الثلاثاء، 22 نوفمبر، 2011

أخي ..غدا سألبس ثوبك!!


أخي العزيز،

عندما رأيتك من بعيد حسبتك وحشا مفترسا..

ولكني عندما اقتربت منك وجدتك إنسانا..

ولما اقتربت منك أكثر وجدتك أخي..

أخي العزيز،

لا تسألني لِمَ لم أفكر في الاقتراب منك قبل هذا اليوم؟ ولا تسألني لِمَ تركت نصف قرن من الزمن يضيع دون أن أفكر في الكتابة إليك؟ ولا تسألني لِمَ لم أفكر في الاعتذار لك قبل هذا اليوم؟ لا تسألني عن أي شيء من ذلك، فأنا لا أملك إجابة على الأسئلة التي قد تدور في خاطرك عندما تقرأ رسالتي هذه، إن كنت ستقرؤها أصلا.

لن ألومك يا أخي إذا مزقت رسالتي هذه، أو رميتها بعيدا، فلك الحق في أن تفعل ذلك. ولن ألومك إذا اعتقدت بأن عدم اقترابي منك، كل هذه المدة، ربما يكون بسبب أني كنت أعتبرك وحشا مفترسا. وربما تكون أنت أيضا قد اعتقدت بأني أنا لست بأخ لك، بل وأني لست بآدمي، وإنما أنا وحش مفترس.

إنه لشعور سخيف أن يعتقد الأخ بأن أخاه وحش مفترس.

أخي العزيز،

بإمكاني أن أبحث عن ألف عذر، لأبرئ نفسي. وبإمكاني أن ألوم أولياء أمورنا، وأن أحملهم المسؤولية الكاملة لهذا الجفاء الحاصل بيننا. وبإمكاني أن أقول لك بأنهم كانوا ـ ولوحدهم ـ هم السبب، في حصول القطيعة بيننا.فهم لم يشجعوننا على الاختلاط عندما كنا صغارا، وكانوا يضعون الحواجز بيننا. ففي المدرسة وضعوا حواجز بيني وبينك، فتربيتَ أنت وتعلمتَ على طريقة تختلف عن الطريقة التي تربيت أنا عليها. وتركوا الحواجز بيني وبينك تكبر وتكبر، ليزداد الجفاء بيننا أكثر فأكثر، لدرجة أصبحتُ أعتقد فيها ـ وأنا هنا لا أفشي سرا ـ بأن إخوتي الحقيقيين هم أبناء أقاربي من الأسر المجاورة لأسرتنا من الناحية الشمالية ، تماما كما أصبحت أنت تعتقد بأن إخوتك الحقيقيين هم أبناء أقاربك من الأسر المجاورة لها جنوبا.

لم أعد أتألم لآلامك، ولا أفرح لفرحك، رغم أني أتألم، بل وأبالغ ـ في أحيان كثيرة ـ في إظهار تعاطفي مع أقاربي من أبناء الأسر الشمالية.

وأنت أيضا لم تعد تتألم لآلامي، ولا تفرح لفرحي، رغم أنك تتألم، بل وتبالغ ـ في أحيان كثيرة ـ في إظهار تعاطفك مع أقاربك من أبناء الأسر الجنوبية.

فكم هو سخيف شعوري نحوك، وكم هو سخيف شعورك نحوي.

وبإمكاني أن أواصل لوم أولياء الأمور، وأن أتحدث عن أيام عصيبة رفعتُ فيها سلاحي في وجهك، كما رفعت أنت سلاحك في وجهي، ولم نتورع أنا وأنت أن نشهر السلاح، في وجه بعضنا البعض، حتى في وسط الحرم الجامعي.

بإمكاني ـ وكما كنت أفعل دائما ـ أن أحمل كل الأخطاء التي ارتكبت في حقك، أو تلك التي ارتكبتها أنت في حقي لأولياء أمورنا. بإمكاني أن أفعل ذلك، ولكني في هذه المرة، قد قررت أن أتحمل جزءا من المسؤولية، وأن ألوم نفسي بدلا من لوم أولياء الأمور، فقد لمتهم كثيرا، وانتقدتهم كثيرا.

أخي العزيز،

يؤسفني أن أقول لك، وبصراحة شديدة، بأني لم أحاول في أي يوم من الأيام أن أكسر الحواجز النفسية التي تفصل بيني وبينك، بل إني تركتها تكبر وتكبر حتى حجبتك عني، وحالت بيني وبين أن أراك على حقيقتك، فخلتك وحشا مفترسا.

لم أفكر في أي يوم من الأيام أن أتعرف عليك، أو أن أقترب منك أكثر، حتى لا أخالك وحشا. ولم أفكر في أي يوم من الأيام أن ألبس كما تلبس، رغم أن ثوبك و طريقة لبسك كانت تعجبني دائما.

وبالأمس فقط، قررت أن ألبس على طريقتك، وعندما قررت ذلك تكشفت لي حواجز كثيرة بيني وبينك، لم أحاول أن أحطمها يوما، رغم أنه كان من الواجب عليَّ أن أكون قد حطمتها منذ زمن بعيد.

بالأمس فقط، تكشفت لي أشياء كثيرة، لم أكن أتوقف عندها في العادة. فعندما قررت أن ألبس كما تلبس، اتجهت فورا إلى الأسواق المعهودة لبيع الثياب، لأشتري ثوبا كثوبك الجميل. بحثت في سوق العاصمة، وفي سوق "اكلينيك"، وفي أسواق أخرى، وفوجئت بأني لم أجد في كل تلك الأسواق محلا يبيع ثوبا كثوبك.

إنها الحواجز التي لم نحطمها، هي التي جعلت لك أسواقا خاصة بملابسك، وجعلت لي أسواقا خاصة بملابسي.

وعندما يئست من العثور على ثوب كثوبك في تلك الأسواق، قررت أن أذهب إلى سوق مقاطعاتك التي تسكن، فلابد أني سأعثر هناك على ثوب كثوبك.

وفي انتظار سيارة الأجرة، تذكرت بأني لم أزر ومنذ مدة طويلة مقاطعتك التي تسكن، تماما كما هو حالك أنت، فأنت أيضا لم تزر ومنذ زمن بعيد مقاطعتي التي أقطن فيها، هذا إن كنت قد زرتها أصلا.

توقفت سيارة أجرة أمامي، وكنت أنت تسوقها، ولم يفاجئني ذلك.فأنت تمارس النقل وفق مسار محدد، وترفض دائما أن تتجه بسيارتك نحو المقاطعة التي أسكن أنا فيها، رغم كثرة الركاب المتجهين إليها، تماما كما هو الحال بالنسبة لي. فلم يحدث بأن فكرت يوما في أن أذهب لمقاطعتك، حتى ولو وجدت ركابا على استعداد لأن يدفعوا أسعارا مغرية.

ولقد أصبح الركاب المتجهون إلى مقاطعتك لا يفكرون في إيقافي، إذا ما مررت بهم. كما أن الركاب المتجهين لمقاطعتي لا يفكرون في إيقافك إذا ما مررت بهم.

إنها الحواجز التي لم نحطمها، هي التي جعلت لسيارتك مسارا لا تحيد عنه، وجعلت لسيارتي مسارا آخر.

جلست في المقعد الأمامي بجوارك، لم أكلمك، ولم تكلمني. فكرت في أن أكسر الصمت الرهيب الذي يخيم علينا، كلما التقينا. وفكرت في أن أكسر الحواجز التي تحجبك عني، والتي لا تسمح لي برؤيتك على حقيقتك، حتى في تلك اللحظات التي أكون قريبا فيها منك، ولكنني فشلت.

لقد كانت مشكلتي أني لا افهم لغتك التي تتحدث بها، وأنت أيضا لا تفهم لغتي التي أتحدث بها، ولذلك لم يكن هناك مفر من أن أستسلم للحواجز، وأن أغرق في صمت عميق. وأنت أيضا ربما تكون قد فكرتَ فيما فكرتُ أنا فيه، ولكن اللغة، والحواجز، وأشياء أخرى جعلتك تغرق مثلي في صمت عميق.

لفنا صمت رهيب، كما كان يلفنا دائما إذا ما التقينا بشكل عابر.

لقد كنتَ قريبا مني، كما كنتَ دائما، ولكنك أيضا كنت بعيدا مني كما كنت دائما.

إنها الحواجز دائما، إنها هي التي جعلتك تكون بعيدا مني، وأكون بعيدا عنك، حتى في تلك الأوقات العابرة التي كانت تجمعنا فيها أمكنة عابرة.

كم أنت غريب يا أخي، وكم أنا غريب، وكم هي غريبة العلاقة التي تربطنا.

تركت السيارة واتجهت إلى السوق الفرعية من سوق السبخة، لأشتري ثوبا كثوبك. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أدخل فيها ذلك السوق المتخصص في بيع ملابسك. قابلتك هناك في أكثر من محل. كنت كلما دخلت محلا وجدتك هناك، تنظر إليَّ بنفس نظراتك المعهودة، والتي أصبحت أعرفها جيدا، إنها نظرات غريبة فيها شيء كثير من الحب، وشيء من الريبة، وشيء من الخوف، وشيء من الحيرة، وشيء من اللاشيء. هكذا تنظر إليَّ دائما، وهكذا أنظر إليك دائما.

ولابد أنك تفاجأتَ بوجودي هناك، فلم تكن تتوقع بأني سأدخل عليك في سوقك، ولم تصدق في البداية بأني أريد فعلا أن أشتري ثوبا كثوبك.

ولكني خيبت ظنك، واشتريت من عندك ثوبا، قبل أن أعود من حيث أتيت.

أخي العزيز،

في الغد، أي في يوم الأربعاء الموافق 23 نوفمبر 2011، سأرتدي ـ إن شاء الله ـ الثوب الذي اشتريتُ من محلك في سوق السبخة، وسأقف لساعاتين قرب ملتقى طرق "آفاركو"، من الساعة الثامنة صباحا، وحتى العاشرة، وذلك لكي يشاهدني أكثر عدد ممكن من الناس، وأنا ألبس ثوبك لأول مرة في حياتي.

وبالتأكيد سأجدك هناك بجانبي، تلبس ثوبي كما لبست ثوبك، وربما تكون أنت أيضا قد اشتريت ذلك الثوب من سوق لم تدخلها من قبل.

وسنكون سعداء في ذلك اليوم، نحن الثلاثة، أنا وأنت وأخينا الحرطاني، عندما نقف في مكان واحد، نرفع لافتة واحدة، من أجل وطن واحد، بمناسبة الذكرى 51 لعيد الاستقلال الوطني. سيكون مشهدنا رائعا بحق، وسيبعث في النفوس أملا.

وسيتفرج المارة على لافتتنا التي كُتب عليها:

3 دينهم 1

3 وطنهم 1

3 مصيرهم 1

3 ولكنهم شعب 1

أخي العزيز،

أريدك أن تكون بجانبي في ذلك اليوم، وأن تنضم معي لــ: "حركة 3 من أجل 1" والتي نريدها أن تحطم كل الحواجز التي تفصل بيني وبينك، أن تحطمها حاجزا، حاجزا...

تصبحون وأنتم أعضاء في "حركة 3 من أجل 1"...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق