الأربعاء، 29 فبراير 2012

هذه استقالتي يا سيادة الرئيس!!



سيدي الرئيس،

 منذ عدة أشهر وأنا أفكر في تقديم استقالتي، وكنت مع كل مجلس أسبوعي للوزراء أفكر في تقديمها لسيادتكم، ولكن كانت تخذلني دائما الجرأة والشجاعة. وحتى لا تخذلني شجاعتي خلال مجلس الوزراء لهذا الأسبوع، الموافق 01 ـ 03 ـ 2012، فقد قررت أن أقدم لكم استقالتي مكتوبة عبر الصحافة المستقلة، والتي أعلم يقينا بأنها ستسارع في نشرها، ولن تقبل بحذفها إذا ما طلبت منها ذلك في وقت لاحق، وهو ما سأطلبه منها حتما، فقرار الاستقالة من الوزارة ليست بالقرار السهل، خصوصا بالنسبة لوزير مثلي، لم يكن يحلم في أي يوم من الأيام بأن يصبح أمينا عاما، أحرى أن يكون وزيرا لواحدة من أهم الوزارات في البلد.

سيدي الرئيس،
 لا بد أن أعترف في بداية هذه الاستقالة بأني مدين لكم بالنقلة الكبيرة التي عرفتها حياتي المهنية والاجتماعية، والتي لم تكن لتحدث لولا تعيينكم لي وزيرا في أول حكومة تشكلونها بعد انتخابات يوليو 2009، وهو التعيين الذي فاجأني قبل أن يفاجئ غيري، وهذا ما جعلني أتردد كثيرا قبل تقديم هذه الاستقالة، رغم ما كنت أعاني من ألم نفسي فظيع خلال الفترة الأخيرة من مزاولتي لمهامي الافتراضية في الوزارة. لقد كنت أتعذب كثيرا لأنكم لم تنصفوني يوما، وكنتم تُحَمِّلونني كل الأخطاء التي كانت تحدث في الوزارة، ولا تتوقفون عن شتمي في كل اجتماع للوزراء، بسبب أخطاء لا أعتقد بأني أتحمل لوحدي المسؤولية الكاملة في حدوثها. ومما كان يؤلمني أكثر، هو أني لم أكن قادرا على أن أرد على سيادتكم بشكل مباشر، ولا أن أقول لكم بأني ومنذ تعييني لم أشعر يوما بأني أمتلك صلاحيات وزير، لذلك فلم أكن قادرا على اتخاذ القرارات المناسبة وتنفيذها، من قبل أن تصلني تعليماتكم السامية باتخاذ تلك القرارات.

لقد كنت أشعر بأني مجرد سكرتير في الوزارة، ولا يحق لي أن أتصرف في أي شيء، دون أن تصلني تعليماتكم السامية. والحقيقة أني كنت راضيا بذلك، نظرا للراتب الكبير، وللسيارة السوداء الفاخرة، ولأشياء أخرى، لا أريد ذكرها في هذه الاستقالة. ولقد كنت على استعداد كامل ـ حتى لا ينقطع الراتب الكبير ـ لأن أتحمل مسؤولية كل الأخطاء التي كانت تحدث في الوزارة، أمام النواب، وأمام الصحافة، وأمام المواطنين، بل أني كنت على استعداد كامل لتحمل شتائمهم، ولكن أن أتحمل ذلك منكم أنتم، وفي كل أسبوع، فذلك مما لم يكن بإمكاني أن أتحمله، لأنه أمر لا يطاق، يا سيادة الرئيس. ولقد زاد الأمر تعقيدا بعدما قررتم أن تحدوا من مكالمتي الهاتفية، والتي كنت أشغل بها نفسي، في مكتبي الفاخر، خلال أوقات الدوام الرسمي، والتي كانت أوقات فراغ مطلق بالنسبة لي. سيدي الرئيس، لم يعد لديَّ ما أفعله في الوزارة، حتى المكالمات الهاتفية التي أدمنت عليها منذ تعييني وزيرا، لم يعد مسموحا لي بها، بعد أن أعطيتم أوامركم السامية بضرورة إيقافها.

وللأمانة فلا بد أن أعترف للتاريخ بأنكم لم تتدخلوا في أي يوم من الأيام في أي قرار اتخذه أو في أي مبادرة أقوم بها للصالح العام، لأني وببساطة شديدة لم أتجرأ في أي يوم من الأيام ـ ومنذ تعييني ـ على اتخاذ أي قرار، أو أي مبادرة من تلقاء نفسي. ولا أدري إن كنتم ستعترضون على أي قرار للصالح العام اتخذه، أم أنكم لن تعترضوا عليه، فذلك أمر غيب بالنسبة لي. وما أستطيع قوله هنا هو أني لم أتجرأ على اتخاذ مبادرة أو قرار، حتى في الأوقات التي كنتم تطالبونني فيها ـ مع غيري من الوزراء ـ بضرورة اتخاذ قرارات ومبادرات دون العودة لسيادتكم. لم يكن مظهركم ولا تعاملكم معي يشجع على اتخاذ القرارات من تلقائي نفسي، أو بالقيام بمبادرات نافعة. لم يكن مظهركم مشجعا، وربما يكون ذلك نتيجة لنظرة خاطئة، أو انطباع غير سليم، تولد لدي من خلال احتكاكي وتعاملي معكم. وربما تكون تلك هي حقيقتكم التي تحاولون إخفاءها، من خلال مطالبتنا نحن الوزراء باتخاذ قرارات والقيام بمبادرات دون العودة إلى سيادتكم.

ولقد عشت في الفترة الأخيرة في حيرة شديدة، لأني لم أكن شجاعا ولا جريئا حتى أمتحن سيادتكم، لأعرف إن كانت انطباعاتي عنكم صادقة أم كانت كاذبة. ولأني لم أعد قادرا على أن أظل وزيرا في ظل هذه الحيرة، وفي ظل هذا الكم الهائل من الشتائم، فلم يكن أمامي إلا أن أستقيل. وربما يصبح هذا القرار هو أهم قرار اتخذه في حياتي، خاصة إذا ما كنتم تفكرون حقا ـ حسب تسريبات بعض الصحف المستقلة ـ في إقالة بعض الوزراء، والذين ربما أكون أنا من بينهم. فساعتها سيكون بإمكاني أن أقول : بيدي لا بيدكم يا سيادة الرئيس..

مع كامل الود..

من خارج مبنى الحكومة الساعة الرابعة وخمس دقائق من مساء الأربعاء الموافق 29 ـ 02 ـ 2012

توقيع الوزير المعذب

 اعتذار : أرجو أن يعذرني بسطاء الناس الذين أكتب باسمهم رسائلي المفتوحة، لتخصيص هذه الرسالة المفتوحة لوزير معذب من حكومة التراكمات، وذلك لأن الوزراء هم أيضا بحاجة ماسة لمن يكتب عن معاناتهم، خاصة في أيامهم العصيبة هذه..

وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلاد، وإلى الرسالة المفتوحة رقم 27 إن شاء الله...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق