الثلاثاء، 8 نوفمبر، 2011

كفانا "نعيما"... يا سيادة الرئيس!!


سيدي الرئيس،
لقد ارتأيت أن أكتب لكم رسالة جديدة، بعد استراحة دامت أكثر من ثلاثة أشهر، لم أكتب لكم خلالها عن أحوال الفقراء، ولا عن أحلامهم المتواضعة. واسمحوا لي في بداية هذه الرسالة المفتوحة أن أعتذر لكم، وأن أعتذر كذلك لمن أكتب باسمهم، عن هذه الاستراحة الطويلة، والتي فرضتها أسباب قاهرة، أخلت بالخطة التي أشتغل عليها، والتي كانت تفترض أن أكتب لكم ـ على الأقل ـ رسالة مفتوحة كل شهر.
سيدي الرئيس،
في هذه الرسالة الجديدة، لن أطلب منكم توفير طعام للجوعى، ولا دواء للمرضى، ولا وظائف للعاطلين عن العمل، ولا علف لمواشي المنمين، ولا توفير الماء والنقل في أحياء الترحيل، فتلك مطالب قد تكون صعبة التحقيق، وتلك مطالب لم يعد الفقراء يحلمون بتحقيقها، في عام "النعيم" هذا. لن أطلب منكم في هذه الرسالة إلا طلبا واحدا، قد يبدو لكم غريبا بعض الشيء. لن أطلب منكم إلا أن تخرجونا من "النعيم" الذي جعلتنا حكومتكم الموقرة نعيش فيه، وإن لم يكن ذلك ممكنا، نظرا لحبكم وشفقتكم علينا نحن الفقراء، فإننا نطلب منكم أن تجبروا "حكومة الأولويات"، "حكومة التراكمات" حسب تسميتي القديمة لها، أن تشاركنا وتتقاسم معنا هذا النعيم الذي نعيش فيه. ولن يتم ذلك إلا من خلال إصدار بيان رئاسي، على وجه الاستعجال، يتضمن القرارات التالية:
1 ـ تحويل مكاتب وزارة التجهيز والنقل، وعلى وجه السرعة، إلى مباني وزارة البيئة الواقعة أمام نادي الضباط. وتحويل سكن الوزير إلي مقاطعة "توجنين". والغرض من هذه العملية المستعجلة، أن يضطر وزير التجهيز لمشاركة المواطنين في الزحمة التي تحدث كل يوم، خاصة منها تلك التي تحدث عند ملتقى نادي الضباط. ومن المؤكد أن المشاركة الميدانية للوزير في زحمة السير، وبشكل يومي، ستكون هي أفضل طريقة لإجباره على حل مشكلة زحمة المرور، وربما تجعله يبتدع حلولا ثورية، تحد من ارتفاع أجرة التاكسي التي تضاعفت في الأيام الأخيرة، بسبب الزحمة التي وصلت إلى مستويات لا تطاق، خاصة قرب سوق العاصمة، وعند ملتقى نادي الضباط. واسمحوا لي هنا بأن أغتنم هذه الفرصة لأهنئ نفسي، وأهنئ شباب "ضحايا ضد الفساد" على تكريم شرطي متقاعد، افتقدناه كثيرا في أيام الزحمة هذه، وأقصد هنا رقيب الشرطة الأول "الشيخ صار"، والذي كنا قد اخترناه موظفا مثاليا للعام 2010.
2 ـ تحويل مكاتب وزارة المياه والصرف الصحي إلى "سوكوجيم"، مع تحويل سكن الوزير إلى هناك، واختيار أحد المنازل التي تحيط بها المستنقعات والمياه الراكدة من كل الجهات، ليكون سكنا دائما للوزير، عسى أن يساهم ذلك في إيجاد حلول جذرية لمشكلة المياه المتعفنة والراكدة في ذلك الحي منذ مدة طويلة.
3 ـ طرد أبناء وزير الدولة للتهذيب، وأبناء الوزراء المنتدبين من المدارس الحرة، مع إجبار الوزراء الأربعة ( وزير الدولة + الوزراء المنتدبين الثلاثة) على تسجيل أبنائهم، في المدارس الحكومية، التي يدرس فيها أبناء الفقراء. هذا بالإضافة لإصدار قرار يُحَرم تسجيل أبناء وزراء التعليم، وأبناء كبار موظفي الوزارة، في أي مدرسة حرة، وذلك لكي ينعموا ويستفيدوا من ثمرة جهودهم، والتي كان من نتائجها هذا "التطور" الحاصل في التعليم الحكومي، والذي كثيرا ما تغنى به وزراء التعليم. فإذا كان التعليم العمومي قد شهد ثورة في السنوات الأخيرة، فليس من المنطق، وليس من العدل، أن يُحرم أبناء وزراء التعليم الذين قادوا تلك الثورة من نتائج جهودهم "الجبارة" و"المعتبرة" التي بذلوها في سبيل تطوير التعليم العمومي. أما إذا كان هذا التعليم قد ازداد سوءا في عهدهم، فهم أولى من غيرهم بأن يكتووا بذلك السوء.
4 ـ يكلف وزير التنمية الريفية بأن يقوم ـ وعلى وجه السرعة ـ بزيارات ميدانية للمنمين في الولايات الداخلية، دون أن يرافقه أي عسكري. ويجب أن تعطى الأولوية للولايات المتضررة أكثر من انخفاض مستوى الأمطار في هذا العام، وذلك لكي يقتنع الوزير بأن أحوال المنمين ليست بخير، وأن الأمور قد تخرج عن السيطرة. فإن عاد الوزير سالما، بعد جولته تلك، تم تكريمه وتوشيحه بأعلى وسام وطني. وإن لم يعد تم استبداله بوزير آخر، يكون على استعداد لأن يعترف بأن البلد قد يواجه كارثة كبرى، إذا لم يتم الاهتمام العاجل بالمنمين، خاصة في الولايات المتضررة.
5 ـ تمنح قطعة أرضية قاحلة وجرداء مساحتها 120م² لوزير الإسكان، في أحد أحياء الترحيل، ويتم إجباره على السكن هناك، مع حرمانه من أي سيارة شخصية. فالوزير أولى من غيره بالعيش في "نعيم" أحياء الترحيل، والذي كثيرا ما تغنى به بمناسبة وبغير مناسبة. ولا يسمح للوزير بالسكن خارج نعيم أحياء الترحيل، إلا أثناء عطلته السنوية، والتي يمكن له أن يقضيها ـ إذا ما أراد أن ينعم بنعيم آخر ـ في أفخر قصر يقع عليه اختياره في إحدى مدن موريتانيا الجديدة: " ترمسه" أو "انبيكت لحواش" والتي قال عنها الوزير ـ أكثر من مرة ـ بأنها أصبحت مدينة عصرية، تتوفر فيها كل مستلزمات الحياة العصرية!!!
6 ـ يُحْرَمُ وزير الصحة، وكل أفراد عائلته، وكل العاملين في الوزارة من أطباء، ومن موظفين كبار من العلاج في أي مصحة خاصة، لا في الداخل ولا في الخارج، في حالة تعرض أي واحد منهم للإصابة بأي مرض مهما كانت طبيعة ذلك المرض. ففي حالة التعرض لمرض شديد، يسمح لهم بالعلاج في أحد المستشفيات الحكومية. أما في حالة الإصابة بمرض عادي، فعليهم أن يستجيبوا لتعليماتكم السامية، وأن يكتفوا بالتداوي في أحد المراكز الصحية، حتى يخففوا من الضغط على المستشفى الوطني.
7 ـ سحب ملف الحج والحجاج من وزارة التوجيه الإسلامي، وإلحاقه بالوزارة المنتدبة للبيئة، وذلك لكي لا نستمر في فضح علماء البلد أمام حجاج العالم الإسلامي، وفي أعظم الأيام عند الله. ففي موسم الحج لهذا العام، أثبتت "حكومة الأولويات"، "حكومة التراكمات" سابقا بأنها تسعى فعلا لسعادة المواطنين في الدنيا، وفي الآخرة. وأنها تريد لمواطني بلدها أن ينعموا في الآخرة كما نعموا في الدنيا، لذلك أجبرت وزارة التوجيه الإسلامي حجاجنا على المشي على أقدامهم مسافات طويلة، في الأراضي المقدسة، وذلك لكي تتضاعف حسناتهم. إن موسم الحج أصبح مناسبة للإساءة في كل عام إلى وزارة التوجيه الإسلامي، وإلى العلماء التابعين لها. لذلك فإني أقترح عليكم أن تلحقوا ملف الحج ـ في البيان الرئاسي المنتظر ـ بمشروع غرس مليون شجرة. وإذا ما حدثت فضيحة في المستقبل أثناء موسم الحج، وهي لابد أن تحدث، كان بإمكانكم أن تنتقدوا وزير البيئة والإعلام الرسمي، أمام المواطنين، ودون أن يترتب على ذلك الانتقاد أي إجراء عقابي مهما كان حجمه. تماما كما حدث خلال تفقدكم لمشروع غرس الشجر، والذي انتقدتم خلاله وزير البيئة ، والإعلام الرسمي، مما جعلنا نتوقع بأنكم ستتخذون إجراءات عقابية وفورية في صبيحة اليوم التالي، وهو الشيء الذي لم يحدث، حتى كتابة هذه الرسالة. وبالمناسبة فنقد الحكومة من مهام الشعب بنخبه وعامته، وليس من مهامكم يا سيادة الرئيس. فأنتم تملكون صلاحيات واسعة، يجب أن لا يكون سقفها ينتهي بانتقاد وزير البيئة، والصحافة الرسمية من فوق كثبان رملي، وأمام مجموعة من المواطنين، ودون أن يترتب على ذلك الانتقاد أي إجراء مهما كانت بساطته. وكأن الذي انتقدهم، في ذلك اليوم، هو العبد الفقير لله كاتب هذه الرسالة المفتوحة.
8ـ يتم إجبار وزير الاتصال على أن يداوم، ولشهر كامل على قراءة يومية الشعب، وعلى الاستماع للإذاعة، ومشاهدة التلفزيون وبرامجه، دون السماح له بمتابعة أي وسيلة اتصال أخرى، مرئية كانت أو مسموعة أو مكتوبة، وذلك لكي ينعم هو أيضا بالنعيم الذي يعيش فيه فقراء هذا البلد، عبر الأثير. وبعد اكتمال شهر من اعتكاف الوزير مع الإعلام الرسمي، يتم إخضاع الوزير لامتحان كتابي، يضم مائة سؤال عن وضعية المواطنين في الداخل، وعن الحالة في الخارج. فإن أجاب الوزير بشكل صحيح على عشرة أسئلة فقط، تم الاحتفاظ به وزيرا للاتصال، وإن أجاب على عشرين تم توشيحه بأعلى وسام وطني.
9ـ إجبار وزير التجارة على أن لا يستهلك إلا المواد التي تباع في دكاكين التضامن، خاصة منها تلك التي قيل بأنها منتهية الصلاحية. ويتم تكليف أحد أفراد عائلته، بأن يقف يوميا في الطابور الطويل، ليشتري استهلاك الأسرة اليومي، من أحد دكاكين التضامن.
سيدي الرئيس،
لا شك أن الفقراء الذين انتخبوكم، ستغمرهم سعادة كبيرة، في هذا العام العصيب، لو أنكم ـ وعلى وجه السرعة ـ أصدرتم مثل هذا البيان الرئاسي، والذي لا يحتاج إصداره لموارد مالية، قد لا تكون متوفرة، ولا لجهود خارقة. إن هذا البيان سيجبر وزراء "حكومة الأولويات"، "حكومة التراكمات" سابقا، على أن يشاركونا في "النعيم" الذي نعيش فيه. فنحن لا نرضى ـ وهذا من طيبتنا ـ أن نعيش في نعيم الترحيل، ونعيم الجفاف، ونعيم محلات التضامن، ونعيم المستنقعات، ونعيم ارتفاع الأسعار، ونعيم زحمة السير لوحدنا. ونحن يؤلمنا حقا، أن لا تشاركنا حكومتكم الموقرة العيش في مثل هذا النعيم، خاصة أنها هي التي بذلت جهودا "جبارة" و"معتبرة" لكي تجعلنا نعيش في هذا "النعيم"، والذي لم نعرفه له مثيلا من قبل، في ظل كل الحكومات السابقة، والتي كانت بدورها تجبرنا على العيش لوحدنا في نعيمها، تماما كما تجبرنا "حكومة الأولويات"، "حكومة التراكمات" سابقا، على العيش لوحدنا في نعيمها.
وفقنا الله جميعا لما فيه خير البلد، وإلى الرسالة المفتوحة الرابعة والعشرين، إن شاء الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق