السبت، 1 أكتوبر، 2011

يوميات شخص عادي جدا (2)

لا زلت أتذكر ذلك اليوم الذي رافقت فيه جدتي، رحمها الله تعالى، متوجها إلى معلم "اللوح" الجديد، والذي تقرر أن أتعلم على يده، بدلا من مواصلة الدراسة عند معلمة عجوز. كانت لها طريقة رائعة في التدريس، إلا أن مشكلتها عند الآباء، أنها كانت لا تضرب الأطفال إلا قليلا. واعتقد أن ذلك كان هو السبب الوحيد لتحويلي إلى المحظرة الجديدة.

كان منزل معلمنا الجديد يتكون من عريش واحد، يقع في أقصى جنوب المدينة. وكان من عادة تلاميذ المحظرة أن يستيقظوا في الثلث الأخير من الليل، ويتوجهوا بعد ذلك فرادى، ومثنى، وفي بعض الأحيان في جماعات صغيرة، إلى مكان الدرس.

وفي كل ليلة، كان يحدث تنافس شديد بين التلاميذ. فكان كل تلميذ يسعى لأن يكون هو القادم الأول إلى المحظرة، لأن من يأتي أولا، يكتب أولا، وبالتالي يغادر مكان الدرس أولا.

ولأن التلاميذ كانوا يأتون للمحظرة من قبل استيقاظ شيخها، فقد ابتدعوا طريقة ذكية يضبطون بها تسلسل وترتيب قدومهم. فكان أول القادمين من التلاميذ يتجه مباشرة إلى حيث ينام الشيخ، ليتمدد بجواره، دون أن يترك فراغا بينه مع الشيخ، مخافة أن يستغله أحد التلاميذ المتحايلين. وعندما يأتي تلميذ ثان فإنه يتمدد بجنب التلميذ الأول، ودون أن يترك هو بدوره أي فراغ، وهكذا. وعند استيقاظ الشيخ لصلاة الفجر، فإنه يقوم بإيقاظ التلاميذ، معلنا بذلك بداية يوم دراسي جديد، وأثناء عملية الإيقاظ تلك، يقوم بضبط ترتيب قدوم التلاميذ، حسب موقعهم في الصف الذي يبدأ بأول تلميذ وصل إلى المحظرة، وينتهي بآخر تلميذ يصل إليها.

هذا ما سمعته من التلاميذ الذين كانوا يشاركون في تلك المنافسة. أما أنا فلم أكن استيقظ إلا متأخرا، وكنت أجد صعوبة شديدة في الذهاب إلى اللوح قبل تناول الفطور. ولذلك فلم أكن أصل إلى المحظرة، إلا بعد طلوع الشمس، وبعد أن يكون أغلب التلاميذ قد أوشك على أن ينهي درسه، وبدأ يفكر في العودة إلى المنزل.

وبسبب وصولي المتأخر للمحظرة، فقد تعودت أن يستقبلني شيخها مع طلوع شمس كل يوم دراسي جديد، بعقوبة ثابتة، لا تتغير أبدا. فيها توبيخ، وضرب، وحبس. ولم يستطع المعلم رغم تكرار عقوبته تلك، أن يفرض عليَّ المجيء إلى المحظرة قبل طلوع الشمس، ولو ليوم واحد.

وبمرور الأيام، تحولت العقوبة الصباحية التي كان يستقبلني بها المعلم، إلى شيء عادي في حياتي. وكان أول شيء أقوم به بعد وصولي إلى المحظرة، هو أن أمد ذراعي للمعلم ليقوم بقرصها ثلاث مرات بطريقة مؤلمة ومزعجة جدا. وكان قرص الذراع، يمثل الجزء الأول من أجزاء العقوبة، في حين كانت تمثل عملية الحبس، الجزء الأخير منها.

ولقد تعود معلمنا أن يذهب في ضحى كل يوم، بعد نهاية الدرس، إلى سوق المدينة، وكان يتركني في العريش مقيدا بسلاسل من حديد، رفقة تلميذ آخر، لم يكن سجنه بسبب التأخر في الحضور، وإنما كان بسبب صعوبة في النطق، كان يعاني منها في صغره.

لم أفكر أنا ورفيقي، في أن نستغل فرصة غياب الشيخ، وأن نفك عنا القيود أثناء غيابه، وأن نعيدها قبل عودته بدقائق، وقد كان توقيت عودته معلوم لدينا.

لم نفكر في ذلك، إلا بعد أن زارنا في محبسنا طفل أكبر منا سنا، معروف بالشغب والطيش، وكانت له مشاكل سابقة مع شيخ المحظرة، انتهت بطرده من المحظرة.

حثنا الطفل الزائر على الثورة ضد معلمنا، وأبدى لنا استعداده الكامل للوقوف معنا، ودعمنا بكل ما يملك، حتى تنجح ثورتنا، وتُكلل بطردنا من المحظرة كما طُرد هو. ولقد نجح الطفل الزائر ـ وبسرعة كبيرة ـ في إقناعنا بضرورة الثورة على شيخ المحظرة، وعلى سلاسله الحديدية التي كان يقيدنا بها.

في البداية كانت مطالب وشعارات ثورتنا متواضعة جدا، ولكنها سرعان ما أخذت تتطور وتتصاعد بشكل مثير، كما هو حال الثورات العربية.

لم نكن نريد ـ وقت إعلاننا للثورة ـ إلا أن نتحرر من السلاسل الحديدية، لفترة مؤقتة، قبل أن نعود إليها عندما يقترب وقت عودة الشيخ من سوق المدينة.

ولكن بعد تحررنا من القيود، قررنا أن نرفع شعار "يوم بلا تدريس". وكانت وسيلتنا لفرض ذلك، هي أن نأخذ كل ما في صندوق شيخنا من مادة الصمغ، التي لابد منها لتهيئة مداد الدواة، هذا فضلا عن أخذ الموجود من السكر، والذي يستخدم كبديل، في حالة عدم توفر مادة الصمغ العربي.

فتحنا الصندوق، بطرقنا الخاصة، وأخذنا الموجود من المادتين. وكنا نفكر في رمي ما نهبنا من سكر وصمغ، بعيدا عن مكان المحظرة، إلا أن رؤية قطع السكر المغرية لنا كأطفال، جعلتنا نعدل الخطة قليلا. أخذنا نضع قطع السكر الكبيرة في الماء، لفترة وجيزة، ثم بعد ذلك نبدأ مصها حتى تذوب تماما. وكانت تلك هي أسهل وأسرع طريقة لابتلاع أكبر كمية من السكر، في أقل وقت. ولكنها كانت تسبب دائما لممارسيها انتفاخا شديدا. وهو ما حصل معنا، أنا ورفيقي، في مساء ذلك اليوم العصيب، من أيام طفولتنا.

بعد ذلك تطورت المطالب وأصبح المطلب الجديد: "التلميذان يريدان تسميم الشيخ وقتله".

في الأيام التي سبقت ثورتنا الحمقاء، تم قتل أفعى في المحظرة، وتم رميها ميتة فوق شجرة مجاورة. ذهبنا لتلك الشجرة بحثا عن الأفعى الميتة، وكنا نريد أن نضعها في القربة التي يشرب منها الشيخ، لتسميم مائها.

ومن لطف الله بنا وبالشيخ، أننا لم نعثر على الأفعى المقتولة، لذلك قررنا أن نجمع بعض الأوساخ والقاذورات، وأن نخلطها بالماء الموجود في القربة. وبعد أن أنهينا عملية الخلط، عدنا إلى السلاسل. فالخطة المرسومة من طرف الطفل الزائر، كانت تقول بأنه علينا أن ننتظر عودة الشيخ ليفك قيودنا، وليأذن لنا بالانصراف، فذلك سيبعد عنا أي شبهة. وسيكون بإمكاننا أن نقول بأن ما حدث، قد حدث بعد مغادرتنا للمحظرة.

عاد المعلم، واتجه كعادته إلى القربة، وصب منها ماءً باردا، كان يريد أن يطفئ به، ما يختزنه جسمه من حرارة يوم صيفي قائظ، من أيام مدينة "لعيون" المعروفة بحرارتها الفظيعة.

وما كاد المعلم يبتلع جرعة من الماء، حتى قال له رفيقي بأن الماء ليس صالحا للشرب، وبأني أنا المسؤول عن ذلك. لقد خُيِّل لرفيقي بسبب جبنه، بأن الشيخ قد فطن إلى أن الماء غير طبيعي، وهو ما جعله يوقعنا في ورطة كبيرة.

وما كان مني، بعد ذلك، إلا أن حدثت الشيخ بتفاصيل ما حدث بعده، بما في ذلك عملية البحث عن السم. وقلت له بأن كل ذلك قام به رفيقي، وبعون من التلميذ المطرود. وقلت له بأني أنا نهيتهما عن فعل ذلك، ولكنهما لم يستجيبا لي وضرباني.

لم يصدقني الشيخ، ولم ينتظرني حتى أكمل، بل انهال عليَّ وعلى رفيقي، وأخذ يضربنا ضربا مبرحا، قاسيا، لم نعهده من قبل . وقد غضب علينا الشيخ في ذلك اليوم غضبا شديدا.

منذ تلك الحادثة، بدأت أفكر في ترك اللوح، وأن أبدله بالمدرسة، والتي كنت أعتقد بأن التعذيب فيها، سيكون أخف بكثير من التعذيب في المحظرة.

ومع الافتتاح في ذلك العام، قرر الأهل تسجيلي في السنة الأولى من الابتدائية. وكان ذلك في شهر أكتوبر من العام 1973 ميلادي.

ولكن المفاجأة التي صدمتني كثيرا، هي أني تعرضت في المدرسة، ابتداءً من سنتي الثانية، إلى أنماط وأساليب من الضرب والتعذيب، جعلتني أحن كثيرا إلى معلم اللوح، وإلى أساليبه في التعذيب.

في السنة الأولى، لم أضرب إلا قليلا. وكان معلمنا في ذلك العام يمدحني كثيرا، وكان كثيرا ما يطلب من التلاميذ، أن يصفقوا لي كلما أجبت إجابة صحيحة. ولقد استطعت رغم صغر سني، أن أحصل على الرقم الأول في امتحانات الفصول الثلاثة.

وفي السنة الثانية، وبعد مرور شهر من الدراسة، حُوِّل إلينا مدير جديد لمدرستنا الابتدائية. ولقد استطاع المدير الجديد، وفي أيامه الأولى، أن يفرض نظاما صارما في المدرسة. فلم يكن بإمكان أي معلم أن يتأخر ولو لدقيقة واحدة،. ولم يكن بإمكان أي تلميذ أن يأتي للمدرسة من قبل أن ينظف وجهه، ويرتب شعره، ويعطر ثوبه. وكان استخدام الماء والصابون، في أيام الشتاء عملا شاقا لم يتعود عليه التلاميذ. ولكن مع المدير الجديد، لم يكن هناك مفر من القيام بذلك العام الشاق، صباح كل يوم دراسي، ومن قبل الذهاب إلى المدرسة.

كان المدير الجديد قاسيا، وخبيرا في أساليب التعذيب. وكان يبتكر في كل يوم تقنيات تعذيب جديدة، وأنماط لم تكن معروفة لدينا من قبل. ولسوء حظنا نحن تلاميذ السنة الثانية، فقد قرر المدير الجديد أن يتفرغ لتدريسنا دون غيرنا.

دخل علينا المعلم الجديد ذات صباح مشهود، ليخبرنا بأنه سيدرسنا بدلا من معلمنا القديم. وكان يحمل معه في ذلك اليوم سوطا مخيفا، وعصا غليظة، وسلاسل من حديد، وأشياء أخرى سيكشف عنها في وقت لاحق.

وضع المعلم الجديد السوط والعصا وسلاسل الحديد فوق الطاولة الخاصة به، ثم أشار إلينا بالجلوس بعد أن أمضينا عدة دقائق ونحن ننتظره وقوفا احتراما له.

خيم على الفصل صمت رهيب بعد جلوسنا، مرت لحظات بدت وكأنها دهر، لحظات ظل فيها المعلم الجديد واقفا أمام مكتبه دون أن يقول شيئا. كنت في تلك اللحظات أنظر تارة إلى السلسلة والسوط والعصا فأشعر بخوف شديد، وأنظر تارة أخرى إلى المعلم الجديد فأشعر بخوف أشد.

كان أول شيء نطق به معلمنا الجديد، هو أنه طرح علينا سؤالا فرحنا بطرحه كثيرا، لأنه من جهة قطع الصمت الرهيب الذي كان يخيم على القاعة، ولأنه من جهة أخرى كان سؤالا سهلا يمكن لكل واحد منا أن يجيب عليه.

ـ أيكم يعرف اسمي؟

رفعنا جميعا أيادينا، وكان كل واحد منا يتمنى أن يختاره المعلم الجديد للإجابة على هذا السؤال البسيط.

لم يفلح التلاميذ، الذين تم اختيارهم، في تقديم الإجابة التي كان يبحث عنها معلمنا الجديد. وتبين من خلال إجابات التلاميذ بأن المدير، والمعلم، وسيدي، وحتى الاسم الشخصي لمعلمنا الجديد ليست هي الإجابة المطلوبة.

فما هو اسم معلمنا الجديد؟

ظل السؤال مطروحا، ولم يعد هناك من يرفع يده، طلبا للإجابة. ولأنه لم يعد هناك من يرفع يده، فقد قررت أنا أن أرفع يدي من جديد. فكم هو رائع أن أجيب على سؤال فشل كل التلاميذ في الإجابة عليه، خصوصا إذا كان صاحب السؤال معلما صارما وقاسيا يسعى المعلمون من قبل التلاميذ لكسب وده. ومن يدري فربما تكون إجابتي سببا لأن يرضى عني معلمنا الجديد. ومن يدري فربما تكون تلك الإجابة هي خير وسيلة للوقاية من سوط وعصا وسلسلة معلمنا الجديد.

أذن لي المعلم بالجواب.

كان من سوء حظي، أني كنت قد سمعت قبل ذلك بأيام، ومن قبل أن يحول المدير الجديد لمدرستنا، من ينادي معلمنا الجديد باسمه مصغرا، فاعتقدت بأن ذلك الاسم ربما يكون هو الاسم الذي يسأل عنه معلمنا الجديد.

ـ سيدي، اسمك أَعْبَيدْ اللهِ.

لم يطلب المعلم الجديد من التلاميذ أن يصفقوا لي، كما كان يفعل المعلم السابق. ولم يجعلني ذلك أشك في صحة إجابتي، فربما تكون لمعلمنا الجديد طريقته الخاصة في تشجيع أصحاب الإجابات الصحيحة.

اكتفى المعلم بأن طلب مني أن أقترب منه، وعندما أصبحت بجنبه، وضع يده على منكبي، بحنان مريب، ثم قال لي بصوت بدا وكأنه وقور: ـ أنا اسمي "المشكلة" وستعرف الآن أنت وزملاؤك في الفصل، بأني مشكلة حقيقية، ابتليتم بها في عامكم هذا.

وما كاد معلمنا "المشكلة" أن ينهي كلمته الأخيرة، حتى أدخل يده في جيب دراعته، وأخرج حزمة من الإبر الغليظة، اختار واحدة منها ووضعها على الطاولة، بجنب العصا والسوط والسلسلة، ثم أعاد بقية الإبر إلى جيبه.

بدأت أحس بأن معلمنا الجديد يفكر في شيء آخر غير تشجيعي.

ـ يا بني اطمئن فلن نستخدم معك سلسلة الحديد في هذا اليوم.

صمت قليلا، ثم واصل بصوته الذي لم يعد وقورا:

ـ سنخز لسانك الطويل ثلاث مرات بهذه الإبرة، وسنضربك على كعب كل قدم وعلى عرقوبه ثلاث مرات بهذه العصا، وسنضربك على الظهر بهذا السوط ثلاث مرات أيضا، أما السلسلة، وكما قلت لك سابقا، فلن نستخدمها إطلاقا في هذا اليوم.

لم يلتزم معلمنا "المشكلة" بنص العقوبة، فقد كان أول شيء فعله هو أنه صفعني على أحد الخدين، لم أعد أذكر أيهما، صفعة قوية، لم تكن من بين ما عدد. وهي صفعة لم أعرف لها مثيلا، لا من قبل ولا من بعد، رغم أني استقبلت في طفولتي عددا لا بأس به من الصفعات. وبعد تلك الصفعة، بدأ معلمنا الجديد بتنفيذ ثلاثياته المنصوص عليها في العقوبة. وهنا أيضا لم يلتزم حرفيا بنص العقوبة، فقد تحولت ضربات السوط إلى أربع بدلا من ثلاث.

وبعد مرور أيام على تنفيذ تلك العقوبة، حدث أن وصلت إلى المدرسة متأخرا بدقيقة واحدة عن الثامنة صباحا، وكانت تلك واحدة من الجرائم الكبرى عند معلمنا "المشكلة". وفي ذلك اليوم، ولأول مرة في حياتي، كنت ألف معصمي الأيسر بساعة جديدة، حصلت عليها، بعد جهد جهيد. وكان من المفترض أن يلتف حولي تلاميذ الفصل، في وقت الاستراحة، كما تلتف الساعة على معصمي، ليسألونني عن ساعتي الجديدة، وعن سعرها، وعن كيفية معرفة وقتها، وعن أسئلة أخرى كنت في شوق لسماعها من زملائي في الفصل، ولكن المعلم "المشكلة" ضيع عليَّ تلك الفرصة النادرة.

توجهت إلى باب الفصل، وطلبت من المعلم أن يأذن لي بالدخول.

لم يكتف المعلم بأن أذن لي بالدخول، بل طلب من التلاميذ أن يقفوا احتراما لي. وكان ذلك يعني، في قاموس معلمنا "المشكلة"، بأن العقوبة هذه المرة ستكون مميزة، وأنها ستتناسب مع الاحترام المميز، الذي استقبلني به التلاميذ، وفقا لأوامر معلمنا المشكلة.

أخذت أبكي بكاءً شديدا، ثم قلت بصوت متقطع:

ـ سيدي سامحني هذه المرة، وأعدك بأني لن أتأخر بعد اليوم ثانية واحدة. إن ساعتي هي السبب، فقد كنت أعتقد بأن وقتها مضبوط، ولكن يبدو أنه ليس كذلك، فهي لا زالت تشير، حتى الآن، إلى الساعة الثامنة إلا ثلاث دقائق، وكنت قبل ذلك، قد أخرت الساعة بدقائق لتبرير تأخري.

نزع المعلم الساعة من معصمي بقوة، وبدأ ينفذ عقوبته الثانية ضدي، والتي وعد بأنها ستكون، في هذه المرة، عقوبة مخففة. ولم أفهم أنا، وإلى غاية الآن، الفرق بين عقوبة مخففة، وعقوبة كاملة، في قاموس معلمنا "المشكلة".

ولم أفهم أيضا، وإلى غاية الآن، لماذا كنت أصر على أن أرتكب حماقات في عهد المعلم "المشكلة"، لم أفكر في ارتكابها في عهد أي معلم آخر؟ لقد كنت أخاف من المعلم "المشكلة" خوفا شديدا، لا جدال في ذلك. ولم يحدث أن عرفت مثل ذلك الخوف مع أي معلم آخر، ورغم ذلك فقد تجرأت في الأشهر التي كان يدرسنا فيها، على ارتكاب حماقات، لم أتجرأ على ارتكابها في عهد أي معلم آخر.

لقد كنت أتسلل في بعض الليالي، صحبة تلميذ آخر، إلى المدرسة. وكان التلميذ المرافق يساعدني على التسلق حتى أصل إلى فتحة، على شكل نافذة مستطيلة، في أعلى مكتب المدير. وكنت أستخدم تلك الفتحة للدخول إلى داخل مكتب المدير.

وفي داخل المكتب، كنت أصحح الواجبات، فأعطي لأصدقائي نقاطا جيدة، ولخصومي نتائج سيئة. وكنت أنزع بعض الأغلفة البلاستيكية الجديدة، من دفاتر بعض خصومي في الفصل، لأغلف بها دفاتر أصدقائي في الفصل، ممن لم تكن أغلفتهم جيدة.

ومن حسن حظي، أن تلك الجريمة البشعة، التي شغلت التلاميذ والمعلمين على حد سواء، لم يكتشف مرتكبها إلا بعد أيام معدودة من تحويل المعلم "المشكلة"، إلى مدرسة أخرى، وإبداله بمعلمنا ومديرنا السابق.

ولم تتوقف مشاكل المعلم "المشكلة" حتى من بعد تحويله. فقد اتصل بوالدي رحمه الله، وطلب منه أن يسمح له بتحويلي إلى المدرسة التي حُوِّل هو إليها، وذلك لكي يشرف ـ بشكل مباشر ـ على تربيتي وتعليمي. وكانت حجة المعلم "المشكلة"، هي أني أستحق رعاية خاصة، تتناسب مع ذكائي الخارق، وأنه هو وحده القادر على توفير تلك الرعاية.

تصبحون على الحلقة الثالثة من الرواية...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق