها لوحده في المنزل، فما كان منه إلا أن أخذ يزحف إلى غرفة المطبخ ليوقف تسرب الغاز، ولكن الغريب أنه ما كاد يصل إلى غرفة المطبخ، ويستنشق شيئا من الغاز المتسرب من غرفة المطبخ حتى شعر براحة عجيبة لم يشعر بها منذ سنوات، ومنذ أن أصيب بذلك المرض الغريب.

وبعد تلك الحادثة الغريبة أصبح رجل الأعمال المريض كلما شعر بنوبة من نوبات مرضه الغريب اتجه فورا إلى المطبخ، ليسرب الغاز عن قصد،  وليجلس بعد ذلك وللحظات في المطبخ حتى يستنشق شيئا من الغاز المتسرب، وبعدها كان  يخرج من المطبخ وهو يشعر براحة عجيبة.
إن هناك سرا عجيبا وراء هذا المرض الغريب الذي لم يجد له صاحبه من علاج سوى أن يستنشق للحظات الغاز المتسرب من المطبخ!!
أتدرون ما هو هذا السر؟
تقول القصة بأن رجل الأعمال الخليجي هذا كان قد اشتغل في بداية حياته، ولثلاثة عقود كاملة في محطات لبيع الغاز المنزلي، ولما ترك صاحبنا تلك المهنة بعد أن أنعم الله عليه بمال وفير أصيب بذلك المرض الغريب...يبدو أن جسم رجل الأعمال الخليجي هذا قد تشبع بالغاز المنزلي في الصغر، ويبدو أنه في الكبر لم يعد يستطيع العيش بسلام بعيدا عن الغاز الذي تعود عليه جسمه في الصغر.
تذكرت هذه القصة التي لم أعد أذكر أين سمعتها، ولا متى سمعتها، تذكرتها وأنا أتأمل أحوال باديتنا التي تغيرت في العقود الأخيرة تغيرا كبيرا. لم تتغير البادية لوحدها، بل تغيرنا نحن أيضا، والحمد لله أن الله أنجانا مما ابتلى به رجل الأعمال الخليجي، فلو أننا ـ لا قدر الله ـ ابتلينا بما ابتلى به رجل الأعمال الخليجي لاحتجنا اليوم أن نشرب طينا مذابا حتى نشفى.
لقد تشبعت أجسامنا في الصغر بالطين وبأشياء أخرى. أنا هنا لا أقصد الطين الذي خلقنا منه، بل أقصد طينا آخر، طينا كان يخالط الماء الذي كنا نشرب منه في صغرنا.
في باديتنا، وفي مرحلة طفولتي، لم نكن نشرب من مياه الآبار في موسم الخريف، بل كنا نشرب من مياه البرك والمستنقعات التي خلفتها الأمطار.
وكانت مياه تلك البرك والمستنقعات تتحول في نهاية موسم كل خريف، وعندما يقل ماؤها، إلى طين سائل، والمصيبة أن تلك المياه التي كنا نشرب لم تكن فقط مجرد طين سائل، بل كانت طينا سائلا يخالطه بول الحيونات التي كانت تشرب من تلك البرك والمستنقعات (أبقار، إبل، حمير ، أغنام ...)، ويضاف إلى ذلك كله، أن كل من كان يذهب يوميا في "أرواية"  كان يغتسل من  ـ حتى لا أقول ـ في مياه تلك البرك والمستنقعات.
ولقد كان الواحد منا يضطر في بعض الأحيان لأن يغمض العين، ولأن يسد الأنف حتى لا يرى سواد الماء الذي يشرب، ولا المخلوقات الصغيرة التي تتحرك فيه (أزقلان)، وحتى لا يشم رائحة بول الحيوانات التي تنبعث بقوة من ذلك الماء.
كان سواد الماء يغلب بياض اللبن عندما يتم خلطهما في قدح واحد، ولا أذكر أي أهمية لذلك اللون الأسود الذي كانت تتلون به مياهنا بفعل مخالطتها للطين، لا أذكر لذلك السواد أي اهمية سوى أنه كان يقلل من بياض وجبة الأرز التي كنا نبتلعها ظهرا أو عصرا، والتي كان بياضها يزداد نصاعة عندما يخلط عليه اللبن الرائب (أشنين)، وهذه الوجبة كانت من أكثر الوجبات استعمالا، خاصة في الأيام التي لا يذبح فيها، والتي تغيب فيها بالتالي وجبة الكسكس باللحم عصرا، وكانت تلك هي وجبتنا الغذائية المفضلة.
ورغم أن هذه المياه لم تكن صالحة للشرب إلا أنها كانت تتحول إلى مياه نفيسة بين العاشرة صباحا والثانية عشر زوالا من كل يوم.
وحتى الآن لازلتُ أتذكر بعض تلك الاسر التي كانت تتمكن من ادخار جرعة ماء من الطين المذاب (ربع لتر،  أو نصفه، أو بلتر كامل في أحيان قليلقة) للأطفال الصغار حتى الموعد اليومي لقدوم "أرواية"، ولا زلتُ أيضا أتذكر تلك الأسر التي كان ينفد ماؤها في وقت مبكر، وحتى من قبل أن تطلع شمس اليوم الموالي. ولم تكن المسألة تتعلق بأن القرب التي كانت تمتلكها تلك الأسر بأكثر من قرب تلك الأسر التي كان ينفد ماؤها في وقت مبكر..فالمسألة كانت تتعلق فقط بحسن تسيير وتدبير للطين السائل الذي كان يسمى في باديتنا ماءً.
وكانت المصيبة في هذا الطين المسائل هي من بين أعظم المصائب التي تتكرر كثيرا في باديتنا، فكان كثيرا ما يشاغب حمار ما  فيسقط قربة أو قربتين على الأرض فيضيع ما فيهما من ماء، وكانت مثل تلك الحادثة تعتبر من الأحداث التي تشغل أهل الحي ليوم كامل.
لم يكن أهل البادية في زمن مضى يهمهم شكل ولا لون ولا طعم الماء الذي يشربون إلا عندما يتعلق الأمر بإعداد الشاي، فهنا كانوا يلجؤون إلى "أكَطيع" الماء، والذي كان يتم بعدة أساليب ووسائل أذكر منها الآن ( أقراص طبيةـ رماد ـ اسمنت ...)، وكانت تلك الوسائل  تمكن من تصفية الماء المخصص لإعداد الشاي وتحويله إلى ماء زلال.
الكثير من جيلي، ومن الأجيال التي سبقتنا ارتوت من  ذلك الماء، ولكن البعض منا ربما تجاهل ذلك، وربما هو الآن يحاول أن يتناساه، وكأنه وُلِد وهو يمتص رضَّاعة خًلط لبنها بماء معدني مصفى!!
بالطبع لم تعد باديتنا اليوم كما كانت بالأمس، فاليوم لا تكاد تخطو عدة خطوات إلا وصادفت في طريقك قنينة ماء معدني فارغة، أو قنينة كوكو كولا أو أشياء أخرى من ذلك القبيل.
إن باديتنا تتغير بشكل رهيب، وربما تشاهدون فيها وفي موسم خريف قادم شابا يجلس خلف طاولة نُصِبت تحت شجرة، وعلى الطاولة وضعت قطعة من "كرواساه" وكأس من قهوة، وربما يكتب لكم ذلك الشاب عبر صفحته الشخصية على الفيسبوك، وهو يرتشف رشفة من قهوته الصباحية : إني الآن في باديتنا الجميلة!! فعن أي بداية تتحدث يا هذا ؟!

وإلى حلقة أخرى عن البادية الموريتانية..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق