من المصادفات الجميلة تزامن الاحتفاء باليوم العالمي لحرية الصحافة مع دعوة كريمة من أحد زملاء الدراسة في سنة رابعة وخامسة رياضيات في ثانوية لعيون (1983ـ 1984).
اجتمعنا بعد فرقة دهر في منزل "سيداتي الولاتي" صاحب الدعوة الكريمة، وتذكرنا بطبيعة الحال بعض أساتذتنا في تلك المرحلة، وكان من بين من تذكرنا أستاذنا المتميز الصحفي المبدع حبيب محفوظ (بداح) رحمه الله، فقد كنا أول فصل يدرسه بعد تخرجه من المدرسة العليا للتعليم أستاذا للفرنسية.
كان الأستاذ حبيب يختلف في كل شيء عن الأساتذة الموريتانيين الذين كانوا يدرسوننا في تلك الفترة، وكان أغلب أساتذتنا من المصريين والتونسيين، يختلف عنهم في طريقته في التدريس، وفي أسلوب تعامله مع التلاميذ، وقد استطاع من خلال طريقته في التدريس أن يغريَ تلميذا مثلي بالحضور، تلميذا في شعبة الرياضيات، كان يعتقد آنذاك أن المواد الأدبية لا تستحق الحضور، وعلى رأسها اللغة الفرنسية، والتي لا تستحق أصلا أن تسجل في الجدول الزمني.
ومع ذلك استطاع الأستاذ حبيب أن يغريني بحضور حصصه، وكان أول ما شدني إلى حصصه طريقته "الغريبة" التي كان يكتب بها على السبورة، كان يمد حرف (L) مدا طويلا، وكان يرسم الحروف على السبورة كما ترسمها آلة الطباعة على الأوراق.
يمكنني الآن، أن أقول لكم ـ وبكل اطمئنان ـ إن الأستاذ حبيب محفوظ كان مبدعا، ودليلي على إبداعه في غاية البساطة، وهو أني كنتُ أحضر لحصصه، هذا هو دليلي على إبداعه، فلم يكن متوقعا مني في تلك الفترة، أنا التلميذ الكسول، الذي أدرس في شعبة الرياضيات، وأنظر بغير إعجاب إلى المواد الأدبية عموما، وأتغيب كثيرا عن حصصها، وأخص اللغة الفرنسية بالمزيد من عدم الإعجاب والمزيد من التغيب، لأسباب لا داعي لذكرها في هذا المقام. لم يكن متوقعا مني في تلك الفترة أن أحضر حصصه، ومع ذلك واظبتُ على حضور حصصه، اختيارا لا إكراها، ولا أجد اليوم تفسيرا لذلك سوى أنه شدني إلى حصصه بأسلوبه المتميز في التدريس.
بدأتُ في تلك السنة أحضر حصص الفرنسية بعد طول انقطاع، فوجدتُ أستاذا مختلفا في كل شيء. كانت أغلب حصصه تبدأ بقراءة صفحة أو صفحتين من رواية "La Civilisation, ma Mère " للكاتب المغربي إدريس أشريبي، كان يدرسنا نصا ساخرا، ثم يبدأ بعد ذلك يسرد لنا قصصا موريتانية بأسلوب ساخر، قد يجد فيها من يتأمل ما وراءها، نقدا لاذعا للواقع، ولم يكن عمري في تلك الفترة، ولا قدراتي الفكرية، يسمحان لي بذلك التأمل.
لم أكن أدرك في ذلك الوقت، أني لا أحضر دروسا في اللغة الفرنسية، بل أحضر دروسا في السخرية من الواقع، وذلك باعتبار السخرية من أهم أساليب فهم ونقد الواقع، وربما تكون تلك القصص الساخرة التي كان يحيكها الأستاذ حبيب في حصصه، هي الوسيلة الوحيدة المتاحة له في ذلك الوقت لنقد الواقع بشكل لاذع . هذا هو ما يُخيَّل إليَّ الآن بعد مرور أربعة عقود على تلك الدروس.
أرجو من تلاميذه في تلك الفترة، ممن هم أكثر نضجا ووعيا، وممن هم كذلك أقوى ذاكرة مني، أن يستعيدوا دروسه في الفصل، وخاصة منها قصصه التي تطبعها السخرية، وأن يتأملوا فيما وراء سخريته، فالراجح عندي أنهم سيجدون نقدا لاذعا للواقع، لا يختلف عن النقد اللاذع للواقع الذي سيوجهه فيما بعد الصحفي حبيب عندما يبدأ في نشر مقالاته التي تمتاز دائما بأنها مقالات تغطي نقدها اللاذع للواقع بأسلوب ساخر وجذاب.
هذه مجرد ذكريات وخواطر مشوشة، وما كان لها إلا أن تكون مشوشة، فقد اجتمع حولها: ضعف الذاكرة، وصغر السن، وطول العهد، وعدم النضج، ولكني استحضرتها اليوم بعد لقاء بزملاء الدراسة في ثانوية لعيون، تحدثنا فيه عن استاذنا حبيب محفوظ، والذي غاب الحديث عنه في اليوم العالمي لحرية الصحافة.
إنها بالفعل ذكريات مشوشة، ولكنها مع ذلك ذكريات تبرر طرح السؤال: هل أتيح لنا نحن الذين درسنا الأستاذ حبيب محفوظ في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، سماع مقالات موريتانيد منطوقة قبل أن تتحول فيما بعد إلى مادة مكتوبة تحظى بمطالعة واسعة؟
الراجح عندي أن "Mauritanides" لم تكن مجرد مقالات كُتِبت لاحقا ليطالعها القراء، بل كانت في الأصل دروسا غير منتظمة ألقيت مبكرا على التلاميذ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق