إني أحلم بأن أستيقظ ذات يوم على وطن حقيقي، يكون انتماء المواطن فيه للوطن من قبل أن يكون للقبيلة، أو للجهة ، أو للعرق، أو للشريحة.
الأحد، 2 أغسطس 2026
العلاقة بين اللغة العربية والوئام المجتمعي.
إن من يتأمل مقاصد الشريعة الإسلامية سيدرك ـ دون عناء فكري ـ أن الوئام المجتمعي ليس قيمة ثانوية، بل هو مقصد عظيم من مقاصد هذا الدين العظيم.
لقد دعا الإسلام إلى الأخوة، والوحدة، والتعاون على البر والتقوى، والإصلاح بين الناس. ونهى عن الفِرقة، والنزاع، والعصبية، والظلم، وجعل إصلاح ذات البين من أفضل القربات إلى الله تعالى.
وإذا كان الوئام المجتمعي بهذه المنزلة في الإسلام، فإن ذلك يقودنا تلقائيا إلى إدراك المكانة المحورية للغة العربية في تحقيق هذا الوئام، وذلك لكونها هي اللغة التي اختارها الله سبحانه وتعالى ـ لحكمة يعلمها ـ لتكون لغة القرآن الكريم آخر كتبه المنزلة، ووعاءً للشريعة الإسلامية، وبذلك أصبحت لغة الدين الإسلامي. ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ صدق الله العظيم.
إن اللغة العربية بالنسبة للمسلم ليست مجرد لغة من اللغات، وإنما هي لغة أسمى من كل اللغات بعد أن نزل بها القرآن، ولذلك فهي يجب أن تحتل لدى كل مسلم مكانة لا تنافِسها ـ أو هكذا يفترض أن تكون ـ أيُّ لغة أخرى، حتى ولو كانت لغته الأم، فاللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي تمكن المسلم من تدبر القرآن، وفهم السنة، واستيعاب القيم والمبادئ التي جاء الإسلام لترسيخها، ومن تلك القيم الأخوة والوئام المجتمعي.
ومن المعلوم بداهة أن اللغة العربية لم تعد لغة قوم بعد أن نزل بها القرآن، وإنما أصبحت لغة دين ولغة الأمة الإسلامية جمعاء، أو هكذا يجب أن تكون. ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نفهم جانبا مهما من الدور الذي يمكن أن تؤديه اللغة العربية في تعزيز الوئام المجتمعي في البلدان الإسلامية، وفي موريتانيا خصوصا، والتي هي محور هذه المداخلة.
لم يكن هناك أي إشكال في موريتانيا في الوئام المجتمعي ولا في التعايش بين المكونات الوطنية من أصول عربية أو افريقية، قبل مجيء الاستعمار. ولم يكن يوجد كذلك أي إشكال في الوئام اللغوي ـ إن جاز استخدام هذا المصطلح ـ بين اللغة العربية ولغاتنا الوطنية الأخرى، فقبل دخول الاستعمار، كان التعايش قائما بين مكوناتنا ولغاتنا الوطنية على الوجه الذي يجب أن يكون، فنسبة كبيرة من مفردات لغاتنا الوطنية التي كانت تكتب بالحرف العربي، هي من أصل عربي. وكانت اللغة العربية هي لغة المحاظر المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد بما في ذلك ولايات الضفة، وكانت هي لغة المعاملات والتوثيق الشرعي لجميع مكوناتنا الوطنية.
ولكن، ومع مجيء الاستعمار، بدأ العمل على خلق صراع بين المكونات الوطنية العربية والافريقية، فحاول المستعمر ـ وبذل في ذلك جهودا كبيرة ـ أن يقطع الصلة القائمة بين اللغة العربية واللغات الوطنية الأخرى، فأحرق المكتبات الإسلامية في بعض مناطق الوطن، وعندما بدأ يفتح مدارسه، خصص مدارس لمدن الضفة كانت اللغة الفرنسية فيها إلزامية، ولم تكن تدرس فيها اللغة العربية، وخصص مدارس أخرى للمكون العربي، وكانت اللغة الفرنسية فيها اختيارية في المرحلة الأولى، في حين كانت اللغة العربية إلزامية.
لقد أراد المستعمر بهذه الثنائية اللغوية في مدارسه ـ والتي ما تزال تفعل أفاعلها فينا حتى اليوم ـ أن يجعل اللغة العربية لغة هوية خاصة بإحدى المكونات الوطنية، وذلك بدلا من أن تظل ـ كما كانت قبل مجيئه ـ لغة لجميع الموريتانيين.
لقد جاءت اللغة العربية إلى إفريقيا مع الإسلام، والإسلام لم يحمل مشروعا استعماريا، وإنما جاء لنشر قيم الإخاء والتكافل والوئام المجتمعي بين الناس، ونبذ العصبيات القائمة على اللون أو العرق. قال جل من قائل ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى."
لقد جاءت اللغة العربية إلى إفريقيا مع دين الإسلام القائم على الأخوة ونبذ العصبية، بينما جاءت اللغة الفرنسية مع المستعمر الفرنسي الذي نهب الخيرات، وفرق بين الناس ضمن سياسة فرق تسد، كما هو حال أي مستعمر آخر، ومع ذلك فما زال من بيننا، وحتى اليوم، من يفضل لغة المستعمر على اللغة العربية، فيا للعجب!
إن الوئام المجتمعي لا يمكن أن يتحقق إلا في بلد آمن، قائم على العدل، وقادر على تحقيق تنمية اقتصادية يقطف كل أفراد الشعب ثمارَها، فأي دور يمكن أن تلعبه اللغة العربية في بناء دولة موريتانية قوية قادرة على تحقيق الوئام المجتمعي بين مختلف مكوناتها الوطنية؟
إن تحقيق الوئام المجتمعي في موريتانيا، يستلزم جملة من المرتكزات والأساسيات، لعل من أهمها:
أولا/ إصلاح الإدارة
إن الوئام الاجتماعي لن يتحقق في ظل وجود إدارة عمومية لا تقرب خدماتها من المواطن، ولا تكرس مبدأ المساواة في النفاذ إلى الخدمة العمومية، ولا تخاطب المواطن بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفترض فيه أنه يفهمها. إن الشرط الأساسي في إصلاح الإدارة، يتمثل في تقريب خدماتها من المواطن، ولا يمكن تقريب خدمات الإدارة من المواطن دون مخاطبته بلغته الرسمية. وعندما تُخاطب الإدارة المواطنين بلغة يفهمونها (اللغة العربية)، فإنها بذلك تعزز الشفافية، وتكرس المساواة، وتبني جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، والثقة المتبادلة هي أحد أهم الأسس التي يقوم عليها الوئام المجتمعي.
ثانيا/ محاربة الفساد
لا يمكن أن نتحدث عن وئام مجتمعي في بلد تفشى فيه الفساد، ولا يمكن أن نحارب الفساد دون رقابة شعبية على إنفاق المال العام، ولا يمكن أن نتحدث عن رقابة شعبية على إنفاق المال العام، وذلك في وقت تنفق فيه 60 % من ميزانية الدولة على الصفقات العمومية، وكل الوزارات والمؤسسات العمومية تشترط استخدام لغة أجنبية في كل مراحل إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية.
فمن أجل أن تكون هناك رقابة شعبية على الصفقات العمومية التي تستنزف فيها نسبة كبيرة من ميزانية الدولة، ألزمت المؤسسات الدولية بنشر كل ما يتعلق بالصفقات العمومية حتى يطلع عليه المواطن، وبالفعل فإن النشر يتم في بلادنا، ولكنه يتم بلغة أجنبية لا تفهمها أغلبية الشعب الموريتاني، مما يعني أن الهدف من النشر لم يتحقق أصلا، على الأقل بالنسبة لأكثر 90% من الشعب الموريتاني ممن لا يفهمون اللغة الفرنسية. إن اللغة الفرنسية من هذا المنظور أصبحت تشكل عائقا لتفعيل الرقابة الشعبية على المال العام، وبذلك فهي تحمي الفساد والمفسدين.
لا يمكن أن نحقق وئاما مجتمعيا بدون محاربة الفساد، ولا يمكن أن نحارب الفساد دون أن تكون هناك رقابة شعبية فعالة، ولا رقابة شعبية فعالة في ظل إدارة تتحدث بلسان أجنبي غير مبين لا يفهمه المواطن.
ثالثا/ الحد من الفوارق الاجتماعية
لا يمكن أن نحقق الوئام المجتمعي إلا من خلال القضاء على التفاوت الطبقي والحد من الفوارق الاجتماعية بين المواطنين. لقد أفرز واقعنا اللغوي المختل تمييزا بين المواطنين، خاصة في الولوج إلى الوظيفة، والترقية الإدارية، والاستفادة من فرص التكوين والعمل، حيث بات تعلم اللغة الفرنسية ونيل الشهادات بها شرطا غير معلن للتوظيف في الكثير من القطاعات وللترقي في قطاعات أخرى، وهذا الشرط لا أساس قانوني له، ولا تفرضه طبيعة الوظائف والمهام.
لقد انعكس ذلك سلبا على فئات واسعة من حملة الشهادات باللغة العربية، وعلى أبناء الأسر ذات الدخل المحدود، التي لا تتمكن من تعليم أبنائها في مدارس خاصة تُدرس باللغة الفرنسية، مما وسَّع من الفجوة الاجتماعية، وربط الإشكال اللغوي المفروض في بلادنا بالتمايز الطبقي داخل مكونات المجتمع.
فبعد التخرج، وكما يحدث دائما، تتناقص حظوظ أبناء الفئات الهشة في الحصول على وظائف، وذلك بسبب الوساطة أولا، وبسبب سيطرة اللغة الفرنسية على سوق العمل ثانيا.
إنه ليس من الممكن أن نتحدث عن وئام مجتمعي دون سياسة اجتماعية تمكن من نهوض الفئات الهشة، ولن نتمكن من النهوض بالفئات الهشة دون أن نعطي للغة العربية مكانتها التي تستحق في التعليم والتوظيف في القطاعين العام والخاص.
رابعا/ إصلاح التعليم
يعدُّ إصلاح التعليم شرطا اساسيا لإحداث أي نهضة في أي بلد، ولا يمكن لبلد متعثر تنمويا أن يحقق انسجاما اجتماعيا بين مكوناته، ويتفق خبراء التربية والمنظمات الدولية المختصة، على أن التعليم باللغة الأم يعدُّ شرطا أساسيا للنهوض بالتعليم، ولإنجاح أي إصلاح تعليمي.
إن التعليم باللغة العربية يعدُّ شرطا أساسيا لإصلاح التعليم، وإصلاح التعليم يعد شرطا أساسيا لتحقيق التنمية في بلادنا، وبدون تحقيق تنمية فلن يكون بإمكاننا أن نحقق الوئام المجتمعي بين مكونات شعبنا، وهنا تظهر أيضا الصلة القوية التي تربط اللغة العربية بالوئام الاجتماعي.
خامسا/ تعزيز الوحدة الوطنية
إن غياب سياسة لغوية واضحة ومُعلَنة، تُطبَّق على الجميع دون استثناء، سيفتح دائما المجال أمام التأويلات، ويُغذّي الشكوك المتبادلة، ويُستثمر أحيانًا لإثارة حساسيات لا تخدم الوئام المجتمعي.
فالوحدة الوطنية لا تُبنى على الغموض، بل على الوضوح، ولا تُحمى بتأجيل القضايا ذات الصلة بهوية البلد، وإنما بحسم تلك القضايا في إطار القانون والاحترام المتبادل.
إن تعليم أطفال موريتانيا ـ كل أطفال موريتانيا ـ بلغة واحدة مشتركة (اللغة العربية)، ستجعل كل طفل يشعر أنه جزء من مشروع مجتمعي واحد، في حين أن تعليمهم بلغات متعددة كما كان يحدث في الماضي، تنتج أجيالا يصنف بعضها البعض ب "الآخر".
لا وئام مجتمعي دون وحدة وطنية، ولا وحدة وطنية يمكن أن تتحقق في بلدنا إلا إذا كانت هناك لغة جامعة في التعليم والإدارة، أي لغة رسمية يتحدث بها الجميع في الفضاءات الرسمية.
سادسا/ دولة القانون
على من يسعى حقا لبناء دولة قانون ومؤسسات، قادرة على خلق وئام مجتمعي بين مكونات الشعب، أن يدرك أنه لا يمكن أن نبني دولة قانون ومؤسسات ونحن نعطل مادة من مواد الدستور الموريتاني.
لا يمكن أن نبني دولة قانون ومؤسسات ونحن نميز بين مواد الدستور الموريتاني، نتحرك بقوة عندما نشعر بمحاولة المساس بالمادة 28 من الدستور مثلا، والتي تقول: " يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة واحدة". وفي المقابل فإننا نبقى على الصامت، ونحن نتابع الانتهاك اليومي للمادة السادسة من الدستور نفسه، والتي تقول: " اللغات الوطنية هي العربية والبولارية والسوننكية والولفية . اللغة الرسمية هي العربية".
فبأي منطق ندافع بقوة عن المادة 28 من الدستور، ونتجاهل بشكل كامل الانتهاكات اليومية للمادة السادسة من الدستور نفسه؟ وهل يمكن بناء دولة قانون ومؤسسات في بلد تمارس نخبه تمييزا فاضحا بين مواد الدستور؟ وهل يمكن أن نحقق وئاما مجتمعيا خارج دولة القانون والمؤسسات؟
سابعا/ حقوق المستهلك
يُوَقِّع المستهلك الموريتاني على عقود عديدة مع شركة الماء والكهرباء والبنوك وشركات الاتصال، دون أن يفهم أي شيء مما وقع عليه، وتأتيه فواتير من شركة الكهرباء والماء بلغة لا يفهمها، وبذلك يضيع أحد أهم حقوقه كمستهلك، أي معرفة تفاصيل ما في الفواتير التي سيسدد، وما في العقود التي سيوقع.
إن مخاطبة المستهلك بلغته الرسمية التي يفهمها أو يفترض أنه يفهمها، هي حق أساسي من حقوقه التي لا يجوز تعطيلها، وعندما يُحرَم أغلب المواطنين من معرفة ما يُوقّعون عليه من عقود، وما يدفعون ثمنه من فواتير، ستتولد لديهم مشاعر الظلم والإقصاء في بلدهم، وهي مشاعر تؤثر سلبا على التماسك والوئام المجتمعي.
ختاما
أختم هذه المداخلة التي أعِدت على عجل بالقول إنه لن يكون بإمكاننا في موريتانيا أن نحقق العدالة، ونضمن تكافؤ الفرص، ونعزز من الشفافية، ونرسخ دولة القانون والمؤسسات، ونبني الثقة بين المواطن والإدارة، إلا إذا جعلنا من اللغة العربية لغة رسمية جامعة في التعليم والإدارة. فاللغة العربية، بحكم مكانتها الدينية، ووضعها الدستوري، ودورها التاريخي في موريتانيا، تمثل لغة جامعة، في الوقت الذي تمثل فيه لغاتنا الوطنية الأخرى ثروة ثقافية وحضارية مشتركة، يجب أن نحافظ عليها جميعا ونعمل معا على تطويرها.
تنبيه: هذا المقال بعد تعديلات بسيطة هو نص لمداخلة رئيسية قدمتها في ندوة نظمها مجلس اللسان العربي في موريتانيا في مقره يوم السبت 1 أغسطس 2026، وكانت بعنوان:" اللسان والإنسان... العلاقة بين اللغة العربية والوئام المجتمعي".
حفظ الله موريتانيا..
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق