الاثنين، 17 أغسطس 2026

لا للمحاصصة القبلية أو الشرائحية أو العرقية...


لدي تاريخ طويل عريض مع البطالة، وقد اقتربت من سن التقاعد دون أن أحصل على وظيفة لائقة، ومع ذلك، فلم أحاول في أي يوم من الأيام أن أستفيد، على المستوى الشخصي، من تعيين موظف سامٍ من قبيلتي أو ولايتي، ولا أذكر أنني طرقت باب وزير من قبيلتي أو ولايتي، طالبا منه المساعدة في الحصول على وظيفة أو خدمة عامة خاصة بي.

ولذا، فسواء بالنسبة إليَّ أن تتشكل حكومة كاملة من قبيلتي أو ولايتي، أو ألا يكون فيها فرد واحد من قبيلتي أو ولايتي؛ فكلا الحكومتين سواء بالنسبة إليَّ.

فإذا كانت الحكومة حكومة كفاءات وتسيير جيد، فنفعها سيصل حتما إلى باب منزلي، حتى وإن لم يكن فيها وزير واحد من عشيرتي أو قبيلتي أو ولايتي. وإذا كانت هذه الحكومة حكومة فاسدة وفاشلة في التسيير، فإن ضررها سيصل حتما إلى باب منزلي، حتى وإن كان جميع وزرائها من قبيلتي أو من ولايتي.

لا أمانع في تشكيل حكومة من الجن، لا من الإنس، إذا كانت ستسير شؤون البلد بشكل جيد. وهذا يعني، بطبيعة الحال، أنني لا أمانع في تشكيل حكومة من عائلة موريتانية واحدة، ولتكن عائلة لا يجمعني بها إلا والدنا آدم عليه السلام، إذا كانت تلك الحكومة العائلية ستسير شؤون البلد بكفاءة وشفافية.

لا يعني هذا الكلام أنني لا أعتز بانتمائي القبلي أو الجهوي أو حتى الشرائحي، بل على العكس؛ فأنا أعتز بقبيلتي، أو بقبائلي على الأصح، ولكن ذلك الاعتزاز يبقى في دائرته الاجتماعية الضيقة، دون أي إقحام له في قضايا الشأن العام.

لم أستخدم في أي يوم من الأيام قبيلتي أو جهتي لتحقيق مصلحة شخصية، وإني من الذين يعتقدون بأن "مواطنيتي" يجب أن توفر لي حقوقي كاملة كمواطن، وهي تستوجب مني في الوقت نفسه تأدية واجبي كمواطن، وهذا الواجب يقتضي، أول ما يقتضي، ألا أقحم الانتماءات الضيقة في قضايا الشأن العام.

نحن في هذه البلاد تعودنا دائما على أن نطالب بحقوقنا كاملة غير منقوصة، دون أي تأدية للواجب.

مقرفٌ هو خطاب النخب الموريتانية التي عجزت عن ترسيخ قيم المواطنة، فاستنفرت القبيلة والفئة والشريحة والعرق لتحقيق مكاسب خاصة.

عجزت هذه النخب عن تأسيس منظمات مجتمع مدني فاعلة، ونقابات عمالية قوية، وأحزاب سياسية نشطة، تفرض من خلالها مطالبها وتعبّر من قنواتها عن رؤيتها المجتمعية؛ فما كان منها إلا أن أقحمت قبائلها وشرائحها ومناطقها ومكوناتها، لا لتحقيق مصالح عامة، وإنما لتحقيق مصالح ضيقة خاصة بها.

مقرفٌ خطاب النخب في أيام الناس هذه، وهي تجعل كل ساعٍ إلى بناء دولة المواطنة يفكر في أن يستقيل كمواطن من وطنه، ويهاجر إلى بلد آخر ترسخت فيه قيم المواطنة، لكي يستريح - ولو  قليلا -  من الخطابات القائمة على الهويات الضيقة، والتي تتناقض بشكل كامل مع الخطاب الوطني الجامع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق