الأحد، 19 فبراير 2012

افعلوا ما شئتم ..فإنه لن يهتم


يتسلل أنصاره واحدا بعد واحد..فلا يهتم

ترحل عنه الأحزاب الصغيرة ..فلا يهتم

يعارضه شيوخ العساكر ..فلا يهتم

يبتعد عنه الحكماء ...فلا يهتم

يتركه العقلاء ..فلا يهتم

يسخط عليه السفهاء ..فلا يتهم

يهجره الأغبياء.. فلا يهتم

يكفر بجنانه الفقراء.. فلا يهتم

يرحل عن بلده أغنى الأغنياء..فلا يهتم

يعاديه أعز الأصدقاء ..فلا يهتم

يجافيه أقرب الأقرباء..فلا يهتم

تحترق الأجساد أمام قصره وتتحول إلى أشلاء..فلا يهتم

إنه لن يهتم..

إن ناصرتموه ..فلن يهتم

إن عارضتموه ..فلن يهتم

إن حاورتموه ..فلن يهتم

إن "قاطعتموه" ..فلن يهتم

إن مدحتموه ..فلن يهتم

إن هجوتموه ..فلن يتهم

إن احترقتم..فلن يهتم

إن تجمدتم ..فلن يهتم

إن تبخرتم..فلن يتهم 

افعلوا ما شئتم ..فإنه لن يهتم

تصبحون على رئيس يهتم..

ملاحظات سريعة على الحلقة الثانية من كتاب "نجاة العرب"



لقد جاءت الحلقة الثانية من كتاب معاوية ولد سيد أحمد الطايع لتزيد من احتمال صدق ما توقعت خلال تعليقي على الحلقة الأولى، فيبدو أن شخصية "عمر" في الكتاب قد تكون هي الشخصية الأكثر تعبيرا عن الرئيس معاوية ولد سيدأحمد الطايع، وأرجو من القراء الكرام أن يسمحوا لي بأن أعتبر ـ وحتى إشعار آخر ـ بأن شخصية عمر في الكتاب إنما تعبر عن شخصية  معاوية على أرض الواقع، خاصة معاوية الرئيس الذي حكم البلاد لعقدين من الزمن.

وقبل التعليق على هذه الحلقة دعونا نتأمل هذه الفقرة من الحلقة الثانية، وذلك قبل أن نطرح أسئلة واردة نجيب بها على الأسئلة الواردة التي اختار الكاتب معاوية أن يجعلها عنوانا للحلقة الثانية من كتابه.
 يقول حسن مخاطبا عمر:  "نحن نعلم أنك تحب أن يكون الناس متعلمين ومتحضرين وأنك في الماضي أطلقت في بلدك حملة واسعة لمكافحة الأمية والجهل.

عمر: هذا صحيح ولكن تلك الحملة لم تسفر عن شيء؛ فبعد انطلاقها بسنوات قدُم إلي رجل اسمه محمد الحسن تابع دروس فصولها في مدينة النعمة في منطقة الحوض الشرقي، وأخذ يتكلم بالفصحى فقال لي: "سيدي أنا امتثلت لأوامرك وتعلمت التعبير والقراءة والكتابة ووصلت إلى مستوى متقدم في العربية لكني لم أجد أحدا لأتكلم معه بها. حاولت في البيت أن أخاطب بها أفراد أسرتي فسخروا مني وقالوا باللهجة الموريتانية الحسانية، (التي يقول العارفون بها من المثقفين العرب إنها أقرب اللهجات الإقليمية إلى العربية): محمد الحسن كف عن التكبر وتكلم بكلام مفهوم كجميع الناس. ثم حاولت أن أتكلم بلغتي مع الباعة في السوق ومع المارة في الشارع وفي كل مرة كنت موضع نظرات غريبة أزعجتني كثيرا فتوقفت عن التعبير بالعربية الفصحى حتى لقائنا هذا".

لقد سعدت جدا باعتراف عمر بأن حملة محو الأمية لم تسفر عن شيء، ولكني  صدمت بعد أن علمت بأن عمر أو معاوية الرئيس الأسبق ، لا يزال يعتقد ـ وبعد ست سنوات من الخلوة مع الذات ـ بأن فصول محو الأمية في النعمة استطاعت أن تنتقل بمحمد الحسن  من مواطن أمي إلى رجل يتحدث  العربية بطلاقة وبفصاحة لا تطيقها عامة الناس.

فيبدو من هذه الفقرة بأن الرئيس معاوية لا يزال مقتنعا بأن حملات محو الأمية نجحت في تعليم الناس، ولكن المشكلة تكمن في عزوف الناس عن الحديث بالعربية الفصحى، وهذا يعني بأنه لو قدر للرئيس معاوية أن يعود إلى الحكم لواصل حملاته المسرحية لمحاربة الأمية مع إصدار قرار يجبر المتعلمين في فصول محو الأمية على التحدث بالعربية الفصحى، حتى لا يضيع ما تعلموه في فصول محو الأمية، وحتى لا تفشل حملات محاربة الأمية، تلك الحملات التي اكتشف الرئيس معاوية، بعد ست سنوات من التأمل بأن سبب فشلها إنما يعود إلى عزوف المتعلمين عن الحديث بالعربية الفصحى.

دعونا هنا نرحل قليلا إلى المستقبل، ونتخيل حدوث المشهد التالي : الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز يصدر من منفاه في جمهورية أذربيجان كتابا  تحت عنوان "نجاة الأفارقة" يقول فيه بأن حملات محاربة الفساد ومكافحة الفقر لم تسفر عن شيء لا لأنها كانت حملات فاشلة، بل لأن الفقراء الذين تحولوا إلى أغنياء بفعل تلك الحملات لم يقبلوا بإنفاق ما حصلوا عليه من أموال طائلة لشراء المواد الغذائية من دكاكين التضامن ودكاكين أمل. 

لقد احتاج رئيس موريتانيا الأسبق إلى ست سنوات من التأمل في المنفى ليتوصل إلى استنتاج ينافس في الغباء الاستنتاج الذي توصل إليه الشاذلي الرئيس الجزائري الأسبق في قصته المشهورة مع المعزاة التي كسر أرجلها الأربع، حتى يكتشف بأن المعزاة تصبح صماء إذا ما كُسرت أرجلها الأربع.
لا أعتقد بأني بحاجة لأن أتحدث عن فشل حملات محو الأمية في عهد الرئيس الأسبق، فقد تحدثت عنها بما فيه الكفاية، ولقد أعددت عن فشل تلك الحملات دراسة من مائة وقدمتها للرئيس معاوية وهو لا يزال في الحكم.

ما أحتاج إليه الآن هو أن أطرح بعض "الأسئلة الواردة" على المؤلف معاوية: فهل كان محمد الحسن هو الأمي الوحيد الذي استفاد من حملات محو الأمية في ولاية الحوض الشرقي؟ ألم تقل على لسان حسن بأنك أطلقت حملة واسعة في البلد لمحاربة الأمية والجهل فأين أولئك الذين استفادوا مع محمد الحسن من حملتكم الواسعة؟ ولماذا لا يُحدث بعضهم بعضا باللغة العربية الفصحى التي تعلموها في فصول محو الأمية، حتى لا ينسوها، خاصة وأنا نعلم بأن الكبار يحبون دائما أن يُبرزوا للآخرين ما تعلموا؟

وفي الأخير فإنه لابد لي من أن أهنئ المؤلف معاوية على قراءته المركزة لأمجاد العرب في الماضي، والتي قدم منها في هذه الحلقة بعض الأمثلة المضيئة.  كما أهنئه على الوفاء لحملات محو الأمية ولمدينة النعمة بولاية الحوض الشرقي.  
تصبحون على  الحلقة الثالثة من "نجاة العرب".....

السبت، 18 فبراير 2012

ملاحظات سريعة على الحلقة الأولى من كتاب "نجاة العرب"



بالأمس كنا نُنفق ببذخ لتشييد دور الكتاب، وكنا نفتخر عندما يلتقط لنا التلفزيون صورة عابرة ونحن نطالع كتابا في الطبخ أو في الخياطة، وكنا نتمايل طربا كلما سمعنا أغنية الكتاب، وكانت تغمرنا سعادة عارمة  كلما مررنا ـ ذهابا أو إيابا ـ  بمجسمات الكتاب عند ملتقى طرق "كارفور مدريد".
ثم نسينا قصة الكتاب لسنوات ست، فأبدلنا مطالعة الكتب بغرس الشجر.

نسينا الكتب ودورها وأغانيها ومجسماتها إلى أن فاجأتنا المواقع والصحف بخبر صدور أول كتاب للرئيس الأسبق معاوية، وهو الكتاب الذي أعادنا  ـ رغما عنا ـ إلى الحديث من جديد عن الكتب.
كان الخبر مثيرا وغريبا، وكان مُحيرا أيضا..

فبعد صمت كامل لست سنوات، يقرر الرئيس السابق معاوية، أو الكاتب معاوية، على الأصح، أن يكسر صمته من خلال  إصدار كتاب تحت عنوان: " نجاة العرب".

ومع أني لم أطلع حتى الآن على الكتاب بشكل كامل، إلا أني مع ذلك طالعت الحلقة الأولى من الكتاب، والتي نشرها موقع "صحراء ميديا"، وهي الحلقة التي أثارت لدي بعض الملاحظات السريعة، والتي أردت أن أطلع عليها القراء الأعزاء، ومن هذه الملاحظات:

1 ـ لقد بدأ المؤلف معاوية كتابه بالجملة التالية : "أذهلتني سرعة انتشار الفتن والاضطرابات في البلدان العربية، وقادني الأمر إلى التفكير في العرب، ثم إلى تخيل حوار حول تلك الأحداث المفاجئة، يدور بين رجل سياسي ذي خبرة طويلة وشبان يمثلون نماذج من فئات الشباب المنتفضين، يثير الحوار أساسا مسألة عجز العرب عن مسايرة الأمم المتقدمة، وعن إقامة أنظمة ديمقراطية في بلدانهم إلى الآن" 
.
إن التأمل في هذه القرة لوحدها  ليؤكد بأن الكاتب معاوية غير راض عن الربيع العربي فاختياره  لكلمتي الفتن والاضطرابات لوصف ما يجري، لم يكن اختيارا عفويا أو عبثيا.

وتأتي فكرة الحوار بين خمس شخصيات ، التي يعتمد عليها كتاب "نجاة العرب" ، لتعويض الحوار الذي ظل غائبا  خلال عشرين سنة من حكم الرئيس معاوية، خاصة مع فئة الشباب، والتي أعطاها الكاتب معاوية مساحة واسعة في كتابه من حيث عدد الشخوص، وربما من حيث حجم الأفكار والآراء الواردة في الكتاب (وهذا ما سيتم التحقق منه بعد الإطلاع على الكتاب كاملا).

كما تُظهر الفقرة نفسها بأن الكاتب معاوية  لا يزال ـ رغم كل ما حدث ـ يثق في نفسه ثقة كاملة، وإذا ما صدق حدسي، فالرجل السياسي ذي الخبرة الطويلة، كما وصفه الكاتب معاوية، إنما جاء به الكاتب ليقدم من خلاله وجهة نظره واقتراحاته للعرب، والتي ستنجيهم من الفتن والاضطرابات التي يمرون بها.

إن معاوية الرئيس الذي فشل في أن يجنب بلاده الانقلابات، لا يزال يعتقد بأنه لديه القدرة  على أن ينجي العرب من شر قادم إن هم استمعوا لاقتراحاته ونصائحه التي اختار أن يقدمها بشكل غير مباشر،  من خلال شخصية سياسية تخيلية وصفها بأنها صاحبة خبرة طويلة. 

2 ـ  يعطي الكاتب معاوية أهمية بالغة لتهميش اللغة العربية فيما يحدث من مشاكل، ويعتقد الكاتب أن الاهتمام باللغة قد يحل جميع المشاكل التي يعاني منها العرب، وهذا ما يظهر ـ على الأقل ـ من خلال مقدمة الكتاب: وهذا الاهتمام الكبير من طرف المؤلف باللغة العربية يثير الاستغراب، خصوصا إذا ما علمنا بأن معاوية الرئيس هو الذي عمل على زيادة الفجوة بين مكونات شعبه من خلال "الإصلاحات" التي قام بها في فترة حكمه، والتي انعكست سلبا على اللغة العربية، كما أنها زادت من  حجم الحواجز، ومن اتساع الفجوة وغياب التواصل بين مكونات  الشعب الموريتاني.

إن هذا الاهتمام الذي يعطيه معاوية الكاتب للغة العربية، لم يكن ظاهرا عند معاوية الحاكم، وإن كان ذلك لا يعني بأننا لن نعترف للرجل بأنه قد بذل جهدا كبيرا في تعلم اللغة العربية أثناء حكمه، وهو ما مكنه من أن يخطب بها أثناء حكمه، وأن يؤلف بها بعد ست سنوات من الانقلاب عليه كتابا أسماه "نجاة العرب".

3 ـ إن التركيز  في هذا الكتاب على الشباب الذي خصص له المؤلف أربع شخصيات من بين شخصيات الكتاب الخمسة، قد يكون له ما يبرره خاصة وأن الكتاب قد جاء بعد الثورات التي قادها الشباب: ولكن ذلك لا يمنع من القول بأن الاهتمام لدى المؤلف بالشباب، ربما يكون أيضا نتيجة لشعوره  بالذنب لتهميشه للشباب خلال عقدين من حكمه، حتى وإن كان في حملته الرئاسية الأخيرة قد قدم وعودا مغرية للشباب فشل في تجسيدها على أرض الواقع.

ولقد لفت انتباهي أن الشخصية الأولى التي ذُكرت في الكتاب هي شخصية لعاطل عن العمل، ولقد عانى العاطلون عن العمل في عهد الرئيس معاوية، وإن كان وضعهم في عهده أحسن بكثير من وضعهم في عهد كل من الرئيس أعل، و الرئيس سيدي، و الرئيس محمد ولد عبد العزيز. ففي عهد معاوية كان الآلاف من حملة الشهادات يتقاضون رواتب في حملات محو الأمية، وفي دور الكتاب، وحتى من اتحادية المخابز . وكانت تلك الرواتب رغم تواضعها تعين العاطل عن العمل على مواجهة تحديات الواقع، وكان يمكن اعتبارها بمثابة تعويض في فترة البطالة تستفيد منه نسبة هامة من العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات.

أما أسماء شخصيات الكتاب أو الرواية فيبدو أنها أسماء محايدة، اختارها المؤلف بعفوية، حتى وإن كان اسمح "صالح" الذي اختاره الكاتب لشخصية الرجل السياسي صاحب الخبرة الطويلة لا يمكن الجزم بأنه كان نتيجة لاختيار عفوي.

تبقى الملاحظة الأخيرة التي لفتت انتباهي وأنا أقرأ الحلقة الأولى من كتاب "نجاة العرب" هي أن الكاتب اختار  أن يتحدث في السياسة من خلال شخصيات متخيلة اختارها الكاتب ليقدم من خلالها اقتراحاته  للعرب والتي ستنجيهم  ـ إن عملوا بها ـ من الفتن والاضطرابات التي يمرون بها حسب رأي المؤلف.

إن الكتابة في السياسية من خلال شخصيات روائية جعلتني أتشوق كثيرا لمطالعة كتاب "نجاة العرب" لمؤلفه معاوية ولد سيد أحمد الطايع، دون أن يعني ذلك بأني أصبحت في شوق للرئيس معاوية، وإن كنت لا أستطيع أن أنكر بأن نسبة معتبرة من الشعب الموريتاني أصبحت في حنين إلى عودة الرئيس معاوية بعد أن ساءت أوضاعها المعيشية شيئا كثيرا.

تصبحون على  الحلقة الثانية من "نجاة العرب".....

الجمعة، 17 فبراير 2012

حكايات من وادان (2 )

لقد حرصت خلال كل أيام المهرجان أن أبتعد عن المنصة الرسمية، وأن أرابط في المدينة القديمة، حتى استرق السمع لضيوف المدينة، ولزوار معالمها الأثرية وهم يعلقون بعفوية وتلقائية على المعالم الأثرية في المدينة القديمة، وذلك لكي أسجل ملاحظاتهم وتعليقاتهم على المعالم الأثرية في المدينة، ودون أن يفوتني أن أسجل ردود أفعالهم وهم يستمعون لبعض الحكايات الشعبية المرتبطة بتلك الآثار، والتي قد يصعب تصديقها، خاصة بالنسبة للزوار الأجانب.
كما حرصت أيضا على تسجيل شهادات سكان المدينة أنفسهم، ورواياتهم الشفهية وحكاياتهم الشعبية التي يحكونها عن مختلف الآثار التي تزخر بها مدينتهم، وذلك لأقدمها خاما للقراء دون أن أعدل فيها أو أتصرف، ودون أن أقتصر في هذه الحكايات التي أكتب لكم عن وادان على الحقائق التاريخية على حساب الروايات الشفهية، والحكايات الشعبية التي يتناقلها الوادانيون جيلا بعد جيل. وتعد صخرة "الفاضل ولد أحمد امحمد" واحدة من تلك المعالم التي أثارت جدلا كبيرا بين الزوار، لذلك فقد اخترتها لتكون مدخلا للحلقة الثانية من حلقات "حكايات من وادان"، وهي الحلقة التي ارتأيت أن أخصصها لصاحب الصخرة الذي يعد واحدا من الذين تعاقبوا على الرئاسة في هذه المدينة العريقة. يتفق الوادانيون جميعا على تسمية الصخرة المذكورة بصخرة "الفاضل ولد أحمد امحمد" وإن كانوا يختلفون حول علاقة الفاضل بالصخرة. فمنهم من يقول بأن الصخرة كانت تسد أحد الزقاق في المدينة القديمة، وأن الفاضل قد أزاحها لكي يفتح الطريق أمام المارة. ومنهم من يقول بأن الفاضل كان يستخدم الصخرة لإغلاق الطريق ليلا، ثم يزيحها في صباح اليوم الموالي عن الطريق، لذلك فقد حملت اسمه. وهناك من يجمح مع خياله بعيدا، ويقول بأن الفاضل قد جاء يحمل الصخرة من مكان بعيد، وظل في الطريق يبادلها بين يديه، فيرميها إلى أعلى بيد، ويستقبلها بيده الأخرى من قبل أن تسقط على الأرض، وظل يفعل ذلك حتى وصل إلى المكان الذي وضع فيه الصخرة، والذي لا زالت توجد فيه حتى الآن.
إن هذا الاختلاف الكبير في قصة الصخرة صاحبه كذلك اختلاف كبير حول تعليقات الزوار الذين زاروها، حتى الأجانب أنفسهم فقد اختلفت تعليقاتهم كثيرا.
بعض الزوار لم يستغرب وجود رجال في القرون الماضية لهم من القوة ما يمكنهم من حمل صخرة بذلك الحجم، ويدعم هؤلاء حجتهم بعشرات الصخور الكبيرة التي شُيد فوقها العديد من البيوت القديمة، والتي يظهر من خلال شكلها وتنسيقها وترتيبها بأنها لم تكن موجودة في الأماكن التي توجد فيها حاليا، وبأن هناك رجالا أقوياء وضعوها في الأمكنة التي توجد فيها حاليا. البعض الآخر تقبل القصة وصدقها ولكنه رفض أن يربط حمل الصخرة بقوة الفاضل، وإنما ربطها بصلاحه، فكان حملها نتيجة لكرامة، ولم يكن نتيجة لقوة خارقة، حسب هذه الفئة.
وهناك فئة ثالثة من الزوار أصرت على رفض قصة الصخرة من أصلها، واعتبرتها مجرد أسطورة من الأساطير التي تتناقلها الأجيال، جيلا بعد جيل.
ولعل من أطرف تعليقات الزوار التي سجلتها عن الصخرة، هو تعليق الممثل المعروف "بط مقعور" حيث قال لبعض أبناء الفاضل بأنه لم يكن يعتقد بأن والدهم كان "صَمْبَ طَل".
ويروي الوادانيون قصصا أخرى عن قوة الفاضل، ويقول بعضهم بأنه كان يخط "ظامت" بالشادوف أي "أشيلال" (وهو الخشبة الكبيرة التي يجلب بها الماء من البئر، والتي لا يستطيع أن يحملها في العادة إلا مجموعة من الرجال).
 وليست قصة الصخرة أو الشادوف هما القصتان الوحيدتان اللتان تثيران جدلا كبيرا بين الناس، عند الحديث عن سيرة "الفاضل ولد أحمد امحمد" رحمه الله. فهناك أيضا قصة الجنية "عيشة الساعدة" التي يقال بأنه كان قد تزوجها وأنجب منها ابنتين. ولقد ظل البيت الذي كان الفاضل يخصصه لزوجته الجنية ـ حسب الرواية الشعبية ـ قائما حتى وقت قريب. وتضيف الرواية الشعبية بأن الجنية "عيشة الساعدة" اشترطت على الفاضل بأن يخصص لها بيتا في منزله، وأن لا يدخله من الإنس إلا هو. ولقد استطاع الفاضل أن يلتزم بالشرط لعدة سنوات إلى أن جاء يوم نسى فيه مفتاح البيت في ثوب من ثيابه، وعندما عثرت عليه زوجته الإنسية، اتجهت فورا إلى البيت الذي ظل يثير فضولها لسنوات عديدة لفك طلاسمه. ويقول أصحاب هذه الرواية بأن الفاضل تذكر مبكرا بأنه نسى المفتاح، فعاد مسرعا، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان، فقد وجد زوجته الإنسية مغشيا عليها، بعد أن رمتها زوجته الجنية من باب بيتها المشيد على سطح المنزل، بعد ما فوجئت بها تدخل عليها في بيتها الخاص. وبعد تلك الحادثة عادت"عيشة الساعدة" إلى عالم الجن مصحوبة بإحدى ابنتيها، قبل أن تلتحق بها ابنتها الثانية، والتي تركتها مع والدها، بشرط أن لا يغضبها، وهو ما لم يكن ممكنا، فقد ظلت البنت تتصرف بشكل طائش، حتى أغضبت بعض الجيران مما شَرع لها العودة لعالم الجن، حسب ما تقول الرواية الشعبية.
 وتكثر عند الوادانيين الحكايات والأساطير المرتبطة بالجن، ولعل من أشهرها قصة طلاب الجن المنحدرين من أسر جنية مسلمة، والذين تخرجوا من محظرة "أهل شماد"، والذين لا يزالون يسكنون ـ حسب الرواية الشعبية ـ في بيت خلفي من دار "أهل شماد"، تلك الدار التي يوجد فيها الطبل الواداني المشهور. ولايزال الكثير من الوادانيين يُسَلم على طلبة الجن كلما مر خلف منزل "أهل شماد"، معتقدا بأن عدم السلام عليهم قد يثير غضبهم، وربما يكون سببا في التعرض لأذاهم.
 وبعيدا عن تلك الحكايات، يمكن القول بأن الفاضل ولد أحمد امحمد كان رجلا قويا بإجماع الوادانيين، ويروي الثقاة في المدينة بأن أحد رجالها، أرسل له ذات يوم خمسة رجال أشداء ليباغتوه وهو يصلي الضحى في الحقول فيقيدوه، ووعدهم ـ إن نجحوا في مهمتهم ـ بمكافآت مغرية. ولكن الذي حدث في النهاية كان العكس تماما، فقد تمكن الفاضل من تقييد الرجال الخمسة.
ويروي نفس الثقاة بأن أحد الشرفاء في المدينة كان في صف الرجل المذكور فتتبع خفية الفاضل في أحد الأيام، ولحق به قرب باب منزله، وتحديدا عند "ظامت" التي لا زالت منحوتة حتى الآن على صخرة قرب باب المنزل، وصفعه هناك. وعندما التفت الفاضل إلى الوراء، وتأكد بأن الذي صفعه كان أحد الشرفاء في المدينة، فما كان منه إلا أن أخذ يقبل اليد التي صفعته، ويعتذر لصاحبها إن كان خده قد تسبب في إيذاء يد أحد أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكتف الفاضل بذلك الاعتذار، وإنما قدم للشريف الذي صفعه بعض الهدايا الثمينة جدا، وهو ما أحرج كثيرا صاحب الصفعة.
وحسب الروايات الموثوقة فإن قوة الفاضل ظلت دائما قوة تحت السيطرة، ولم تكن في أي يوم من الأيام قوة مستهترة، وتؤكد تلك الروايات بأن الفاضل كان يستغل قوته ويستخدمها فيما ينفع الناس. فكان يخرج في كل يوم من المدينة مبكرا، ولا يعود إليها إلا مع آذان الظهر لتأدية الصلاة في المسجد. وكان يقضي كل وقته في العمل في حقول الضعفاء من الناس، ومساعدتهم في أعمال لم يكن بوسعهم أن ينجزوها لوحدهم. كما كان رحمه الله يقضي جزءا كبيرا من وقته في جلب الخشب والفحم وحاجات ضرورية أخرى إلى المدينة وتركها في الرحبة ( ساحة عامة) لينتفع بها المحتاجون إليها. ولقد أصبح معروفا عند الوادانيين بأن لكل الحق في استغلال أي شيء يجلبه الفاضل إلى الرحبة، بل وتملكه.
 لقد كان الفاضل رحمه الله مؤسسة خيرية متنقلة، ولم يكن يقبل بأن يمر يوم من حياته دون أن يؤدي فيه خدمة عامة تنفع الناس.
ويقول عنه الدكتور محمد الأمين ولد كتاب في كتابه "وادان : نبذة عن تأسيسه ومؤسسيه ومختلف الهجرات منه" : " الفاضل ولد أحمد امحمد السيد الرئيس، العالم، العامل، الرشيد، القوي النفس مع الشجاعة". كما تعاقب على رئاسة وادان بعض أبنائه، وكان من بينهم يحظيه ولد الفاضل صاحب القوافل المشهورة، ومشيد جامع وادان الحالي.
تصبحون على حكاية ثالثة من وادان.....

الخميس، 16 فبراير 2012

إني أشفق على سيادة الوزير.. !!

أيها الوزير إني أشفق عليك، يغضب عليك الرئيس في مجلس الوزراء، ويطلب منك أن تكون أكثر قربا من المواطن فلا ترد، ولا تجد من الشجاعة لتقول له بأنك تحتاج لصلاحيات أكثر لتكون أقرب من المواطن.. أيها الوزير إني أشفق عليك فالمواطن أيضا يشتمك لأنه يسمع في كل حين بأن الرئيس قد طلب منك أن تكون أقرب من هموم المواطن، ومع ذلك فإن هذا المواطن يجدك قد ازددت بعدا من همومه. أيها الوزير إني أشفق عليك، فالنواب يشتمونك، والصحافة تشتمتك، والرئيس يشتمك، والمواطن يشتمك، وحتى الأقارب والأهل يشتمونك، ومع ذلك فلا تزال تصر على أن تكرر وببلادة شديدة بأن الرئيس يمنح قطاعك الأولوية القصوى، وأن تعليمات سيادته واضحة بضرورة الاهتمام بهموم المواطنين، فلم لا تهتم إذن بالمواطن أيها الوزير... ؟ ذلك سؤال أعرف بأنك لا تملك له إجابة.. أيها الوزير حاول أن تجرب ولو لمرة واحدة أن تخاف من الله أكثر من خوفك من الرئيس، وأن تسعى ليرضى عنك الله أكثر من سعيك لأن يرضى عنك الرئيس. لو جربت ذلك فلن يشتمك الرئيس، ولن يشتمك النواب، ولن تشتمك الصحافة، ولن يشتمك المواطن، بل على العكس فسيحبك الجميع. أيها الوزير إني أشفق عليك لأني أعلم بأنك لن تستطيع أن تجرب ولو لمرة واحدة بأن تخاف من الله أكثر من خوفك من الرئيس، ولذلك فسيظل الجميع يشتمك: الرئيس، المواطن، الصحافة، الأهل، النواب.... أما بالنسبة للرئيس فلن أطلب منه إلا ما طلبت منه سابقا، فبدلا من شتم الوزراء في اجتماعات الحكومة، فعليه أن يقيل الحكومة، أو يصدرـ على الأقل ـ البيان الرئاسي التالي، حتى يشرك الحكومة في النعيم الذي يعيش فيه المواطنين. فربما يساعد هذا البيان ـ الذي تطوعت بكتابة نصه ـ في تحسن أداء الحكومة. مقترح لبيان رئاسي، يتم بموجبه: 1 ـ تحويل مكاتب وزارة التجهيز والنقل، وعلى وجه السرعة، إلى مباني وزارة البيئة الواقعة أمام نادي الضباط. وتحويل سكن الوزير إلي مقاطعة "توجنين". والغرض من هذه العملية المستعجلة، أن يضطر وزير التجهيز لمشاركة المواطنين في الزحمة التي تحدث كل يوم، خاصة منها تلك التي تحدث عند ملتقى نادي الضباط. ومن المؤكد أن المشاركة الميدانية للوزير في زحمة السير، وبشكل يومي، ستكون هي أفضل طريقة لإجباره على حل مشكلة زحمة المرور، وربما تجعله يبتدع حلولا ثورية لحل أزمة المرور المتفاقمة. 2 ـ تحويل مكاتب وزارة المياه والصرف الصحي إلى "سوكوجيم"، مع تحويل سكن الوزير إلى هناك، واختيار أحد المنازل التي تحيط بها المستنقعات والمياه الراكدة من كل الجهات، ليكون سكنا دائما للوزير، عسى أن يساهم ذلك في إيجاد حلول جذرية لمشكلة المياه المتعفنة والراكدة في ذلك الحي منذ مدة طويلة. 3 ـ طرد أبناء وزير الدولة للتهذيب، وأبناء الوزراء المنتدبين من المدارس الحرة، مع إجبار الوزراء الأربعة ( وزير الدولة + الوزراء المنتدبين الثلاثة) على تسجيل أبنائهم، في المدارس الحكومية، التي يدرس فيها أبناء الفقراء. هذا بالإضافة لإصدار قرار يُحَرم تسجيل أبناء وزراء التعليم، وأبناء كبار موظفي الوزارة، في أي مدرسة حرة، وذلك لكي ينعموا ويستفيدوا من ثمرة جهودهم، والتي كان من نتائجها هذا "التطور" الحاصل في التعليم الحكومي، والذي كثيرا ما تغنى به وزراء التعليم. فإذا كان التعليم العمومي قد شهد ثورة في السنوات الأخيرة، فليس من المنطق، وليس من العدل، أن يُحرم أبناء وزراء التعليم الذين قادوا تلك الثورة من نتائج جهودهم "الجبارة" و"المعتبرة" التي بذلوها في سبيل تطوير التعليم العمومي. أما إذا كان هذا التعليم قد ازداد سوءا في عهدهم، فهم أولى من غيرهم بأن يكتووا بذلك السوء. 4 ـ يكلف وزير التنمية الريفية بأن يقوم ـ وعلى وجه السرعة ـ بزيارات ميدانية للمنمين في الولايات الداخلية، دون أن يرافقه أي عسكري. ويجب أن تعطى الأولوية للولايات المتضررة أكثر من انخفاض مستوى الأمطار في هذا العام، وذلك لكي يقتنع الوزير بأن أحوال المنمين ليست بخير، وأن الأمور قد تخرج عن السيطرة. فإن عاد الوزير سالما، بعد جولته تلك، تم تكريمه وتوشيحه بأعلى وسام وطني. وإن لم يعد تم استبداله بوزير آخر، يكون على استعداد لأن يعترف بأن البلد قد يواجه كارثة كبرى، إذا لم يتم الاهتمام العاجل بالمنمين، خاصة في الولايات المتضررة. 5 ـ تمنح قطعة أرضية قاحلة وجرداء مساحتها 120م² لوزير الإسكان، في أحد أحياء الترحيل، ويتم إجباره على السكن هناك، مع حرمانه من أي سيارة شخصية. فالوزير أولى من غيره بالعيش في "نعيم" أحياء الترحيل، والذي كثيرا ما تغنى به بمناسبة وبغير مناسبة. ولا يسمح للوزير بالسكن خارج نعيم أحياء الترحيل، إلا أثناء عطلته السنوية، والتي يمكن له أن يقضيها ـ إذا ما أراد أن ينعم بنعيم آخر ـ في أفخر قصر يقع عليه اختياره في إحدى مدن موريتانيا الجديدة: " ترمسه" أو "انبيكت لحواش" والتي قال عنها الوزير ـ أكثر من مرة ـ بأنها أصبحت مدنا عصرية، تتوفر فيها كل مستلزمات الحياة العصرية!!! 6 ـ يُحْرَمُ وزير الصحة، وكل أفراد عائلته، وكل العاملين في الوزارة من أطباء، ومن موظفين كبار من العلاج في أي مصحة خاصة، لا في الداخل ولا في الخارج، في حالة تعرض أي واحد منهم للإصابة بأي مرض مهما كانت طبيعة ذلك المرض. ففي حالة التعرض لمرض شديد، يسمح لهم بالعلاج في أحد المستشفيات الحكومية. أما في حالة الإصابة بمرض عادي، فعليهم أن يستجيبوا لتعليمات الرئيس السامية، وأن يكتفوا بالتداوي في أحد المراكز الصحية، حتى يخففوا من الضغط على المستشفى الوطني. 7 ـ سحب ملف الحج والحجاج من وزارة التوجيه الإسلامي، وإلحاقه بالوزارة المنتدبة للبيئة، وذلك لكي لا نستمر في فضح علماء البلد أمام حجاج العالم الإسلامي، وفي أعظم الأيام عند الله. ففي موسم الحج لهذا العام، كما في العام السابق، أثبتت الحكومة بأنها تسعى فعلا لسعادة المواطنين في الدنيا، وفي الآخرة. وأنها تريد لمواطني بلدها أن ينعموا في الآخرة كما نعموا في الدنيا، لذلك أجبرت وزارة التوجيه الإسلامي حجاجنا على المشي على أقدامهم مسافات طويلة، في الأراضي المقدسة، وذلك لكي تتضاعف حسناتهم. إن موسم الحج أصبح مناسبة للإساءة في كل عام إلى وزارة التوجيه الإسلامي، وإلى العلماء التابعين لها. لذلك فإن الرئاسة قد ارتأت أن تلحق ملف الحج بمشروع غرس مليون شجرة. 8ـ إجبار وزير التجارة على أن لا يستهلك إلا المواد التي تباع في دكاكين التضامن سابقا، دكاكين أمل لاحقا، خاصة منها تلك التي قيل بأنها منتهية الصلاحية. ويتم تكليف أحد أفراد عائلته، بأن يقف يوميا في الطابور الطويل، ليشتري استهلاك الأسرة اليومي، من أحد دكاكين التضامن. 9 ـ إجبار وزير الخارجية أن يقضي أسبوعا كاملا يتجول فيه لوحده في إحدى الدول المجاورة: مالي أو المغرب أو السينغال... ومن المؤكد أن المواطنين ستغمرهم سعادة كبيرة، في هذا العام العصيب، عند صدور هذا البيان الرئاسي، والذي لا يحتاج إصداره لموارد مالية، قد لا تكون متوفرة، ولا لجهود خارقة. إن هذا البيان سيجبر الوزراء على أن يشاركوا المواطنين في "النعيم" الذي يعيشون فيه. فالمواطنون لا يرضون ـ وهذا من طيبتهم ـ أن يعيشوا في نعيم الترحيل، ونعيم الجفاف، ونعيم دكاكين التضامن، ودكاكين أمل، ونعيم المستنقعات، ونعيم ارتفاع الأسعار، ونعيم زحمة السير لوحدهم. وهم يؤلمهم حقا، أن لا تشاركهم حكومتهم الموقرة العيش في مثل هذا النعيم، خاصة أنها هي التي بذلت جهودا "جبارة" و"معتبرة" لكي تجعلهم يعيشون في هذا "النعيم"، والذي لم يعرفوا له مثيلا من قبل، في ظل كل الحكومات السابقة، والتي بدورها ظلت تجبرهم على العيش لوحدهم في "النعيم الحكومي" الذي لا ينقطع. تصبحون على بيان رئاسي يقيل الحكومة...

حييت وادان فاقبل ان تحييني