الاثنين، 5 سبتمبر، 2011

أولويات الرئيس





تابعت على شاشة التلفزيون الرسمي مشاهد من زيارات الوزراء لبعض الولايات الداخلية، أثناء عطلهم السنوية. ومتابعتي لتلك الزيارات لفتت انتباهي لجملة من الملاحظات، لخصتها في النقاط الثلاث التالية:
1ـ أكد الوزراء خلال تلك الزيارات بأن الرئيس يعطي الأولوية لكل القطاعات، وبلا استثناء. فوزيرة الثقافة كررت أكثر من مرة بأن الرئيس يعطي الأولوية للثقافة وللشباب، وإن كانت لم تقدم دليلا واضحا على ذلك. والحقيقة أن هناك أدلة كثيرة تناقض قولها، ويمكن أن أذكر منها: إغلاق دور الكتاب، إيقاف جائزة شنقيط، الانسحاب من مشروع نواكشوط عاصمة للثقافة، الانسحاب من بعض التصفيات الرياضية.
وزراء التعليم الثلاثة، بكبيرهم ومتوسطهم وصغيرهم أكدوا جميعا بأن الرئيس يعطي الأولوية للتعليم، وهم بدورهم لم يقدموا دليلا على ذلك، في الوقت الذي توجد فيه أدلة تناقض قولهم، منها تفكيك الوزارة بشكل ارتجالي وعبثي إلى ثلاث وزارات. وهو ما نتج عنه ارتباك كبير، خاصة في مجال التكوين المهني، الذي طالما وعد الرئيس بتطويره، والذي يعيش اليوم شللا شبه كامل. فالوزير المنتدب له لا يزال ينتظر الهيكلة الجديدة التي كان من المفترض أن تصاحب قرار تفتيت الوزارة. وربما تكون الحيرة التي يعيشها هذا الوزير، الذي لم يعد لديه شيئا يفعله، هي التي جعلته يترك قطاعه، ويكتفي بمرافقة مفوض الأمن الغذائي خلال الزيارات التفقدية.
ويمكنكم للتأكد بأنفسكم من الأولوية الممنوحة للتعليم في العهد الحالي، أن تقارنوا بين وزارة التعليم اليوم، وهي تحت قيادة ثلاثة رجال من رجالات موريتانيا الجديدة، مع وزارة التعليم يوم كانت تقودها امرأة "مفسدة" لوحدها في العهد البائد.
المثير للسخرية أن وزير التعليم الثانوي الذي قام بزيارة "تفقدية" لبعض الولايات للتعرف على مشاكل قطاعه، اختار لتلك الزيارة توقيتا غريبا، حيث كانت المدارس مغلقة، والأساتذة في عطلهم السنوية، وأغلب التلاميذ والآباء خارج المدن التي زارها الوزير.
ولعل أهم دليل يمكن تقديمه لإثبات أن ما يقوله وزراء التعليم الثلاثة، من اهتمام بالتعليم، هو مجرد كلام، فيكفي أن أشير إلى أن منتديات التعليم الموعودة منذ ثلاث سنوات لم تعد تجد من يتحدث عنها، وربما لا تجده، في المستقبل المنظور. فأهل"موريتانيا الجديدة" يعتقدون بأن بناء وتشييد الشوارع أهم بكثير من بناء المواطن الذي سيستغل تلك الشوارع.
وزير التنمية الريفية هو الآخرقال في زياراته التفقدية بأن الرئيس يعطي الأولوية للتنمية الريفية. وقال وزير العدل بأن الأولوية هي للعدل، بينما أكدت وزيرة الوظيفة العمومية بأن الأولوية لدى الرئيس هي للعمال.وقال وزير المياه بأن الأولوية للمياه. وقال وزير التجارة بأن الأولوية لدى الرئيس هي لتخفيض الأسعار ولدكاكين التضامن. وقالت وزيرة المرأة بأن الأولوية للمرأة. وقال وزير البيئة بأن الأولوية لمشروع غرس مليون شجرة على رمال العاصمة. وقال وزير الاتصال في زياراته التفقدية بأن الأولوية لدى الرئيس هي لقطاع الاتصال، في حين أكد وزير الصحة بأنها للصحة.
والحقيقة أن ادعاء كل وزير بأن قطاعه هو الذي يحظى بأولوية الرئيس، أفقد كلمة "أولوية" دلالتها اللغوية.فالرئيس ـ ومهما كانت قدراته ـ لا يمكن أن يعطي الأولوية لكل القطاعات الوزارية مرة واحدة وفي نفس الوقت. لذلك يمكن القول بأن كلمة أولوية تفقد شحنتها ودلالتها عندما ينطق بها وزير من وزراء "حكومة الأولويات"، تماما كما يحدث مع كلمات أخرى ككلمة "جبارة" و "معتبرة" والتي فقدت معناها، منذ أمد بعيد، لكثرة استخدام الوزراء لها أثناء حديثهم عن إنجازاتهم المتواضعة. ومن الانجازات "المعتبرة" و"الجبارة" لحكومة الأولويات في زياراتها التفقدية، تدشين محل لشحن بطاريات الهواتف المحمولة، في قرية "التيدومة"، بولاية الحوض الغربي!!!
2 ـ وزير الإسكان والعمران يبدو أنه من أكثر الوزراء ذكاء، ويبدو أنه شعر في وقت مبكر بأن كلمة أولوية قد فقدت دلالتها اللغوية، لذلك فهو عندما يتحدث عن قطاعه لا يكتفي بأن يقول بأن الرئيس يمنح لقطاعه الأولوية، بل يصر على أن يضيف كلمة قصوى، لتصبح الأولوية الممنوحة لقطاع الإسكان تختلف عن الأولوية الممنوحة للبيئة مثلا، لأنها "أولوية قصوى".
وربما تكون هذه الأولوية القصوى هي التي جعلت الوزير يقول بأن "انبيكت الأحواش" أصبحت مدينة عصرية، فيها الماء والكهرباء والصحة والتعليم وكل ما تحتاجه المدن العصرية، وهذا الكلام كرره الوزير عن قرى وتجمعات سكنية أخرى.
ولو كان المواطن يصدق "وزير الأولوية القصوى"، لهاجر سكان العاصمة إلى "انبيكت لحواش"، وإلى "ترمسه"، وإلى مدينة عصرية أخرى، في ولاية "كوركول"، لم أتذكر الآن اسمها، وصفها "وزير الأولوية القصوى" أثناء زيارته لها وصفا عجيبا، رغم الشفقة التي كانت تثيرها مشاهدة "المدينة العصرية" في نفوس كل من حُظِي بمشاهدتها أثناء زيارة "الأولوية القصوى" لها.
المهم أن "وزير الأولوية القصوى" قد حل مشكلة عويصة، لأنه شيد لنا من خلال خطاباته المتكررة، مدنا عصرية، يمكن لمن يصدق حكومة الأولويات أن يهاجر إليها، للحصول على عيش كريم، لم يحصل عليه حتى في العاصمة، التي عجزنا أن نجعل منها مدينة عصرية، رغم مرور ما يزيد على نصف قرن على تأسيسها.
3 ـ أثبتت تلك الزيارات بأن لوزراء الأولوية عطلا سنوية، لا تتجاوز الأسبوعين، وهذه معلومة جديدة، لمن كان يعتقد ـ كما هو الحال بالنسبة لي ـ بأن وزير الأولوية يعيش عطلة سنوية دائمة، براتب كبير. فهو موظف كبير صغير، براتب وزير، وبمهام سكرتير.
ووزراء الأولوية يؤكدون ذلك بأنفسهم، فيستحيل أن تسمع وزير أولوية يدعي بأنه أنجز عملا ما، بمبادرة منه، ودون أوامر سامية، حتى ولو كان مجرد تدشين لمحل تشحن فيه بطاريات الهواتف المحمولة.
فوزراء الأولوية ـ بما فيهم وزير الأولوية القصوىـ يظلون في مكاتبهم لا يفعلون شيئا، وهم لا يقومون بأي شيء من قبل أن تأتيهم توجيهات سامية من الرئيس، لكي يقوموا بمهامهم الموكلة إليهم، والتي كان من المفترض أن يقوموا بها دون الحاجة لأوامر سامية، أو لتعليمات نيرة.
فهل سمع أحدكم وزير أولوية عادية أو أولوية قصوى يدعي بأن أنجز عملا ما، حتى ولو كان بسيطا من قبل أن تأتيه الأوامر السامية أو التعليمات النيرة لانجاز ذلك العمل؟
تصبحون بلا تعليمات نيرة...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق