الاثنين، 8 يونيو 2026

ملاحظات على ملاحظات الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا


طالعتُ المقال الذي نشره الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا تحت عنوان: "ملاحظات حول تنقيط معيار النزاهة في مسار الانتقاء لعضوية مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد". ولأن دكتورنا الفاضل محمد إدريس حرمه بابانا، أشار إليَّ عند نشر المقال في حسابه على الفيسبوك، ولأنه ذكر أيضا في مقاله التوضيحات التي نشرتها سابقا عن منهجية التنقيط، وأنها هي التي دفعته على إبداء استغرابه من حصوله على ثمان نقاط فقط من خمس عشرة نقطة، خُصصت لمعيار النزاهة.  لكل ذلك وجدتُ من اللازم أن أرد على ملاحظات الدكتور بملاحظات تزيل اللبس الذي قد تثيره ملاحظاته.

وقبل أن أردَّ على أهم فقرة في المقال المذكور، أي الفقرة المتعلقة بالنقطة التي حصل عليها دكتورنا الفاضل في معيار النزاهة، اسمحوا لي قبل ذلك أن  أسجل الملاحظات التالية:

1 ـ يعدُّ الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا من خيرة خبراء البلد في مجال مكافحة الفساد، فهو من حيث التحصيل العلمي حاصل على دكتوراه دولة في القانون العام، وشهادات أخرى في مجال الرقابة على الأموال العامة؛ ومن حيث المسار الوظيفي فهو يدرِّس القانون في جامعة نواكشوط، وشغل منصب مستشار أول بمحكمة الحسابات (أعلى هيئة دستورية للرقابة على الأموال العمومية)، وقبل ذلك كان مديرا عاما للتشريع والترجمة ونشر الجريدة الرسمية، ومستشارا قانونيا للحكومة. وبالإضافة إلى التحصيل العلمي والمسار الوظيفي، فله أيضا إسهامات موثقة في مجال محاربة الفساد، ذكر منها في مقاله عضويته في اللجنة الفنية للإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، والتي أعدت القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، والتصريح بالممتلكات والمصالح، وإنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد. كما ذكر منها مقالات نشرها في مجال مكافحة الفساد، كان آخرها مقالا بعنوان: "لماذا يجب إلزام نواب الجمعية الوطنية بالتصريح بممتلكاتهم؟"، وهو المقال الذي ذكر أنه تبنته عشرون منظمة غير حكومية، وأنه أسهم عمليا في إدخال تعديل جوهري على مشروع قانون التصريح بالممتلكات والمصالح، انتهى بإلزام البرلمانيين بالتصريح واعتماد القانون بصيغته النهائية. 

2 ـ لا يمكن التشكيك في الإسهامات الموثقة التي تحدث عنها الدكتور، وأنا شخصيا شاهدٌ على بعضها، فقد جمعتني معه عضوية اللجنة الفنية للإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي أعدت القوانين الثلاثة المذكورة، وكنتُ ممثلا للمجتمع المدني في تلك اللجنة، كما أني أرأس إحدى المنظمات غير الحكومية، التي تبنت مقاله المذكور، بل واستشهدت به في أحد بياناتها المطالبة بإدراج النواب في لائحة الملزمين بالتصريح بممتلكاتهم ومصالحهم.

وأذكر بخصوص هذه الجزئية بالذات، أني طلبتُ منه أن يكون ضيفا رئيسيا في حلقة من حلقات صالون المدونين خصصناها في الجمعيات المذكورة للمطالبة بإدراج النواب في لائحة الملزمين بالتصريح بالممتلكات والمصالح، ولكنه اعتذر عن الحضور بحجة واجب التحفظ الوظيفي. 

3 ـ بعد نشر لجنة الانتقاء للائحة الأولى، واستدعاء الأسماء التي ظهرت فيها لإجراء المقابلات، حاولت سكرتارية اللجنة الاتصال عدة مرات بالدكتور لإبلاغه بموعد المقابلة، ولكن محاولاتها كانت تفشل دائما، فرقمه كان حينها خارج التغطية.

ولأني أعرف أن الدكتور لا يستخدم الواتساب، وخوفا من ألا يعلم بموعد المقابلات إلا بعد فوات الأوان، اتصلت بصديق يعرفه جيدا بحكم العمل، وطلبتُ منه أن يبحث عن طريقة ما لإشعاره بمواعيد المقابلات، فأخبرني ذلك الصديق أن الدكتور خارج العاصمة في تعزية، وربما يكون خارج التغطية، وأنه سيتصل به ويخبره بموعد المقابلات. لقد قمتُ بذلك الاتصال ـ وهو لا يمس من الشفافية في مسار الانتقاء ـ لحرصي الشديد على أن تتاح لخبير بحجم الدكتور إدريس بابانا الفرصة لعضوية مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، فأنا من الذين يرون بأن وجوده في المجلس سيكون مفيدا لجهود السلطة في محاربة الفساد. ولم يكن حرصي على أن تتاح للدكتور الفرصة لعضوية اللجنة خاصا بي، بل إن من بين أعضاء اللجنة من كان أكثر حرصا مني على ذلك، ولكن ذلك الحرص لم يكن ليدفع أعضاء اللجنة إلى منح نقاط غير مدعومة بوثائق للدكتور، وهي إن فعلت ذلك تكون قد أخلت بالشفافية، وألغت أهم مبادئها، أي تساوي الفرص بين المترشحين.

4 ـ والآن نصل إلى الملاحظة الأهم، للرد على الفقرة التي قال فيها الدكتور: "استغربت من حصولي على 8 نقاط فقط من أصل 15 نقطة في هذا المعيار، رغم أن ملفي يتضمن صحيفة سوابق عدلية، وأزاول وظيفة قضائية تستوجب أداء اليمين، وأتوفر على إفادات تزكية حسن تسيير من منظمات دولية، كما سبق أن تم توشيحي سنة 2010 بميدالية فارس في نظام الاستحقاق الوطني. إضافة إلى ذلك، فإن لي مساهمات موثقة في مجال مكافحة الفساد..."

كما قلتُ في مقالي: " توضيحات بخصوص مسار انتقاء أعضاء مجلس السلطة" المنشور يوم 27 أبريل 2026، والذي استشهد به الدكتور في رده، فإن نتائج المرحلة الأولى من عملية الانتقاء، كانت محكومة بالكامل بمعايير موضوعية قابلة للقياس، أفرزتها شبكة التنقيط بشكل شبه آلي، ولم يكن لأعضاء لجنة الانتقاء أي تدخل فيها.

إن النقاط الثماني التي حصل عليها الدكتور، كانت كالتالي: ست نقاط لوجود صحيفة السوابق العدلية في ملفه، وهذه النقطة حصل عليها الجميع لأن وجود الصحيفة في الملف كان إلزاميا، ونقطة لأنه شغل وظيفة تلزم بالقسم، ونقطة على حسن التسيير، ويكون بذلك مجموع نقاطه في هذا المعيار 8 نقاط.

أما بخصوص النقطتين المخصصتين للتوشيح أو الحصول على جائزة وطنية أو دولية، فلعلكم لاحظتم أن الدكتور تجنَّب في مقاله القول إن ملفه تضمن أي وثيقة تثبت بأنه وُشّح أو حصل على جائزة دولية، في حين أنه قال إن الملف تضمن صحيفة سوابق عدلية. لم يتضمن الملف أي وثيقة تثبت توشيحا للدكتور أو حصوله على جائزة وطنية أو دولية، بل أكثر من ذلك، فلم يأت أي ذكر لجائزة أو توشيح في سيرته الذاتية التي قدم في الملف. وكما قلتُ سابقا فإن لجنة الانتقاء في هذه المرحلة كانت تتعامل مع الملفات بشكل شبه آلي، ولم تكن تتعامل مع أصحاب الملفات، فهل يرضى الدكتور المهتم بالشفافية ومحاربة الفساد بأن تتعامل اللجنة مع ملفه بطريقة لم تتعامل بها مع ملفات منافسيه الآخرين، فتمنحه نقطتين لا يوجد في الملف ما يبرر منحهما؟

والأمر نفسه يمكن أن يُقال عن النقاط الخمس التي تمنح لمن لديه مساهمات مثبتة في مجال محاربة الفساد، فالدكتور لم يتقدم بوثيقة واحدة يثبت بها مساهماته في مجال محاربة الفساد، بل إنه لم يذكر تلك المساهمات في سيرته الذاتية المرفقة بالملف، وبذلك خسر 7 نقاط ثمينة، كان يمكنه أن يحصل عليها لو ذكر في سيرته الذاتية التوشيح والمساهمات المثبتة في محاربة الفساد التي تحدث عنها في مقاله، وكانت تلك النقاط ستمنحه نتيجة عالية جدا في المرحلة الأولى من الانتقاء.

إن التقييم لم يكن قائما على معرفة اللجنة لأصحاب الملفات، وإنما كان قائما على الملفات نفسها، واللجنة عندما تستند في التقييم على المعرفة الشخصية بالمترشحين، فإنها بذلك تكون قد أخلت بالشفافية في مسار الانتقاء. واللجنة لم تقل إن الدكتور لا يستحق النقاط السبع التي لم تمنح له، وإنما قالت ـ ولديها كل الإثباتات اللازمة ـ إن ملف الدكتور الذي قدَّم لها لم يتضمن إطلاقا ما يثبت استحقاقه لتلك النقاط السبع.

وفي المقابلة فإن الدكتور لم يتحدث عن التوشيح ولا عن المساهمات في محاربة الفساد، خصوصا أن الوقت كان مناسبا للإسهاب في الحديث عن كل ذلك، وأذكر أني قلتُ له خلال المقابلة بأني استغربتُ من أن سيرته الذاتية كانت هي أقصر سيرة ذاتية في ملفات المترشحين، حيث أنها لم تملأ صفحة واحدة، في حين أن سير بعض المترشحين قُدمت في صفحات عديدة، وتضمنت كل واردة وشاردة في مسارهم العلمي والوظيفي، وقلتُ له كذلك بأني استغربتُ من عدم حديثه في المقابلة عن نفسه، وعمَّا يمكن أن يضيفه للسلطة إن حُظي بعضوية مجلسها، وكان الحديث عن الميزات التي يمكن أن يضيفها المترشح لمجلس السلطة مطلوبا من المترشحين المؤهلين للمقابلة.

كان الهدف من استغرابي ذلك هو أن أدفع الدكتور إلى الحديث عن مقالاته المتعلقة بمكافحة الفساد التي طالعتها، وعن اللجنة التي اشتغلت على القوانين الثلاثة التي ذكرها الدكتور في مقاله، والتي جمعتني به عضويتها.

وأذكر أيضا، وهذه لا بد أن تقال في هذا المقام، أن الدكتور قال لي بعد أيام من إعلان النتائج، بأنه هو من يتحمل المسؤولية فيما حصل، وذلك لأنه لم يتقدم في ملفه بمساهماته المثبتة في محاربة الفساد، ولا بالتزكيات التي حصل عليها من منظمات دولية، ولا بالتوشيح الذي حصل عليه في العام 2010. وكنتُ أتمنى أن تعكس ملاحظات دكتورنا الفاضل شجاعته الفكرية التي أبداها لي في حديثه الخاص معي، عندما اعترف بأنه هو من يتحمل المسؤولية فيما حصل، لا لجنة الانتقاء.

5 ـ لم أفهم ماذا أراد الدكتور بنشر ملاحظاته بعد مرور تسعة وثلاثين يوما من صدور مرسوم رئاسي بتعيين أعضاء المجلس الوطني للسلطة؟ ولا لماذا لم يطعن ـ وهو العارف بالقانون ـ في النتائج في الفترة التي كان ذلك فيها متاحا؟ ولا لماذا انتظر أكثر من شهر بعد تعيين أعضاء المجلس الوطني للسلطة بمرسوم رئاسي ليشكك في مسار الانتقاء؟

إن مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد قد أصبح قائما، ونجاحه في أداء مهامه يبقى مصلحة وطنية عليا تستوجب دعم كل الكفاءات الوطنية المهتمة بمحاربة الفساد، وفي مقدمتها الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا، ولا يعني هذا إطلاقا أن انتقاد السلطة ليس مطلوبا إن هي أخطأت أو قصَّرت في أداء المهام الجسيمة الموكلة إليها، بل إن نقدها ـ وبقسوة ـ مطلوب منا جميعا إن هي أخطأت أو قصَّرت بعد أن تُباشر عملها، وكاتب هذه السطور سيكون من أوائل من سينتقدها في تلك الحالة. 

6 ـ هناك مسألتان لن تتغيرا في قناعتي الشخصية، أولاهما أن الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا يستحق ـ وبجدارة ـ عضوية مجلس السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، بل ويستحق كل وظيفة لها صلة بمحاربة الفساد مهما علت وسمت. أما القناعة الثانية، فهي أن لجنة انتقاء أعضاء مجلس السلطة، لم تظلم الدكتور محمد إدريس حرمه بابانا، وإن كان هناك من ظلم الدكتور فهو الدكتور نفسه.

مرة أخرى، أكرر ما قلت سابقا من أن مسار انتقاء أعضاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، كان مسارا شفافا، قائما على معايير واضحة ومحددة وقابلة للقياس، وسيكون بإمكان اللجنة أن تردَّ دائما ـ وبحجج بيّنة وواضحة ـ على كل من يُشكك في النتائج التي حصل عليها في مسار الانتقاء.

وفي الأخير، أعتذر للدكتور عن تأخير الرد على ملاحظاته لأسبوع كامل، وذلك نظرا لانشغالي في بداية الأسبوع بأنشطة نظمتها "حملة معا للحد من حوادث السير" بعد "فاجعة الغشوات" الأليمة، وانشغالي في نهايته، بالتحضير ليوم تشاوري مفتوح عن دور المجتمع المدني في الحوار المنتظر نظمه "ميثاق المواطنة".

محمد الأمين الفاضل

ممثل المجتمع المدني في لجنة انتقاء أعضاء مجلس السلطة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق